أما اسمه: فسمَّاه مؤلِّفه - رحمه اللّه تعالى - "الْجَامِعَ المُسْنَدَ الصَّحيحَ الْمُخْتَصَرَ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللّهِ - ﷺ - وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ".
وأما محله (^١) فهو أول مصنَّف صُنِّف في الصحيح المجرد. واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة: صحيحا البُخاري ومسلِم. واتفق الجمهور على أن "صحيح البُخاري" أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد (^٢).
قال الحافظ أبو علي النيسابوري وبعض علماء المغرب: "صحيح مسلم" أصح. وأنكر العلماء ذلك عليهم. والصَّواب: ترجيح "صحيح البُخاري" (^٣).
وقال النسائي: أجود هذه الكتُب كتاب البُخاري، وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما.
وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه: فقال البخاري - رحمه اللّه تعالى -: "كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا في الصحيح لسُنَن رسول اللّه - ﷺ -، فوقعَ ذلك في قلبي، وأخذت في جَمْعِ هذا الكتاب".
_________________
(١) أي: مكانته.
(٢) انظر: "مقدمة ابن الصلاح" (ص: ١١)، و"تدريب الراوي" (ص: ٨٨).
(٣) انظر: "أعلام المحدثين" للمحقق (ص: ١٤٣).
[ ١ / ٨٩ ]
ورُوِيَ من جهات عن البخاري قال: صَنَّفْتُ كتاب "الصحيح" لسِتّ عشرة سنة، خَرَّجْتُه من ست مائة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً بيني وبين اللّه.
ورُوِيَ عنه قال: رأيت النَّبِيّ - ﷺ - في المنام وكأَنِّي واقف بين يديه وبيديّ مِزوَحَةٌ أَذُبُّ عنه، فسألت بعضَ المُعَبِّرين فقال: أنت تذُبُّ عنه الكَذِبَ. فهو الذي حَمَلَني على إخراج "الصحيح".
ورُوِيَ عنه قال: ما أدخلت في كتاب "الجامع" إلَّا ما صحّ، وتركت كثيرًا من الصحاح لحال الطُّول (^١).
ورُوِيَ عن الفربري: قال البُخاري: ما وضعتُ في كتاب "الصحيح" حديثًا إلَّا اغتسلتُ قبل ذلك وصليت ركعتين.
ورُوِيَ عن عبد القدوس بن همام قال: سمعتُ عدّةً من المشايخ يقولون: حَوَّلَ البُخاري تراجِمَ جَامِعِه (^٢) بين قبر النَّبِيّ - ﷺ - ومنبره، وكان يصلّي لكل ترجمة ركعتين.
وقال آخرون، منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: صنّفه ببُخارى، وقيل: بمكة، وقيل: بالبصرة. وكل هذا صحيح، ومعناه: أنه كان يضيف فيه في كل بلد من هذه البُلدان، فإنه بقي في تصنيفه ست عشرة سنة.
قال الحاكم: حَدَّثَنَا أبو عمرو إسماعيل، ثنا أبو عبد اللّه محمد بن علي قال: سمعت البُخاري يقول: أقمتُ بالبصرة خمس سنين، معي كُتبي، أصنِّفُ وأحج في كل سنة، وأرجع من مكة إلى البصرة.
قال البُخاري: وأنا أرجو أن يبارك اللّه تعالى للمسلمين في هذه المصنفات.
_________________
(١) انظر: مقدمة "إرشاد الساري" (ص: ٥١).
(٢) أي حوَّله من المسودة إلى المبيضة، قس (١/ ٥٢).
[ ١ / ٩٠ ]
وجملة ما في "صحيح البخاري" من الأحاديث المسندة: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة (^١).
وبحذف المكررة: نحو أربعة آلاف. كذا ذكر النووي في "التهذيب" (^٢)، والحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" (^٣).
قال الحافظ ابن حجر في الفصل الثاني في مقدمة "فتح الباري": قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر: فيما قرأت على الثقة أبي الفرج بن حمّاد أنّ يونس بن إبراهيم بن عبد القوي أخبره، عن أبي الحَسَن بن المقيَّري (^٤)، عن أبي المعمر المبارك بن أحمد، عنه: شرط البُخاري أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نَقَلَتِه إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلًا غيرَ مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسن، وإلا لم يكن إلَّا راوٍ واحد وصح الطريق إليه كفى.
قال: وما ادَّعاه الحاكم أبو عبد اللّه أن شرط البُخاري ومسلم أن يكون للصحابي راويان فصاعدًا، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان،
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في "المقدمة" (ص: ٤٦٨): مع التكرار سبعة آلاف وثلاث مائة وسبعة وتسعون حديثًا، وحسب إحصاء الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: عدد الأحاديث بدون التكرار (٢٦٠٧). انظر: "الكنز المتواري" (١/ ٢٠٨)، و"أعلام المحدثين" للمحقق (ص: ١٤٥). ونحن اعتمدنا على هذا الإحصاء في ترقيم أحاديث الكتاب أيضًا.
(٢) "التهذيب" (١/ ٧٥).
(٣) مقدمة "فتح الباري" (ص: ٩).
(٤) "المقيري"، كذا في الأصل. وفي مقدمة "الفتح" (ص: ٩): "المقير"، وفي "شروط الأئمة" للمقدسي (ص: ٨٥): "المعتز".
[ ١ / ٩١ ]
إلى آخر كلامه؛ فمُنتقضٌ بأنهما أخرجا أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلَّا راوٍ واحِد، انتهى.
والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان منتقضًا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أحد من رُواته ليس له إلَّا راوٍ واحد قط.
وقال الحافظ أبو بكر الحازمي (^١): هذا الذي قاله الحاكم قول من لم يُمْعِن الغوص في خبايا "الصحيح"، ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة [عليه] دعواه.
ثم قال ما حاصله: إن شرط "الصحيح" أن يكون إسناده متصلًا، وأن يكون راويه مسلمًا صادقًا غير مدلّس ولا مختلط، متصفًا بصفات العدالة، ضابطًا متحفظًا، سليم الذهن، قليل الوهم، سليم الاعتقاد.
قال (^٢): ومذهب من يخرج "الصحيح" أن يعتبر حال الراوي [العدل] في مشايخه العُدول، فبعضهم حديثه ثابت صحيح، وبعضهم حديثه مدخول، قال: وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طَبقات الرُّواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم، فلنوضح ذلك بمثال وهو:
أن تعلم أن أصحاب الزُّهري مثلًا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزِيَّة (^٣) على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصّحّة، وهو مقصد البُخاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في التثبت إلَّا أن الأولى جمعت من الحفظ والإتقان ومن طول الملازمة للزهري حتى كان فيهم من
_________________
(١) "شروط الأئمة الخمسة" (ص: ١٢٩).
(٢) "شروط الأئمة الخمسة" (ص: ١٥٠).
(٣) في الأصل: "مزيد"، وهو تحريف.
[ ١ / ٩٢ ]
يزامله في السفر ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزُّهري إلَّا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، فكانوا في الإتقان دون الأولى، وهم شرط مسلم.
ثم مَثَّل الطبقة الأولى بيونس بن يزيد، وعُقيل بن خالد الأيلي، ومالك بن أنس، وسفيان بن عُيَيْنة، وشُعَيْب بن أبي حمزة. والثانية بالأوزاعي، والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب. قال: والطبقة الثالثة نحو: جَعْفر بن بُرْقان، وسفيان بن حسَين، وإسحاق بن يحيى الكلبي. والرابعةُ نحو: زَمْعَة بن صالح، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والمثنّى بن الصبّاح. والخامسة نحو: عبد القدوس بن حَبيب، والحَكَم بن عبد اللّه بن الأيلي، ومحمد بن سَعيد المصلوب.
فأما الطبقة الأولى فهم شرط البُخاري، وقد يُخرِّج - أي: البخاري - من حديث أهل الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب. وأمّا مسلم فيخرّج أحاديثَ الطبقتين على سبيل الاستيعاب، ويُخَرِّج أحاديث الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنع البُخاري في الثانية. وأما الرابعة والخامسة فلا يُعَرِّجان عليهما.
قلتُ: وأكثر ما يُخَرِّج البُخاري حديث الطبقة الثانية تعليقًا، وإنما أخرج اليَسِير من حديث الطبقة الثالثة [تعليقًا] أيضًا، وهذا المثال الذي ذكره هو في حق المكثرين، فيقاس على هذا أصحاب نافع وأصحاب الأعمش وأصحاب قتادة وغيرهم.
فأما غير المكثرين فإنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، لكن منهم من قوي الاعتماد عليه فأخرجا ما تفرّد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه، فأخرجا له ما شاركه فيه غيره وهو الأكثر.
[ ١ / ٩٣ ]