إنَّ أَعَزَّ ما تعتزُّ به أُمَّةٌ من الأُمَم وأعظم ما تفخر به: عَراقةُ تراثها وسموُّ حضارتها وصحَّةُ مرتكَزاتها ووثوقُ أصولها وسلامتُها، وإن أمة الإسلام تميزت على سائر الأُمم بما أكرمها اللّه به من صحة مصدريها - اللَّذَيْنِ تستمدّ منهما تصورَها لعالَمَي الغيب والشهادة، وتلتزم بهما في معتقداتها وعباداتها ومعاملاتها وتهتدي بهما في بناء حضارتها وتمدُّنِها - الكتابِ والسنةِ.
فالقرآن العزيز وصل إلينا بلفظه ومعناه عن طريق التواتر المفيد للعلم الضروري القطعيّ، محفوظًا - بوعدٍ من اللّه - من أيّ تبديلٍ أو تحريفٍ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^١)، فقد حُفظ في الصدور وكُتب في السطور لحظةَ نزوله بدقَّة متناهية مطابقة تمامًا للصورة التي أنزله بها جبريل ﵇ من ربه ﷿ على قلب الرَّسول - ﷺ -.
ومما يَحسدنا عليه العدوُّ ويَغبطنا الصديق أن لغة القرآن والسنة التي
_________________
(١) سورة الحجر: ٩.
[ ١ / ٦٢ ]
هي العربية المشرَّفة ما تزال حيَّةً قويةً تتحدثها أجيال المسلمين وتكتبها في شتَّى أقطار الأرض، وتسجِّل بها علومَها وفنونَها وإبداعاتِها وأمجادَها، فلا زالت العربية وستبقى الوعاءَ الأنيقَ المتين لحضارة الإسلام وآدابه وتميُّزِه.
فأين هذا من توراة موسى ﵇ التي تعرضتْ للضياع فعاشت قُرابة ثمانية قرون نهْبَ النقل الشفوي، حتى إذا ما انتصف القرن الخامس قبل الميلاد حرّر عُزَيرُ [عَزْرا] نسخةً انتقاها من عديد الروايات الشفوية المختلفة، بلغةٍ هي مزيج من العِبْريَّة القديمة والبابِليَّة والآراليَّة، لا تَمَتُّ إلى لغة توراة موسى بنسَبٍ، فاتخذها اليهود كتابهم المقدس، وألَّهوا مؤلِّفَها ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (^١) جزاءَ حفظِه لها بعد تِيهٍ وضَياعٍ طويلَين. ولا تختلف الأناجيل عن التوراة فقد دُوِّنت رواياتها - بعد قُرابة نصف قرن من رفع عيسى، بالإغريقيَّة بعيدًا عن الآرامية لغة عيسى ﵇ - فكان عهدَا الكتاب المقدس القديم والجديد مترجمَين عن لغتهما الأمّ، والمترجِم - كما يقول المثل الروماني -: كذّاب.
أمَّا السُّنَّة المطهَّرة فوصلت إلينا نقيَّةً صافيةً خليَّةً عن الهوى بأسانيد مُتَّصلة بالعدول الأُمناء الضَّابطين فكانت محلّ ثقة الأُمَّة واطمئنانها.
ويُعَدُّ "صحيح الإمام البخاري"، واسطةَ عِقدِ أمهات كتب السنة ودواوينها المعتبرة، فقد تلقته الأُمَّة بالقبول، وأجمع العلماء المأمونون على أنه أصح كتاب بعد كتاب اللّه تعالى، كيف لا؟! والإمام البخاري من أعلم علماء الأُمَّة وأنقاهم وأتقاهم، وهو الذي بذل له المسلمون خالص
_________________
(١) سورة التوبة: ٣٠.
[ ١ / ٦٣ ]
حبهم وولائهم عرفانًا بجميل ما بذل في سبيل سنة الرَّسول الأكرم - ﷺ -، وما تحمَّله من أمانة تنوء بحِملها الجبال حتى قالوا له وقد محَّضوه وُدَّهُم ورضاهم:
المسلون بخيرٍ ما بقيتَ لهم … وليس بعدكَ خيرٌ حين تُفْتَقَدُ
وقد تلقى "الصحيح" عن الإمام البخاري آلاف الرواة العلماء، وأكبُّوا عليه حفظًا وتحقيقًا وشرحًا وتبليغًا، وقد تناقلت أجيال المسلمين نُسَخَه الصحيحة، وتبارَوا في خدمتها والعناية بها، حتى أضحتْ خدمة "صحيح البخاري" شرفًا وقُربى يتقرب بها أفاضل العلماء وصالِحو حكام المسلمين إلى اللّه تعالى.
والعلَّامة الشيخ تقي الدين الندوي وهو أحد فرسان خدمة السنة حفظًا وتأليفًا وتحقيقًا وتدريسًا أراد أن يتوِّج نصف قرن من العمل الدَّؤُوب والبذل والعطاء غيرِ المحدودَين بإخراج عمل جليل يُحيِي به نسخةً فريدةً لـ "صحيح البخاري"، ويُصْري به المكتبة الإسلامية، ويقدِّم للباحثين سِفْرًا بُذِل في إنجازه من الجهد والوقت ما جعله من الفرائد التي لا يُستغنى عنها، إنها نسخة "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول اللّه - ﷺ - وسننه وأيامه" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ)، بحاشية الإمام المحدث العلَّامة أحمد علي السهارنفوري (١٢٢٥ - ١٢٩٧ هـ)، التي طبعها سنة ١٢٦٧ هـ ١٨٥١/ م، فكانت أول طبعة و"صحيح البخاري" في الدنيا، وقد أعاد طبعها ثانية بعد خمس عشرة سنةً في ١٢٨٢ هـ / ١٨٦٥ م.
وهي نسخة تتميز باعتمادها على نسخٍ نادرةٍ وموثقةٍ لـ "صحيح البخاري"، لعل من أعرقِها نسخة العلَّامة أبي الفضل الحسن بن محمد
[ ١ / ٦٤ ]
الصغاني (٥٧٧ - ٦٥٠ هـ) المقابَلة على نسخةٍ مقروءةٍ على أبي عبد اللّه محمد بن يوسف الفربري (ت ٣٢٥ هـ) تلميذ الإمام البخاري، والذي تُعَدُّ روايته أشهرَ روايةٍ لـ "الجامع الصحيح"، حيث تلقَّاها سَماعًا من الإمام البخاري مرتين، الأولى بـ "فربر" سنة ثمان وأربعين ومائتين، والثانية ب "بخارى" سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
كما اعتمد العلَّامة السهارنفوري على نسخة شيخه مُسْنِد الهند المحدث محمد إسحاق سبط الشيخ عبد العزيز بن ولي اللّه الدهلوي، التي اتخذها أصلًا لشرحه، وهي نسخة اسْتَهْدَى في تحريرها بنسخة جدِّه عبد العزيز التي عوَّل فيها كثيرًا على نسخة أبيه الإمام ولي اللّه الدهلوي؛ إذ يلحَظ الناظر فيها تطابقَهما في الكثير من المباحث.
وقد أفاد الإمام ولي اللّه الدهلوي كثيرًا من نسخة عبد اللّه بن سالم البصري (ت ١١٣٤ هـ)، الذي قضى في تحقيقها وتدقيقها ومقابلتها بنسخة العلَّامة المتْقِن شرف الدين أبي الحسن علي اليونيني (٦٢١ - ٧٠١ هـ) وغيرها من النسخ المعتمدة لـ "صحيح البخاري"، ما يزيد على عشرين سنة.
وغنيٌّ عن البيان أن النسخة اليونينية تُعَدُّ أتقن نسخة لـ "صحيح البخاري"، وأجلّ أصل يوثَق به ويعوَّل عليه، فقد قابلها وعارضها على أربعة أصول معتمدة، وفي غاية الإتقان:
١ - أصلٍ مسموعٍ على الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَوي (٣٥٥ - ٤٣٤ هـ) الذي سمع "صحيح البخاري" من أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي (ت ٣٧٦ هـ)، وأبي محمد عبد اللّه بن أحمد بن حمُّويه السرخسي مسند خراسان (ت ٣٨١ هـ)، وأبي الهيثم محمد بن مكي الكُشْمِيهَني
[ ١ / ٦٥ ]
(المتوفى يوم عرفة من سنة ٣٨٩ هـ)، ثلاثتِهم عن شيخهم أبي عبد اللّه محمد بن يوسف الفِربري (ت ٣٢٠ هـ) عن الإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، ورواية أبي ذر هذه يعتبرها ابن حجر العسقلاني أتقن الروايات لضبطه نصوصَها وتمييزه اختلاف سياقها، كما أن أبا ذر - على مَلْحَظ العلَّامة الكتاني - عليه في الدنيا المدارُ في رواية "صحيح البخاري".
٢ - وأصلٍ مسموعٍ على الحافظ أبي محمد عبد اللّه بن إبراهيم الأصيلي (ت ٣٩٢ هـ) الذي أخذ "الصحيح" عن أبي زيد المروزي عن الفربري عن البخاري.
٣ - وأصل الحافظ محدث الشام ومؤرخه ثقة الدين أبي القاسم علي بن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١ هـ).
٤ - وأصلٍ مسموعٍ على مُسْنِد الآفاق الإمام أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السِّجْزي المالِيني (٤٥٨ - ٥٥٣ هـ)، الذي سمع "الصحيح" من جمال الإسلام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي (٣٧٤ - ٤٦٧ هـ) ببوشَنْج، وكان آخر من روى في الدنيا عنه، والعلَّامة الداودي كان مُسْنِد عصره، وقد سمع "صحيح البخاري" من أبي محمد الحمُّوي السرخسي (ت ٣٨١ هـ) ببوشَنْج، الذي سمعه من الفربري عن الإمام البخاري ﵏ جميعًا.
وقد اجتمع لليونيني ﵀ أربع عشرة نسخة من نسخ "صحيح البخاري".
وقد قابل الحافظ اليونيني أصله الفريد بدمشق، فكان يقرأ ويتابعه جماعة من الفضلاء، ناظرين في نسخ معتمدة عليها، بحضور سيبويه عصره
[ ١ / ٦٦ ]
الإمام جمال الدين أبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن مالك الطائي الجَيَّاني اللغوي الأندلسي المشهور صاحب "الألفية"، و"لاميّة الأفعال"، و"شواهد التوضيح" (٦٠٠ - ٦٧٢ هـ)، مع حضور أصلَي سماعَي الأثري عالم الحفّاظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي (٥٤١ - ٦٠٠ هـ). وكان الحافظ اليونيني ﵀ يبالغ في ضبط ألفاظ أصله وتدقيق حركاته ومقابلته، حتى إن الحافظ الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشْرة مرةً.
ومما لا ينبغي إغفاله كذلك هو أن العلَّامة السهارنفوري رجع إلى "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني المصري صاحب "المواهب اللدُنِّيَّة" (ت ٩٢٣ هـ)، الذي اعتمد نسخة اليونيني حيث وقف على نسخ مقابلة عليها، لعل من أجلِّها نسخة الإمام المحدِّث شمس الدين محمد بن أحمد المِزِّي الغَزُولي الذي قابل نسخته على أصل اليونيني غير مرَّة، فلم يغادِر منه شيئًا، كما تَوَّجَ القسطلاني جهوده في خدمة "الإرشاد" بمقابلته بأصل اليونينية الذي حصل عليه بعد ختم شرحه، فقابل عليه متن شرح الكتاب، وكملت بذلك مقابلته عليه جميعًا (^١).
لقد استحضر الشيخ أحمد علي السهارنفوري كلَّ هذا الفيض من النسخ الموثقة والأصول الثابتة لاستخدامها في بناء نسخته الفريدة من "الجامع الصحيح"، ووضع حاشيته الحافلة عليها، وهي حاشية دبَّجها - كما يقول الشيخ تقي الدين الندوي - بالحقائق العلمية والمباحث النادرة والمسائل الفنية والنكت العجيبة والشروح الثمينة لمبهمات الجامع
_________________
(١) انظر: "إرشاد الساري" (١/ ٧٠ - ٧١).
[ ١ / ٦٧ ]
ومشكلاته وغيرها، حتى غدت نسختُه من أوثق نسخ "الصحيح"، وأجودِها، إِلَّا أن هذا الكنز الثمين كان قد قُدِّم في طبعة حجرية على طريقة قدماء علماء الهند، الأمر الذي جعله عَصيًّا على الاستغلال الناجع؛ إذ لا يستطيع حلَّ مغاليقِه إِلَّا علماء الهند الذين أَلِفُوا هذا الأسلوب من الطباعة، وتَمَرَّسُوا عليه، والنزر القليل من العلماء العرب، أما عامَّةُ القراء من طَلَبة العلم العرب فيعسُرُ عليهم اجتناءُ ثِماره إن لم نقلْ يتعذر ذلك.
والشيخ تقي الدين بإخراجه هذه النسخة النادرة يكون قد هيّأ للجميع فرصة الاستفادة منها ومن فرائدها؛ إذ يَزُفُّها إلى مُحِبِّي صحيح سنة الرَّسول الأعظم - ﷺ - في حلّة فاخرة، وبأسلوبٍ متداوَلٍ لدى عامّة قرّاء العصر، وكان وهو يتهيأ لتحقيق هذا السفر الفريد وتدقيقه وضبطه، قد استحضر - حفظه اللّه - كلَّ المصادر والموارد التي اعتمدها العلَّامة السهارنفوري مخطوطِها ومطبوعِها على عُسر ذلك وصعوبته وتكاليفه، كما استخدم كل ما طالتْه يدُه من نسخ "البخاري" الأخرى، وفي مقدمتها النسخة السلطانية التي أمر بإخراجها في أكمل صورة الخليفة العثماني الرابع والثلاثون السلطان عبد الحميد الثاني - طيَّب اللّه ثراه - (^١)، وهي نسخة محقَّقة مقابلة على عشرات الأصول، وفي مقدمتها نسخة اليونيني، ودقِّقتْ من ستة عشر عالمًا من نُجباء علماء الأزهر الشريف، وطبعت سنة ١٣١١ هـ بمطبعة بولاق، فكانت مفخرة هذه الطبعة، وتاجَ النسخ بلا منازعٍ.
والشيخ تقي الدين الندوي وظَّف خِبْرةَ أكثر من نصف قرن من الدراسة والبحث والتحقيق، في خدمة هذا السفر الجليل، فقدَّم نصوصًا
_________________
(١) ولد سنة ١٢٥٧ هـ/ ١٨٤٢ م، وتوفي ﵀ سنة ١٣٢٦ هـ/ ١٩١٨ م، وتولَّى الخلافة سنة ١٢٩٢ هـ / ١٨٧٦ م.
[ ١ / ٦٨ ]
ونسخًا من "الصحيح" حَسيبةً نَسيبةً لا دَعِيَّ فيها، جليَّةً لا غموض فيها، حافلةً بألوان من العلوم والمعارف تُنِيرُ العقل، وتُسْعِدُ القلبَ وتُطَمْئِنُ النفسَ.
إن ما قدّمه الشيخ الندوي لدينه وأمته بإخراجه هذا السفرَ الجليلَ لا يوفيه عليه أجره إِلَّا اللّه، فنسأله تعالى أن يُجزِل له المثوبة ويُعلِي له الدرجة، وأن يُرضيه ويرضى عنه.
وصلَّى اللّه على سيِّدنا محمَّد خاتم النبيِّين، وسيِّد المرسلين المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان ودعا بدعوة الإسلام إلى يوم الدِّين.
والحمد للّه ربّ العالمين
أ. د. أبو لبابة الطَّاهر صالح حسِين
مدينة العين - الجمعة ١٣ جمادى الأولى ١٤٣٠ هـ
[٠٨/ ٠٥/ ٢٠٠٩ م]
[ ١ / ٦٩ ]
صورة الصفحة الأولى من نسخة السهارنفوري في المطبع الأحمدي بدهلي
[ ١ / ٧٠ ]
صورة نسخة السهارنفوري في أصح المطابع بدهلي
[ ١ / ٧١ ]
صورة الصفحة الأولى من نسخة الصغاني
[ ١ / ٧٢ ]