الْحمدُ لله الذي فضّل العُلماءَ بِوِراثة الأنبياء، وجعلَهم كنجُوم الهُدَى يُهتدَى بهم في اللَّيالي الظَّلْماء، ومنْ أراد اللهُ به خيرًا جَعَلَه من السَّادة الفُقهاء.
والصَّلاةُ والسَّلامُ الأتمَّانِ الأكْمَلان على سيِّدنا محمَّدٍ خاتمِ الأنبياء، وسيِّد الأتقياء، ومُخْرِجِ النَّاسِ من الظُّلُمات إلى النُّور والضِّياء، وعلى آلِه وأصحابه السَّادة النُّجَباء، الوارِثِينَ عُلومَه وأنفاسَه، وعلى سائر الفُقهاء والمُحدِّثين والعُلماء من الأوَّلين والآخرين.
أمَّا بعد:
فكتاب "الْجَامِعِ الصَّحِيحِ الْمُشنَدِ الْمُخْتَصَرِ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَسُنَنِه وأيَّامِه" لأمير المؤمنين في الحديث وطبيبِه في عِلَل الحديث الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله تعالى -، قد اتَّفق علماء هذه الأُمَّة على أنه أصحّ الكتب بعد كتاب الله العزيز.
ولم تَعْتَنِ الأُمَّةُ الإسلاميةُ بعد الاعتناء بكتاب الله العزيز الحكيم مثل الاعتناء بـ "صحيح البخاري"، وبلغت غاية الجهد في إبراز علومه واستخراج معارفه وأسراره. وقد نال هذا الكتاب منزلة في العالم من القبول ما لا يُشَقُّ غباره ولا يساجل عياره؛ فقد تهافتَ العلماء على دراسة الكتاب وروايته ونقله، وتوارثت الأجيال في تلقِّيه جِيلًا بعد جيلٍ، وكابرًا عن كابرٍ، وتلميذًا
[ ١ / ٧ ]
عن أستاذٍ، وطبقةً عن طبقةٍ، واعتنوا به ضبطًا لنصوصه، واستنباطًا لأحكامه، وشرحًا لغريبه، وبيانًا لمشكلات إعرابه … إلى غير ذلك.
ولم يَحظ كتاب في المكتبة الإسلامية العالمية بعناية الناس مثل ما حَظِيَ كتاب "الجامع الصحيح" على حسب استقراء شيخنا في مقدمة "لامع الدراري" (^١)، إذ بلغ عدد شروحه وتعليقاته واحدًا وثلاثين ومائة كتابٍ.
وقد ذكر الشيخ عصام الحسيني ما تيسَّر له من الشروح والتعليقات على "صحيح البخاري"، فعددُ ما بلغ (٣٧٥) مؤلَّفًا، في كتاب له بعنوان "إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري" (^٢)، وقد يكون عددها أكثر من هذا، وفي الزوايا خبايا لم تقع عليها عينٌ ولم تطلع عليها شمسٌ.
قال العلَّامة أبو الحسن الندوي في تقديمه على "لامع الدراري" (^٣):
اتفاق الأُمَّة وعلمائها على أصحِّية كتاب البخاري، وفضلِه على سائر الكتب، ليس مجرد اتِّفاقٍ ومصادفةٍ، بل كان هذا الاتِّفاق إلهامًا من الله تعالى، مكافأةً على ما قام به مؤلِّف هذا الكتاب من جهادٍ في تأليفه، واستنباط المسائل الدقيقة في تراجمه، بأن قيَّض الله تعالى أفواجًا من العلماء والأذكياء في كل عصر ومصر يخدمون الكتاب بصنوفٍ من الخدمة وأنواعٍ من الجهد، لم تخطر ببالِ أيِّ جماعةٍ قبلهم، ولم تَتَيَسَّرْ لكتاب بعد كتاب الله، وأشْعَل في قلوبهم حُبَّ هذا الكتاب.
_________________
(١) (١/ ٣٥٣ - ٤٨٩).
(٢) طبع هذا الكتاب في سنة ١٤٠٧ هـ من دار اليمامة، بيروت.
(٣) (١/ ٦، ١٠).
[ ١ / ٨ ]
وكان لكل بلد من البلاد - التي فتحها الإسلام الحنيف، واستقرَّ فيها المسلمون - نصيب من الخدمة لهذا الكتاب العظيم، وهو يختلف من بلد إلى آخر قلّةً وكثرةً.
ومن المعروف أن لعلماء الهند نصيبًا غير منقوص في التمسك بهذا الكتاب والعكوف عليه درسًا وتدريسًا في العصر الأخير، فإنه لا يزال في قِمَّة الكتب الحديثيَّة التي تُدَرَّسُ في المدارس الدينية، ويُقرأ من أوله إلى آخره في آخر سِنِي الدراسة.
وقد أصبح شعارًا لنبوغ الأستاذ ورسوخه في علوم الحديث والأثرِ اقتدارُه على صناعةِ التدريس والتفهيم لهذا الكتاب، ويتجلَّى فيه امتيازُ معلِّمٍ عن معلِّمٍ، وتفوُّقُ أستاذٍ على أستاذٍ، فلا يُعتبَر الطالبُ عالمًا إلا إذا قرأ هذا الكتاب بدقَّةٍ وإمعانٍ وجُهدٍ وإتقانٍ.
ولعلماء الهند مؤلَّفاتٌ جليلةٌ في فنون الحديث وشروحٌ لأمَّهات كتبٍ تلقَّاها العلماء بالقبول (^١)، ومن أهم شروحهم: حاشية الإمام المحدِّث أحمد علي السهارنفوري على "الجامع الصحيح" التي نحن بصدد تحقيقها والتعليق عليها حتى أقدِّم هذا الكتاب إلى العالم الإسلامي والعربي في ثوبٍ قشيبٍ، وسأفصِّل الكلام عليه.
وقد رأيت من الواجب أن أعطي فكرة وجيزة عن المحدث أحمد علي السهارنفوري قبل ذلك.
* * *
_________________
(١) انظر: "الثقافة الإسلامية في الهند" (ص ١٤٣ - ١٦١)، و"المسلمون في الهند" (ص:٤٠).
[ ١ / ٩ ]