١ - بَابٌ ¬ (^١) ¬ (^٢)
" بَابٌ كَيْفَ كَانَ" في نـ: "كَيْفَ كَانَ" بغير باب.
===
الترجمة ليس غرضه إلا بيان عظمة الوحي على طريق الالتزام، استنبط ذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إذ ذكره بلفظ الجمع الدال على التعظيم، انظر: "الكنز المتواري" (٢/ ١٥)].
قال الزركشي (١/ ٣): ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النية تعلقه بالآية المذكورة في الترجمة؛ لأن الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء من قبله: "إنما الأعمال بالنيات" بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقصده بذلك أن كل معلم أراد بعلمه وجه الله ونفع عباده فإنه يُجازى على نيته.
قال السيوطي - رحمه الله تعالى - في "التوشيح" (١/ ١٢٧): قوله: "إنما الأعمال بالنيات" هو من مقابلة الجمع بالجمع، أي كل عمل بنيته، كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوّع كما تتنوّع الأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو الاتقاء لوعيده، وفي معظم الروايات "بالنية" مفردًا، قيل: ووجهه أن محلها القلب وهو متحد، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالجوارح فناسب جمعها.
¬ (^١) إنما قال "باب" ولم يقل كتاب لأنه يتضمن فصلًا واحدًا لا غير، والكتاب يعقد لما فيه أبواب، "عيني" (١/ ٣٦).
¬ (^٢) قوله: (باب) يجوز فيه وفي نظائره ثلاثة أوجه: الرفع مع التنوين، وبدونه على الإضافة (^١)، وعلى التقديرين هو خبر مبتدأ محذوف، أي هذا باب، والثالث باب (^٢) على سبيل التعداد فلا إعراب له حينئذٍ، "ك" (١/ ١٣)،
_________________
(١) يقرأ بغير تنوين مع الإضافة، أو تقدير العبارة: هذا باب جواب قول القائل: كيف كان إلخ.
(٢) إما أن يكون "هذا" مبتدأ و"بابٌ" خبر، و"كيف كان" بدل من "باب"، أو تقدير العبارة: هذا باب مضمونه كيف كان إلخ.
[ ١ / ١٧٧ ]
كَيْفَ ¬ (^١) كَانَ بَدْءُ ¬ (^٢) الْوَحْيِ ¬ (^٣) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -
===
[وانظر: "الكنز المتواري" (١/ ٤)، و"إرشاد الساري" (١/ ٨٢)].
¬ (^١) قوله: (كيف كان بدء) معناه عندي أن هذا الوحي المتلو المحفوظ يعني القرآن بعبارته وغير المتلو الذي يقال له: الحديث مما هو مذكور على ألسن المسلمين كيف بدؤه؟ ومن أين جاءه؟ ومن أي جهةٍ وقع عندنا؟ جوابه: أنه وقع عندنا عن ثقات العلماء عن الصحابة عن النبي - ﷺ - عن إيحاء الله تعالى إليه، فساق في الباب أحاديث تدل أن إيحاء الله تعالى إليه بهذه الأمور أمر متواتر بلا شبهة عندنا. الشيخ الشاه ولي الله.
[انظر: الأبواب والتراجم (ص: ١٣)].
[ثم قدم الإمام الوحي على الإيمان أيضًا إشارة إلى أن كل ما يأتي من العقائد والأحكام وغيرها كلها متفرع عن الوحي ومرتب عليه، وأيضًا فإن الوحي قطعي بكونه منه عزّ اسمه، فالثابت به كله قطعي، ومن المناسبات أن يقال: إن المصنف صدّر ببدء الوحي ثم ذكر الإيمان ثم العلم ثم الطهارة لأنه جمع في هذا الكتاب وحي السنة التي هي ينبوع الشريعة، ولما كان الوحي لبيان أحكام الشريعة صدّره بحديث الأعمال، والعمل يحتاج إلى العلم، والعلم لا يعتبر به إلا بعد الإيمان، فلذا عقب الوحي بالإيمان ثم عقبه بالعلم ثم عقبه بالطهارة إلخ، انظر: "الأبواب والتراجم للبخاري" (٢/ ٦)].
¬ (^٢) قوله: (بدء الوحي) على وزن فعل مهموزًا بمعنى الابتداء، ورُوي بضم الأول والثاني وتشديد الواو بمعنى الظهور، والرواية الأولى أثبت، "الخير الجاري" (١/ ٢).
¬ (^٣) قوله: (الوحي) هو في الأصل: الإعلام في خفاء، قال الجوهري: الوحي الكتاب، والوحي أيضًا: الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك.
[ ١ / ١٧٨ ]
وقولُ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ
" قولُ اللَّهِ ﷿" هكذا لأبوي ذر والوقت والأصيلي، ولابن عساكر: "قول الله سبحانه"، "قس" (١/ ٨٣).
===
وفي اصطلاح الشريعة: هو كلام الله المنزّل على نبي من أنبيائه - ﵈ -.
أما أقسامه في حق الأنبياء - ﵈ - فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: سماع الكلام القديم كسماع موسى - ﵇ - بنص القرآن ونبينا - ﷺ - بصحيح الآثار، الثاني: وحي رسالة بواسطة المَلَك، الثالث: وحي تَلَقٍّ بالقلب كقوله - ﵇ -: "إن روح القدس نفث في رُوعي" أي في نفسي، وقيل: كان هذا حال داود - ﵇ -. [قال شيخنا: الرابع: وحي منام، انظر: "الكنز المتواري" (١/ ١٤)].
أما الوحي إلى غير الأنبياء - ﵈ - فهو بمعنى الإلهام كالوحي إلى النحل. وأما صوره على ما ذكره السهيلي (^١) (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨) فسبعة: الأولى: المنام، كما جاء في هذا الحديث الآتي عن عائشة، والثانية: أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، كما جاء فيه أيضًا، والثالثة: أن ينفث في رُوعه الكلام، والرابعة: أن يتمثل له المَلَك رجلًا، والخامسة: أن يتراءى له جبرئيل - ﵇ - في صورته التي خلقه الله تعالى [فيها] له ست مِائة جناح، ينتشر منها اللؤلو والياقوت، والسادسة: أن يكلّمه الله تعالى من وراء حجاب، إما في اليقظة كليلة الإسراء أو في النوم كما جاء في "الترمذي" مرفوعًا: "أتاني ربّي في أحسن صورة، فقال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى"، الحديث، وحديث عائشة الآتي ذكره: "فجاءه المَلَك فقال: اقرأ"
_________________
(١) السهيلي: هو صاحب "الروض الأنف" اسمه عبد الرحمن بن أحمد السهيلي، (ت ٥٨١)، ترجمته في "الشذرات" (٤/ ٢٧١)، و"الأعلام" (٣/ ٣١٣).
[ ١ / ١٧٩ ]
بَعْدِهِ ¬ (^١)﴾ [النساء: ١٦٣].
١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ¬ (^٢) قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (^٣) قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ¬ (^٤) الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ ¬ (^٥)
" حَدَّثَنا الْحُمَيْدِيُّ" ولغير أبي ذر وأبي الوقت [والأصيلي] وابن عساكر: "حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ" كما في الفرع "قس" (١/ ٨٨).
===
ظاهره أن ذلك كان يقظة، وفي "السيرة": "فأتاني وأنا نائم"، ويمكن الجمع بأنه جاءه أولًا منامًا توطئة وترفقًا به، والسابعة: وحي إسرافيل - ﵇ -، كما جاء عن الشعبي: أن النبي - ﷺ - وُكِّل به إسرافيل - ﵇ -، فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم وُكِّل به جبرئيل - عليه سلام -، "عيني" (١/ ٧٤ - ٧٥).
¬ (^١) ذكر الآية تبركًا، ولمناسبتها لما ترجم له، [ولبيان أن الإيحاء إليه - ﷺ - كان إيحاء نبوة، "السندي"].
¬ (^٢) "الحُمَيدي" بضمّ المهملة وفتح الميم، نسبة إلى جده الأعلى حُمَيد، اسمه عبد الله بن الزبير، مات ٢١٩ هـ، وليس هو أبا عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح (^١) الحميدي صاحب "الجمع بين الصحيحين"، "قس" (١/ ٨٨).
¬ (^٣) بضم أشهرها، [انظر: "المغني" (ص: ١٥٢)]، وهو ابن عيينة المكي التابعي، مات سنة.
¬ (^٤) "يحيى بن سعيد" هو ابن القيس، مات سنة ١٤٣ هـ.
¬ (^٥) "محمد بن إبراهيم" ابن الحارث التيمي نسبة إلى تيم قريش، مات سنة ١٢٠ هـ.
_________________
(١) في الأصل: "صرّح" وهو تحريف.
[ ١ / ١٨٠ ]
أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ ¬ (^١) اللَّيْثِيَّ ¬ (^٢) يَقُول: سَمِعْتُ ¬ (^٣) عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ ¬ (^٤) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ¬ (^٥) يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا ¬ (^٦) يُصِيبُهَا ¬ (^٧) أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". [أطرافه: ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣، أخرجه: م ١٩٠٧، د ٢٢٠١، ت ١٦٤٧، س ٣٧٩٤، ق ٤٢٢٧، تحفة: ١٠٦١٢].
٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ¬ (^٨) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ¬ (^٩)، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ¬ (^١٠)،
" وَإنَّمَا لامْرِئٍ" في نـ: "وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ". "أَوْ إلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا" في نـ: "أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا".
===
¬(^١) " علقمة" أبا واقد "ابن وقاص الليثي" مات في خلافة عبد الملك.
¬ (^٢) بالمثلثة نسبة إلى ليث بن بكر، وذكره ابن منده في الصحابة، وغيره في التابعين، "قس" (١/ ٨٨).
¬ (^٣) أي سمعت كلامه حال كونه يقول، "قس" (١/ ٨٨).
¬ (^٤) النبوي المدني، [انظر: "الكنز المتواري" (٢/ ٢٢)، و"فتح الباري" (١/ ١٢)].
¬ (^٥) أي: كلامه.
¬ (^٦) بلا تنوين، ولأنه فُعلى من الدنو.
¬ (^٧) يحصلها.
¬ (^٨) "عبد الله بن يوسف" التِّنِّيسي، مات سنة ٢١٨ هـ.
¬ (^٩) "مالك" ابن أنس الأصبحي، مات سنة ١٧٩ هـ.
¬ (^١٠) "هشام بن عروة" ابن الزبير، مات سنة ١٤٥ هـ.
[ ١ / ١٨١ ]
عَنْ أَبِيهِ ¬ (^١)، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ¬ (^٢) سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الَوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ ¬ (^٣) صَلْصَلَةِ ¬ (^٤) الْجَرَسِ ¬ (^٥) وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ¬ (^٦) فَيُفْصَمُ ¬ (^٧)
"فَيَفْصِمُ" في نـ: "فيُفْصَمُ" في الموضعين.
===
¬(^١) " أبيه" أبي عبد الله عروة المدني، مات سنة ٩٤ هـ.
¬ (^٢) المخزومي، أخو أبي جهل لأبويه، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، "ع" (١/ ٧٣).
¬ (^٣) منصوب على الحال، "ك" (١/ ٢٧).
¬ (^٤) صوت متدارك لا يفهم أول وهلة، "ع" (١/ ٧٥).
¬ (^٥) قوله: (الجرس) بفتح الراء هو الجلجل الذي يُعَلَّقُ في رأس الدواب، وجاء في بعض الرواية: "كأنه سلسلة على صفوان"، كذا في "العيني" (١/ ٧٦).
[في مصداق هذا الصوت ستة أقوال: الأول: صوته تعالى القديم، الثاني: تخليق الصوت من الله ﷿ في الموحى به بكمال قدرته، الثالث: الصوت الأصلي للمَلَك، الرابع: صوت أجنحة جبرئيل، الخامس: صوت مجيء جبرئيل، السادس: إنه أثر تعطل الحواس من مسموعات عالم الشهادة لكي يتفرغ لحفظ ما أوحي عليه ويعيه كما هو حقه، [انظر: "الأبواب والتراجم للبخاري" (٢/ ١٣)].
¬ (^٦) قوله: (وهو أشده عليّ) أي ما يأتي مثل صلصلة الجرس أشدّ من النوع الثاني؛ لأن الفهم من كلام مثل صلصلة الجرس أشكل من الفهم من كلام الرجل، كذا في "الكرماني" (١/ ٢٧).
¬ (^٧) قوله: (فيفصم) فيه ثلاث روايات، الأولى وهي أفصحها: بفتح
[ ١ / ١٨٢ ]
عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ ¬ (^١) مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ ¬ (^٢) لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلَّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيُفْصَمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ ¬ (^٣) عَرَقًا. [طرفه: ٣٢١٥، أخرجه: ت ٣٦٣٤، س ٩٣٤، تحفة: ١٧١٥٢].
٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ بُكَيْرٍ ¬ (^٤) قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ¬ (^٥)، عَنْ عُقَيْلٍ ¬ (^٦)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ¬ (^٧)، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
===
التحتية وسكون الفاء وكسر الصاد من ضرب، معناه يقلع (^١) وينجلي ما يغشاني منه، وأصل الفصم: القطع، والثانية: بضم أوله وفتح ثالثه، وهي رواية أبي ذر الهروي، والثالثة: بضم أوله وكسر ثالثه من أفصم المطر إذا أقلع، وهي لغة قليلة، كذا في "العيني" (١/ ٧٦).
¬ (^١) أي: الملك.
¬ (^٢) أي: يتشكّل.
¬ (^٣) أي: ليسيل.
¬ (^٤) "يحيى" أبو زكريا القرشي "ابن بكير" نسبة لجده لشهرته به، واسم أبيه عبد الله، مات سنة ٢٣١ هـ.
¬ (^٥) "الليث" ابن سعد بن عبد الرحمن، من تابعي التابعين، مات سنة ١٧٥ هـ.
¬ (^٦) "عقيل" بضمّ، هو ابن خالد بن عقيل - بالفتح - الأيلي، مات سنة ١٤١ هـ، وليس في الكتب الستة بالتصغير غيره.
¬ (^٧) "ابن شهاب" أبي بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، تابعي صغير، ونسبه المؤلف كغيره إلى جدّه الأعلى
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي "العيني": "يقطع" وهو الظاهر.
[ ١ / ١٨٣ ]
﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا ¬ (^١) إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ¬ (^٢)، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ ¬ (^٣)، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ ¬ (^٤) فَيَتَحَنَّثُ ¬ (^٥) فِيهِ - وَهُوَ ¬ (^٦) التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ¬ (^٧) ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ
"مَا بُدِئَ بِهِ" مصحح عليه. "فَكَانَ" في نـ: "وكان".
===
لشهرته به، مات سنة خمس وعشرين، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، ملتقط من "التقريب" و"القسطلاني".
¬ (^١) بلا تنوين، "صراح" و"قس" (١/ ١٠٤).
¬ (^٢) أي: البيّن الواضح.
¬ (^٣) أي: الخلوة.
¬ (^٤) قوله: (بغار حراء) الغار هو النقب في الجبل، حِراء بكسر المهملة وتخفيف الراء والمد: جبل، بين مكة وبينه ثلاثة أميال، وهو مصروف لأنه يُذَكَّر، ومنهم من أنَّثه ومنع صرفه، وهذه قاعدة كلية إن جعلت اللفظ عَلَمًا للبقعة فهو غير منصرف، وإن جعلته للمكان فهو منصرف، "كرماني" (١/ ٣٢).
¬ (^٥) قوله: (فيتحنث) بالحاء المهملة وآخره مثلثة، والضمير المنفصل عائد إلى مصدر يتحنث، وهو من الأفعال التي معناها السلب، أي اجتناب فاعلها لمصدرها، مثل تأثم وتحوّب إذا اجتنب الإثم والحوب، أو هي بمعنى يتحنَّف، أي: يتبع الحنيفية دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاء، "قسطلاني" (١/ ١٠٥). [ووقع في رواية ابن هشام في "السيرة": "يتحنّف" بالفاء، كذا في "فتح الباري" (١/ ٢٣)].
¬ (^٦) أي: التحنث.
¬ (^٧) منصوب على الظرف، والعامل فيه التحنّث لا التعبّد وإلا فسد المعنى، "ك" (١/ ٣٢).
[ ١ / ١٨٤ ]
يَنْزِعَ ¬ (^١) إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ¬ (^٢)، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ ¬ (^٣) وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ: فَقُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي ¬ (^٤) ¬ (^٥) حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ ¬ (^٦)، ثُمَّ أَرْسَلَنِيَ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغِ مِنِّي الْجُهْد، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئ، فَأَخَذنِي فَغَطَّنِي ¬ (^٧) الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ¬ (^٨) فَقَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ¬ (^٩) ¬ (^١٠) [العلق: ١ - ٣]. فَرَجَعَ بِهَا ¬ (^١١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -
===
¬(^١) أي: يرجع.
¬ (^٢) أي: التعبّد.
¬ (^٣) الوحي، "ك" (١/ ٣٣).
¬ (^٤) ضغطني.
¬ (^٥) قوله: (فغطّني) والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه، "ك" (١/ ٣٤).
¬ (^٦) قوله: (الجهد) يروى فيه فتح الجيم وضمها ونصب الدال ورفعها، ومعناه: الطاقة والغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه: بلغ الجهدُ مبلَغه، وعلى النصب معناه: بلغ المَلَكُ مِنِّي الجهد، "كرماني" (١/ ٣٤).
¬ (^٧) أي: عصرني، "ك" (١/ ٣٤).
¬ (^٨) أطلقني.
¬ (^٩) فيه دليل للجمهور على أنه أول ما نزل، "قس" (١/ ١٠٨).
¬ (^١٠) الدم الغليظ.
¬ (^١١) قوله: (بها) أي بالآيات، وهي قوله: ﴿رَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخرهن، "عيني" (١/ ٩٩)، قال الكرماني (١/ ٣٥): فرجع بهما، أي صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤاده.
[ ١ / ١٨٥ ]
يَرْجُفُ ¬ (^١) فُؤَادُهُ ¬ (^٢)، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ¬ (^٣) بِنْتِ خُوَيْلِدٍ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي ¬ (^٤) زَمِّلُونِي ¬ (^٥) "، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ¬ (^٦)، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ¬ (^٧): "لَقَدْ ¬ (^٨) خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي". فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا ¬ (^٩) وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ¬ (^١٠)، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ¬ (^١١)، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ ¬ (^١٢)، وَتَقْرِي
"مَا يُخْزِيكَ" في نـ: "مَا يُحْزِنُكَ".
===
¬(^١) جملة حالية.
¬ (^٢) يضطرب قلبه.
¬ (^٣) "خديجة" بفتح الخاء: أم المؤمنين.
¬ (^٤) التزميل: التلفيف.
¬ (^٥) مرّتين، "ك" (١/ ٣٥).
¬ (^٦) بالفتح: الفزع.
¬ (^٧) حالية.
¬ (^٨) اللام جواب القسم المحذوف، أي: والله لقد إلخ.
¬ (^٩) معناه: النفي والردع، والمراد ههنا التنزيه عنه، "ك" (١/ ٣٦).
¬ (^١٠) أي: تحسن إلى أقربائك.
¬ (^١١) قوله: (وتحمل الكلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام: الثقل، وهو من الكلال الذي هو الإعياء، أي ترفع الثقل، أي تعين الضعيف المنقطع، ويدخل فيه اليتيم والعيال وغير ذلك؛ لأن الكَلَّ من لا يستقل بأمره، "ك" (١/ ٣٦)، "عيني" (١/ ٨٩).
¬ (^١٢) قوله: (وتكسب المعدومَ) بفتح التاء هو المشهور الصحيح في الرواية، والمعروف في اللغة، ورُوي بضمها، وفي معنى المضموم قولان،
[ ١ / ١٨٦ ]
الضَّيْفَ ¬ (^١)، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ¬ (^٢) ¬ (^٣)، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ ¬ (^٤) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ ¬ (^٥) ¬ (^٦)،
===
أصحهما: أن معناه تكسب غيرَك المالَ المعدومَ أي تعطيه له تبرعًا، ثانيهما: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، يقال: كسبت مالًا وأكسبت غيري، وفي معنى المفتوحٍ قولان، أصحهما: أن معناه كمعنى المضموم، ويقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالًا، والأول أفصح وأشهر، والثاني: أن معناه تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثم تجودُ به وتُنْفقه في وجوه المكارم، وقيل: المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب لكونه كالمعدوم الميِّت حيث لم يتصرف في المعيشة، كذا في "الكرماني" (١/ ٣٦)، و"العيني" (١/ ٨٩)، [وانظر: "التنقيح" (١/ ١٢)].
¬ (^١) أي: تضيف الضيف.
¬ (^٢) كلمة جامعة لأفراد ما تقدّم ولما لم يتقدم، "توشيح" (١/ ١٤٠).
¬ (^٣) قوله: (على نوائب الحق) جمع نائبة بمعنى الحادثة، ولذا قيدت بقولها: الحق، "الخير الجاري" (١/ ٩).
¬ (^٤) أي: صار نصرانيًا وترك عبادة الأوثان، "ك" (١/ ٣٨).
¬ (^٥) قال النووي وابن حجر: الجميع صحيح؛ لأنه كان يعلم العبراني والعربي من الكتاب واللسان معًا، "توشيح" (١/ ١٤١).
¬ (^٦) قوله: (العبراني) هكذا وقع ههنا العبراني وبالعبرانية، ووقع في "كتاب التفسير (^١) ": العربي وبالعربية، قال النووي: حاصله على رواية العبراني والعربي: أنه تمكن من معرفة دين النصارى وكتابتهم بحيث يتصرف
_________________
(١) برقم (٤٩٥٣) في الكرماني: "التعبير" (٦٩٨٢) وهو صحيح أيضًا.
[ ١ / ١٨٧ ]
فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ ¬ (^١) مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ ¬ (^٢)، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ - فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ ¬ (^٣) اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ¬ (^٤). فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ ¬ (^٥) ¬ (^٦) الَّذِي نَزَّلَ الله عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي
"بِالْعِبْرَانِيَّةِ" في نـ: "بالعربية".
===
في الإنجيل، فيكتب إن شاء بالعبرانية، وإن شاء بالعربية، ويفهم منه أن الإنجيل ليس عبرانيًّا (^١) وهو المشهور، "كرماني" (١/ ٣٨).
¬ (^١) لأن الإنجيل سرياني، كذا في "العيني" (١/ ٩١)، وفي "التفسير": بالعربية، "تو" (١/ ١٤١).
¬ (^٢) أي يكتب باللغة العبرانية من الإنجيل لأن الإنجيل سرياني.
¬ (^٣) قوله: (يا ابن عم) وفي رواية مسلم: "يا عمي"، وكلاهما صحيح، أما الأول: فلأنه ابن عمها حقيقة، وأما الثاني: فتسميته عَمًّا مجازًا للاحترام، وهذه عادة العرب يخاطب الصغيرُ الكبيرَ بـ "يا عَمَّ" احترامًا له، "ك" (١/ ٣٨)، [نظر: "شرح النووي على مسلم" (١/ ٣٧٨)].
¬ (^٤) قوله: (من ابن أخيك) هذا أيضًا يحتمل وجهين: إما باعتبار الاحترام فظاهر، وإما باعتبار القرابة، فلأنَّ قرابة عبد مناف وعبد العُزّى على ما قيل: هي أن الأب الثالث لورقة كان أخًا للأب الرابع لرسول الله - ﷺ -، "الخير الجاري" (١/ ١٥).
¬ (^٥) صاحب السر.
¬ (^٦) جبرئيل أو إسرافيل.
_________________
(١) في الأصل: "عربيًّا"، وهو تحريف.
[ ١ / ١٨٨ ]
فِيهَا ¬ (^١) جَذَعًا ¬ (^٢)، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ¬ (^٣)؟ "، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ ¬ (^٤) أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ¬ (^٥)، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ¬ (^٦) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ ¬ (^٧) وَفَتَرَ الْوَحْيُ ¬ (^٨) [أطرافه: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢، أخرجه: م ١٦٠، تحفة: ١٦٥٤٠، ١٦٦٨٣، ١٦٦٣٧، ١٦٧٠٦].
٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ¬ (^٩) ¬ (^١٠): وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ¬ (^١١) أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
===
¬(^١) أي: في أيام النبوة أو الدعوة، "ع" (١/ ١٠٠).
¬ (^٢) شابًا قويًا.
¬ (^٣) مبتدأ خبره "مخرجيَّ" مقدّم، "قس" (١/ ١١٢).
¬ (^٤) أي: يوم انتشار نبوتك، "قس" (١/ ١١٣).
¬ (^٥) قوله: (نصرًا مؤزّرًا) أي قويًا بليغًا، والأزر: القوة، "ك" (١/ ٣٩).
¬ (^٦) أي: لم يلبث، "قس" (١/ ١١٣).
¬ (^٧) بدل اشتمال من ورقة، أي لم تتأخر وفاته، "توضيح".
¬ (^٨) احتبس ثلاث سنين، "قس" (١/ ١١٣).
¬ (^٩) "ابن شهاب" أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، تابعي صغير، نسبه لجده الأعلى لشهرته به.
¬ (^١٠) لَوله: (قال ابن شهاب) أي: الزهري، قال الكرماني: ومثل هذا أي ما لم يُذكر فيه من أول الإسناد واحدًا أو أكثر يسمى تعليقًا، ولا يذكره البخاري إلا إذا كان مسندًا عنده، إما بالإسناد المتقدم، أو بإسناد آخر، "الخير الجاري" (١/ ١٦).
¬ (^١١) "وأخبرني أبو سلمة" عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، أتى بواو
[ ١ / ١٨٩ ]
الأَنْصَارِيَّ ¬ (^١) قَالَ ¬ (^٢) - وَهُوَ ¬ (^٣) يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ - فَقَالَ ¬ (^٤) فِي حَدِيثِهِ ¬ (^٥): "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ ¬ (^٦) مِنْه، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي ¬ (^٧) زَمِّلُونِي ¬ (^٨)، فَأَنْزْلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ ¬ (^٩) [المدثر: ١ - ٥]، فَحَمِيَ الْوَحْي ¬ (^١٠) وَتَتَابَعَ"،
===
العطف لبيان الإخبار عن عروة وأبي سلمة، فليس هذا من التعاليق، وإن كانت صورته صورته، خلافًا للكرماني حيث أثبته منها، وخطّأه في "الفتح" (١/ ٢٨).
¬ (^١) الخزرجي، "قس" (١/ ١١٤).
¬ (^٢) في حال التحديث عن احتباس الوحى (^١)، "قس" (١/ ١١٤).
¬ (^٣) أي النبي - ﵇ -.
¬ (^٤) ﷺ.
¬ (^٥) الحديث سيجيء (برقم: ٦٩٨٢).
¬ (^٦) بمعنى: فزعت، "ك" (١/ ٤٢).
¬ (^٧) ولمسلم كالمؤلف في التفسير: "دثروني"، قال الزركشي: وهو أنسب، "قس" (١/ ١١٥).
¬ (^٨) في أكثر الأصول مرّتين، وفي بعضها مرّة، "ك" (١/ ٤٢).
¬ (^٩) أي: الأوثان، "قس" (١/ ١١٥).
¬ (^١٠) أي: كثر وتواتر.
_________________
(١) اختلف في مدة الفترة على أربعة أقوال، واختار الحافظ أنها كانت أيامًا ثم نزلث "المدثر"، وجزم ابن إسحاق بأن مدة الفترة كانت ثلاث سنين، قال الحافظ: فتور الوحي عبارة عن تأخّره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان - ﷺ - وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، انظر: "فتح الباري" (١/ ٢٧).
[ ١ / ١٩٠ ]
تَابَعَهُ ¬ (^١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ¬ (^٢) وَأَبُو صَالِحٍ ¬ (^٣) ¬ (^٤). وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ ¬ (^٥) عَنِ الزُّهْرِيِّ ¬ (^٦)
===
¬(^١) قوله: (تابعه) الضمير يرجع إلى يحيى بن بكير، أي: عبد الله بن يوسف وأبو صالح تابعا يحيى بن بكير في الرواية عن الليث بن سعد، فرواه عن الليث ثلاثة: يحيى وعبد الله وأبو صالح، قوله: "وتابعه هلال" أي: تابع عقيل بن خالد هلالُ بن ردّاد عن ابن شهاب الزهري، وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة، والفرق بين المتابعتين: أن المتابعة الأولى أقوى؛ لأنها متابعة تامة، والثانية أدنى لأنها متابعة ناقصة، فإذا كان أحد الراويين رفيقًا للآخر من أول الإسناد إلى آخره تسمى بالمتابعة التامة، وإذا كان رفيقًا له لا من الأول تسمى بالمتابعة الناقصة، ثم النوعان ربما يسمى المتابع عليه فيهما، وربما لا يسمى، فالبخاري في المتابعة الأولى لم يسم المتابع عليه وهو الليث، وفي الثانية سمّى وهو الزهري، وقد أورد في هذا الحديث كل قسم من الأقسام الأربعة للمتابعة، وقال النووي: ومما يحتاج إليه المعتني بـ "صحيح البخاري".
فائدة: ننبه عليها وهي أنه: تارة يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارة يقول: تابعه مالك ولا يزيد، فإذا قال: مالك عن أيوب فظاهر، وأما إذا اقتصر على: تابعه مالك، فلا يعرف لمن المتابعة إلا من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم، وقال الكرماني: فعلى هذا لا يُعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو [عن] غيره، قلت: الطريقة في هذا أن تنظر طبقة المتابع بكسر الباء، فتجعله متابعًا لمن هو في طبقته بحيث يكون صالحًا لذلك، "عيني" (١/ ١١٤ - ١١٥).
¬ (^٢) "عبد الله بن يوسف" أبو محمد التِّنِّيسي، مات سنة ٢١٨ هـ.
¬ (^٣) "أبو صالح" هو عبد الله كاتب الليث أو هو عبد الغفار بن داود البكري.
¬ (^٤) كلاهما عن الليث، "قس" (١/ ١١٥).
¬ (^٥) "هلال بن ردَّاد" بتشديد الدال الأولى، الطائي.
¬ (^٦) "الزهري" هو ابن شهاب المذكور.
[ ١ / ١٩١ ]
وَقَالَ يُونُسُ ¬ (^١) وَمَعْمَرٌ ¬ (^٢): "بَوَادِرُهُ ¬ (^٣) ¬ (^٤) ". [أطرافه: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤، أخرجه: م ١٦١، ت ٣٣٢٥، س في الكبرى ١١٦٣٢، تحفة: ٣١٥٢].
٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ¬ (^٥) قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ ¬ (^٦) قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ¬ (^٧) قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ ¬ (^٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ ¬ (^٩) لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ
===
¬(^١) " يونس" هو ابن يزيد بن مشكان الأيلي.
¬ (^٢) "معمر" هو أبو عروة بن أبي عمرو بن راشد الأزدي الحراني.
¬ (^٣) بدل "فؤاده". بادره: كَوشت ميان دو كتف وكَردن، "صراح".
¬ (^٤) قوله: (وقال يونس ومعمر: بوادره) أي أنهما رويا هذا الحديث عن الزهري فوافقا عقيلًا عليه إلا أنهما قالا بدل قوله: "يرجف فؤاده": "ترجف بوادره"، وهي اللحمة [التي] بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان، "توشيح" (١/ ١٤٤)، قال القسطلاني (١/ ١١٦): ولا اقتصار في المتابعة على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، كقول يونس ومعمر في روايتهما عن الزهري: "بوادره"، خلافًا للعراقي في التخصيص باللفظ، وحكي عن قوم كالبيهقي نعم هي مخصوصة بكونها من رواية ذلك الصحابي، وقد يُسَمَّى كل واحد من المتابع لشيخه فمن فوقه شاهدًا، ولكن تسميته تابعًا أكثر، انتهى.
¬ (^٥) "موسى بن إسماعيل" هو المنقري التبوذكي، مات سنة ٢٢٣ هـ.
¬ (^٦) "أبو عوانة" الوضاح بن عبد الله اليشكري، مات سنة ١٩٦ هـ.
¬ (^٧) "موسى بن أبي عائشة" أبو الحسن الكوفي، [وأبو عائشة] لا يعرف اسمه، "قس" (١/ ١١٧).
¬ (^٨) "سعيد بن جبير" ابن هشام الأسدي الكوفي.
¬ (^٩) أي: وقت قراءة جبرئيل.
[ ١ / ١٩٢ ]
بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَالِجُ ¬ (^١) مِنَ التَّنْزِيلِ ¬ (^٢) شِدَّةً ¬ (^٣)، وَكَانَ مِمَّا ¬ (^٤) يُحَرِّكُ ¬ (^٥) شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ ¬ (^٦): أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ¬ (^٧) - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ¬ (^٨) لِتَعْجَلَ بِهِ ¬ (^٩) (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ¬ (^١٠) قَالَ ¬ (^١١): جَمْعُهُ لَك صَدْرُكَ ¬ (^١٢)،
"جَمْعُهُ لَك صَدْرُكَ" في هـ، حـ: "جمعه لك في صدرك".
===
¬(^١) العلاج: محاولة الشيء بمشقة، "توشيح" (١/ ١٤٥).
¬ (^٢) أي: يحاول من تنزيل القرآن شدة، ومنه ما ورد: "وَلِيَ حره وعلاجه"، أي: عمله وتعبه، "ع" (١/ ١١٩).
¬ (^٣) مفعول.
¬ (^٤) أي: ربما، "قس" (١/ ١١٧).
¬ (^٥) قوله: (وكان مما يحرك) قال القاضي: معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذلك، وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبه، فجعل كنايةً عنه.
¬ (^٦) هو ابن جبير، "قس" (١/ ١١٧).
¬ (^٧) وهذا الحديث يسمى المسلسل بتحريك الشفة.
¬ (^٨) قبل أن يتمّ وحيه، "قس" (١/ ١١٨).
¬ (^٩) خوفًا من أن ينفلت.
¬ (^١٠) أي: قراءته، "قس" (١/ ١١٨).
¬ (^١١) أي: قال ابن عباس في تفسير: ﴿جَمْعَهُ﴾، أي: جمع الله لك في صدرك، "ع" (١/ ١١٩).
¬ (^١٢) قوله: (جَمعَه لك صدرك) بفتح الميم والعين وبرفع صدرك على الفاعلية، كذا في أكثر الروايات، أي: جمعه الله في صدرك، وفيه إسناد
[ ١ / ١٩٣ ]
وَتَقْرَأَهُ ¬ (^١) ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ¬ (^٢) فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ ¬ (^٣): فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ¬ (^٤) ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ ¬ (^٥)، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرَئِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرَئِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - كَمَا قَرَأَهُ. [أطرافه: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤، أخرجه: م ٤٤٨، ت ٣٣٢٩، س ٩٣٥، تحفة: ٥٦٣٧].
٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ¬ (^٦) ¬ (^٧) قَالَ:
"كَمَا قَرَأَهُ" في نـ: "كما كان قرأ"، وفي نـ: "كما قرأ".
===
الجمع إلى الصدر بالمجاز على حدّ: أنبت الربيعُ البقلَ، أي أنبت الله في الربيع البقلَ، واللام للتعليل أو للتبيين، ولأبي ذر وأبي الوقت وابن عساكر: "جمْعُه لك صدرك" بسكون الميم وضم العين مصدرًا، ورفع راء صدرُك فاعل به، ولكريمة والحموي: "جَمْعه لك في صدرك" بفتح الجيم وسكون الميم وزيادة في، وهو يوضح الأول، "قسطلاني" (١/ ١١٨) مختصرًا، وفيه روايات أُخر أيضًا.
¬ (^١) يعني: المراد بالقرآن في قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: القراءة.
¬ (^٢) بلسان جبرئيل، "قس" (١/ ١١٨).
¬ (^٣) أي: ابن عباس، "قس" (١/ ١١٨).
¬ (^٤) تفسير ﴿فَاتَّبِعْ﴾ يعني: قراءتك لا تكون مع قراءته بل تابعة لها متأخرة عنها، [نظر: "عمدة القاري" (١/ ١٢٠)].
¬ (^٥) أي: مرّة بعد أخرى، وقيل: المراد ثم إن علينا بيان مجملاته وتوضيح مشكلاته، "توضيح" (٢/ ٣٤٩).
¬ (^٦) "عبدان" لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي.
¬ (^٧) قوله: (حدّثنا عبدان …) إلخ، اعلم أن البخاري حدث هذا الحديث عن الشيخين عبدان وبشر كليهما عن عبد الله بن المبارك، والشيخ
[ ١ / ١٩٤ ]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ¬ (^١) قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ¬ (^٢). ح وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ¬ (^٣) قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ نَحْوَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ¬ (^٤)، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ¬ (^٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَجْوَدَ ¬ (^٦) النَّاسِ، وَكَانَ
"ح" سقط في نـ.
===
الأول ذكر لعبد الله شيخًا واحدًا، وهو يونس، والثاني ذكر له شيخين: يونس ومعمرًا، أشار إليه بقوله: ومعمر نحوه، أي نحو حديث يونس، فعن يونس باللفظ وعن معمر بالمعنى، ولذا قال: نحوه، وزاد الواو في قوله: وحدثنا بشر، وهذا يسمى: واو التحويل من إسناد إلى آخر، ويعبر عنها غالبًا بصورة "ح" مهملة مفردة، وهكذا وقع في بعض النسخ، وعادتهم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى آخر حرف الحاء، فقيل: إنها مأخوذة من التحوّل لتحوّله من إسناد إلى إسناد، وإذا انتهى إليها يقول "حا" لئلا يركب الإسناد الثاني مع الأول، وقيل: إنهما من حَالَ بين الشيئين إذا حَجَزَ لكونها حالَّة بين الإسنادين، وإنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث، فأهل المغرب إذا وصلوا إليها يقولون: الحديث، "عيني" (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
¬ (^١) "عبد الله" ابن المبارك بن واضح التميمي مولاهم المروزي.
¬ (^٢) "يونس" و"الزهري" تقدما قريبًا.
¬ (^٣) "بشر بن محمد" المروزي السختياني، مات سنة ٢٢٤ هـ.
¬ (^٤) محمد بن مسلم بن شهاب، "قس" (١/ ١٢٠).
¬ (^٥) "عبيد الله بن عبد الله" ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، التابعي.
¬ (^٦) من الجود، هو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، "ك" (١/ ٥٠).
[ ١ / ١٩٥ ]
أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ ¬ (^١) حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرَئِيل، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ ¬ (^٢) الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ¬ (^٣) أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ¬ (^٤). [أطرافه: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧، أخرجه: م ٢٣٠٨، س ٢٠٩٥، تم ٣٥٣، تحفة: ٥٨٤٠].
٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانَ ¬ (^٥) الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ¬ (^٦) قَالَ: أَخْبَرَنَا
"أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ"، في نـ: "الحكم بن نافع".
===
¬(^١) أي: حال كونه في رمضان، سدّ مسدّ الخبر.
¬ (^٢) الدرس: القراءة على سرعة وقدرة عليه، ومعناه إنهما يتناوبان أو يشاركان معًا، "ك" (١/ ٥١).
¬ (^٣) قوله: (فلرسول الله - ﷺ -) بفتح اللام لأنه لام الابتداء زيد للتأكيد، و"المرسلة": بفتح السين يعني هو أجود منها في عموم النفع، ولفظ الخير شامل لجميع أنواعه بحسب اختلاف حاجات الناس، وكان - ﷺ - يجود على كل واحد منهم بما يسد خلته، "كرماني" (١/ ٥١)، وفي "الخير الجاري" (١/ ١٩): ومناسبة الحديث للمقام - أعني لبيان بدء الوحي - هي الإشارة إلى أن ابتداء الوحي - كما قالوا - كان في رمضان، ولعل وجه فرضية الصوم فيه هذا شكرًا للنعمة العظيمة، انتهى كذا في "العيني" (١/ ١٢٣)، وقال: فكان جبرئيل - ﵇ - يتعاهده في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين، وكان هذا من أحكام الوحي، والباب في الوحي، انتهى.
¬ (^٤) أي: المبعوثة لنفع الناس عامة.
¬ (^٥) كَزَمان.
¬ (^٦) "أبو اليمان الحكم بن نافع" الحمصي البهراني مولى امرأة من بهراء.
[ ١ / ١٩٦ ]
شُعَيْبٌ ¬ (^١) عَنِ الزُّهْريِّ ¬ (^٢) قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْد الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ¬ (^٣) بْنَ حَرْبٍ ¬ (^٤) أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ ¬ (^٥) أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ ¬ (^٦) ¬ (^٧) مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تُجَّارًا ¬ (^٨)
===
¬(^١) " شعيب" ابن أبي حمزة بالحاء المهملة والزاي: دينار القرشي.
¬ (^٢) هو ابن شهاب.
¬ (^٣) "أبا سفيان" بتثليث السين، ابن حرب، يكنى أبا حنظلة، اسمه صخر بالمهملة ثم المعجمة، "قسطلاني" (١/ ١٢٥).
¬ (^٤) ابن أمية بن عبد شمس، "ع" (١/ ١٣٠).
¬ (^٥) قوله: (هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف كخندف، منهم الجوهري، ولم يذكر القزاز غيره، وكذا صاحب "المغرب"، وهو اسم علم له غير منصرف للعَلَمية والعجمية، ملك إحدى وثلاثين سنة، ففي ملكه مات النبي - ﷺ - ولقبه قيصر، كما أن كل من ملك الفرس يقال له: كسرى، أما وجه مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب، هو أنه مشتمل على ذكر جمل من أوصاف من يُوْحَى إليهم، والباب في كيفية بدء الوحي، وأيضًا فإن قصة هرقل متضَمِّنة كيفية حال النبي - ﷺ - في ابتداء الأمر، وأيضًا فإن الآية المكتوبة إلى هرقل والآية التي صَدَّر بها الباب مشتملتان على أن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء - ﵈ - بإقامة الدين وإعلان كلمة التوحيد، يظهر ذلك بالتأمل، "عمدة القاري" (١/ ١٢٩ - ١٣٠).
¬ (^٦) بفتح الراء جمع راكب، "ك" (١/ ١٥٣).
¬ (^٧) قوله: (أرسل إليه في ركب) أي: أرسل إلى أبي سفيان حال كونه كائنًا من جملة الركب، وهو أميرهم، ولهذا أرسل إليه، ومعناه أرسل إليه في شأن الركب وطلبهم إليه، "ك" (١/ ٥٣).
¬ (^٨) جمع تاجر، "ع" (١/ ١٣٨).
[ ١ / ١٩٧ ]
بِالشَّأمِ - فِي الْمُدَّةِ ¬ (^١) الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَادَّ فِيهَا ¬ (^٢) أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشِ، فَأَتَوْهُ ¬ (^٣) وَهُمْ ¬ (^٤) بِإِيلِيَاءَ ¬ (^٥) ¬ (^٦) فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ ¬ (^٧)
===
¬(^١) الزمان، "خ" (١/ ٢٠)، هي صلح الحديبية، "ك" (١/ ١٥٤).
¬ (^٢) قوله: (مادّ فيها) بتشديد الدال، هو فعل ماض من المفاعلة، يقال: مادّ الغريمان إذا اتفقا على أجل الدَّين وضربا له زمانًا، وهذه المدة هي صلح الحديبية [الذي] جرى بينه - ﷺ - وبين قريش سنة ست من الهجرة، فإن قلت: هذا آخر عهد البعثة فجاء غير مناسبة لترجمة الباب وهي كيفية بدء الوحي؟ قلت: المراد أن كيفية بدء الوحي يعلم من جميع ما في الباب لا من كل حديث منه، فيكفي في كل حديث مجرد أدنى مناسبة، مثلًا يعلم من هذا الحديث أن في حال ابتداء الوحي كان التابعون للنبي - ﷺ - الضعفاء، وهَلُمَّ جَرًّا، "ك" (١/ ٥٤).
¬ (^٣) قوله: (فأتوه) الفاء فصيحة، إذ تقدير الكلام: أرسل إليه في طلب إتيان الركب إليه، فجاء الرسول فطلب إتيانهم فأتوه، ونحوه: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]، أي فضرب فانفجرت، "عيني" (١/ ١٤٦).
¬ (^٤) أي: هرقل وأصحابه.
¬ (^٥) بالمدّ والقصر، "ك" (١/ ٥٤).
¬ (^٦) قوله: (وهم بإيلياء) أي: هرقل وجماعته، كذا في "القسطلاني" (١/ ١٢٦)، وإيلياء: هو بيت المقدس، وفيه لغات: أشهرها كسر الهمزة واللام، "الخير الجاري" (١/ ١٢).
¬ (^٧) قوله: (ثم دعاهم) أي: دعاهم أولًا بأن أمر بإحضارهم من الموضع الذي كانوا فيه، فلما حضروا استأذن لهم، فتأمل زمانًا حتى أذن لهم، وهو معنى قوله: ثم دعاهم، "عيني" (١/ ١٤٦).
[ ١ / ١٩٨ ]
وَدَعَا تُرْجُمَانَهُ ¬ (^١) فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَه، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ ¬ (^٢)، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوه، فَوَاللهِ ¬ (^٣) لَوْلَاِ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا ¬ (^٤) عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ¬ (^٥)، ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ ¬ (^٦) مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ ¬ (^٧) فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ ¬ (^٨) فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَنْ مَلَكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاس اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ
"تُرْجُمَانَهُ" في نـ: "بترجمانه". "لَكَذَبْتُ عَنْهُ" في نـ: "لكذبت عليه". "قُلْتُ: لَا" في نـ: "فقلت: لا".
===
¬(^١) بضم التاء وفتحها والجيم مضمومة فيهما، هو المعبِّر عن لغة بلغة، "ك" (١/ ٥٤)، [و] يجوز فتح الجيم.
¬ (^٢) أي: النبي - ﷺ -.
¬ (^٣) قول أبي سفيان.
¬ (^٤) يروونه.
¬ (^٥) أي: عليه، أي: لأخبرت عن حاله بكذب، "ك" (١/ ٥٥).
¬ (^٦) بالرفع اسم "كان" وخبره "أن قال" وبالعكس في رواية، "ك" (١/ ٥٥).
¬ (^٧) ﷺ.
¬ (^٨) ﷺ.
[ ١ / ١٩٩ ]
سُخْطَةً ¬ (^١) لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِّنِّي ¬ (^٢) كَلِمَةٌ ¬ (^٣) أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ ¬ (^٤)، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْه، قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَه، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ ¬ (^٥) وَالصِّلَةِ ¬ (^٦). فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ
"قُلْتُ: لَوْ" في نـ: "فقلت: لو".
===
¬(^١) أي: كراهة، "ع" (١/ ١٣٩)، وفي "قس" (١/ ١٢٩): بفتح السين المهملة، وهو الصواب.
¬ (^٢) من الإمكان، وفي نسخة من التمكين، "خ" (١/ ٢١).
¬ (^٣) أراد بها الكلام، "ع" (١/ ١٤٨).
¬ (^٤) قوله: (سجال) بكسر المهملة جمع سَجْل، وهو الدلو الكبير، أي نوبة لنا ونوبة له، شَبَّه المحاربين بالمستقين يستقي هذا دلوًا وذاك دلوًا، "ع" (١/ ١٣٩ - ١٥٢).
¬ (^٥) الكفّ عن المحارم، "ع" (١/ ١٣٩).
¬ (^٦) وهي كل ما أمر الله به أن يوصل، وقيل: صلة الرحم، "ع" (١/ ١٣٩).
[ ١ / ٢٠٠ ]
لَقُلْتُ ¬ (^١): رَجُلٌ يَأْتَسِي ¬ (^٢) بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَه، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ ¬ (^٣) الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى الله، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوه، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسلِ ¬ (^٤)، وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ ¬ (^٥) الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِر، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ
"أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ" في نـ: "أيرتد منهم أحد".
===
¬(^١) أي: في نفسي، "خ" (١/ ٢٢).
¬ (^٢) أي: يقتدي، وفي رواية: يتأسَّى.
¬ (^٣) وهي لام الجحود لتأكيد النفي.
¬ (^٤) قوله: (وهم أتباع الرسل) وذلك لأن الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم، والضعفاء لا يأنفون، فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق، وهذا بحسب الغالب، وإلا فقد كان فيهم الأشراف كالصِّدِّيق وغيره، هذا في أوائل البعثة، وإلا ففي الأواخر لا يستنكفون بل يفتخرون، "ك" (١/ ٥٨).
¬ (^٥) قوله: (بشاشته) أي بشاشة الإسلام وهو انشراحه ووضوحه، وفي بعض الرواية: "بشاشة القلوب" بإضافة البشاشة، أي يخالط الإيمان انشراح
[ ١ / ٢٠١ ]
الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضعَ قَدَمَيَّ هَاتَينِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ ¬ (^١) أَنَّهُ خَارجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ ¬ (^٢) إِلَيهِ لَتَجَشَّمْتُ ¬ (^٣) لِقَاءَهُ ¬ (^٤)، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّذِي بَعَثَ بِهِ مَعَ دِحْيَةَ الكَلْبِي إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى ¬ (^٥)، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى ¬ (^٦) إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أدْعُوكَ بِدِعَايَةِ ¬ (^٧) الإِسْلَامِ،
===
الصدور، وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه وإظهار السرور برؤيته، وهو بفتح الباء، "ك" (١/ ٥٨).
¬ (^١) إما من القرائن العقلية هاما من الأحوال العادية، وإما من الكتب السماوية، "ك" (١/ ٥٩).
¬ (^٢) أي: أَصِل، "ك" (١/ ٦٠).
¬ (^٣) قوله: (لتجشمت) أي: تكلفت على مشقة لقائه، أي: حملتُ نفسي على الارتحال إليه لو كنت أستيقن الوصول (^١)، لكني أخاف أن يعوقني أعنه، عائق فأكون قد تركت ملكي ولم أصل إلى خدمته، "ك" (١/ ٦٠).
¬ (^٤) أي: لتكلفت الوصول إليه، "ع" (١/ ١٣٩).
¬ (^٥) أي: أميرها، وهو الحارث بن أبي شمر الغسّاني، "ع" (١/ ١٣٩).
¬ (^٦) كحُبلى، مدينة بين المدينة ودمشق، "توشيح" (١/ ١٥٥).
¬ (^٧) بكسر الدال، يريد دعوة الإسلام، "ك" (١/ ٦١).
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي "الكرماني": "أتيقّن الوصول إليه".
[ ١ / ٢٠٢ ]
أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ ¬ (^١) اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ ¬ (^٢) فَإِنَّ عَلَيكَ إِثْمَ اليَرِيسِيِّينَ ¬ (^٣) وَ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ ¬ (^٤) تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ ¬ (^٥) بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ ¬ (^٦) إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ¬ (^٧): فَلَمَّا قَالَ ¬ (^٨) مَا قَالَ ¬ (^٩)، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ
"اليَرِيسِيِّيْنَ" في نـ: "الأريسيين". "وَيا أَهْلَ الْكِتَابِ"، في نـ: "يا أهل الكتاب" بلا واو.
===
¬(^١) جواب ثانٍ للأمر.
¬ (^٢) أي: أعرضت.
¬ (^٣) قوله: (اليريسيِّين) بفتح التحتانية وكسر الراء [وبالياء الساكنة والسين المهملة] ثم الياء الساكنة، هو جمع يريس على وزن فعيل، وقد تقلب الياء الأولى بالهمزة، فيقال: الأريسين، وروي أيضًا بياءين بعد السين جمع يريسي، منسوب إلى يريس، وروي الإرِّيسيين بكسر الهمزة وكسر الراء المشدّدة وياء واحدة بعد السين، وهم الأكّارون الزارعون، "كرماني" (١/ ٦٢)، وفي "المجمع" (١/ ٦٧): هم الأكّارون والخول والخدم.
¬ (^٤) قوله: (أهل الكتاب) عطف على ما قبله، والتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام وبقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. [انظر: "عمدة القاري" (١/ ١٤٩)].
¬ (^٥) قوله: (سواء) أي: مستوية، "بيننا وبينكم" أي: لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل، "ع" (١/ ١٥٠).
¬ (^٦) تفسير الكلمة، "ع" (١/ ١٥٠).
¬ (^٧) صخر بن حرب.
¬ (^٨) هرقل.
¬ (^٩) من السؤال والجواب.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الصَّخَبُ ¬ (^١)، فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ ¬ (^٢) أَمِرَ ¬ (^٣) أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ¬ (^٤)، إِنَّهُ ¬ (^٥) يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ ¬ (^٦) ¬ (^٧)، فَمَا زِلْتُ ¬ (^٨) مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ، وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ ¬ (^٩) ¬ (^١٠) صَاحِبَ إِيلِيَاءَ
"فَارْتَفَعَتِ" في نـ: "وَارْتَفَعَتِ".
===
¬(^١) بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحتين هو: اللغط، كما في مسلم، "قس" (١/ ١٣٧). اختلاط الأصوات، "ك" (١/ ٦٤).
¬ (^٢) جواب القسم المحذوف، أي: والله لقد أمر إلخ، "ع" (١/ ١٥٠).
¬ (^٣) فعل ماض بمعنى: عظُم.
¬ (^٤) قوله: (ابن أبي كبشة) أبو كبشة رجل من خزاعة، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، أو هي كنية جده - ﷺ - من قبل أمه، أو هي كنية زوج حليمة السعدية، "قاموس" (ص: ٥٥٨).
¬ (^٥) بكسر "إنّ" لأنه كلام مستأنف.
¬ (^٦) "بني الأصفر" وهم الروم؛ لأن جدهم روم بن عيص بن إسحاق تزوج بنت ملك الحبشة، فجاء ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، أو لأن جدته سارة حلّته بالذهب، وقيل غير ذلك.
¬ (^٧) قوله: (بني الأصفر) نسبة إلى أصفر بن الروم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم - ﵇ - وهو الأشبه، "ع" (١/ ١٣٢).
¬ (^٨) أي: قال أبو سفيان.
¬ (^٩) بالمعجمة والمهملة هو الحافظ للزرع والناظر إليه، "ك" (١/ ٦٤).
¬ (^١٠) قوله: (وكان ابن الناطور) الواو فيه عاطفة لما قبلها، داخلة في إسناد الزهري، لا معلقة كما توهمه بعضهم، وهذا موضع يحتاج فيه إلى التنبيه على هذا، وعلى أن قصة ابن الناطور غير مروية بالإسناد
[ ١ / ٢٠٤ ]
وَهِرَقْلَ ¬ (^١) سُقُفَّ ¬ (^٢) ¬ (^٣) عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ ¬ (^٤)، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ ¬ (^٥): قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ
"سُقُفَّ" في نـ: "أُسْقُفًا" بتشديد الفاء وبتخفيفها، وفي أخرى: "سُقِّفَ".
===
المذكور عن أبي سفيان عنه، وإنما هي عن الزهري، وقد بَيّن ذلك أبو نعيم في "دلائل النبوة": أن الزهري قال: لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان، "عيني" (١/ ١٥٠)، وابن الناطور بطاء مهملة، أي حافظ البستان، وهو لفظ عجمي تكلمت به العرب، وفي رواية الحموي "الناظور" بالمعجمة، وفي رواية الليث عن يونس "ابن ناطورا" بزيادة ألف في آخره، "قس" (١/ ١٣٨).
¬ (^١) قوله: (صاحب إيلياء وهرقل) والصحبة في إيلياء باعتبار إمارته بها، وفي الثاني حقيقة، "خ" (١/ ١٥).
¬ (^٢) مقدمًا، "قس" (١/ ١٣٩).
¬ (^٣) قوله: (سُقف) بضم السين والقاف وتشديد الفاء: رئيس دين النصارى، وقع هذا منصوبًا على الحالية ومرفوعًا بأنه خبر مبتدأ محذوف، و"أسقفًا" بزيادة همزة لغة، وفي بعض الأصول: "سُقِّف" بلفظ المجهول من التفعيل، أي جُعِل سقفًا، "ك" (١/ ٦٤) و"تو " (١/ ١٥٨)، وقوله: "يحدث" خبر بعد خبر، "توشيح" (١/ ١٥٨).
¬ (^٤) لكونه رئيس دينهم أو عالمهم أو قيِّم شريعتهم، وهو دون القاضي، "قس" (١/ ١٣٩).
¬ (^٥) بفتح الموحدة جمع بطريق بكسر الموحدة: خواص دولته، "مجمع البحار" (١/ ١٩١).
[ ١ / ٢٠٥ ]
حَزَّاءً ¬ (^١) يَنْظُرُ ¬ (^٢) فِي النُّجُوم، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مُلكَ الْخِتَانِ ¬ (^٣) قَدْ ظَهَرَ ¬ (^٤)، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ¬ (^٥)؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ ¬ (^٦) شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ ¬ (^٧) مُلْكِكَ، فَليَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ ¬ (^٨) أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ ¬ (^٩)، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا ¬ (^١٠) أَمُخْتَتَنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتَنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَب فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا ¬ (^١١) مُلْكُ ¬ (^١٢)
"يَخْتَتِنُونَ" في نـ: "مختتنون". "مَلِكُ" في نـ: "يملك".
===
¬(^١) كاهنًا، "ع" (١/ ١٤١).
¬ (^٢) خبر بعد خبر.
¬ (^٣) قوله: (الختان) بكسر الخاء، اسم من الختن، وهو قطع الجلدة التي تواري الحشفة، [انظر: "كرماني" (١/ ٦٥)].
¬ (^٤) غلب.
¬ (^٥) أي: من أهل هذا العصر، "ك" (١/ ٦٥).
¬ (^٦) من أهَمَّ: أثار الهمّ، "سيوطي" (١/ ١٥٩).
¬ (^٧) جمع مدينة.
¬ (^٨) أي: من قتل اليهود.
¬ (^٩) قوله: (ملك غَسَّان) هو من جملة ملوك اليمن، "ك" (١/ ٦٦)، وغسّان: هو ماء.
¬ (^١٠) إلى الرجل، "قس" (١/ ١٤٠).
¬ (^١١) الذي نظرته في النجوم ملك هذه الأمة.
¬ (^١٢) قوله: (هذا مَلِكُ) روي بصيغة المشبّه ومُلْكٌ بالمصدر، "ك" (١/ ٦٦).
[ ١ / ٢٠٦ ]
هَذِهِ الأُمَّةِ ¬ (^١) قَدْ ظَهَرَ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةَ ¬ (^٢)، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصٍ ¬ (^٣)، فَلَمْ يَرِمْ ¬ (^٤) حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ ¬ (^٥) هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ ¬ (^٦) لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ ¬ (^٧) فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ ¬ (^٨) فِي الْفَلَاحِ وَالرُشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيِّ؟ فَحَاصُوا ¬ (^٩) حَيصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ ¬ (^١٠) إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي
"فَاذِنَ" في نـ: "فَآذَنَ". "فَتُبَايِعُوا" في هـ: "فتتابعوا" وفي نـ: "فنبايع". "أيِسَ" في ص، هـ: "يَئِسَ".
===
¬(^١) أي: العرب، " قس" (١/ ١٤٠).
¬ (^٢) مدينة رئاسة الروم، "توشيح" (١/ ١٦٥).
¬ (^٣) مدينة بالشام، يذكّر ويؤنّث، "خ" (١/ ٢٦).
¬ (^٤) أي: لم يبرح، "توشيح" (١/ ١٦٠).
¬ (^٥) من الإذن.
¬ (^٦) قوله: (دسكرة) بفتح الدال والكاف وسكون السين المهملة، وهو بناء كالقصر حوله بيوت، "ع" (١/ ١٣٦).
¬ (^٧) أي: خرج من الحرم وظهر على الناس، "ع" (١/ ١٥٢).
¬ (^٨) أي: رغبة.
¬ (^٩) نفروا.
¬ (^١٠) شبّههم بالحمر لمناسبة الجهل، "تو" (١/ ١٦١).
[ ١ / ٢٠٧ ]
آنِفًا ¬ (^١) أَخْتَبِرُ ¬ (^٢) بِهَا شِدَّتَكُمْ ¬ (^٣) عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْت، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْه، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ ¬ (^٤). قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ: رَوَاهُ ¬ (^٥) صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ¬ (^٦) وُيونُسُ ¬ (^٧) وَمَعْمَرٌ ¬ (^٨) عَنِ الزُّهْرِيِّ ¬ (^٩). [أطرافه: ٥١، ٢٦٨١، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٥٩٨٥، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١، أخرجه: م ١٧٧٣، د ٥١٣٦، ت ٢٧١٧، س في الكبرى ١١٠٦٤، تحفة: ٤٨٥٠].
"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ" رمز عليه في المتن علامة عسـ.
===
¬(^١) هذه الساعة.
¬ (^٢) أمتحن.
¬ (^٣) رسوخكم.
¬ (^٤) أي: شَحَّ بالملك ورغب في الرئاسة فآثرهما على الإسلام، "نووي" (٦/ ٣٥٠).
¬ (^٥) أي: حديث هرقل، "قس" (١/ ١٤٢)، ومثله يسمى بالمتابعة، وفائدتها التقوية والتأكيد والترجيح بكثرة الرواة، "ك" (١/ ٦٧).
¬ (^٦) "صالح بن كيسان" الغفاري المدني.
¬ (^٧) "يونس" هو ابن يزيد الأيلي.
¬ (^٨) "معمر" هو ابن راشد الأزدي، كلهم يروون عن الزهري.
¬ (^٩) "الزهري" هو محمد بن مسلم بن شهاب.
* * *
[ ١ / ٢٠٨ ]