الحمدُ لله الذي خلق خلقه أطوارًا، وصرَّفهم في أطوار الخلق كيف شاء عزّةً واقتدارًا، وأرسل الرُّسل إلى المكلَّفين إعذارًا منه وإنذارًا، فأتمَّ بهم على من اتَّبع سبيلهم نعمتَه السابغةَ، وأقام بهم على من خالف مَناهجَهم حجَّتَه البالغةَ، فنصب الدليل، وأنار السبيل، وأزاح العِلَل، وقطع المَعاذير، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، فشملهم بالدعوة على ألسنة رسله حجةً منه وعدْلًا، وخصَّ بالهداية من شاء منهم نعمةً وفضلًا.
والصَّلاةُ والسَّلامُ الأتمَّان والأكملان، على عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وقُدوة للمؤمنين، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، وأشرقتْ برسالته الأرضُ بعد ظلماتها، وتألفتْ به القلوبُ بعد شتاتها.
وبعد:
فقد اقتضت حكمة الباري ﵎، أن يتأسس بنيان الإسلام على الوحيَيْن: كتاب الله وسنة رسوله، ليتم البيان وتتضح معالم الشريعة، ويتسنى للمسلمين الاقتداء بنبيهم ﵊ في الأقوال والأفعال.
[ ١ / ٣٠ ]
وقد أكرم الله هذه الأُمَّة بالحفظ والإسناد، فانتدب من أبنائها في القديم والحديث، من يحفظ عليها كتاب ربها وسنة نبيها، في الصدور والسطور، ويعتني بهما نقلًا وروايةً، جيلًا بعد جيل، في صيانة تامة من السقط والتحريف والتغيير.
ولئن كان لكلِّ أُمَّة ميزة تعتزُّ بها وتفخر، فإن الميزة التي ترفع بها هذه الأُمَّة راية العزِّ: ميزة الإسناد الذي عدَّه سلفنا الصالح أساسًا في تلقِّي الدين وحفظه على المسلمين، كما قال عبد الله بن المبارك فيما رواه عنه مسلم في مقدمة "صحيحه": "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
وليس الإسناد مقصودًا لمعنى في ذاته، بل لمعرفة أحوال النقَلة من الجرح والتعديل والتوثيق والتضعيف، للتوصل بذلك إلى تمييز الصحيح من السقيم في الأخبار، فتحصل الثقة بالأول وتبنى عليه الأحكام، وينبذ الثاني بالعراء فلا يلتفت إليه إلا للاعتبار به في بعض أحواله، وبهذا أصبح الحديث المسند إلى رسول الله - ﷺ - معلومًا من حيث الصحة والضعف، لدى أئمة هذا الفن المتخصصين به، من مجرد الاطلاع على إسناده ومعرفة رجاله.
وبالتزام الصحة في الرواية والإتقان في النقل، حُفظ القرآن الكريم بين دفَّتي المصحف، كما أنزل على رسول الله - ﷺ -، ودأب المسلمون على أن لا يكتفوا من أحد باستظهاره من المصحف، فيشهدوا له بالحفظ، حتى ينضم إلى ذلك التلقينُ والمشافهة، بالقراءة على شيخ مجاز، كلمةً كلمةً، قراءةً مسندةً من إحدى الروايات الثابتة في إحدى القراءات المشهورة المعتمدة، وكانوا يحذرون من الأخذ عمن اكتفى بالحفظ من المصحف،
[ ١ / ٣١ ]
ويقولون: "لا تحملوا العلم عن صُحُفيٍّ، ولا تأخذوا القرآن من مُصْحَفيٍّ"، كما روي عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي وسليمان بن موسى وثور بن يزيد.
والقراءات القرآنية المعتمدة جمعت وجوهها من سبعة قُراء اشتهروا على رأس المائتين في خمسة من الأمصار الإسلامية: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام، واتفقت الأُمَّة على قبول قراءاتهم والاعتماد عليها، لكونها ثبتت من طرق صحيحة متصلة السند إلى رسول الله - ﷺ -، موافِقة لرسم المصحف الإمام الذي جمع الأُمَّة عليه الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁.
وبتحرِّي الصحَّة في الرِّواية والإتقان في النقل، دأب سلفنا ﵏ على رواية السُّنَّة النَّبَوِيَّة وتلقيها مُسنَدة من طرق في التحمُّل مشهورة معروفة، كالمناولة والإجازة والمكاتبة.
وأعلاها: السماع من لفظ الشيخ، وهو يقرأ من حفظه أو كتابه. يليه ما يسميه علماء الحديث بالعرض، وهو أن تقرأ أو يقرأ غيرُك على الشيخ وهو يسمع، ثم يثبت ذلك في طِبَاق السماع وأصول المرويات.
ولمزيد من الدقة في الرواية، اصطلح المحدثون على ألفاظ تميز طريقة التحمل لدى الأداء، في تصنيف الكتب أو لدى الإملاء في مجالس التحديث.
وبهذا الحرص على صيانة العلم من الخطأ عني المسلمون بتصحيح النسخ من الكتب المصنفة - ولا سيما كتب علم الحديث الحافظة للسنة - وضبطها ضبطًا مباشرًا لدى قراءتها على مصنفيها، أو بالمقابلة على أصول مسموعة عليه مصونة عند أصحابها من الدَّخَل.
[ ١ / ٣٢ ]
والمقصود من السنة النبوية أن يفهم المسلمون بواسطتها كتاب الله تعالى، في إيضاح مشكله، وتفصيل مجمله، وتخصيص عمومه، وتقييد مطلقه حيث أريد الخصوص والتقييد، ومما يتمم تفصيل مجملات كتاب الله ويلتحق بها ما وردت به السنة من أحكام وآداب مستقلة؛ ذلك أن الله تعالى افترض على المسلمين طاعة رسوله افتراضًا مطلقًا، كافتراضه طاعتَه ﷿ عليهم، وإذ ذاك فليس من شرط السنة أن يوجد لها أصل صريح في كتاب الله ترجع إليه بأحد ضروب البيان، وإن رامَ بعضُ العلماء كالشافعي والشاطبي أن يثبتوا اطّراد ذلك فيما ثبت من السنن.
وسواء وردت السنة في محل البيان لكتاب الله أو مستقلة عنه، فإنها المَحْتِد بعد كتاب الله، لفهم الشريعة جملةً وتفصيلًا، والمرجع للمسلمين عند الاختلاف سواء في أصول الدين وما يتصل بالإيمان والتوحيد، أو في فروعه وما يتصل بالأحكام والآداب، فليس لأحد أن يتنكب عن مَهْيَعِها بسلوك سبيل التعطيل، أو تكلف ضروب التأويل، أو تحكيم الرأي ومقاييس العقول، على نصوصها الواضحة الصريحة.
فبهذا يسلم الدين من البدع ومقحمات الأهواء، ويكون المسلم على منهاج السلف الذين هم أهدى أجيال الأُمَّة سبيلًا، وأقومها قيلًا، تلقيًا وفهمًا وعملًا، وبخاصة ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأركان الإيمان، فمنهاج سلف الأُمَّة الصالح هو المنهاج الحق الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وصحابته ﵃ أجمعين.
ولما كان المقصود من السنة فهم الدين على ضوء ما سبق، والعمل بمقتضاه، وكان عموم الأُمَّة بحاجة إلى مصنفات جامعة تُلِمُّ بأبواب الدين وتحيط بشُعبه، ليكون ذلك سهلًا عليها قريب التناول لحفظه وفقهه والعمل
[ ١ / ٣٣ ]
به، عمَد بعضُ أئمة العلم بالحديث دراية وروايةً إلى إسعافها بحاجتها هذه وكفايتها فيها، فصنفوا جوامع في السنة، وكان على رأسها كتاب أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري (ت ٢٥٦ هـ) المسمَّى: "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه"، فقد اختصَّه المسلمون بالمرتبة العليا، ووُصِف بأنه لا يوجد كتاب بعد كتاب الله مصنَّفٌ، أصحُّ منه في الدنيا؛ وذلك لما اشتمل عليه من جمع الأصح والصحيح، وما قرن بأبوابه من الفقه النافع الشاهد لمؤلفه بالترجيح إلى ما تميز به مؤلِّفُه عن غيره بإتقان معرفة التعديل والتجريح (^١).
ولهذه الميزة التي اختصّ بها "الجامع الصحيح" لقي من العناية والاهتمام ما لم يلقه كتاب سواه من الكتب المصنفة في هذا الشأن؛ فأقبل الناس عليه إقبالًا منقطع النظير، وحَفِلوا به أكثر من غيره من المصنفات، وقدّموه عليها، رواية ودرايةً، فكثر الرُّواة له الذين أخذوه عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري (ت ٣٢٠ هـ) تلميذ الإمام البخاري وراوية كتابه، الذي تعدّ روايته أشهر روايات "الجامع الصحيح"، حيث اشتهرت بتلقيه إياها سماعًا من البخاري مرتين، إحداهما ببلده "فِرَبْرَ" سنة ٢٤٨ هـ، والثانية ببلد شيخه "بخارى" سنة ٢٥٢ هـ.
لقد بلغت عدة من روى الكتاب عن الفربري المئات، اشتهر بعضٌ منهم شهرةً خاصةً، فكانت نسخُهم هي العمدةَ لدى المتأخرين، وقد تولّى بيان ما بينها من فروق في الألفاظ الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - في شرحه العُجاب المسمَّى "فتح الباري".
_________________
(١) مقتبس من مقدمة "فتح الباري".
[ ١ / ٣٤ ]
كما اعتنى العلماء ببيان "الجامع الصحيح" منذ خرج إلى الناس وصاروا يروُونه ويتناسخونه ويتناقلونه بين البلدان، إلى أن أفضى الزمن إلى الطباعة، فعنوا بتفسير غريبه وإيضاح ما أشكل منه، والتعريف برجاله، وتخريج أطرافه لبيان مواضعها وتكرارها من الكتب والأبواب، وكشف وجوه التناسب المعنوي والصلة الفقهية بين تراجم الأبواب والأحاديث المذكورة فيها.
ومنهم من شرح الكتاب شرحًا كاملًا، مفصلًا لهذه الوجوه من البيان كلها أو بعضها، كالخطابي والداودي والمهلّب بن أبي صفرة وابن بطال وابن التين والزين بن المنير والعيني والقسطلاني، في آخرين يبلغون المئات يتصدرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي أوفى على الغاية في خدمة "الجامع الصحيح" من جميع الجوانب المتعلقة ببيانه، حتى إن أحد المشاهير من العلماء، لما سئل أن يضع شرحًا على "البخاري"، قال: "لا هجرة بعد الفتح".
وطريقته فيه أن يستهلَّ بالكلام على تراجم الأبواب، وما فيها من الدلالة على فقه البخاري، وما لغيره في المسألة التي تضمنتها الترجمة وفاقًا وخلافًا، ثم يُثَنِّي بالكلام على أسانيد الأحاديث، وما فيها من نكت ولطائف، ثم يثلِّث بالكلام على المعنى باستيفاء وتقصِّ لا مزيد عليه.
هذا، وقد برزت في دهلي يقظة علمية انقدحت جذوتها منذ ثلاثة قرون، تركزت على العناية بالحديث وعلومه وفنونه المختلفة روايةً ودرايةً، ثم انتشرت هذه اليقظة حتى عمّت ربوع الهند والسند، وكان ذلك فضلًا ادّخره الله تعالى لتلك البلاد وأهلها؛ إذ جنَّدهم لحفظ سنة نبيه
[ ١ / ٣٥ ]
المصطفى - ﷺ -، وإحياء علومها، فتنافسوا في اقتناء كتبها وبذلوا فيها نفيس الأثمان، وقطعوا في البحث عنها الفيافي وجابوا البلدان، ونفقت بينهم سوق النسخ، ولما جاء عهد الطباعة جلبوا المطابع في وقت مبكِّر، فطبعوا الكثير من الأمهات وغيرها ووزعوها في الهند وخارجها حتى وصلت إلى البلاد العربية.
وأسَّسوا المدارس ودور العلوم والكليات والجامعات الإسلامية، ونبغ منهم نبغاء، لا سيما في دهلي وكجرات ولكناؤ وسهارنفور وأعظم كره ومباركفور وديوبند … نفعوا الطلاب بالإقراء والتدريس والتحفيظ، وخدموا الكتب بالتعليق والشرح والتنقيح، كما نجد ذلك جليًا في كتاب "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر" للعلَّامة المؤرخ عبد الحي بن فخر الدين الحسني (ت ١٣٤١ هـ)، وفي كتابه الآخر "معارف العوارف في أنواع العلوم والمعارف" المطبوع في الشام بعنوان: "الثقافة الإسلامية في الهند"، فحق على الأُمَّة أن تعترف لهم بهذا الفضل والسبق والخدمة الجليلة للأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي.
وكان من أولئك الأعلام الكرام الشيخ أحمد علي بن لطف الله السهارنفوري (ت ١٢٩٧ هـ)، أحد كبار المحدثين والفقهاء في الهند في القرن الثالث عشر، المُسِند المُفيد، صاحب التعاليق القيِّمة على العديد من كتب السنة، والذي تخرج على يديه كثير من المشاهير أمثال الشيخ محمد قاسم النانوتوي، والشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، والشيخ شبلي النعماني وغيرهم.
وقد صرف - ﵀ - عناية خاصة لـ "الجامع الصحيح" فطبعه في المطبعة التي أنشأها في دهلي، وكانت أول طبعة لـ "صحيح البخاري"
[ ١ / ٣٦ ]
ظهرت على وجه البسيطة، وذلك فيما بين (١٢٦٧ - ١٢٧٠ هـ)، أي قبل الطبعة البولاقية المصرية بعشر سنين، ثم أعاد طباعته ثانية بعد خمس عشرة سنة، أي في سنة ١٢٨٢ هـ.
والنسخة التي أخرج منها الكتاب للطباعة، مصحَّحة مدقَّقة بدرجة عالية، تتميز باعتمادها على نسخ عديدة وقعت للإمام السهارنفوري، نادرة وموثَّقة لأصح كتاب بعد كتاب الله، لعل من أعرقها وأتقنها نسخة الإمام رضي الدين أبي الفضل الحسن بن محمد العدوي الصغاني (ت ٦٥٠ هـ)، وهي نسخة مقابلة على أصل مقروء على الفِرَبْري تلميذ الإمام البخاري، وكان جُلّ اعتماد السهارنفوري عليها.
كما اعتمد على نسخة شيخه مُسنِد الهند المحدث محمد إسحاق، التي اتخذها أصلًا لتعليقاته، وهي نسخة استهدى الشيخ محمد إسحاق في تحريرها بنسخة جدّه لِأُمِّه عبد العزيز بن الإمام أحمد بن عبد الرحيم شاه ولي الله الدهلوي، وعبد العزيز اعتمد في نسخته كثيرًا على أصل والده؛ إذ يلحظ الناظرُ فيهما تطابقًا في الكثير من المباحث.
والإمام ولي الله الدهلوي أحيا الله بجهوده وجهود أولاده وأسباطه وتلاميذهم السُّنَّةَ وعلومَ الحديث في الهند، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك الديار.
وكانت مكة - زادها الله تشريفًا وتكريمًا، ولا تزال - ملتقى العلماء من مختلف الأقطار، ومثابة لهم تصل بينهم فيفيد بعضهم من بعض، وقد انتشرت كثير من الكتب بين المشرق والمغرب بهذا السبب، وكذلك المدينة النبوية - على صاحبها الصلاةُ والسلامُ - تشترك مع مكة في هذه الخصيصة المنيفة.
[ ١ / ٣٧ ]
وبهذا السبب اتصل العلَّامة السهارنفوري في مرحلة الطلب بعدد من مشايخ الحرمين الشريفين، فتعلم منهم وروى عنهم.
وبهذا السبب أيضًا حصل ولي الله الدهلوي على نسخة قيمة من "الجامع الصحيح"، صحح عليها نسخته، لشيخ شيوخه عبد الله بن سالم البصري المكي (ت ١١٣٤ هـ) الذي قضى ما يزيد على عشرين سنة، على ما ذكر الدهلوي عنه، في تحقيقها وتدقيقها، ومقابلتها بنسخة العلَّامة المتقن شرف الدين أبي الحسن علي اليونيني (ت ٧٠١ هـ)، وغيرها من النسخ المعتمدة و"صحيح البخاري"، غير أن الدهلوي أسقط الفروق التي أثبتها البصري لأصول نسخته في الهوامش.
فبان بهذا أن النسختين اللتين اعتمد عليهما السهارنفوري ﵀، في نسخ أخرى كثيرة، تتصل إحداهما بأصل اليونيني، والثانية بأصل الصغاني، وهما أصح الأصول لـ "الجامع الصحيح" في العالم، عليهما عول الشراح المتأخرون كابن حجر والعيني والقسطلاني.
ولليونينية ميزة في الإتقان والتوثيق، أكسبتها تقدمًا على غيرها من النسخ، وجعلتها أجلَّ أصل يوثق به ويعول عليه؛ وذلك أن صاحبها عارضها على أربعة أصول معتمدة في غاية الإتقان:
١ - أصل مسموع على الحافظ أبي ذر الهروي (ت ٤٣٤ هـ) الذي سمعه من أبي إسحاق المستملي (ت ٣٧٦ هـ) وأبي محمد السَّرخسي (ت ٣٨١ هـ) وأبي الهيثم الكُشْمِيهَني (ت ٣٨٩ هـ)، وثلاثتهم تلقَّوا "الجامع الصحيح" عن الفربري عن المصنف. ورواية أبي ذر يعتبرها الحافظ ابن حجر أتقن الثلاث، لضبط صاحبها لنصوصها، وتمييزه اختلافَ سياقها، كما أن عليها المدار في رواية "صحيح البخاري".
[ ١ / ٣٨ ]
٢ - أصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي الأندلسي المالكي (ت ٣٩٢ هـ) الذي أخذ "الصحيح" عن أبي زيد المروزي عن الفربري عن البخاري.
٣ - أصل الحافظ أبي القاسم بن عساكر الدمشقي (ت ٥٧١ هـ).
٤ - أصل مسموع على مُسنِد الآفاق الإمام أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السِّجْزي الماليني (ت ٥٥٣ هـ) الذي سمعه من أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي (ت ٤٦٧ هـ) عن أبي محمد الحموي السرخسي عن الفربري عن البخاري.
وعلى النسخة اليونينية اعتمد القسطلاني في شرحه "إرشاد الساري"، وضبط الكتاب كلمةً كلمةً وحرفًا حرفًا، وهذه أكبر ميزة لهذا الشرح.
وقد استحضر السهارنفوري عددًا من النسخ الموثقة والأصول الثابتة للاعتماد عليها، مع معونة الشروح الشهيرة لـ "الجامع الصحيح" كالعسقلاني والعيني والقسطلاني، في إثبات الفروق بين الروايات المشار إليها آنفًا، زيادة أو نقصًا، أو اختلافًا في بناء كلمة، رامزًا لكل نسخة بحرف يميزها عن غيرها، على غرار ما صنع الهروي من قبل في نسخته، في بيان الفروق بين أصولها الثلاثة: للسرخسي والكشميهني والمستملي، وعلى غرار ما صنع اليونيني في بيان الفروق بين أصول نسخته.
وبهذا أخرج السهارنفوري نسخة فريدة الطراز، ثم وشَّاها بحواشٍ زادتها قيمة وشأنًا عند أهل العلم، فقد أتى فيها "بنكات عجيبة، وفوائد جليلة، ومسائل فنية، وحقائق علمية، ومباحث نادرة" (^١)، وأفاد في الكلام
_________________
(١) من مقدمة المحقق: "خصائص الشرح".
[ ١ / ٣٩ ]
على التراجم من شرح تراجم أبواب البخاري لشاه ولي الله الدهلوي، واستقى من مصادر أخرى ذكرها في المقدمة، تبلغ في عدتها أربعة وستين مصدرًا، بعضها عزيز نادر الوجود.
وظلَّت الطبعة الأحمديَّة الهنديَّة لهذا الكتاب الجليل، تجول في الآفاق على صورتها الحجرية المنسقة في خطوطها على الطريقة الهندية، متداخلة الحواشي، منمنمة السطور، مستديرة العبارات المعلقة على هوامش الصفحات وطررها، بالإضافة إلى العبارات البيانية القصيرة المتداخلة بين السطور.
وهي بلا ريب صعبة القراءة على أهل زماننا، بل على أهل ذلك الزمان الغابر، باستثناء علماء الهند الذين ألِفوا هذا الأسلوب من الطباعة وتمرَّسوا عليه، ونزَرٌ يسيرٌ من علماء العرب الذين تدرَّبوا رويدًا رويدًا، حتى تمهَّروا بقراءتها دون عناء.
فكان ذلك داعيًا لإخراج هذه الطبعة الأنيقة الجميلة التي تقرِّب البعيد، وتذلِّل الصعب، وتُسَهِّل الوعر، أعدَّها وأخرجها وأضاف إليها - من الزوائد والفوائد المتممة الرافدة، ما جعلها من فرائد الكنوز -: أخوثا وصديقنا الفاضل الدكتور تقي الدين الندوي.
وهو أحد علماء الحديث المبرَّزين في الهند، تخرج في دار العلوم بندوة العلماء في لكناؤ، وقرأ على فضلاء مشايخها، من أمثال الشيخ حليم عطاء السلوني (ت ١٣٧٤ هـ)، وتتلمذ كذلك على العلَّامة محمد زكريا الكاندهلوي (ت ١٤٠٢ هـ)، ثم صحبه وعمل معه في خدمة الحديث وشروحه، تنقيحًا وتعليقًا، وحُسْنَ إعداد لطباعتها، فاعتنى بـ "بذل المجهود في شرح سنن أبي داود" للعلَّامة المحدث الشيخ خليل أحمد السهارنفوري
[ ١ / ٤٠ ]
(ت ١٣٤٦ هـ)، و"أوجز المسالك إلى موطأ مالك" لشيخه محمد زكريا، و"الزهد الكبير" للإمام البيهقي.
واشتغل بتدريس الحديث وعلومه في دار العلوم بندوة العلماء، ثم استقر به النوى في جامعة الإمارات العربية المتحدة بالعين.
وصرف عنايته للبحث والتأليف والتحقيق في هذا الميدان، حتى صار أحد فرسانه، ورزقه الله تعالى همةً عاليةً، وجلَدًا ماضيًا على البحث ومكابدة مشاقه في دأب لا كلل فيه ولا ملل.
ومن قرأ تعليقاته على كتاب "التعليق الممجد" أو "ظفر الأماني" لعلَّامة زمانه في الهند عبد الحي اللكنوي، عرف الشأو الذي بلغه في الاطلاع والمعرفة بالحديث وفنونه، أجزل الله له المثوبة فيما قدم، وبارك في أعماله وأوقاته، ومتعه بدوام العون والتوفيق لخير المقاصد.
وها هو ذا اليوم يخرِّج لأهل العلم وطلابه والمشتغلين به هذه الحاشية النفيسة في حلة قشيبة أنيقة، ثمرتها طيبة، وقطوفها دانية، وطعمها سائغ مريء، بعد ما سلخ في إعدادها ما يُنيِّف على عقد من السنين، يُسنده في عمله هذا خبرة شخصية في التحقيق والتأليف والبحث، تجاوزت خمسين سنة، فاستحق بذلك أن يذكر له هذا الجهد فيشكر، ويحظى بالتقدير من كل مشتغل بالسنة وعلومها.
فإن إصدار نسخة مصححة ومنقحة تنقيحًا دقيقًا، يسد بلا ريب حاجة الدارسين والمدرسين لهذا الكتاب الجليل الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله المجيد.
أجل! فلقد استعان في تصحيح أصل الكتاب على نسخة الصغاني التي تعتبر أساسًا في عمله هذا، بما طالته يده من نسخ "البخاري"
[ ١ / ٤١ ]
الأخرى، وفي مقدمتها النسخة السلطانية المطبوعة بالمطبعة الأميرية ببولاق، في العام ١٣١١ هـ، وهي نسخة محققة ومقابلة على عشرات الأصول، وفي مقدمتها نسخة اليونيني المشار إليها في السابق.
وتتبع - حفظه الله - المصادر والموارد التي اعتمد عليها العلَّامة السهارنفوري، فحصل عليها - مخطوطِها ومطبوعِها - على ما في ذلك من العسر وبهْض التكاليف، وفي ذلك يقول: "ونحن بذلنا جهودًا جبارة للحصول على هذه المصادر المخطوطة من المكتبات، وتحصلناها بحمد الله كلها إلا كتاب "فيض الباري" للشيخ عبد الأول الجونفوري، الذي هو من مصادر كتاب "غاية التوضيح"، وهو موجود عندنا" (^١).
وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول: إن ما قدَّمه أخونا وصديقنا الدكتور الندوي، لدينه وأمته بإخراج هذا الكتاب، لا يوفيه عليه أجره إلا الله ﷾.
والحمد لله في البدء والختام
أ. د. عبدُ الله بن عبد المُحسِن التُّركي
الأمينُ العامُّ لرابطة العالم الإسلامي
١٧/ ١١/ ١٤٣٠ هـ
_________________
(١) من مقدمة المحقق: "خصائص الشرح".
[ ١ / ٤٢ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ