قال العيني في "شرحه على الصحيح (^١) ": قال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان، انتهى.
قال النووي (^٢): كان من مذهب مسلم - ﵀ - الفرق بين حدَّثنا وأخبرنا: أن "حدَّثنا" لا يجوز إطلاقه إلَّا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و"أخبرنا" لما قُرئ على الشيخ. وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق، قال محمد بن الحسن الجوهري المصري: وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد، ورُوي هذا المذهب أيضًا عن ابن جُريج والأوزاعي وابن وهب. قلتُ: وهو مذهب النسائي، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث.
وذهب جماعات إلى أنه يجوز أن يقول فيما قُرِئ على الشيخ: "حدَّثَنَا" و"أَخْبَرَنَا"، وهو مذهب الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وآخرين من المتقدمين، وهو مذهب البُخاري وجماعة من المحدثين، وهو مذهب معظم الحجازفي والكوفيين.
_________________
(١) "عمدة القاري" (٢/ ١٦).
(٢) "شرح صحيح مسلم" للنووي (١/ ٤١)، وانظر: "فتح المغيث" (٢/ ٣٠) أيضًا.
[ ١ / ١٠٨ ]
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز إطلاق "حدّثنا" ولا "أخبرنا" في القراءة، وهو مذهب ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والمشهور عن النسائي، والله أعلم.
وقال النووي (^١) في موضع آخر: جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدّثنا وأخبرنا، واستمرّ الاصطلاح عليه من قديم الأعصار إلى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى، فيكتبون من "حدّثنا": "ثنا" وهي الثاء والنون والألف، وربّما حذف الثاء، ويكتبون من "أخبرنا": "أنا"، ولا يحسن زيادة الباء قبل "نا".
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح)، وهي حاء مهملة مفردة، والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوّله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها: (ح)، ويستمرّ في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث، وإن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. وقد كتب جماعة من الحفّاظ موضعها: صح، فيشعر بأنها رمز صح. وحسنت ههنا كتابته لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول، ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرًا، وهي كثيرة في "صحيح مسلم" قليلة في "صحيح البُخاري".
وجرت عادة أهل الحديث بحذف "قال" ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها، وإذا كان في الكتاب:
_________________
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" (١/ ٦٣ - ٦٦).
[ ١ / ١٠٩ ]
"قرئ على فلان، أخبرك فلان"، فليقل القارئ: "قرئ على فلان قيل له: أخبرك فلان"، وإذا كان فيه: "قرئ على فلان، أخبرنا فلان"، فليقل: "قرئ على فلان قيل له: قلتَ: أخبرنا فلان"، وإذا تكررت كلمة "قال" كقوله: "حدَّثنا صالح قال: قال الشعبي"، فإنهم يحذفون إحداهما في الخط، فيلفظ بهما (^١) القارئ، فلو ترك القارئ لفظة "قال" في هذا كله فقد أخطأ، والسماع صحيح للعلم بالمقصود، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه.
قال النووي في موضع آخر (^٢): إن لفظ "الابن" إذا وقع بين العلمين ويكون صفة للأول يقرأ الْعَلَمُ الأول بلا تنوين، وأيضًا إذا كان كذلك فرسم خطه أن يكتب "بن" بدون الألف في أوله، إلَّا أن يقع في أول السطر فيكتب هنا، وفي باقي المواضع بالألف.
* * *
_________________
(١) مقدمة "شرح النووي" (١/ ٦٣).
(٢) مقدمة "شرح صحيح مسلم" (١/ ٥٧).
[ ١ / ١١٠ ]