وهذا الفصل مما يتأكد الاعتناء به وتمسّ الحاجة إليه، وبه يعرف المتصل من المرسل.
فأما الصَّحابيُّ: فكل مسلم رأى رسول الله - ﷺ - ولو لحظةً، هذا هو الصحيح في حدِّه، وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبي عبد الله البُخاري في "صحيحه" والمحدثين كافة.
وذهب أكثر أصحاب الفقه والأصول إلى أنه: من طالت صحبته له - ﷺ -.
قال القاضي الإمام أبو بكر بن الطيب الباقلاني: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصحابي مشتق من الصحبة جارٍ على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا، يقال: صحبته شهرًا ويومًا وساعةً، قال: وهذا يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي - ﷺ - ولو ساعةً. هذا هو الأصل. قال: ومع هذا فقد تقرّر للأمّةِ عُرفٌ في أنهم لا يستعملونه إلَّا فيمن كثرت صحبته واتصل لقاؤه، ولا يجري ذلك على من لقي المرء ساعةً ومشى معه خطوات وسمع منه حديثًا، فوجب أن لا يجري في الاستعمال إلَّا على من هذا حاله.
هذا كلام القاضي المجمع على إمامته وجلالته، وفيه تقرير
[ ١ / ١٣٣ ]
للمذهبين، ويستدل به على ترجيح مذهب المحدثين، فإن هذا الإمام قد نقل عن أهل اللغة أن الاسم يتناول صحبة ساعة، وأكثر أهل الحديث قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وفق اللغة فوجب المصير إليه، والله أعلم.
وأما التابعي ويقال فيه: التابع، فهو من لقي الصحابي، وقيل: من صحبه كالخلاف في الصحابي، والاكتفاء هنا بمجرد اللقاء أولى نظرًا إلى مقتضى اللفظين، كذا في "النووي (^١) ".
* * *
_________________
(١) (١/ ٦٢ - ٦٣). وانظر: "ظفر الأماني" (ص: ٥٤٤ - ٥٦٤)، فيه بحث طويل حول هذا الموضوع.
[ ١ / ١٣٤ ]