ومنها قول سهل بن سعد (فأعطاه إياه) يعني القائل (ما كنت لأُوثر بنصيبى منك أحدًا) (١٥٥)
وقول هِرَقْل (كيف كان قتالكم إياه) (١٥٦).
وقول المرأة (يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي لأكسوكها) (١٥٧).
وقول رجل من القوم (يا رسول الله، اكسنيها) (١٥٨).
وقول القوم للرجل (ما أحسنت، سألتها إياه) (١٥٩).
قلت: في الحديث الأول والثاني استعمال ثاني الضميرين منفصلًا مع إمكان استعماله متصلًا.
والأصل أن لا يستعمل المنفصل إلا عند تعذر المتصل، كتعذره لإضمار العامل، (١٦٠) نحو ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١٦١) وعند التقديم، نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١٦٢) وعند العطف، نحو ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (١٦٣) وعند وقوعه بعد "إلا" وبعد واو المصاحبة، نحو قوله تعالى ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ١٣٦ و١٣٩.
(٢) صحيح البخاري ١/ ٧ و٤/ ٢٣ و٤٤.
(٣) رواية البخاري في ٣/ ٧٦ و٧/ ١٨٩ "أكسوكها" من غير لام. وفي ٢/ ٩٤ "قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها".
(٤) صحيح البخاري ٣/ ٧٦ و٧/ ١٨٩. وينظر أيضًا ٢/ ٩٤.
(٥) صحيح البخاري ٣/ ٧٦ و٧/ ١٨٩.
(٦) بـ: الفاعل. تحريف.
(٧) سورة البقرة ٢/ ٤٠.
(٨) الفاتحة ١/ ٥.
(٩) النساء ٤/ ١٣١.
[ ٧٧ ]
إياه) (١٦٤)، وكقول الشاعر (١٦٥):
٣٤ - فآليت لا أنفك أحذو قصيدة تكون وإياها بها مثلًا بعدي
وإنما كان استعمال المتصل أصلًا لأنه أخصر وأبين:
أما كونه أخصر فظاهر (١٦٦).
وأما كونه أبين فلأن المتصل لا يعرض معه لبس أصلًا. والمنفصل قد يعرض به في بعض الكلام لبس. وذلك أنه لو قال قائل: إياك أخاف لاحتمل إن يريد إعلام المخاطب بأنه يخافه، ويحتمل أن يريد (١٦٧)، تحذيره من شيء وإعلامه بأنه خائف من ْذلك الشيء. فالكلام على القصد الأول جملة واحدة، وعلى القصد الثاني جملتان.
فلو قال (١٦٨) موضع "إياك أخاف" أخافك، لأمن اللبس.
وإذا علمت هذه القاعدة لزم أن يُعتذر عن جعل منفصل في موضع لا يتعذر فيه [٥ و] المتصل.
فإن كان مع مباشرة العامل خص بضرورة الشعر ونسب إلى الضعف كقول الراجز، (١٦٩):
٣٥ - إني لأرجو محرزًا أن ينفعا إياىِ لما صرت شيخًا قلِعا
وكذا المفصول بتاء التأنيث، كقول الفرزدق (١٧٠):
_________________
(١) يوسف ١٢/ ٤٠.
(٢) هو أبو ذؤيب الهذلي. ديوان الهذليين ١/ ١٥٩ والجمل للزجاجي ص ٣٠٧ ومعجم شواهد العربية ١/ ١٠٩.
(٣) ج: فواضح.
(٤) يريد: ساقط من ج.
(٥) د: قلت. تحريف.
(٦) لم أقف على قائل الرجز. وهو من شواهد ابن مالك في شرح عمدة الحافظ ص ٤٠٣. وذكر في لسان العرب "قلع" ٨/ ٢٩١.
(٧) ديوانه ١/ ٢٦٤ والإنصاف ٢/ ٦٩٨ ومعجم شواهد العربية ١/ ١٨٣.
[ ٧٨ ]
٣٦ - إني حلفتُ ولم أحلف على فندٍ فناءَ بيتٍ من الساعين معمورٍ
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير
وكذا المفصول بضميررفع- إذا لم يكن الفعل من باب "كان" - يجب إتصاله بالضمير الذي اسند إليه الفعل، نحوا ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١٧١) و﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١٧٢).
ولا يجوز انفصاله إلا فى ضرورة، كقول الشاعر (١٧٣):
٣٧ - أما عطاؤك يا ابن الأكرمين فقد جعلت إياه بالتعميم مبذولا
فإن كان الفعل من باب "كان" واتصل به ضمير رفع جاز في الضمير الذي الاتصال، نحو: صديقي كنتَه والانفصال نحو: صديقي كنت إياه.
والاتصال عندي أجود؛ لأنه الأصل وقد أمكن، ولشبه (١٧٤) كنت " فعلته".
فمقتضى هذا الشبه أن يمتنع "كنت إياه" كما يمتنع " فعلت إياه " فاذا لم يمتنع أقل من أن يكون مرجوحًا وجعله أكثر النحوين راجحا، وخالفوا القياس والسماع - أما مخالفة القياس فقد ذكرت.
وأما مخالفة السماع فمن قبل (١٧٥) أن الاتصال ثابت يْا أفصح الكتب المنثور (١٧٦)، كقول النبي - ﷺ - لعمر ﵁ (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن
_________________
(١) سورة البقرة ٢/ ٣.
(٢) القصص ٢٨/ ٧٨
(٣) لم أقف على الشاهد في كتاب.
(٤) أ: ويشبة. تحريف.
(٥) د: قبيل. تحريف.
(٦) الشواهد التي سيذكرها ابن مالك، فيها ضمير النصب متصل بالفعل الناقص، قرره قبلُ وخْالف فيه "أكثر النحويين" هو اتصال ضمير النصب بعد ضمير الرفع بالضمة الناقص، مثل: صديقي كنته.
[ ٧٩ ]
يكنه (١٧٧) فلا خير لك في قتله). وكقول بعض العرب (عليه رجلًا ليسني) (١٧٨). وفي أفصح الكلام المنظوم كقول الشاعر (١٧٩):
٣٨ - لجاري (١٨٠)، من كانه عزة (١٨١) يخال ابن عم بها أو أجل
ومثله (١٨٢):
٣٩ - فإن لا يكنها أوتكنه فانه أخوها غذته أمه بلبانها
ومثله (١٨٣):
٤٠ - كم ليث اعتن (١٨٤) لي ذا أشبل غرثت فكأنني أعظم الليثين إقداما
ولم يثبت الانفصال إلا في شعر قليل، كقول الشاعر (١٨٥).
_________________
(١) لفظ البخاري في ٢/ ١١٢ أو ٤/ ٨٦ ومسلم في ٤/ ٢٢٤٤: " وإن / يكنه".
(٢) قاله بعضهم وقد بلغه إن انسانًا يهدده. وعليه: اسم فعل بمعنى الأمر، ورجلا: مفعول به. والمعى: ليلزم رجلًا غيري. ينظر: كتاب سيبويه ١/ ٢٥٠ والتصريح على التوضيح١/ ١١٠.
(٣) لم أقف على الشاهد في كتاب ولم يتضح لي معناه.
(٤) ج: بجاري.
(٥) أ: غرة، ج: غيره.
(٦) الببيت لأبي الأسود الدؤلي. ديوانه ص ٨٢ والكتاب ١/ ٤ (١٨٦) ٦ ومعجم شواهد العربية١/ ٤٠٠
(٧) البيت ذكره ابن مالك في شرح التسهيل١/ ٦٤و ١٧١.
(٨) ج: اغتن. وفي شرح التسهيل: اغتربي. ومعنى اعتن تعرض.
(٩) لم أقف على البيت في كتاب.
[ ٨٠ ]
٤١ - عهدت خليلي نفعُه متتابع فإن كنتَ إياه فإياه كن حقًا (١٨٦)
والذي ينبغي أن يعلم في هذه المسألة أنه إذا تعلق بعامل واحد ضميران متواليان، واتفقا في الغيبة وفي التذكير أو التأنيث وفي الافراد أو التثنية أو الجمع. ولم يكن الأول مرفرعًا، وجب كون الثاني بلفظ الانفصال، نحو: فأعطاه إياه، ولو قال فأعطاهوه (١٨٧) بالاتصال لم يجز، لما في ذلك من استثقال توالي المثلين مع إيهام كون الثاني توكيدا (١٨٨) للأول.
وكذا لو اتفقا (١٨٩) في الافراد والتأنيث [٥ ظ] نحو: أعطاها إياها، أو في (١٩٠) التثنية والجمع بصيغة واحدة، نحو: أعطاهما إياهما، وأعطاهم إياهم، وأعطاهن، إياهن.
والاتصال في هذا وأمثاله ممتنع.
فلو اختلفا جاز الاتصال والانفصال، كقول بعض العرب: (هم أحسن
الناس وجوهًا وأنضرهموها) (١٩١) رواه الكسائي. وكقول الشاعر (١٩٢):
٤٢ - لوجهكَ في الإحسان بسط وبهجة أنا لهماه قفو أكرم والدِ (١٩٣)
_________________
(١) قول ابن مالك في هذا الشاهد لا علاقة بينه وبين الشواهد المتقدمة عليه؛ لأن "كان " هنا جاء مرفوعها ضمير رفع متصلًا بها في "فإن كنت إياه"أوتقدم المنصوب عليها في "فاياه كن حقا" فمن الحسن ن يكون خبرها ضمير نصب منفصلًا في الوضعين. أما الشواهد السابقة "لجاري من كانه " و"إن يكنه فلن" وغيرهما فإن مرفوعًا "كان" أما ضمير مستقر أو اسم ظاهر، فحسن فيها اتصال ضمير النصب الواقع موقع الخبر بها.
(٢) أ: فأعطاه هوه. تحريف.
(٣) ج: توكيدا.
(٤) ج: اتفقا توكيدا. تحريف.
(٥) في: ساقطة من ج.
(٦) شرح الألفية، لابن الناظم ص ٢٥.
(٧) قائل البيت مجهول، ينظر: شرح الألفية، لابن الناظم ص ٢٥ ومعجم شواهد العربية ١/ ١١٥.
(٨) القَفو: مصدر قولك: قفا يقفو. وهو أن يتبع الَشيءَ.
[ ٨١ ]
ومن الانفصال قوله - ﷺ - (ما من الناس من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (١٩٤) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) (١٩٥).
فإن اختلفا وتقاربت الهاءان، نحو: أعطاهوها وأعطاهاه (١٩٦) ازداد إلانفصال حسنًا وجودة؛ لأن فيه تخلصًا (١٩٧) من قرب الهاء من الهاء، إذ ليس بينهما فصل إلا بالواو في نحو: أعطاهوها، وبالألف في نحو: أعطاهاه، بخلاف "أنضرهموها"، و"أنا لهماه" وشبهه.
ولترجيح الانفصال في نحو "أعطاهاه" جيء به دونَ الاتصال في قول القوم للرجل "ما أحسنت، سلتها إياه" ولم يقولوا: سألتهاه، ولو قيل لجاز.
فإن اختلف الضميران بالرتبة وقدم أقربهما رتبة جاز اتصال الثاني وانفصاله، نحو: أعطيتكه، وأعطيتك إياه.
والاتصال أجود، لموافقة (١٩٨) الأصل، ولان القرآن العزيز نزل به دون الانفصال، كقوله تعالى ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ (١٩٩).
وعليه جاء قول المرأة لرسول الله - ﷺ - "لأكسوكها". وقول الرجل له - ﷺ - "اكسنيها" [وقول الخضر ﵇ (يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه)] (٢٠٠).
وسيبويه يَرى الاتصال في هذه الأمثله ونحوها واجبا، والانفصال ممتنع (٢٠١).
والصحيح ترجيح الاتصال وجواز الانفصال. ومن شواهد تجويزه قول النبي - ﷺ
(فإن الله ملككم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم) (٢٠٢).
ومما يراه سيبويه أيضًا أن ثاني الضميرين المنصوبين بـ "ظن" أو إحدى أخواتها
_________________
(١) لم يبلغوا الحنث: ساقط من أب.
(٢) الحديث في صحيح البخاري ٢/ ١١٩ برواية "ما من الناس مسلم ، وينظر أيضًا ٥/ ٨٨.
(٣) أ: وأعطاها هوه. تحريف.
(٤) ج: مخلصا.
(٥) بـ: لموافقته.
(٦) الأنفال ٨/ ٤٣. وفي بـ: واذ يريكم. تحريف.
(٧) صحيح البخاري ١/ ٤١. وما بين المعقوفتين ساقط من ب.
(٨) الكتاب ٢/ ٣٦٣ و٣٦٤.
(٩) لم أقف على الحديث فيما تيسر من كتب الحديث. وهو في شرح التسهيل لابن مالك ١/ ١٦٩ وشرح الألفية لابن الناظم ص ٢٤.
[ ٨٢ ]
يجوز اتصاله وانفصاله مع ترجيح الانفصال (٢٠٣).
والصحيح عندي ترجيح الاتصال لموافقة الأصل، ولتشابه "ظننتكه" و"أعطيتكه".
فلو قدم الأبعد في الرتبة امتنع الاتصال ووجب الانفصال، نحو: أعطيته إياك، وحسبته إياك.
وأجاز المبرد إلاتصال في هذا النوع، كقولك: أعطيتهوك. وحكى سيبويه تجويز ذلك عن بعض المتقدمين، ورده بأن العرب لم تستعمله (٢٠٤).
وقد روى أن عثمان ﵁ قال (أن الباطل أراهمني شيطانًا) (٢٠٥)، ففيه حجة للمبرد على سيبويه رحمهما الله تعالى.
وأما قول المترجم عن هرقل "كيف كان قتالكم إياه" ففيه انفصال ثاني الضميرين، ولو جعله متصلًا لجاز، كقول الشاعر (٢٠٦):
[٦ و] ٤٣ - فلا تطمع أبيت اللعن فيها ومنعكها بشيء يستطاع
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٢) في الكتاب (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤) فإن بدأ يالخاطب قيل نفسه فقال: اعطاكني، أو بدأ بالغائب قبل نفسه فقال: قد أعطاهوني فهو قبيح لا تكلم به العرب، ولكن النحويين قاسوه).
(٣) في شرح التسهيل لابن مالك ١/ ١٦٨ "ولكن يعضد من أجاز القياس في ذلك ما رؤئ ابن الأنباري في "غريبه" من قول عثمان ﵁: اراهمني الباطل شيطانًا). وبهذا اللفظ رواه ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" ٢/ ٥٧. وينظر: شرح ابن عقيل ١/ ١٥٦ والتصريح ١/ ١٠٨.
(٤) ينسب البيت لقحيف اومخنف العجلي. وقيل لرجل من تميم سأله بعض الملوك فرسًا له مقال ذلك. ينظر: شرح الألفية لابن الناظم ص ٢٤ ومعجم شواهد العربية ١/ ٢٢٥.
[ ٨٣ ]