وذكر الشيخ محمد إسحاق في وثيقة إجازته أنه أجازه باثنين وعشرين كتابًا من التفسير والحديث، ونصُّ إجازته هي:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسَّلامُ على سيِّد المرسلين، وعلى آله وأصْحابه أجمعين.
أمَّا بعد:
فيقول العبد الضعيف محمَّد إسحاق - عفا الله عنه -: إنَّ الشيخ الناسك الحافظ أحمد علي السَّهارنفوري قد حصل قراءة كتب الحديث وسمعها عندي في مكة المعظمة - زادها الله شرفًا وتكريمًا - بهذا التفصيل:
إنَّ الحافظ الموصوف قرأ طرفًا من "صحيح البخاري" وطرفًا سمع بقراءة الغير عليَّ، وكتاب "تيسير الوصول"، و"الجامع" لأبي عيسى الترمذي، و"شمائله"، و"كتاب النسائي"، و"ابن ماجه" للقزويني، و"الموطأ" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، و"مسند أبي حنيفة" من رواية الحصكفي، و"العُدَّة" لمحمد بن محمد الجزري صاحب "الحصن الحصين"، قرأ عليَّ من أولها إلى آخرها بلا مشاركة الغير في القراءة. وكتاب "الصحيح" لمسلم، و"سنن أبي داود" أيضًا، أسندهما عليَّ بتمامهما قراءةً وسماعةً، و"مسند الدارمي"، قرأ عليّ قدرًا معتدًّا، وشيئًا من "الجامع الصغير" للسيوطي، و"مشكاة المصابيح"، و"الحصن الحصين"، و"الحزب الأعظم والوِرْد الأفخم" لعلي القاري.
[ ١ / ١١ ]
وأيضًا سمع بقراءة الغير عليَّ "شرح النخبة" في أصول الحديث، وقرأ عليّ من التفاسير شيئًا من "المعالم" للبغوي، و"البيضاوي"، و"الجلالين"، و"جامع البيان"، و"تفسير البيان".
وحصل لي الإجازة والقراءة والسماعة من الشيخ الأجل الحِبْر الأبجل الذي فاق بين الآفاق بالتميز أعني الشيخ عبد العزيز - رحمه الله تعالى -، وحصل له الإجازة والقراءة والسماعة من والده الشيخ ولي الله بن الشيخ عبد الرحيم الدهلوي، وأسانيد أكثر الكتب موجودة في تصانيفه.
وقد أجزتُ الحافظ الناسك الشيخ أحمد علي لقراءة الكتب المذكورة على أن يشتغل بها، ويعلِّم المستفيدين بالقراءة بالشُّروط المعتبَرة عند أهل الحديث، والله المُستعان، وعليه التُّكلان.
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.
(ختم) مُحمَّد إسحاق ١٢٥٨ هـ
ثُمَّ رحل الشيخ إلى المدينة المنورة وسَعِد وتبرَّك بالإقامة بجِوار النبي - ﷺ -، ثم رجع إلى الهند في سنة ١٢٦١ - ١٢٦٢ هـ[١٨٤٦ م].
وقد أوصاه شيخه الشَّاه محمد إسحاق بالاشتغال بخدمة الحديث، كما ذكر السهارنفوري في خِتام وثيقة إجازته ومقدِّمة حاشيته على "صحيح البخاري" أيضًا.
ولمَّا عاد الشيخ من الحرمين الشَّريفين إلى الهند قام بتدريس الحديث ونشره، وأسَّس "المطبعة الأحمدية" بـ "دهلي"، وطبع فيها كتب الحديث، وحلّاها بالحواشي المفيدة، سيَّما "صحيح البخاري" في نحوٍ من عشر سنين فصحّحه وكتب عليه حاشية مبسوطة، ونشر لأوَّل مرَّة في العالم
[ ١ / ١٢ ]
"الجامع الصحيح" للبخاري، وقد طُبع المجلَّد الأوَّل - أي نصف الكتاب - في سنة ١٢٦٧ هـ[مايو: ١٨٥١ م]، والمجلَّد الثَّاني - أي النصف الأخير - في محرم الحرام ١٢٧٠ هـ[١٨٥٣ م]، علمًا بأن "الصحيح" للبخاري طبع بعد عشر سنوات في العالم الإسلامي في مطبعة "بولاق" سنة ١٢٨٠ هـ في "القاهرة. وبعد الثَّورة الإنكليزية المعروفة بـ "ثورة سنة ١٨٥٧ م" خربتِ المطبعةُ المذكورة في هذه الحادثة وضاعتْ مكتبته واحترقتْ.
ثُمَّ أقام الشيخ بعدها "المطبعة الأحمدية" بمدينة "ميرت"، وطبع "الجامع الصحيح" في سنة ١٢٨٢ - ١٢٨٣ هـ[١٨٦٥ - ١٨٦٦ م]، وبعد ذلك تتابعت طباعتُه من عدَّة مطابعَ في "دهلي" و"مومباي".
وما طبع في "أصح المطابع" على "صحيح البخاري" من: "حلّ اللغات" (أي شرح الكلمات الغريبة)، ورسالة الإمام ولي الله الدهلوي: "الأبواب والتراجم"، كلها زيادة من صاحب "أصح المطابع".
وكذلك طُبعتْ بجهود الشيخ "سنن الترمذي" مع حاشيته له في سنة ١٢٦٥ هـ، و"صحيح مسلم" مع حاشية الإمام النووي في سنة ١٢٦٧ هـ، و"سنن أبي داود" في سنة ١٢٧١ - ١٢٧٢ هـ، و"مشكاة المصابيح" مع حاشيته في سنة ١٢٧٠ هـ، و"الحصن الحصين" في سنة ١٢٧١ هـ، و"تقريب التهذيب"، و"رسالة الجرجاني"، و"مقدمة الشيخ عبد الحق" في علوم الحديث، و"الموطأ" للإمام مالك، و"إرشاد الساري"، وغيرها من الكتب التي بلغتْ أربعين كتابًا أو أكثرَ، كلُّها طُبعتْ تحت إشراف الشيخ السهارنفوري، وطُبِعتْ بعضُ الرسائل التي ألَّفها أيضًا.
ثمَّ استوطن الشيخ آخر حياته في وطنه "سهارنفور"، واشتغل بتدريس الحديث فيها مدة اثنين وثلاثين عامًا (٣٢) في مدرسة عالية "مظاهر
[ ١ / ١٣ ]
العلوم"، وفي منزله أيضًا، وتخرّج من درسه مشاهير العلماء، منهم الشيخ إمداد الله المهاجر المكي، والشيخ محمد قاسم النانوتوي، والعلَّامة رشيد أحمد الجنجوهي، والشيخ محمد يعقوب الجنجوهي، والعلَّامة شبلي النعماني، والشيخ محمد علي المونكيري، والشيخ عبد الجبار العمر بوري، والشيخ سلامت الله الجيراجبوري، والشيخ عبد العلي الميرتي، والشيخ عبد الله الأنصاري الأنبيتهوي، والشيخ عبد الله التونكي، والشيخ محمد بن غلام السورتي، والشيخ وصي أحمد السورتي وغيرهم.
وتُوُفِّي بالفالج لسِتِّ ليال خلَون من جُمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين وألف، الموافق: ٠٣/ ٠٥/ ١٨٨٠ م بمدينة "سهارنفور" فدفن بها (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: "نزهة الخواطر" (٣/ ٩٠٧)، ومقدمة "اللامع" (١/ ٤٥٩)، ومقدمة "أوجز المسالك" (١/ ١٥١).
[ ١ / ١٤ ]