الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الأنبياء والمرسلين، خاتَم النبيِّين، سيِّدنا محمَّد بن عبد الله الأمين، وعلى آله وأصحابه الغُرِّ المَيامين، ومَن تبعهم بإحسان ودعا بدعوتهم إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فقد أنزل الله تعالى كتابه العظيم "القرآن" العربيّ المبين؛ ليكون هدايةً للعالمين، وقُدوةً وإمامًا لحياة عباده المؤمنين، فهو بكونه كلامًا لرب العالمين أقدس كلام وأجلُّه ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (^١)، وهو مصدر الشريعة الإسلامية الأعلى ومأخذ أساسيٌّ أعلى لأوامره وأحكامه لعباده الصالحين.
ثم ألْحق الله به ما أنزله على رسوله خاتم النبيين - ﷺ - من وحي غير متلوٍّ لبيان ما يفتقر إليه عباده، لامتثال أوامره، فجاء ذلك من رسوله العظيم قولًا وعملًا؛ أمر الله تعالى عباده باتباعه مع اتباع ما ورد
_________________
(١) سورة حم السجدة (فصلت): ٤١ - ٤٢.
[ ١ / ٤٣ ]
في كلامه المجيد ليكونوا مؤمنين صادقين، قال الله تعالى عن كلام رسوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^١)، فكان كلامه بذلك وحيًا إلهيًّا يُتَّبَعُ ويُهتَدى به، وإنه لا يُتلى كما يُتلى الوحي القرآني لأنه ليس كلامًا مباشرًا لرب العالمين، ولكنه مأمور به من رب العالمين، فنحن مأمورون باتباعه مثل الوحي المتلوّ الذي يشتمل عليه القرآن الكريم، فكان حديث الرسول - ﷺ - بذلك مصدرًا للدين والشريعة أيضًا مع كلام الله المجيد.
أما أفعال الرسول - ﷺ - فهي أيضًا مثل أقواله - ﷺ -، وذلك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^٢)، وبذلك يصبح كلام رسول الله - ﷺ - وفعله وتقريره مصدرًا أساسيًّا أيضًا مع المصدر الأساسي الأول، وهو القرآن الكريم حاملًا للدين الإسلامي المَتين الذي أكمله الله على خاتم رسله محمد بن عبد الله النبيِّ الأُمِّي - ﷺ -، وأتمّ عليه نعمته بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٣)، فوجب بذلك الاعتناء بحديث الرسول - ﷺ - المشتمل على قوله وفعله وتقريره، بالإضافة إلى الاهتداء بكلام الله الكريم واتباعه.
وقد أدّى علماء الدين الإسلامي حق هذا الاعتناء في مجال الحديث النبوي الشريف بطلبه وروايته مع تحقيق الصحّة في رواته بالفَحْص عن أحوالهم في صدقهم ودقّة نقلهم له، وقد جاءوا في هذه الدقّة والأمانة
_________________
(١) سورة النجم: ٣، ٤.
(٢) سورة الأحزاب: ٢١.
(٣) سورة المائدة: ٣.
[ ١ / ٤٤ ]
بالعجب العُجاب، وذلك لكونه أيضًا مصدرًا أساسيًّا للشريعة الإسلامية وميزانًا وسَنَدًا لصِيانة الدين المتين وهداية المؤمنين إليه.
يقول العلَّامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي - رحمه الله تعالى - عن أهمية الحديث في الدين الإسلامي:
"إن الحديث ميزان عادل يستطيع المصلحون في كل عصر أن يَزِنوا فيه أعمال هذه الأُمَّة واتِّجاهاتها، ويعرفوا الانحراف الواقع في سَير هذه الأُمَّة، ولا يتأتّى الاعتدال الكامل في الأخلاق والأعمال إلا بالجمع بين القرآن والحديث الذي يملأ الفراغ الذي وقع بانتقال الرسول الأعظم محمد النبي الأمي - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، وهذه الفَجْوة لا بدّ منها في السنن الإلهية، فلولا الحديث الذي يُمَثِّلُ هذه الحياة المعتدلة الكاملة المتَّزِنة، ولولا التوجيهات النبوية الحكيمة، ولولا هذه الأحكام التي أخذ بها الرسول - ﷺ - للمجتمع الإسلامي لوقعت هذه الأُمَّة في إفراطٍ وتفريطٍ، واخْتَلَّ الاتِّزان، وفقد المثال العملي الذي حثَّ الله على الاقتداء به بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^١)، وبقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٢)، والذي يطلبه الإنسان ويستمد منه الثِّقَة والقوّة في الحياة، ويقتنع بأن تطبيق الأحكام الدينية على الحياة ميسور وواقع.
ثم الحديث النبوي الشريف زاخرٌ بالحياة والقوة والتأثير الذي لم يزل يبعث على الإنتاج والزهد والتقوى، ولم يزل باعثًا على محاربة الفساد والبدع، وحسبة المجتمع، ولم يزل يظهر بتأثيره، في كل عصر وبلد، من
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٢١.
(٢) سورة آل عمران: ٣١.
[ ١ / ٤٥ ]
رفع راية الإصلاح والتجديد، وحارب البدع والخرافات والعادات الجاهلية، ودعا إلى الدين الخالص والإسلام الصحيح، لذلك كله كان الحديث من حاجات هذة الأُمَّة الأساسية، وكان لا بدّ من تقييده وتسجيله وحفظه ونشره" (^١).
فوفَّق الله تعالى علماء ذلك الزمان لخدمة هذا العلم الشريف، حفظًا ونشرًا، ثم تقييدًا وتسجيلًا، وعلى رأسهم كان الإمام مالك بن أنس الأصبحي المدني صاحب "الموطأ" (٩٣ - ١٧٩ هـ)، والإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه الجعفي البخاري صاحب "الجامع الصحيح" (١٩٤ - ٢٥٦ هـ)، ويليهما أصحاب كتب الصحاح من أئمة الحديث الآخرين، ومن أهمهم أصحاب الكتب الصحاح الخمسة، وبخاصة منهم الإمام البخاري الذي امتاز كتابه من بين كتب الحديث باعتنائه الشديد بدقّة روايته وصحتها، حتى قيل عن كتابه "الصحيح": "إنه أصح الكتب بعد كتاب الله"، فكتابه "الجامع الصحيح" لا يزال سيبقى إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومَنْ عليها، متصدِّرًا كافة المراجع الحديثيَّة المعتمد عليها من قِبَل أهل العلم والبصيرة، وشاهدًا على الجهد الذي بذله الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - ﵀ - في سبيل الحِفاظ على السنة النبوية المشرَّفة، والأمانة التي اتَّصف بها مؤلف "الجامع الصحيح" أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي والذي عرف بين أقرانه بـ "البخاري"، وامتاز بين أقرانه ومعاصِرِيه بجَودة الحفظ وقوّة الاسترجاع لمتون الحديث وأسانيدها، ومن أجل بلوغ تلك المكانة الرائعة قطع الإمام البخاري المسافات الطُّوال، وفي خلال مدةٍ وجيزةٍ استطاع
_________________
(١) من مقدمة كتاب "في وطن الإمام البخاري" (ص: ١٠).
[ ١ / ٤٦ ]
جمع ذلك الكنز الفريد من الأحاديث النبوية، واختار من تلك المجموعة الأحاديث الصحاح، واحتاط في اختيارها، وأفردها في كتاب، وسمّاها "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه"، والذي اشتهر على مرّ الزمان باسم "الجامع الصحيح"، و"صحيح البخاري".
فقد أصبح الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - بذلك أكبر أعلام علماء الحديث حتى عُرِف بـ "أمير المؤمنين في الحديث" فانتهتْ إليه إمامته ورئاسته، واعترف أهل العلم والمعرفة بسبقه على المحدثين الآخرين، وتَلَقَّوا كتابه الجليل العظيم بالتقدير، واهتموا به اهتمامًا بالغًا، تدريسًا وشرحًا.
ولقد كان رحمه الله تعالى ورضي عنه من مدينة "بخارى"، وهي تقع في بلاد ما وراء النهر التي زخرت بظهور عَماليق من الرّجال في شتّى العلوم والمعرفة، وفي أعمال البطولة والقيادة.
وممَّن نَبَغوا في العهد الإسلامي الأول في هذه المنطقة صاحب "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله - ﷺ - ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن سورة بن موسى بن ضحاك السلمي الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩ هـ). وممَّن نَبَغوا في هذا العهد المنير في المناطق الأخرى في بلاد خراسان وغيرها الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري صاحب الكتاب الصحيح من حديث الرسول - ﷺ - (٢٠٤ - ٢٦١ هـ)، والإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني صاحب "السنن" (٢٠٢ - ٢٧٥ هـ)، والإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سِنان
[ ١ / ٤٧ ]
النسائي صاحب "السنن" (٢١٥ - ٣٠٣ هـ)، والإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني صاحب "السنن" (٢٠٩ - ٢٧٣ هـ).
ولكن الإمام البخاري قد سبق.
قضى الإمام البخاري حياته كلها في العكوف على طلب الحديث وروايته وحفظه وجمعه، واختار أصح الأحاديث إسنادًا وروايةً في كتاب جامع، يُعَدُّ أكبر أساطين الشريعة الإسلامية بعد كتاب الله تعالى.
والصحيح كما كتب شيخنا العلّامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله تعالى:
"شأن الإمام البخاري مع الحديث النبوي الصحيح شأن العاشق الصادق والمُحبِّ الوامِق مع الحبيب الذي أسبغ الله عليه نعمة الجمال والكمال، وكساه ثوبًا من الرَّوعة والجلال، فهو لا يكاد يملأ عينيه منه، وهو كلما نظر إليه اكتشف جديدًا من آيات جماله، فازداد افتنانًا وهُيامًا، ورأى جماله يتجدَّد في كل حين، وإذا الوجه غير الوجه، والجمال غير الجمال، فلا قديم في الحب ولا إعادة عند المحب، وصدق الشاعر:
يزيدُك وجهُه حُسْنًا … إذا ما زِدته نظرًا
ولذلك ترى الإمام البخاري لا يكاد يشبع من استخراج المسائل واستنباط الفوائد، والنزول إلى أعماق الحديث والتقاط الدرر منه، والخروج على قرائه بها، حتى يذكر حديثًا واحدًا أكثر من عشرين مرة، واستخرج أحكامًا وفوائد جديدة" (^١).
_________________
(١) مقدمة كتاب "في وطن الإمام البخاري".
[ ١ / ٤٨ ]
ومن حسن نيته وكمال إخلاصه أنه بدأ كتاب "الجامع الصحيح" بالحديث الذي رواه سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، وكذلك اختتم كتابه بالحديث الذي رواه سيدنا أبو هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، فبذلك أرشد الإمام البخاري إلى تصحيح الأهداف والأغراض، واستحضارِ النيات وتحسينها؛ لأن الأهداف والنيّات التي تَكمن في بناء الأبنية والأماكن الأثرية يكون فيها رياء وتفاخر عادة، ولكن يجب أن تكون خطتنا نزيهة فيها، وخالصة لوجه الله ﷾.
ولد الإمام البخاري ﵀ في "بخارى" في يوم الجمعة ١٣ شوّال المكرم سنة ١٩٤ هـ، ونشأ يتيمًا، وقام برحلة طويلة في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام، وسمع من نحو ألف شيخ منهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
كان من أوعية العلم، يتوقّد ذكاءً، لم يخلف بعده مثله في سَيَلان ذهنه وسرعة حفظه، وكان يقول: "صنفت كتاب "الصحيح" لست عشرة سنة، وخرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجةً". وهذه حقيقة اعترف بها الأعداء والأصدقاء بأن لا يوجد له مَثيل في أيّ كتاب بشري في أيّ أمة من الأُمم - أقبل عليه الناس درسًا وتدريسًا، شرحًا وتعليقًا، استدراكًا وتخريجًا، استنباطًا واستخراجًا، جزئيًّا وكلّيًّا -، وفي تاريخ العلم والحَضارة، عَبْر القرون والأجيال، وعَبْر الحدود والثغور.
[ ١ / ٤٩ ]
وكما قال الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي - ﵀ -: "فلو زعم زاعم أو ادّعى مدّع أنه لم يُعتنَ بكتاب بشري في أيّ ملة وديانة، وفي أيّ لغة وأدب، وفي أيّ موضوع ومقصد، وفي أيّ عصر من العصور مثل ما اعتُنِي بـ "الجامع الصحيح" للإمام البخاري لما كان مجازفةً من القول، ولا مبالغةً في الدعوى، ولا إسرافًا في الحكم، ولكان لهذا القول وجاهة علمية ودلائل تاريخية قائمة على استعراض طويل - دقيق، محايد، أمين - للمكتبة العلمية العالمية، ونِتاج العقول والأقلام ومحصول القرائح والهمم من فجر التاريخ إلى يوم الناس هذا" (^١).
أما شروح "صحيح البخاري" فهي - كما ذكر الشيخ الدكتور تقيّ الدِّين النَّدوي حفظه الله تعالى ورعاه - أكثر من مئاتٍ من شروح وتعليقات:
"وقد عدّ الشيخ عصام الحسيني ما تَيَسَّر له من الشروح والتعليقات على "صحيح البخاري" ما بلغ (٣٧٥) مؤلَّفًا، في كتاب له بعنوان: "إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على "صحيح البخاري""، وقد يكون عددها أكثر من هذا، وفي الزَّوايا خَبايا، لم تقع عليها عين، ولم تطلع عليها شمس".
قال العلَّامة أبو الحسن الندوي في تقديمه على "لامع الدراري": "اتفاق الأمة وعلمائها على أصحية كتاب البخاري ﵀ وفضله على سائر الكتب ليس مجرد اتفاق ومصادفة، بل كان هذا الاتفاق إلهامًا من الله تعالى مكافأة على ما قام به مؤلف هذا الكتاب من جهاد في تأليف
_________________
(١) راجع: نظرات في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٥٠ ]
هذا الكتاب واستنباط المسائل الدقيقة في تراجمه بأن قيّض اللّه تعالى أفواجًا من العلماء والأذكياء في كل عصر ومصر يخدمون كتابه بصنوف من الخدمة، وأنواع من الجهد، ولم تخطر ببال أيّ جماعة قبلهم، ولم تَتَيَسَّرْ لكتاب بعد كتاب اللّه. وأشعل قلوبهم حُبّ هذا الكتاب، وكان لكل بلد من البلاد التي فتحها الإسلام الحنيف، واستقرّ فيها المسلمون نصيبٌ من الخدمة لهذا الكتاب العظيم، وهو يختلف من بلد إلى الآخر قلةً وكثرةً.
وقد أصبح شعارًا لنبوغ الأستاذ ورسوخه في علوم الحديث والأثر اقتدارُه على صناعة التدريس والتفهيم لهذا الكتاب، ويَتَجلّى فيه امتيازُ معلّمٍ على معلّمٍ، وتفوّق أستاذٍ على أستاذٍ، فلا يُعتبَر الطالب عالمًا إِلَّا إذا قرأ هذا الكتاب بدقةٍ وإمعانٍ، وجهدٍ وإتقانٍ".
ولعلماء الهند مؤلَّفاتٌ جليلةٌ في فنون الحديث وشروح لأمهات كتب تلقاها العلماء بالقبول من المعنيين بدراسة كتاب الإمام البخاري وتعليمه.
أما نسخته الحاملة للحاشية التي قام بكتابتها الشيخ الجليل العلَّامة المحدث أحمد علي السهارنفوري ﵀ فهي أكثر جمعًا لما يتطلبه طالب الحديث من إبانة وشرح، وقد طبع الكتاب حاملًا لها في الهند لأول مرة، وعكف عليها العلماء دراسةً واستفادةً، وكانت أكثر نسخه إفادةً وجمعًا لما يفتقر إليه دارس الكتاب، وقد أصبحت بخصائصها هذه ممتازة بين النسخ الأخرى من الكتاب.
كان الشيخ الجليل العلَّامة أحمد علي السهارنفوري ﵀ (١٢٢٥ - ١٢٩٧ هـ) من أهم من اعتنوا بعلم الحديث في زمنه، درس
[ ١ / ٥١ ]
على عظماء المدرسين لهذا العلم الشريف، مثل العالم الجليل المفتي إلهي بخش الكاندهلوي (١١٦٢ - ١٢٤٥ هـ) - تلميذ العلَّامة المحدث الشيخ عبد العزيز الدهلوي -، ومولانا سعادت علي فقيه السهارنفوري (ت ١٢٨٦ هـ) - مؤسِّس جامعة مظاهر العلوم بسهارنفور الذي كان من بقية رهْط الإمام السيد أحمد بن عرفان الشهيد (ت ١٢٤٦ هـ) -، ومولانا وجيه الدين السهارنفوري - تلميذ الشيخ العلّامه عبد الحي البدهانوي (ت ١٢٤٣ هـ) - خَتَن الشيخ عبد العزيز الدهلوي وتلميذه -، وتتلْمَذ بصورةٍ خاصةٍ على المحدث الكبير الشيخ محمد إسحاق بن محمد أفضل العمري الدهلوي المهاجر المكي (١١٩٧ - ١٢٦٢ هـ) - تلميذ العلَّامة المحدث الكبير الشيخ عبد العزيز (١١٥٩ - ١٢٣٩ هـ)، ابن الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ "ولي اللّه الدهلوي" -، فإنه رحل إلى الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسعد وتبرك بالإقامة بجوار النَّبِيّ الكريم - ﷺ -، ثم رجع إلى الهند، وأوصاه شيخه محمد إسحاق بن محمد أفضل العمري الدهلوي بالاشتغال بخدمة الحديث النبوي الشريف.
ولمَّا عاد الشيخ من الحرمين الشريفين إلى الهند قام بتدريس الحديث ونشره، وأسّس "المطبعة الأحمدية" بدهلي، وطبع فيها كتب الحديث، وحلّاها بالحواشي المفيدة سيّما "صحيح البخاري" في نحو من عشر سنين، فصحَّحه وكتب عليه حاشيةً مبسوطةً.
وبعد الثورة الإنكليزية المعروفة بـ "ثورة سنة ١٨٥٧ م" خربت المطبعة المذكورة في هذه الحادثة، وضاعتْ مكتبتُه واحترقتْ، ثم أقامها الشيخ بعدها بمدينة مِيرَتْ، وطبع "الجامع الصحيح"، وبعد ذلك تتابعتْ طباعتُه من عدَّة مطابعَ في دهلي ومومبائي، ومع ذلك طبعت الكتب الحديثية
[ ١ / ٥٢ ]
الأخرى من الصحاح و"مشكاة المصابيح"، و"الموطأ"، ومن كتب رجال الحديث "تقريب التهذيب"، ومن كتب الأدعية "الحصن الحصين"، وغيرها من الكتب، كلها من جهود العلَّامة أحمد علي المحدث ﵀.
ثم اشتغل بتدريس الحديث النبوي الشريف؛ فأكبَّ عليه العلماء والدّارِسون الذين بَعُدَ صِيتُهم في معرفة فوائد هذا الكتاب الجليل، وكان منهم الشيخ محمد قاسم النانوتوي (ت ١٢٩٧ هـ) مؤسِّس الجامعة الإسلامية بديوبند، والشيخ رشيد أحمد الكنكوهي المربِّي الكبير (ت ١٣٢٣ هـ)، والعلَّامة شبلي النعماني (ت ١٣٣٢ هـ) أول مشرف تعليمي بندوة العلماء، والشيخ محمد علي المونكيري مؤسس ندوة العلماء (ت ١٣٤٦ هـ)، والشيخ محمد أمين بن طه الحسني النصير آبادي (ت ١٣٤٩ هـ)، والشيخ يعقوب النانوتوي (ت ١٣٥٢ هـ)، والشيخ محمد مظهر النانوتوي (ت ١٣٠٢ هـ)، والشيخ عبد اللّه التونكي (ت ١٣٣٩ هـ) عميد دار العلوم ندوة العلماء لكناؤ، وغيرهم من العلماء والمشايخ الكبار.
ولمَّا أُسِّست جامعة مظاهر العلوم بمدينة سهارنفور كان من أكبر مدرسيها، ومن أنجاله الشيخ حبيب الرحمن السهارنفوري (ت ١٣٣٧ هـ) والشيخ خليل الرحمن السهارنفوري (ت ١٣٥٣ هـ) أيضًا، استفادَا من والدهما في الحديث، وساعداه في تحقيق كتب الحديث وطبعها، وبخاصة بعد وفاة أبيهما - الشيخ أحمد علي بن لطف اللّه السهارنفوري -، فاهتما بطبع النسخة المصححة والمشروحة لـ "صحيح الإمام البخاري" التي تمّ طبعها في مطبعة مصطفائي بالهند سنة ١٣١١ هـ. وقد شغل الشيخ خليل الرحمن السهارنفوري منصب رئيس إداري لندوة العلماء مدة من الزمن، وبذلك أحرزت جامعة ندوة العلماء كذلك نسبة علمية بالشيخ أحمد علي السهارنفوري بواسطة نجله العظيم.
[ ١ / ٥٣ ]
هذه النسخة المخدومة خدمة باهرة من العلَّامة المحدث الجليل أحمد علي السهارنفوري قد قوبلت من دارسي "صحيح الإمام البخاري" باعتناء كبير، وأخذها أخيرًا الأخ المكرم فضيلة الشيخ تقي الدين الندوي المظاهري أيضًا باعتناء كبير، ورأى أن يصدرها بعد خدمتها خدمة جامعة حافلة.
وفضيلة الشيخ تقي الدين الندوي من علماء الحديث الممتازين في الهند، درس فضيلته الحديث الشريف أولًا في ندوة العلماء، واستفاد من علمائها، ثم تتلمذ أمام سماحة الشيخ محمد زكريا شيخ الحديث بمظاهر العلوم، وإنه رأى هذه النسخة الجليلة مع حاشية العلَّامة الشيخ أحمد علي السهارنفوري لا تزال على طبعتها على الحجر، فرأى أنها بحاجة إلى تنقيحها وسَدّ ما نجد فيها من خلل مطبعي لكونها طبعة حجرية، كما أنها بحاجة إلى مقارنتها بنسخ أخرى مما لم تكن حصلت لفضيلة الشيخ السهارنفوري، وحصلت فيما بعده، فقرّر الشيخ تقي الدين بذل جهده في هذا الصَّدَد فاختارها.
وكان الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي قد اشتغل بخدمة الحديث النبوي الشريف تدريسًا وبحثًا منذ تخرج من دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ، واستفاد فيها من رئيس قسم الحديث فيها فضيلة الشيخ حليم عطا السَّلوني رحمه اللّه تعالى (ت ١٣٧٤ هـ)، واستفاد بعده استفادة أكثر وأوفق من كبير علماء الحديث الشريف في الهند سماحة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي شيخ الحديث في جامعة مظاهر العلوم بسهارنفور، وقضى في ذلك أكثر من خمسين سنة، شغل خلالها منصب أستاذ الحديث في ندوة العلماء وفي غيرها في الهند، وانتقل بعده إلى الإمارات العربية المتحدة، وذلك منذ ثلاثين سنة كأستاذ في قسم الحديث بجامعة الإمارات، واستمرَّ
[ ١ / ٥٤ ]
اتصاله في هذه المدة الطويلة مع أستاذه الخالص في الحديث الشريف وشيخ الحديث في جامعة مظاهر العلوم بسهارنفور فضيلة العلَّامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ﵀ (ت ١٤٠٢ هـ) اتّصالًا وثيقًا، والتعاون معه في خدمة شروح الحديث تنقيحًا وتعليقًا وإعدادًا حسنًا لطبعها طبعًا جميلًا، فخدم هذا العلم المبارك تحت إشراف شيخه العلَّامة محمد زكريا الكاندهلوي - ﵀ رحمةً واسعةً - تدريسًا وتحقيقًا وتأليفًا.
واعتنى بِعَدد من شروح كتب الصحاح مثل كتاب "بذل المجهود في شرح سنن أبي داود" للعلَّامة المحدّث الجليل الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (ت ١٣٤٦ هـ)، وكتاب "أوجز المسألك إلى موطأ الإمام مالك" للعلَّامة المحدِّث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، وكتاب "الزُّهد الكبير" للإمام البيهقيّ، وكتاب"التعليق المُمَجَّد على موطأ الإمام محمد" للعلَّامة عبد الحي اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ)، وكتاب "ظفر الأماني بشرح مختصر الإمام الجرجاني" للعلَّامة عبد الحي اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ)، حتى قام بإعداد نسخةٍ محقَّقةٍ تحقيقًا كاملًا و"الجامع الصحيح" لإمام المحدّثين أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ﵀ التي كان أعدّها الشيخ أحمد علي السهارنفوري ﵀، فكان يعتمد عليها أساتذة هذا الكتاب الجليل من بعده، كالعلَّامة المحدث الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، والشيخ محمد قاسم النانوتوي، والعلَّامة عبد الحي اللكنوي، والشيخ محمود حسن الديوبندي (ت ١٣٣٩ هـ) والعلَّامة أَنْوَر شاه الكشميري (ت ١٣٥٢ هـ)، والشيخ حسين أحمد المدني (ت ١٣٧٧ هـ)، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي (ت ١٤٠٢ هـ)، والعلَّامة محمد يوسف البِنَّوري (ت ١٣٩٧ هـ)، والشيخ عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣ هـ) رحمهم اللّه تعالى، إلى أن اختار النسخة المشروحة شرحًا متقنًا ومفيدًا لـ "الجامع
[ ١ / ٥٥ ]
الصحيح" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه اللّه تعالى، وهذه السعادة سعادة لا تعادلها أيّ سعادةٍ علميةٍ.
يقول الدكتور تقي الدين الندوي في مقدمته عن القيام بمُهِمَّته في هذا المجال:
"كان يصرُّ على منذ زمان بعض أساتذة الجامعات العربية المتخصّصين في علوم الحديث الشريف أن أخدم "الجامع الصحيح" للإمام البخاري بحاشية الإمام المحدث أحمد علي السهارنفوري فاعتذرت إليهم اعتذارًا لِكِبَر سنِّي وكثرة أشغالي، ولكن ازداد إصرارُهم على ذلك فتوكلت على اللّه واشتغلت بخدمته".
واجتهد الشيخ تقي الدين الندوي في خدمة هذه النسخة الجليلة أبلغَ اجتهادٍ، فقد جمع كافة الشروح لـ "صحيح البخاري" من أقاصي البلاد وأكثر المكتبات والمطبعات في العالم، وبذل في ذلك جهدًا كبيرًا لمقارنة هذا الشرح مع الشروح الأخرى، ومنها النسخة اليونينية وغيرها، ومما انتفع به المحقق الفاضل الشيخ تقي الدين في هذا المجهود العلمي الجليل هو تعاون رجال الحكم المحبين لخدمة العلوم الدينية في دولة الإمارات العربية المتحدة من الذين كان منهم تقديرٌ واحتفالًا كبيرٌ بعمل الشيخ تقي الدين الجليل، وبذلك جاءت هذه النسخة بشرح "صحيح البخاري" نسخة الشيخ أحمد علي السهارنفوري كأهم نسخة وأجلها فائدة، وهي بعد طبعها ونشرها تكون أهم نسخة يعتمد عليها عند دارسي الحديث، واستحق الشيخ تقي الدين بها كل تقدير من المعنيين بدراسة الحديث النبوي الشريف وخاصة بـ "صحيح البخاري".
أما نسخة "الجامع الصحيح" التي أَعدَّها الشيخ أحمد علي
[ ١ / ٥٦ ]
السهارنفوري فقد كان فضيلته قد أعدَّها بالاستفادة من نسخة الإمام الصَّغاني اللاهَوري (ت ٦٥٠ هـ)، ومن أهمية تلك النسخة - أي نسخة الصغاني - أن الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب "فتح الباري" استفاد منها، وبالنسخة اليونينية وهي التي جعلها العلَّامة القسطلاني عُمدتَه في تحقيق متن الكتاب وضبطه حرفًا حرفًا وكلمةً كلمةً. وكما ذكر المحقق أن المحدث السهارنفوري جعل نسخة شيخه محمد إسحاق - التي قرأها عليه في مكة المكرمة، وهي التي كانت مطابِقة لنسخة الإمام ولي اللّه الدهلوي - أصلًا لشرحه، لكنه قد استفاد في متن الكتاب من نسخة الصغاني في كثير من المواضع، بل هي موافقة لنسخة الصغاني كثيرًا، وذكر المحقق أن المحدث السهارنفوري يعتمد على نسخة الصغاني كثيرًا، حتى لو ثبتت كلمة عند الصغاني فهي أيضًا موجودة في نسخة السهارنفوري، كما ذكر الشيخ تقي الدين.
وذكر الشيخ تقي الدين محقق هذه النسخة القيِّمة منهج السهارنفوري في التحقيق أنه قارن نسخته مع نسخٍ أخرى أيضًا، وكتب في الهامش اختلاف هذه النسخ، وأحيانًا يكتفي بالإشارة إلى النسخة في المتن والهامش، وأحيانًا يأتي برمز النسخة، وكذلك ذكر السهارنفوري في هامش كتابه فروقَ اختلاف النسخ، واختار منها أتقنها، ولو كانت هنالك كلمة رجّحها محدِّث أو هي في نسخةٍ فيصرِّح بذلك، وإذا اتفق على لفظ أو جملة أكثر المحدثين فيشير إلى جميعهم بالرموز.
ويقول: "إن الشيخ المحدث السهارنفوري اهتمّ كذلك ببيان العطف والمعطوف عليه، واللاحق والسابق، والجار والمجرور، ووضع لها علامات في النسخ الهندية لئلا يقع القارئ في الخطأ"، ولكن المحقق اكتفى في تحقيقه هذا ببيان التشكيل والإعراب؛ لأن الكتاب كله مشكَّل
[ ١ / ٥٧ ]
ببيان الإعراب من أوله إلى آخره فلا يحتاج إلى هذه الرموز كما صرّح به المحقق.
وذكر من خصائص شرح المحدِّث السهارنفوري أنه أتى في حاشيته بنِكاتٍ عجيبةٍ، وشرح مبهماتٍ، ومسائلَ فنيةٍ، وحقائقَ علميةٍ، ومباحثَ نادرةٍ. وإنه استفاد خلال تحقيقه وتعليقه من أربعة وستين (٦٤) مصدرًا، ومع ذلك فقد استفاد من غيرها من الكتب والمصادر، ومن هذه المصادر ما هو نادر الوجود ولم تطبع حتى الآن، كما ذكر المحقق - حفظه اللّه - عند ذكر هذه المصادر.
نظر في كل ذلك المحقق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي - زاده اللّه علمًا وتوفيقًا وبارك في جهوده وتقبَّلها -، وعَكَفَ على تحقيقِ وبحثِ ومقابلةِ النسخ الأخرى، وفحصِ ما وقع من خطأٍ مطبعي وغيره، وبذل قُصارَى جُهوده.
واستفاد من المصادر المخطوطة من المكتبات المختلفة، وزاد من نفع هذا الشرح الجليل المُهِمّ الفوائدَ المختلفةَ.
وعملُه في هذا المجال المقارنة بين نسخة المحدث السهارنفوري وبين غيرها من النسخ، منها:
النسخة السلطانية التي أمر بإعدادها وإخراجها الخليفة العثماني الرابع والثلاثون عبد الحميد الثاني (ت ١٣٢٦ هـ / ١٩١٨ م).
ونسخة عبد الله بن سالم البصري المخطوطة (ت ١١٣٤ هـ) الذي قضى في تحقيقها ومقارنتها بنسخة العلَّامة المتقن شرف الدين أبي الحسن علي اليونيني (ت ٧٠١ هـ).
[ ١ / ٥٨ ]
ونسخة الصغاني المخطوطة، وهي أم مصادر الشيخ المحدث السهارنفوري.
ورجعَ أيضًا إلى كتاب "الخير الجاري"، و"غاية التوضيح" للعثماني، وفي الأخير استفاد من "التوضيح" لابن الملقن الذي صدر حديثًا من دمشق، بالإضافة إلى الشروح المشهورة المقبولة كـ "فتح الباري" للعلَّامة الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، و"عمدة القاري" للعلَّامة بدر الدين محمود بن أحمد العيني (ت ٨٥٥ هـ)، و"إرشاد الساري" لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني صاحب "المواهب اللَّدُنية" (ت ٩٢٣ هـ)، وتخريج الأحاديث من الصّحاح الستِّ مع بيان أطراف الحديث.
وكما استفاد من إفادات الشيخ الإمام المحدث الجليل رشيد أحمد الكنكوهي (ت ١٣٢٣ هـ)، وشيخه الإمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي (ت ١٤٠٢ هـ) في "لامع الدراري"، و"الكنز المتواري"، ووضع الفهارس العامة الشاملة في آخر الكتاب، فجاءت نسخة هذا الكتاب الجليل كاملةً ومخدومةً بصورة أوسع وأخص.
فبذلك قام الدكتور تقي الدين الندوي - حفظه اللّه - بعمل جليل، وإخراج شرح هذا الكتاب العظيم حاملًا لفوائد عظيمة، واستحق بذلك تقديرًا وشكرًا وامتنانًا من قبل دارسي الحديث الشريف، وخدمة هذا الكتاب الجليل بأنه يقدِّم إلى العالم الإسلامي عامةً، وطلّاب السنة النبوية خاصّة، هذه التحفة النادرة الفريدة في أحسن صورة، وأتقن عمل، وأجمل ثوب، فجزاه اللّه تعالى أحسن ما يجزي عباده الصالحين، ويضع عمله هذا في ميزان حسناته.
[ ١ / ٥٩ ]
والمحقق الفاضل فضيلة الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي من أعز إخواننا منذ دراسته في ندوة العلماء، وكان دائم الاتصال بنا، وكنت أرى اختصاصه في الحديث الشريف، وأقدِّر مساعيه في العناية بالكتب الحديثية وشروحها تحقيقًا وإخراجًا. وعكوفه على خدمة هذا الفن الجليل قد أوجد فيه إتقانًا ومعرفةً واسعةً ساعدته في أعمال التحقيق والبحث في كتب الحديث.
وقد أنشأ مركزًا علميًا عالميًّا لخدمة هذا الفن الكريم تحقيقًا وبحثًا في الجامعة الإسلامية التي أسَّسَها في وطنه "أعظم كراه" بالولاية الشمالية في الهند، باسم "مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية"، وهذه الجامعة والمركز يقومان بتدريب طلبة العلم على الدراسة والبحث والتحقيق، وتخريجهم في العلوم الإسلامية.
ولهذه الجامعة والمركز اتصال وثيق بندوة العلماء بلكناؤ (الهند)، وكل ذلك بإشراف أخينا الفاضل العزيز المحترم الشيخ تقي الدين الندوي حفظه اللّه.
وكان اتصاله بسماحة العلَّامة الشيخ السيد أبي الحسن الندوي رحمه اللّه تعالى (١٣٣٢ - ١٤٢٠ هـ) منذ دراسته في دار العلوم بندوة العلماء اتصال التلميذ بالأستاذ، وكان سماحته يعتني به اعتناءً لائقًا، ويقدره باختصاصه في دراسة الحديث وتدريسه، وأعمال البحث والتحقيق. والشيخ تقي الدين كان يستشيره في شؤونه العلمية والعملية، ويعمل حسب إشارته، وهو الذي اقترح عليه بالاستفادة من كبير علماء الحديث سماحة العلَّامة الشيخ محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي (١٣١٥ - ١٤٠٢ هـ)، والعمل حسب إشارته في مجال خدمة الحديث، وهذا الاتصال بالشيخين الجليلَين دام طول حياتَيهما.
[ ١ / ٦٠ ]
والشيخ تقي الدين يعُدُّني كأخٍ كبيرٍ له أيضًا، وبناءً على ذلك أصرَّ إصرارًا شديدًا أن تكون لي كلمة على إصدار هذا الكتاب الجليل المحقق بسعْيه المفيد، تقبّل اللّه سعي أخينا الشيخ تقي الدين في هذا، وأَجْزَل عليه جزاءه الأوفى، فمنه التوفيق لصالح الأعمال والجزاء عليها.
وصلَّى اللّه تعالى على خير خلقه النَّبِيّ الكريم محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد للّه أوَّلًا وآخرًا
كتبه
محمَّد الرَّابع الحسنيّ النَّدوي
رئيس ندوة العلماء، لكناؤ (الهند)
٢٥/ ٠٧ / ١٤٣٠ هـ
١٩/ ٠٧/ ٢٠٠٩ م
[ ١ / ٦١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم