إن "الجامع الصَّحيح" مع حاشية السهارنفوري كان مطبوعًا في شبه القارَّة الهندية، وكان الشيخ أحمد علي السهارنفوري - كما ذكرنا - هو أوَّل من نَشَر "الجامع الصَّحيح" كاملًا في العالم في سنة ١٢٧٠ هـ[١٨٥٣ م] بعد تحقيق نُصوص الكتاب ومقارنتها مع نُسخ أخرى، واعتمد على أصولٍ صحيحةٍ مسموعةٍ من "الجامع الصحيح"، وكان في حِيازته عشر نُسخ (^١) من "الجامع الصَّحيح"، منها نسخة الإمام الصغاني (^٢).
_________________
(١) انظر: "الجامع الصحيح" مع حاشيته قبل الحديث: ٧٤.
(٢) وهو الشيخ الإمام الكبير رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علي العدوي العمري الصغاني، كان فقيهًا محدثًا لغويًا، سارتْ بتصانيفه الركبان، وخضع لعلمه علماء الزمان، وقال الدمياطي: إنه كان إمامًا في اللغة والفقه والحديث، وقد أخذ عنه الدمياطي، وأخذ عن الدمياطي الإمام الذهبي، توفي سنة ٦٥٠ هـ، ودفن بمكة المكرمة بجوار فُضَيل بن عياض، وبلغت تصانيفُه أكثر من ٢٩ كتابًا، وقد طبع بعضها. انظر ترجمته في: "تاريخ الإسلام" للذهبي (٧/ ٤٤٤)، و"نزهة الخواطر" (٢/ ١٣٧)، و"الفوائد البهية" (ص: ٦٣)، و"كشف الظنون" (١/ ٥٥٣)، و"هدية العارفين" (١/ ٨١)، و"الجواهر المضيئة" (١/ ٢٠١)، و"بُغية الوُعاة" (ص: ٢٢٧).
[ ١ / ١٦ ]
وقد ذكر المحدّث السهارنفوري في مقدمته رموز "الجامع الصحيح" وأنها تسعة عشر، والواقع هي سبعة عشر رمزًا فقط، وقد ذكرناها عند تحقيق هذه الرموز في مقدمته، ولا شك أن أهمية اختلاف النسخ تظهر عند اختلاف الروايات بحذفٍ أو زيادةٍ، أو ضبطِ بعض الكلمات.
وقد استفاد الشيخ السهارنفوري من هذه النسخ في إثبات الفروق بين الروايات، كما أنه استفاد أيضًا من بعض شروح "الصحيح" في إثبات الفروق أيضًا، وعلى رأسها: "فتح الباري"، و"عمدة القاري"، وقد أشار إليهما، وإنما كان يشير كثيرًا إلى شرح العلَّامة القسطلاني: "إرشاد الساري".
وذكر العلَّامة الكشميري في مقدمة " فيض الباري" (^١) نسخ "البخاري"، وبَيَّنَ أنَّ مِن أهمّها: نسخة الصغاني؛ إذ كانت عنده نسخة مقروءة (^٢) على الفربري.
وقد استفاد من نسخة الصغاني شُرَّاح "البخاري"، منهم الحافظ ابن حجر (^٣) أيضًا، و- بفضل الله - قد حصَّلنا صورة من هذه النسخة، وهي موجودة في مركز الشيخ أبي الحسن الندوي، بالهند، وبعد الدراسة والمقارنة ثبت أن السهارنفوري يأخذ منها كثيرًا.
وكانت بحَوزة السَّهارنفوري نسخة شيخه الشَّيخ محمد إسحاق - المحدِّث التي قرأها في مكة المكرمة -، وهي نسخةٌ نفيسةٌ؛ لأنها كانت
_________________
(١) (١/ ٣٧).
(٢) هي النسخة البغدادية التي صحَّحها العلّامة الصغاني وقابلها على عدَّة نسخ. انظر: "الفتح" (١/ ١٥٣).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١/ ١٥٣، ٣٩٦)؛ و(٢/ ٢٩٧)؛ و(٣/ ٣٧٦)؛ و(٤/ ٤١٧)؛ و(٦/ ١٨٤)، وغيرها من المواضع.
[ ١ / ١٧ ]
مطابِقةً لنسخة الإمام ولي الله الدهلوي، ويَبدُو أن الإمام الدهلوي كانت نسختُه مطابِقةً لنسخة عبد الله بن سالم البصري (ت ١١٣٤ هـ)، غير أنه ترك في هامش الكتاب بيان الفروق التي كانت في نسخة البصري.
ونسخة البصري هي من أوثَق نُسخ "صحيح البخاري" قاطبةً عند المتأخرين، وقد أشار إليها الإمام ولي الله الدهلوي وأثنى عليها فقال:
"ومن مناقبه تصحيحُ الكُتُب السِّتَّة، ومنها تصحيحُ "الجامع الصَّحيح" للإمام البخاري مع المقارنة بالنُّسخة اليونينية وغيرها، وجعل هذا الفرعَ أحسنَ من الأصل، كتبه بيده، وأخذ في تصحيحه نحوًا من عشرين سنة، وقرأ "البخاريَّ" في جَوف الكعبة مرتين" (^١).
والشيخ محمد إسحاق تلميذ الشيخ المحدث عبد العزيز الدهلوي وحفيده، والشيخ عبد العزيز سراج الهند، هو الابن الأكبر للإمام ولي الله الدهلوي وتلميذه، والإمام ولي الله المحدث أخذ الحديث الشريف عن الشيخ المحدث محمد أفضل السيالكوتي (ت ١١٤٦ هـ)، الذي أخذ الحديث الشريف في الحرمين من الشيخ سالم بن عبد الله البصري، وكذلك الإمام ولي الله أخذ الحديث الشريف عن مشايخ الحرمين الشريفين، ومن أهم شيوخه الشيخ أبو طاهر الكردي، وهو أيضًا من تلاميذ الشيخ عبد الله بن سالم البصري، وقد أخذ الإمام الدهلوي الحديث الشريف عن ولده سالم بن عبد الله بن سالم البصري أيضًا.
ومن المعلوم أن النسخة اليونينيَّة هي أعظمُ أصلٍ يوثَق به في نُسخ "صحيح البخاري"، وهي التي جعلها العلَّامةُ القسطلاني عُمدتَه في تحقيق
_________________
(١) انظر: "إنسان العينين" (ص: ١٩٧)، و"الانتباه" (ص: ٧٧).
[ ١ / ١٨ ]
متْن الكتاب، وضبطِه حرفًا حرفًا، وكلمةً كلمةً، وهذه هي أكبر مِيزةٍ لشرح القسطلاني المسمَّى بـ "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري".
ولا يمكن للمحدث محمد إسحاق أن يتجاوزها بل كانت هذه النسخة أمامه، وكان السهارنفوري قد جعل نسخة الشيخ محمد إسحاق أصلًا لشرحه، واستفاد في ضبط المتن من نسخ أخرى، ومن أهمها نسخة الصغاني، فقد رجع إليها في كثير من المواضع كما ذكرنا، بل إني قابلت بين نسخة السهارنفوري ونسخة الصغاني فوجدت أن هناك مواضع لا توجد إلا في هذه النسخة العظيمة التي تُعَزِّز مكانة نسخة السهارنفوري.
ولإعطاء القارئ إيضاحًا فقد أتيت ببعض المواضع التي تفردت بها هذه النسخة، ونذكر لذلك الأمثلة:
١ - كتاب الزكاة (٢٤) / باب صدقة الفطر على الصغير والكبير (٧٨) / قبل حديث: ١٥١٢، فيه: "قال أبو عمرو: ورأى عمر وعلي وابن عمر وجابر وعائشة وطاوس وعطاء وابن سيرين أن يُزكَّى مالُ اليتيم، وقال الزهري: يُزكَّى مالُ المجنون".
هذه العبارة توجد في نسخة الصغاني (^١) والسهارنفوري ولا توجد في النسخة السلطانية ولا في نسخة ابن حجر ولا في غيرهما.
٢ - كتاب الصوم (٣٠) / باب من خاف على نفسه العُزوبةَ (١٠) / رقم الحديث: ١٩٠٥، وقع في آخر الحديث: "قال أبو عبد الله: الباءة: النكاح".
_________________
(١) "الصغاني" (١/ ١٨٠)، "السهارنفوري" (ص: ٢٠٥). [وضعنا أرقام الصفحات من نسخة الصغاني المخطوطة، والسهارنفوري المطبوعة الهندية].
[ ١ / ١٩ ]
هذه العبارة ثبتت في نسخة الصغاني (^١) والسهارنفوري وسقطت من الجميع.
٣ - كتاب الصوم (٣٠) / باب اغتسال الصائم (٢٥) / رقم الحديث: ١٩٣١، قال في آخر الحديث: "قال أبو جعفر: سألت أبا عبد الله: إذا أفطر يكفِّر مثل المجامع؟ قال: لا، ألا ترى الأحاديث: لم يقضه وإن صام الدهر؟ ".
هذه العبارة ثبتت في نسخة الصغاني (^٢) والسهارنفوري، ولا توجد في أيِّ نسخة غيرهما، لا في المتن ولا في الشرح.
٤ - كتاب الحوالات (٣٨) / باب إذا أحال على مَليٍّ فليس له ردٌّ (٢) / قبل حديث: ٢٢٨٨، في نسخة السهارنفوري (^٣) زيادة، وهي: "ومن أُتبع على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ، معناه إذا كان لأحدٍ عليك شيء فَأَحَلْتَه على رجلٍ مَلِيٍّ فضمن ذلك منك، فإن أفلستَ بعد ذلك فله أن يَتَّبعَ صاحبَ الحوالة فيأخذَ عنه".
فهذه الزيادة لا توجد عند شراح "البخاري"، ولا في النسخة السلطانية، ولا في نسخة البصري إلا في نسخة الصغاني (^٤).
٥ - كتاب في الاستقراض وأداء الديون … (٤٣) / باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع … (١٤) / رقم الحديث: ٢٤٠٢، في آخر
_________________
(١) "الصغاني" (١/ ٢٣٠)، "السهارنفوري" (ص ٢٥٥).
(٢) "الصغاني" (١/ ٢٣٤)، "السهارنفوري" (ص ٢٥٩).
(٣) (ص: ٣٠٥).
(٤) "الصغاني" (١/ ٢٨٦).
[ ١ / ٢٠ ]
الحديث زيادة هي هذه: "قال أبو عبد الله: هذا الإسناد كلُّهم كانوا على القضاء: يحيى بن سعيد، وأبو بكر بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو هريرة، كانوا كلُّهم على المدينة".
كذا وقعت هذه العبارة في الصغاني (^١) والسهارنفوري، ولم تقع في أيّ نسخة غيرهما.
٦ - كتاب الصلح (٥٣) / باب ما جاء في الإصلاح بين الناس (١) / بعد رقم الحديث: ٢٦٠١، في آخر الباب: "قال أبو عبد الله: هذا ممَّا انتَخَبْتُ من مسدَّدٍ قبل أن يجلسَ ويُحَدِّثَ".
هذه العبارة ثبتت في الصغاني (^٢) والسهارنفوري فقط.
٧ - كتاب الجهاد والسير (٥٦) / باب التحريض على الرَّمْي (٧٨) / رقم الحديث: ٢٩٠٠، في آخره: "قال أبو عبد الله: أَكْثَبُوكم يعني أكثَروكم".
هذه العبارة توجد في نسخة الصغاني (^٣) والسهارنفوري فقط.
٨ - كتاب الجهاد (٥٦) / باب من تكلَّم بالفارسية والرّطانة (١٨٨) / رقم الحديث: ٣٠٧٢، فيه: "قال عكرمة: سَنَّهْ: الحسنة بالحبشة".
كذا ثبتت في متن الصغاني (^٤) والسهارنفوري، ولا توجد في المتن في أيّ نسخة غيرهما.
_________________
(١) "الصغاني" (١/ ٣٠٦)، "السهارنفوري" (ص: ٣٢٣).
(٢) "الصغاني" (١/ ٣٥٨)، "السهارنفوري" (ص: ٣٧١).
(٣) "الصغاني" (١/ ٣٩٨)، "السهارنفوري" (ص: ٤٠٦).
(٤) "الصغاني" (١/ ٤٢٥)، "السهارنفوري" (ص: ٤٣٢).
[ ١ / ٢١ ]
٩ - كتاب بدء الخلق (٥٩) / باب ما جاء في الجنة وأنها مخلوقة (٨) / رقم الحديث: ٣٢٤٧، قوله: "ليدخلن الجنة من أُمَّتي".
لفظ "الجنة" ثبت في الصغاني (^١) والسهارنفوري وحذف من النسخ كلِّها.
١٠ - كتاب الحرث والمزارعة (٤١) / باب كراء الأرض بالذَّهب والفضة (١٩) / رقم الحديث: ٢٣٤٦، فيه: "فنهانا النبي - ﷺ -".
كذا وقعت في الصغاني (^٢) والسهارنفوري بصيغة المتكلم، وعند الباقين: "فنهى النبي - ﷺ -" بصيغة الغائب.
١١ - كتاب التفسير (٦٥) / باب ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢٦) / في آخر الباب بعد رقم الحديث: ٤٥٠٧، فيه: "حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا حُمَيد قال: حدثنا مجاهد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يقول: وعلى الذين يُحَمَّلونه، قال: هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، أُمر أن يُطعِم كل يوم مسكينًا، قال: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يقول: ومن زاد وأطعم أكثر من مسكين فهو خير".
هذا الحديث ثبت في الصغاني (^٣) والسهارنفوري، ولا يوجد في أي نسخة غيرهما.
وكذلك رأينا عند المقارنة بين النسخ أن السهارنفوري موافق للصغاني في تقديم الحديث وتأخيره، كما في كتاب فضائل المدينة (٢٩) /
_________________
(١) "الصغاني" (١/ ٤٥٨)، "السهارنفوري" (ص: ٤٦٠).
(٢) "الصغاني" (١/ ٢٩٨)، "السهارنفوري" (ص: ٣١٥).
(٣) "الصغاني" (٢/ ١٧٩)، "السهارنفوري" (ص: ٦٤٧).
[ ١ / ٢٢ ]
باب لا يدخل الدجَّال المدينة (٩) / رقم الحديث: ١٨٨١: "حدثنا يحيى بن بكير … " إلخ، ورقم الحديث الآتي بعده: ١٨٨٢: "حدثنا إبراهيم بن المنذر … " إلخ، هكذا الترتيب موجود في نسخة الصغاني (^١) والسهارنفوري وعكسه في غيرهما.
ثم إن السهارنفوري أخذ تقسيم "الجامع الصحيح" على ثلاثين جزءًا من تقسيم الصغاني على ثلاثين جزءًا.
وكذلك يشير الصغاني في الهامش إلى كل حديث ثلاثي إذا جاء في الكتاب، واقتدى به السهارنفوري أيضًا، ولا يوجد هذا التقسيم والإشارة إلى الثلاثي في هامش السلطانية ولا في غيرها من النسخ والشروح.