قد أكثر البُخاري من ذكر المتابعة، فإذا روى حمَّاد مثلًا حديثًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، نظرنا هل تابعه ثقة فرواه عن أيوب، فإن لم نجد فثقة غير أيوب عن ابن سيرين، وإلا فثقة غير ابن سيرين عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، فأيّ ذلك وجد عُلم أن له أصلًا يرجع إليه وإلا فلا، فهذا النظر هو الاعتبار.
وأما المتابعة: بأَن يرويه عن أيوب غير حماد، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي - ﷺ - غير أبي هريرة، فكل نوع من هذه يسمى متابعة.
وأما الشاهد: بأن يُروى حديث آخر بمعناه، ويسمى المتابعة شاهدًا ولا ينعكس، فإذا قالوا في مثل هذا: تفرد به أبو هريرة أو ابن سيرين أو أيوب أو حماد، كان مشعرًا بانتفاء وجوه المتابعات.
ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية بعض الضعفاء، وفي الصحيح جماعة منهم ذكروا في المتابعات والشواهد، ولا يصلح لذلك كل ضعيف، ولهذا يقول الدارقطني وغيره: فُلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به.
مثال المتابع والشاهد: حديث سفيان بن عُيَيْنة عن عمرو بن دينار
[ ١ / ١٤٤ ]
عن عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه ﵇ قال: "لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به" (^١).
ورواه ابن جُريج عن عمرو عن عطاء بدون الدباغ، تابع عمروًا أسامةُ بن زيد فرواه عن عطاء عن ابن عباس أنه ﵇ قال: "أَلَّا نزعتم جلدها فدبغتموه فانتفعتم به؟ ".
وشاهده حديث عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس رفعه: "أيما إهابٍ دبغ فقد طهر".
فالبُخاري قد يأتي بالمتابعة ظاهرًا كقوله في مثل هذه: تابعه مالك عن أيوب، أي تابع مالك حمادًا فرواه عن أيوب كرواية حماد؛ فالضمير في تابعه يعود إلى حماد. وتارةً يقول: تابعه مالك، ولا يزيد، فيحتاج إذن إلى معرفة طبقات الرواة ومراتبهم، هكذا في "العيني" (^٢).
* * *
_________________
(١) "السنن الكبرى" للبيهقي (١/ ١٦).
(٢) (١/ ٢٧).
[ ١ / ١٤٥ ]