قال الحافظ ابن حجر (^١): ينبغي لكل مُنصف أن يعلم أن تخريج صاحب "الصحيح" لأي راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق (^٢) جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بـ "الصحيحين"، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرّج عنه في "الصحيحين"، فهو بمثابة (^٣) إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا أخرج له في الأصول.
فأما إن أخرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فهذا بتفاوت درجات من أخرج له في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنًا، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام (^٤)، فلا يُقْبل إلَّا مبيَّن السبب، مُفَسَّرًا (^٥) بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي، وفي ضبطه مطلقًا أو في ضبط الخبر بعينه، لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوته، منها: ما يقدح، ومنها: ما لا يقدح.
_________________
(١) مقدمة "فتح الباري" (ص: ٣٨٤).
(٢) في الأصل: "إطلاق"، وهو تحريف.
(٣) في الأصل: "نهاية"، وهو تحريف.
(٤) في الأصل: "للتعديل لهذا الإمام"، وهو تحريف.
(٥) في الأصل: "مفتقرًا"، وهو تحريف.
[ ١ / ١١٦ ]
وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يُخْرَج عنه في "الصحيح": "هذا جاز الْقَنْطَرةَ"، يعني بذلك: أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
قال الشيخ أبو الفتح القُشيري في "مختصره": وهكذا نعتقد، وبه نقول (^١)، ولا نخرج (^٢) عنه إلَّا بحجة ظاهرة وبيانٍ شافٍ يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدّمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بـ "الصحيحين"، ومن لوازم ذلك تعديل رُواتهما.
قلت: فلا يُقْبَل الطعن في أحد منهم إلَّا بقادح واضح، لأن أسباب الجرح مختلفة، ومدارها ههنا على خمسة أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند بأن يُدَّعَى في الراوي أنه كان يُدَلِّسُ أو يُرْسل.
فأما جهالة الحال: فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في "الصيحيح" لأن شرط "الصحيح" أن يكون راويه معروفًا بالعدالة، فمن زعم أن أحدًا منهم مجهول العدالة فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدَّعِي لمعرفته مقدَّم على من يدّعي عدم معرفته، لما مع الْمُثْبِت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا تجد في رجال "الصحيح" أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا.
وأما الغلط: فتارة يكثر من الراوي وتارة يقِلّ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط يُنْظر فيما أخرج له إن وجد مرويًّا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذا
_________________
(١) في الأصل: "نعول"، وهو تحريف.
(٢) في الأصل: "يخرج"، وهو تحريف.
[ ١ / ١١٧ ]
الطريق، وإن لم يوجد إلَّا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في "الصحيح" بحمد الله من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط، كما يقال: سيِّئ الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلَّا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك.
وأما المخالفة: وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط أو الصدوق شيئًا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى، بحيث يتعذّر الجمع على قواعد المحدثين، فهذا شاذٌّ، وقد تشتدّ المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالفه فيه بكونه منكرًا، وهذا ليس في "الصحيح" سوى نَزْر يسير بحمد الله.
وأما دعوى الانقطاع: فمدفوعة عمن أخرج لهم البُخاري لما علم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة، فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض [وإلا فلا].
وأما البدعة: فالموصوف بها إما أن يكون ممن يُكَفَّرُ بها أو يُفَسَّقُ.
فالمُكَفَّرُ بها: لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غُلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي ﵁ أو في غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك، وليس في "الصحيح" من حديث هؤلاء شيء البتة.
والمُفَسَّقُ بها: كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافًا ظاهرًا، لكنه مستند إلى تأويل ظاهر سائغ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله
[ ١ / ١١٨ ]
إذا كان معروفًا بالتحرّز من الكذب مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءة موصوفًا بالديانة والعبادة، فقيل: يقبل مطلقًا، وقيل: يردّ مطلقًا. والثالث: التفصيل، بين أن يكون داعية لبدعته أو غير داعية؛ فيقبل غير الداعية ويُرَدّ حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل، وصار إليه طوائف من الأئمة، وادّعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر.
ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل، فبعضهم أطلق ذلك، وبعضهم زاد تفصيلًا، فقال: إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يُشِيد بدعته ويُزَيِّنُه ويُحَسِّنه فلا يُقْبل، وإن لم يشتمل فيقبل.
وطرد بعضهم هذا التفصيل بعينه في عكسه في حق الداعية، فقال: إن اشتملت روايته على ما يردّ به بدعته قُبل وإلا فلا، وعلى هذا إذا اشتملت رواية المبتدع - سواء كانت داعية أم لم تكن - على ما لا تعلق له ببدعته أصلًا هل تقبل مطلقًا أو ترد مطلقًا؟
مال أبو الفتح القشيري (^١) إلى تفصيل آخر فيه، فقال: إن وافقه غيره فلا يُلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءً لناره، وإن لم يوافقه أحد - ولم يوجد ذلك الحديث إلَّا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب، واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته -، فينبغي أن تقدم مصلحة تقديم ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته، والله أعلم.
واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعنُ في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبّه لذلك وعدم الاعتداد به إلَّا بحق.
_________________
(١) "الاقتراح في بيان الاصطلاح" (ص: ٢٩٤).
[ ١ / ١١٩ ]
وكذا عاب جماعة من الوَرِعين جماعةً دخلوا في أمر الدنيا فَضَعّفُوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط، والله الموفق.
وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيف من ضعف بعض الرواة بأمر يكون الحمل فيه على غيره أو للتحامل بين الأقران، وأشدُّ من ذلك تضعيف من هو أوثق منه، أو أعلى قدرًا، أو أعرف بالحديث، فكل هذا لا يعتبر به.
هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" في أول الفصل التاسع.
ثم سرد أسماء من طعن فيهم من رُواة "الصحيح"، وأجاب عن الاعتراضات عليهم.
لكن لما كان بناء هذه الفصول على الاختصار تركنا التفصيل، ورأينا أن نذكر على سبيل التمثيل من رواة "الصحيح" المجروحين: عمران بن حِطّان ومروان بن الحكم، فننقل ما حكاه الحافظ من الاعتراض عليهما وما أجاب به عنه.
عبارته: عمران بن حِطَّان السدوسي الشاعر المشهور، كان يرى رأي الخوارج، قال أبو العباس المبرد (^١): كان عمران رأس القُعْدية من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم، انتهى.
والقُعْدية قوم من الخوارج كانوا يقولون بقولهم، ولا يرون بالخروج (^٢) بل يُزَيِّنُونه، وكان عمران داعيةً إلى مذهبه، وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي ﵁.
_________________
(١) "الكامل" (٣/ ١٠٨٣).
(٢) في نسخة: "الخروج".
[ ١ / ١٢٠ ]
وقد وثقه العجلي (^١)، وقال قتادة: كان لا يُتَّهم في الحديث، وقال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران هذا وغيره. وقال يعقوب بن شيبة: أدرك جماعة من الصحابة وصار في آخر أمره إلى أن رأى [رأي] الخوارج. وقال العُقَيلي (^٢): حدّث عن عائشة ولم يتبين سماعه منها.
قلت: لم يخرَّج [له في] البخاري سوى حديث واحد (^٣) من رواية يحيى بن أبي كثير عنه، قال: سألت عائشة عن الحرير، فقالت: ائت ابنَ عباس فاسأله، فقال: ائتِ ابن عمر فاسأله، فقال: حدّثني أبو حفص، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنما يَلْبَس الحرير في الدُّنيا من لا خلاق له في الآخرة"، انتهى. وهذا الحديث إنما أخرجه البُخاري في المتابعات، فللحديث عنده طرق غير هذه من رواية عمر وغيره، وقد رواه مسلم من طريق أخرى عن ابن عمر نحوه.
ورأيت بعض الأئمة يزعم أن البُخاري إنما أخرج له ما حمل عنه قبل أن يرى رأي الخوارج. وليس ذلك الاعتذار بقوي؛ لأن يحيى بن أبي كثير إنما سمع منه باليمامة في حال هروبه من الحجَّاج، وكان الحجّاج يطلبه ليقتله لرأيه، وقصته في ذلك مشهورة مبسوطة في "الكامل" للمبرد، وفي غيره. على أن أبا زكريا الموصلي حكى في "تاريخ الموصل" عن غيره أن عمران هذا رجع في آخر عمره عن رأي الخوارج؛ فإن صح ذلك كان عذرًا جيّدًا، وإلا فلا يضر التخريج عمن هذا سبيله في المتابعات، والله أعلم (^٤).
_________________
(١) "ترتيب الثقات" (ص: ٣٧٣، رقم: ١٣٠٠)
(٢) "الضعفاء الكبير" (٣/ ٢٩٧).
(٣) بل حديثان، الأول برقم (٥٨٣٥). والثاني برقم (٥٩٥٢).
(٤) انظر: مقدمة "فتح الباري" (ص: ٤٣٢)، و"تهذيب الكمال" رقم الترجمة (٥٠٧٦)، و"تهذيب التهذيب" (٨/ ١٢٩).
[ ١ / ١٢١ ]
مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عم عثمان بن عفان، يقال: له رؤية، فإن ثبتت فلا يُعَرَّجُ على من تكلم فيه. وقد قال عروة بن الزبير: كان مروان لا يُتَّهم في الحديث. وقد روى عنه سهل بن سَعْد الساعدي الصحابي اعتمادًا على صدقه، وإنما نقموا عليه أنه رمى طَلحةَ يوم الجمل بسهم فقتله، ثم شَهَرَ السيفَ في طلب الخلافة حتى جرى ما جرى، فأما قتل طلحة فكان متأوّلًا فيه كما قرره الإسماعيلي وغيره، وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سَهْل بن سعد وعروة وعلي بن الحسين وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البُخاري أحاديثهم عنه في "صحيحه" لما كان أميرًا عندهم بالمدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا، والله أعلم. وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم، انتهى ما في مقدمة "فتح الباري" (^١).
وقال ابن عبد البر (^٢): روى عنه جماعة من التابعين، روى عنه من الصحابة سهل بن سعد فيما ذكر صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق عن ابن شهاب عن سهل بن سعد عن مروان عن زيد بن ثابت في قول الله ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ٩٥].
ورواه معمر عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت، وممن روى عنه من التابعين عروة بن الزبير وعلي بن الحُسين، وقال عروة: كان مروان لا يُتَّهم في الحديث، انتهى.
* * *
_________________
(١) انظر: مقدمة "فتح الباري" (٤٤٣).
(٢) انظر: "الاستيعاب" (الترجمة: ٢٣٧٠).
[ ١ / ١٢٢ ]