ومنه يُعْلَم وجهُ كثرة نُسَخ البُخاريِّ.
روى عبد الرزّاق البُخاري أنه قال: قلت للبُخاري: جميع الأحاديث التي أوردتها في مصنَّفاتك هل تحفظها؟ فقال: لا يخفى عَلَيَّ شيء منها، فإني قد صنّفت ثلاث مرات. وكأنّه أراد بالتكرار التبييض، وأصل كثرة نسخ البُخاري من هذه الجهة، ورواية أنه جَعَل تراجمه في الروضة الشريفة محمولة على نقلها من المسودة إلى البياض، كذا قيل، ويمكن حمله على حقيقته.
قال الشيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة "الفتح" (^١): قد تقرر أنه التزم فيه الصحة، وأنه لا يُورد فيه إلَّا حديثًا صحيحًا، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول اللّه - ﷺ - وسننه وأيامه"، ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحًا، ثم رأى أنه لا يُخْلِيه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدلالاتِ البديعَة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السُّبُلَ الوسيعةَ.
_________________
(١) مقدمة "فتح الباري" (ص: ٨).
[ ١ / ٩٤ ]
قال الشيخ محيي الدين: ليس مقصود البُخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: "فيه فلان عن النَّبِيّ - ﷺ -" أو نحو ذلك.
وقد يذكرُ المتن بغير إسناد، وقد يورده مُعلَّقًا، وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه إلَّا حديث واحد، وفي بعضها ما فيه إِلَّا آية من كتاب اللّه تعالى، وفي بعضها لا شيء فيه البتة، وقد ادَّعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبيّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه.
ومن ثمّة وقع في بعض نُسَخ الكتاب ضَمُّ باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه، وقد أوضح السبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في "أسماء رجال البخاري" (^١)، فقال: أخبرني الحافظ أبو ذر عبد بن أحمد الهروي قال: ثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البُخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيّضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضَفْنَا بعض ذلك إلى بعض.
_________________
(١) وسمَّاه الكرماني في أول شرحه: "كتاب التعديل والتجريح لرجال البخاري" (١/ ٣١٠). وقد طبع.
[ ١ / ٩٥ ]
قال أبو الوليد الباجي: وممّا يدل على صحة (^١) هذا القول: أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكُشميهني، ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير؛ مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرّة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضَافه إليه، ويبيّن ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث.
قال الباجي (^٢): وإنما أوردت هذا لِمَا عُني به أهلُ بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها وتكلفهم في ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ، انتهى.
قلتُ: وهذه قاعدة (^٣) حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا، ثم ظهر لي أن البُخاري مع ذلك - فيما يُوْرده من تراجم الأبواب -: إنْ وجد حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي ووافق شرطه أورده [فيه] بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي: "حَدَّثَنَا"، وما قام مقام ذلك، و"العنعنة"
_________________
(١) ويشكل عليه: أن ما تقدم من كلام المستملي لا يدل على التقديم والتأخير، بل يدل على ضم أبواب بعضها إلى بعض بدون ترك البياض، نعم يوافقه ما حكى شيخ المشايخ في "تراجمه" في "باب إذا لم يتم السجود": نقل عن الفربري أن بعض أوراق الكتاب كان غير ملتصق بالكتاب، فوقع الخطأ من بعض النساخ في إلحاق تلك الأوراق، فألحقوها في غير محلها … إلى آخر ما قال.
(٢) انظر: "التعديل والتجريح" (١/ ٣١١).
(٣) وأورد عليها القسطلاني في مقدمة "شرحه" (١/ ٤٣) إذ قال: وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر، من حيث إن الكتاب قرئ على مؤلفه. ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلَّا مرتبًا مبوبًا، فالعبرة بالرواية لا بالمسودة التي ذكر صفتها، انتهى.
[ ١ / ٩٦ ]
بشرطها عنده، وإن لم يجد فيها إلَّا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة: كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه، ومن ثَمَّة أورد التعاليق، وإن لم يجد فيه صحيحًا لا على شرطه ولا على شرط غيره، وكان مما يستأنس به، ويقدمه قوم على القياس، [أنه] استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمة باب، ثم أورد بعد ذلك إما آية من كتاب اللّه تعالى تشهد له، أو حديثًا يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر (^١).
ولْنذكر ضابطًا يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه، وهي ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ:
أمّا الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا، وهي: أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الذي في كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفُلاني مثلًا.
(١) وقد (^٢) تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو ببعضه أو بمعناه، وهذا في الغالب، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد، فيعين أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث.
(٢) وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة، والترجمة حينئذ بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه، مثلًا: المراد بهذا الحديثِ العامِّ: الخصوص، أو بهذا الحديث الخاصِّ: العُمُوم، إشعارًا بالقياس - متعلقة بالقرينة الأخيرة - لوجود العلة الجامعة. أو أن ذلك الخاصَّ المراد به ما هو أعمّ مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى.
_________________
(١) انظر: مقدمة "فتح الباري" (ص: ٨ - ٩).
(٢) شرع ببيان التراجم الخَفِيَّة.
[ ١ / ٩٧ ]
ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في العام والخاص.
وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض وتأويل الظاهر وتفصيل المجمل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل، فلهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: "فقه البُخاري في تراجمه".
(٣) وأكثر ما يَفْعَل البُخاري ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به، فيستنبط الفقه منه.
(٤) وقد يفعل ذلك لغرض تشحيذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه (^١).
(٥) وكثيرًا ما يفعل هذا (^٢) الأخير حيث يذكر الحديث المُفَسِّر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه يحيل عليه ويومئ بالرمز والإشارة إليه.
(٦) وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: "باب هل يكون كذا" أو "من قال كذا" أو نحو ذلك، وذلك حيث لا يتّجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه من ذلك بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت؟ فيترجمه على الحكم، ومراده ما يتفسَّر (^٣) بعد، من إثباته، أو نفيه، أو أنه محتمل لهما.
(٧) وربما كان أحد المحتملين أظهر، وغرضه أن يبقى للنظر مجالًا ويُنَبَّه [على] أن هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التوقف، حيث يعتقد أن فيه إجمالًا أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به.
_________________
(١) في الأصل: "خبيَّة"، وهو تحريف.
(٢) أي: أنه يريد تفسير الغامض وتأويل الظاهر. كذا في مقدمة "إرشاد الساري" (ص: ٤٤). انظر: هامش "لامع الدراري" (١/ ٢٩٢).
(٣) وفي مقدمة "القسطلاني" (١/ ٤٤): "ما يُفسَّر".
[ ١ / ٩٨ ]
(٨) وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى، لكنه إذا حققه المتأمل أجدى كقوله: "باب قول الرجل: ما صَلَّينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، ومنه قوله: "باب قول الرجل: فاتَتْنَا الصلاة"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا اللفظ.
(٩) وكثيرًا ما يترجم بأمر يختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي، كقوله: "باب استياك الإمام بحضرة رعيته"، وذلك أن الاستياك قد يظن أنه من أفعال المِهنة، فلعل متوهمًا يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاةً للمروءة، فلما وقع في الحديث أنه - ﷺ - استاك بحضرة الناس دلّ على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر، نَبَّه على ذلك ابن دقيق العيد (^١).
(١٠) وكثيرًا ما يترجم بلفظٍ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدّي (^٢) معناه، تارة بأمر ظاهر وتارةً بأمر خفي، من ذلك: قوله: "باب الأمراء من قريش". وهذا لفظ حديث (^٣) يروى عن علي ﵁، وليس على شرط البُخاري،
_________________
(١) "إحكام الأحكام" (١/ ١١٢). وزاد القسطلاني (١/ ٤٤) بعد ذلك: قال الحافظ ابن حجر: ولم أر هذا في البخاري، فكأنه ذكره على سبيل المثال، انتهى. وإن هذه الترجمة لم أرها في "صحيح البخاري"، نعم، ترجم النسائي في "سننه": "باب: هل يَسْتاك الإمام بحضرة رعِيَّته؟ ". من إفادات الإمام محمد زكريا الكاندهلوي.
(٢) في الأصل: "مما يؤدي"، وهو تحريف.
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ٤٢١، ٤٢٤)، والحاكم (٤/ ٥٤٦)، والبيهقي (٨/ ١٤٤).
[ ١ / ٩٩ ]
وأورد فيه حديث: "لا يزال والٍ من قريش (^١) ". ومنها: قوله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة"، وهذا حديث (^٢) يروى عن أبي موسى الأشعري ﵁، وليس على شرط البُخاري، وأورد فيه: "فأذِّنا وأقيما وليؤمَّكما أحدُكما (^٣) ".
(١١) وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي [هي لفظ حديث] لم يصح على شرطه وأورد معها أثرًا أو آيةً فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي، وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يُمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، ومن تأمل ظَفَرَ، ومن جَدَّ وَجَدَ، انتهى ما في مقدمة "الفتح" (^٤).
ويناسبه ما أفاده الشيخ الأجل قدوة المحدثين ولي اللّه بن عبد الرحيم في مقدمة "شرحه على تراجم البُخاري": عبارته: جملة تراجم أبوابه تنقسم أقسامًا:
(١) منها: أنّهُ يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه، ويذكر في الباب حديثًا شاهدًا له على شرطه.
(٢) ومنها: أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث بنحوٍ من الاستنباط من نَصِّه أو إشارته أو عمومه أو إيمائه أو فحواه.
_________________
(١) هكذا في الأصل. وفي "صحيح البخاري" (برقم ٧١٣٩): "إن هذا الأمر في قريش"، وفيه أيضًا (برقم ٧١٤٠): "لا يزال هذا الأمر في قريش".
(٢) أخرجه ابن ماجة (ح: ٩٧٢)، وانظر: "فتح الباري" (٢/ ١٤٢).
(٣) أخرجه البخاري (ح: ٦٥٨) وفيه: "أكبركما" وهو الصواب.
(٤) (ص:١٤).
[ ١ / ١٠٠ ]
(٣) ومنها: أنه يترجم بمذهب ذهب إليه ذاهب قبلُ، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة شاهدًا ويكون له في الجملة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: "باب من قال كذا".
(٤) ومنها: أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله: "باب خروج النساء إلى البراز"، جمع فيه حديثين مختلفين.
(٥) ومنها: أنه قد تتعارض الأدلة ويكون عند البُخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل، فيترجم بذلك المحمل إشارةً إلى التطبيق، مثاله: "باب خوف المؤمن أن يَحْبَطَ عمله وما يُحذّر من الإصرار على التقاتل والعصيان"، ذكر فيه حديث: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
(٦) ومنها: أنه قد يجمع في باب واحد أحاديث كثيرة، كل واحدٍ منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أُخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيُعلَم على ذلك الحديث بعلامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، وجاء الباب الآخر برأسه، ولكن قوله: "باب" هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ "تنبيه" أو لفظ "فائدة" أو لفظ "قف"، مثاله: قوله في "كتاب بدء الخلق": "باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ثم قال بعد أسطر: "باب خير مال المسلم غَنَم يتبع بها شَعَفَ الجبال"، وأخرج هذا الحديث بسنده، ثم ذكر حديث: "والفخر والخُيلاء في أهل الخيل"، ثم ما ليس فيه ذكر الغنم، فكأنه أعلم على هذا الحديث بأنه مع دخوله في الباب فيه فائدة أخرى مع منقبة للغنم.
[ ١ / ١٠١ ]
(٧) ومنها: أنه قد يكتب لفظة "باب" مكان قول المحدثين: وبهذا الإسناد، وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد، كما يكتب حيث جاء حديث واحد بإسنادين، مثاله: "باب ذكر الملائكة"، أطال فيه الكلام حتى أخرج حديث: "الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب: "باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم أخرج حديث: "أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة"، ثم ما ليس فيه ذكر آمين إلَّا بعد كثير.
قال الإسماعيلي في موضع الباب: وبهذا الإسناد كأنه يشير إلى أن لفظ "باب" علامة لقوله: "وبهذا الإسناد".
(٨) ومنها: أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس وبما كاد يذهب إليه بعضهم أو بحديث لم يثبت عنده ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب، والحديث إما بعمومه أو غير ذلك.
(٩) ومنها: أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السِّيَر في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارات طرق الحديث، وربما يتعجَّبُ الفقيه من ذلك لعدم ممارسته بهذا الفن، ولكن أهل السير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات.
(١٠) منها: أنه يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع، مثاله: "ذكر الصوّاغ" في "باب ذكر الخياط".
وقد فرق البُخاري في تراجم الأبواب علمًا كثيرًا من شرح غريب القرآن، وذكر آثار الصحابة والتابعين والأحاديث المعلقة.
[ ١ / ١٠٢ ]
(١١) وقد يذكر حديثًا لا يدل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرقًا، وبعض طرقه يدلّ عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أن فيه أصلًا صحيحًا يتأكد به ذلك الطريق، ومثل هذا لا ينتفع به إلَّا المهرة من أهل الحديث.
(١٢) وكثيرًا ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى، لكنه إذا حققه متأمل أجدى، كقوله: "باب قول الرجل: ما صلّينا"، فإنه أشار إلى الرد على من كره ذلك.
قلت: وأكثر ذلك تعقبات وتنكُّبات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم "مصنَّفَيهما" إذ شواهد الآثار يرويان (^١) عن الصحابة والتابعين في "مُصَنَّفَيْهما"، ومثل هذا لا ينتفع به إلَّا من مارس الكتابين واطلع على ما فيهما.
(١٣) وكثيرًا ما يُخرج الآداب المفهومة بالقول من الكتاب والسنة بنحو من الاستدلال والعادات الكائنة في زمانه ﵇، ومثل هذا لا يدرك حسنه إلَّا من مارس كتب الآداب وأجال عقله في ميدان آداب قومه ثم طلب لها أصلًا من السنة.
(١٤) وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات وبشواهد الآية من الأحاديث تظاهرًا أو لتعيين بعض المحتملات دون البعض؛ فيكون المراد بهذا العام الخصوص أو بهذا الخاص العموم ونحو ذلك، ومثل هذا لا يدرك إلَّا بفهم ثاقب وقلب حاضر، انتهى.
* * *
_________________
(١) هكذا في الأصل. والظاهر: يرويانها.
[ ١ / ١٠٣ ]