جملة من حدّث عنه البُخاري في "صحيحه" خمس طبقات:
الأولى: لم يقع حديثهم إلَّا كما وقع من طريقه إليهم، منهم: محمد بن عبد الله الأنصاري، حدّث عنه عن حميد عن أنس. ومنهم: مكي بن إبراهيم وأبو عاصم النبيل حدّث عنهما عن يزيد بن أبي عُبَيد عن سَلَمَة بن الأكوع. ومنهم: عُبيد الله بن موسى حدّث عنه عن معروف عن أبي الطفيل عن علي، وحدّث عنه عن هِشامِ بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد وهما تابعيان. ومنهم: أبو نعيم حدّث عنه عن الأعمش، والأعمش تابعي. ومنهم: علي بن عياش حدّث عنه عن حريز (^١) بن عثمان عن عبد الله بن بسر الصحابي.
هؤلاء وأشباههم الطبقة الأولى، وكأنّ البُخاري سمع مالكًا والثوري وشعبة وغيرهم، فإنهم حدّثوا عن هؤلاء وطبقتِهم.
الثانية: من مشايخه قوم حدّثوا عن أئمة حدّثوا عن التابعين، وهم شيوخه الذين روى عنهم عن ابن جُريج ومالك وابن أبي ذئب وابن عيينة بالحجاز، وشعيب والأوزاعي وطبقتهما بالشام، والثوري
_________________
(١) في الأصل: "جرير" وهو تحريف. وكذلك في الأصل "عبد الله بن بشر" بالمعجمة، والصواب: "عبد الله بن بسر" بالمهملة.
[ ١ / ١١٣ ]
وشعبة وحماد وأبي عوانة وهمام بالعراق، والليث ويعقوب بن عبد الرحمن بمصر، وفي هذه الطبقة كثرة.
الثالثة: قوم حدّثوا عن قوم أدرك زمانهم وأمكنه لقيهم لكنه لم يسمع منهم، كيزيد بن هارون وعبد الرزاق.
الرابعة: قوم في طبقته حدّث عنهم عن مشايخه كأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدّث عنه في "صحيحه"، ولم ينسبه عن يحيى بن صالح.
الخامسة: قوم حدَّث عنهم وهم أصغر منه في الإسناد والسن والوفاة والمعرفة، منهم عبد الله بن حماد الآملي، وحسين القباني وغيرهما.
ولا بُدَّ من الوقوف على هذا؛ لأن من لا معرفة له يظن أن البُخاري إذا حدّث عن مكي عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة، ثم حدّث في موضع آخر عن بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بُكير بن عبد الله بن الأشج عن يزيد بن أبي عُبيد عن سلمة، أن الإسناد الأول سقط منه شيء، وإنما يحدّث في موضع عاليًا، وفي موضع نازلًا.
فقد حدّث في مواضع كثيرة جدًّا عن رجل عن مالك، وفي موضع عن عبد الله بن محمد المسندي عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن مالك، وحدّث في مواضع عن رجل عن شعبة، وحدّث في مواضع عن ثلاثة عن شعبة، منها حديثه عن حماد بن حميد عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة، وحدّث في مواضع عن رجل عن الثوري، وحدّث في مواضع عن ثلاثة عنه، فحدّث عن أحمد بن عمر عن أبي النضر عن عبيد الله الأشجعي عن الثوري.
[ ١ / ١١٤ ]
وأعجب من هذا كله أن عبد الله بن المبارك أصغر من مالك وسُفيان وشعبة ومتأخر الوفاة، وحدّث البخاري عن جماعة من أصحابه عنه، وتأخرت وفاتهم، ثم حدّث عن سَعيد بن مَرْوان عن محمد بن عبد العزيز [بن] أبي رِزمة عن أبي صالح سلمويه عن عبد الله بن المبارك، فقِسْ على هذا أمثاله.
وقد حدّث البُخاري عن قوم خارج "الصحيح"، وحدّث عن رجل عنهم في "الصحيح"، منهم أحمد بن منيع وداود بن رُشَيد.
وحدّث عن قوم في "الصحيح"، وحدَّث عن آخرين عنهم، منهم: أبو نعيم، وأبو عاصم، والأنصاري، وأحمد بن صالح، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، فإذا رأيت مثل هذا فأصله ما ذكرنا، وقد روي عن البُخاري: لا يكون المحدّث محدّثًا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه، هذا كله من "العيني" (^١).
* * *
_________________
(١) "عمدة القاري" (١/ ٢٦).
[ ١ / ١١٥ ]