===
¬(^١) قوله: (كتاب الإيمان) أي هذا كتاب الإيمان، ويجوز نصبه، أي: خذه، ولمَّا كان باب بدء الوحي كالمقدمة لم يذكره بالكتاب، بل ذكره بالباب، ثم شرع بذكر الكتب على طريقة أبواب الفقه، وقدم كتاب الإيمان لأنه ملاك الأمر كله، إذ الباقي مبني عليه مشروط به، "ع" (١/ ١٦٢).
¬ (^٢) قوله: (هو قول وفعل …) إلخ، فيه كلام على وجوه، لكن ما نقل عن أبي حنيفة وغيره: أن الإيمان عمل القلب واللسان معًا، ثم الإقرار هل هو ركن أم شرط في حق إجراء الأحكام؟ قال بعضهم: هو شرط، وقال حافظ الدين النسفي: هو المروي عن أبي حنيفة، وإليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين، وهو قول أبي منصور الماتريدي، وقال بعضهم: إن الإيمان فعل القلب واللسان مع سائر الجوارح، وهم أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي، ونقل عن الشافعي أنه قال: الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل، فالمخل بالأول وحده منافق، وبالثاني وحده كافر، وبالثالث وحده فاسق، ينجو من الخلود في النار، ويدخل الجنة.
قال الإمام: هذا في غاية الصعوبة، لأن العمل إذا كان ركنًا لا يتحقق الإيمان بدونه، فغير المؤمن كيف يخرج من النار؟ أجيب عن هذا: بأن الإيمان قد جاء بمعنى أصل الإيمان كما في قوله - ﵇ -: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته" الحديث، وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل، وهو المقرون بالعمل كما في حديث وفد عبد القيس، والإيمان بهذا المعنى الثاني هو المراد بالإيمان المنفي في قوله - ﵇ -: "لا يزني الزاني
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَيَزِيدُ ¬ (^١) وَيَنْقُصُ ¬ (^٢) ¬ (^٣). قَالَ اللهُ تَعَالَى ¬ (^٤): ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ ¬ (^٥) إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا زَادَهُمْ
===
حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فالخلاف لفظي راجع إلى تفسير الإيمان، ولا خلاف في المعنى، فإن الإيمان المنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، والإيمان المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنة خلافًا للمعتزلة والخوارج، ويدل على ذلك حديث أبي ذر: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال - ﷺ -: "وإن زنى وإن سرق" الحديث، وقوله - ﷺ -: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" فبهذا يندفع الإشكال وتجتمع الأقوال، ملتقط من "العيني" (١/ ١٦٣ - ١٧٥).
¬ (^١) بالطاعة، "قس" (١/ ١٤٦).
¬ (^٢) بالمعصية، "قس" (١/ ١٤٦).
¬ (^٣) قوله: (ويزيد وينقص) قال الإمام: هذا البحث لفظي؛ لأن المراد بالإيمان إن كان هو التصديق فلا يقبلهما، وإن كان الطاعات فيقبلهما، فكل ما قام من الدليل على أن الإيمان لا يقبلهما فهو مصروف إلى أصل الإيمان، وكل ما دل على أن الإيمان يقبلهما فهو مصروف إلى الكامل وهو مقرون بالعمل، "ع" (١/ ١٧٢).
¬ (^٤) استدلّ المؤلف بثمان آيات من القرآن على زيادة الإيمان، "قس" (١/ ١٤٧).
¬ (^٥) بزيادة العلم الحاصل من تدبّرها، "قس" (١/ ١٤٧).
[ ١ / ٢١٠ ]
إِلَّا إِيمَانًا ¬ (^١) وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وَالْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ
===
¬(^١) قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ فإن قلت: الإيمان هو التصديق بالله ورسوله، والتصديق شيء واحد لا يتجَزَّأ فلا يُتَصَّور كماله تارة ونقصه أخرى؟ أجيب: بأن قَبوله الزيادة والنقصان ظاهر على تقدير دخول القول والفعل فيه، وفي الشاهد شاهد بذلك، فإن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، ومن ثم كان إيمان الصدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، وهذا مبني على ما ذهب إليه المحققون من الأشاعرة من أن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته التي هي الأعمال ونقصانها.
وبهذا يحصل التوفيق بين ظواهر النصوص الدالة على الزيادة وأقاويل السلف بذلك، وبين أصل وضعه اللغوي وما عليه أكثر المتكلمين، نعم يزيد وينقص قوة وضعفًا وتفصيلًا وإجمالًا وتعددًا بحسب تعدد المؤمن به، وارتضاه النووي وعزاه التفتازاني في "شرح عقائد النسفي "لبعض المحققين، وقال في "المواقف": إنه الحق، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين والحنفية، لأنه متى قبل ذلك كان شكًّا وكفرًا، وأجابوا عن الآيات السابقة ونحوها بما نقلوه (^١) عن إمامهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص، وحاصله: أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به، وهذا لا يتصور في غير عصره - ﷺ -، وفيه نظر؛ لأن الاطلاع على تفاصيل الفرائض يمكن في غير عصره - ﵇ -، والإيمان واجب إجمالًا فيما علم إجمالًا، وتفصيلًا فيما علم تفصيلًا، ولا خفاء في أن التفصيلي أزيد، انتهى، "قس" (١/ ١٤٧ - ١٤٨).
_________________
(١) وقع في الأصل: "يتلوه" وهو تحريف.
[ ١ / ٢١١ ]
فِي اللهِ ¬ (^١) مِنَ الإِيمَانِ، وَكَتَبَ ¬ (^٢) عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز ¬ (^٣) إِلَى عَدِيِّ ¬ (^٤) بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ ¬ (^٥) وَشَرَائِعَ ¬ (^٦) وَحُدُودًا ¬ (^٧) وَسُنَنًا ¬ (^٨)، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا ¬ (^٩) لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ -: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ¬ (^١٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَقَالَ مُعَاذٌ ¬ (^١١): اجْلِسْ ¬ (^١٢) بِنَا نُؤْمِنْ ¬ (^١٣) سَاعَةً ¬ (^١٤).
===
¬(^١) استدلّ به على قَبول الزيادة؛ لأن الحب والبغض يتفاوتان، "قس" (١/ ١٤٨).
¬ (^٢) وصله أحمد وابن أبي شيبة [١٥/ ٦٣٢، رقم: ٣١٠٨٤]، "قس" (١/ ١٤٩).
¬ (^٣) ابن مروان بن الحكم الأموي القرشي، "قس" (١/ ١٤٨)، "ع" (١/ ١٧٩)، تابعي.
¬ (^٤) تابعي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل، "ع" (١/ ١٧٩).
¬ (^٥) أعمالًا، "ك" (١/ ٧٣).
¬ (^٦) أي: عقائد دينية، "ك" (١/ ٧٣).
¬ (^٧) أي: منهيات ممنوعة، "قس" (١/ ١٤٨).
¬ (^٨) أي: مندوبات، "قس" (١/ ١٤٨).
¬ (^٩) مفسّرًا.
¬ (^١٠) أي: يزداد يقيني، "ع" (١/ ١٨١).
¬ (^١١) ابن جبل، "قس" (١/ ١٤٩).
¬ (^١٢) المخاطب أسود بن هلال، "ع" (١/ ١٨١).
¬ (^١٣) يعني: نذكر الله، "ع" (١/ ١٨٢).
¬ (^١٤) قوله: (قال معاذ: اجلس بنا نؤمن - بالجزم - ساعة) أي:
[ ١ / ٢١٢ ]
وَقَالَ ¬ (^١) ابْنُ مَسْعُودٍ ¬ (^٢): الْيَقِينُ ¬ (^٣) الإِيمَانُ كُلُّهُ ¬ (^٤)، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ¬ (^٥): لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى ¬ (^٦) ¬ (^٧)
===
نزداد (^١) إيمانًا، لأن معاذًا كان مؤمنًا، قال النووي: معناه نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين، فإن ذلك إيمان، هذا التعليق وصله أحمد وابن أبي شيبة كالأول بسند صحيح إلى الأسود بن هلال قال: قال في معاذ: اجلس، فذكره، "قس" (١/ ١٤٩).
¬ (^١) رواه الطبراني بسند صحيح، "قس" (١/ ١٥٠).
¬ (^٢) عبد الله وجدّهُ غافل الهذلي، "قس" (١/ ١٤٩).
¬ (^٣) قوله: (اليقين) وأخرج هذا الأثر رستة (^٢) بسند صحيح عن أبي زهير قال: حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن علقمة عنه قال: "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله"، فيه دلالة على أن الإيمان يتبعَّض؛ لأن "كلًّا" و"أجمعًا" لا يؤكد بهما إلا ذو أجزاء، "عمدة القاري" (١/ ١٨٢).
¬ (^٤) لا يؤكد به إلا ذو أجزاء، "ك" (١/ ٧٤).
¬ (^٥) عبد الله.
¬ (^٦) أي: الإيمان كما في رواية، "ك" (١/ ٧٥).
¬ (^٧) قوله: (التقوى) أي الإيمان؛ لأن المراد من التقوى وقاية النفس عن الشرك، وفيه إشعار بأن بعض المؤمنين بلغوا إلى كُنْهِ الإيمان وبعضهم لا، فيجوز الزيادة والنقصان، "ك" (١/ ٧٥).
_________________
(١) وقع في الأصل: "نزد" وهو تحريف.
(٢) في الأصل: "سته" وهو تحريف، والصواب: "رُسْتَه" هو بضم الراء وسكون السين المهملة وفتح المثناة، هو الإمام المحدث أبو الفرج عبد الرحمن بن عمر بن يزيد بن كثير الزهري المديني، ولقبه رسته، (ت ٢٥٠ هـ). انظر "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢١٣ ]
حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ ¬ (^١) فِي الصَّدْرِ ¬ (^٢)، وَقَالَ مُجَاهِدٌ ¬ (^٣): ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا ¬ (^٤)،
"مَا حَاكَ" في نـ: "ماحكّ".
===
¬(^١) تردد.
¬ (^٢) أي: ما يقع في القلب ولا ينشرح الصدر له وخاف الإثم فيه "نووي" (٨/ ٣٥٣)، [انظر: "عمدة القاري" (١/ ١٨٤)].
¬ (^٣) قوله: (مجاهد) هو ابن جبر، هو الإمام الفقيه المحدث المفسر المكي تابعي، متفق على جلالته وتوثيقه، عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، قوله: "وإياه" يعني نوحًا - ﵇ -، أي: هذا الذي تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة من زيادة إيمان ونقصانه هو شرع الأنبياء الذين قبل نبينا - ﷺ -، إن الله تعالى قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ الآية [الشورى: ١٣]، ويقال: جاء نوح - ﵇ - بتحريم الحرام وتحليل الحلال، كذا في "العيني" (١/ ١٨٤).
قال صاحب "التوضيح": علم من تفسير مجاهد لهذه الآية اتحاد دين الأنبياء، وذلك في أصول الدين، ومن تفسير ابن عباس لقوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائده: ٤٨] اختلافه، وذلك في الفروع والسنن، والآية الثانية موافقة للترجمة؛ لأن الاختلاف يوجب الزيادة والنقصان، ولا يظهر وجه موافقة الأولى للترجمة، انتهى.
قلت: اللَّهم إلا أن يقال: الثاني آخر الآية، قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣]، والإقامة في الدين لا تتأتى إلا بالإيمان بِما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله، فكل من كان في التصديق وطاعة الأحكام أعمل كان إيمانه أكمل، فبهذا تحصل المطابقة، والله أعلم.
¬ (^٤) أصولًا لا فروعًا.
[ ١ / ٢١٤ ]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، سَبِيلًا وَسُنَّةً ¬ (^١).