وَقَوْلِ اللهِ ¬ (^١): ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، قَالَ ¬ (^٢): أَئِمَّةً نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا ¬ (^٣)، وَيَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ ¬ (^٤): ثَلَاثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسِي وَلإِخْوَانِي: هَذِهِ السُّنَّةُ ¬ (^٥) أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا ¬ (^٦)
"وَيَقْتَدِي" سقطت الواو في نـ.
===
¬(^١) بالجر عطف على الاقتداء، "ع" (١٦/ ٥٠٢).
¬ (^٢) لم يعلم القائل من هو، ولكن ذكر في التفسير: قال مجاهد: أي: اجعلنا ممن نقتدي بمن قبلنا … إلخ، "ع" (١٦/ ٥٠٢).
¬ (^٣) قوله: (قال: أئمة نقتدي بمن قبلنا …) إلخ، يعني: استعمل الإمام ههنا بمعنى الجمع بدليل "اجعلنا". فإن قلت: الإمام هو المقتدى به فمن أين استفاد المأمومية حتى ذكر المقدمة الأولى أيضًا؟ قلت: هي لازمة إذ لا يكون متبوعًا لهم إلا إذا كان تابعًا لهم، أي: ما لم يتبع الأنبياء لا تتبعه الأولياء، ولهذا لم يذكر الواو بين المقدمتين، "ك" (٢٥/ ٣١).
¬ (^٤) هو عبد الله البصري من صغار التابعين، "ف" (١٣/ ٢٥١).
¬ (^٥) إشارة إلى طريقة النبي - ﷺ - إشارة نوعية لا شخصية، "ف" (١٣/ ٢٥٢)، "ع" (١٦/ ٥٠٣).
¬ (^٦) قوله: (أن يتعلموها …) إلخ، قال في القرآن "تفهموه" وفي السُّنَّة "يتعلموها" لأن الغالب على حال المسلم أن يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى الوصية بتعلمه فلهذا أوصى بفهم معناه وإدراك منطوقة وفحواه.
[ ١٤ / ٢٢٩ ]
وَيَسْأَلُوا عَنْهَا، وَالْقُرْآنُ أَنْ يَتَفَهَّمُوهُ وَيَسْأَلُوا عَنْه، وَيَدَعُوا ¬ (^١) النَّاسَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ.
٧٢٧٥ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ¬ (^٢) قال: حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّحْمَنِ بن مهدي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (^٣)، عَنْ وَاصِلٍ ¬ (^٤)، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ¬ (^٥) قَالَ:
"وَيَدَعُوا النَّاسَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ" كَذا في هـ، ذ، وفي نـ: "وَيَدْعُوا النَّاسَ إِلى خَيْرٍ". "حَدَّثَنِي عَمْرُو" في نـ: "حَدَّثَنَا عَمْرُو". "ابن مهدي" سقط في نـ. "حَدَّثَنَا سُفْيَانُ" في نـ: "قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ".
===
قوله: "يدعوا الناس" أي: يتركوا الناس أي: لا يتعرض لهم، رحم الله امرءًا شغله خويصة نفسه عن الغير، نعم إن قدر على إيصال خير فبها ونعمت، وإلا ترك الشر أيضًا خير كثير، "ك" (٢٤/ ٣١ - ٣٢)، "ع" (١٦/ ٥٠٢).
¬ (^١) كذا للأكثر بفتح الدال أي: يتركوا الناس. ووقع في رواية الكشميهني بسكون الدال من الدعاء. وفي رواية: "ويدعوا الناس إلى خير"، "ع" (١٦/ ٥٠٢).
¬ (^٢) الأحوازي - بالزاي -، البصري، "ع" (١٦/ ٥٠٣)، "ك" (٢٥/ ٣٢).
¬ (^٣) الثوري.
¬ (^٤) ابن حيان، بتشديد التحتانية والنون، "ك" (٢٥/ ٣٢).
¬ (^٥) اسمه شقيق.
[ ١٤ / ٢٣٠ ]
جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ ¬ (^١) فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ¬ (^٢) قَالَ ¬ (^٣): جَلَسَ إِلَيَّ عُمَرُ فِي مَجْلِسِكَ هَذَا فَقَالَ: هَمَمْتُ ¬ (^٤) أَنْ لَا أَدَعَ ¬ (^٥) فِيهَا ¬ (^٦) صَفْرَاءَ ¬ (^٧) وَلَا بَيْضَاءَ ¬ (^٨) إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
"هَمَمْتُ" في هـ، ذ: "لقد هَمَمْتُ".
===
¬(^١) قوله: (جلست إلى شيبة) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتانية وبالموحدة: ابن عثمان الحجبي العبدري، أسلم بعد فتح مكة وبقي إلى زمان يزيد بن معاوية، وليس له في الصحيحين إلا هذا الحديث عند البخاري وحده. قوله: "أن لا أدع فيها" الضمير للكعبة وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن المراد بالمسجد في قول أبي وائل: "جلست إلى شيبة في هذا المسجد" نفس الكعبة فكأنه أشار إليها قوله: "يقتدى بهما". قال ابن بطال: أراد عمر قسمة المال في مصالح المسلمين، فلما ذكره شيبة أن النبي - ﷺ - وأبا بكر بعده لم يتعرضا له؛ لم يسعه خلافهما، ورأى أن الاقتداء بهما واجب، فربما يهدم البيت ويحتاج إلى ترميمه فيصرف ذلك [المال فيه]، ولو صرف إلى منافع المسلمين لكان فيه حرج. ومطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "يقتدى بهما" أي: بالنبي - ﷺ - وبأبي بكر ﵁، والاقتداء بالنبي - ﷺ - اقتداء بسُنَّته، ملتقط من "ك" (٢٥/ ٣٢)، "ع" (١٦/ ٥٠٢ - ٥٠٣)، "ف" (١٣/ ٢٥٢).
¬ (^٢) أي: المسجد الحرام، "ك" (٢٥/ ٣٢).
¬ (^٣) مرَّ الحديث (برقم: ١٥٩٤) مع تحقيقه.
¬ (^٤) أي: قصدت.
¬ (^٥) أي: لا أترك.
¬ (^٦) أي: الكعبة، "ك" (٢٥/ ٣٢).
¬ (^٧) أي: ذهبا.
¬ (^٨) أي: فضة.
[ ١٤ / ٢٣١ ]
قُلْتُ ¬ (^١): مَا أَنْتَ بفَاعِلٍ! قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ. قَالَ: هُمَا الْمَرْآنِ يُقْتَدَى ¬ (^٢) بِهِمَا. [راجع: ١٥٩٤].
٧٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (^٣) قَالَ: سَأَلْتُ الأَعْمَشَ فَقَالَ: عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ ¬ (^٤): سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَنَّ الأَمَانَةَ ¬ (^٥) نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فِي جَذْرِ ¬ (^٦) قُلُوبِ الرِّجَالِ ¬ (^٧)، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ ¬ (^٨) فَقَرَءُوا الْقُرْآنَ ¬ (^٩) وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ".
[راجع: ٦٤٩٧].
"يُقْتَدَى" في نـ: "نَقْتَدِي". "قَالَ: سَأَلْتُ" في نـ: "سَأَلْتُ". "سَمِعْتُ حُذيْفَةَ" في نـ: "قال: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ".
===
¬(^١) القائل شيبة، "ك"، "ع" (١٦/ ٥٠٣).
¬ (^٢) بلفظ الغائب المجهول، ولأبي ذر بنون مفتوحة بدل التحتية وكسر الدال، "قس" (١٥/ ٢٧٠).
¬ (^٣) ابن عيينة.
¬ (^٤) الهمداني الجهني الكوفي.
¬ (^٥) المراد بها الإيمان وشرائعه، "ك" (٢٥/ ٣٢).
¬ (^٦) بفتح الجيم وإسكان الذال المعجمة الأصل، "ك" (٢٥/ ٣٢)، "ع" (١٦/ ٥٠٣).
¬ (^٧) أي: المؤمنين، "ك" (٢٥/ ٣٢)، "ع" (١٦/ ٥٠٣).
¬ (^٨) قوله: (ونزل القرآن …) إلخ، يعني كان في طبائعهم الأمانة بحسب الفطرة التي فطر الناس عليها، ووردت الشريعة بذلك فاجتمع الطبع بالشرع في حفظها، "ك" (٢٥/ ٣٢).
¬ (^٩) مضى الحديث مطولًا (برقم: ٦٤٩٧، ٧٠٨٦).
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
٧٢٧٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قال: حَدَّثَنَا شعْبَةُ قال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ¬ (^١) قال: سَمِعْتُ مُرَّةَ ¬ (^٢) الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: قَالَ عَبدُ اللهِ ¬ (^٣): إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ¬ (^٤) كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ ¬ (^٥) هَدْيُ ¬ (^٦) مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ¬ (^٧)،
"أَخْبَرَنِي عَمْرُو" في نـ: "أَخْبَرَنَا عَمْرُو"، وفي نـ: "حَدَّثَنَا عَمْرُو". "الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ" في هـ، ذ: "الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ".
===
¬(^١) الجملي، بفتح الجيم وتخفيف الميم، "ف" (١٣/ ٢٥٢)، "ع" (١٦/ ٥٠٤).
¬ (^٢) ابن شراحيل، ويقال له: مرة الطيب، بالتشديد، وهو الهمداني بسكون الميم، وليس هو والد عمرو الرواي عنه، "ف" (١٣/ ٢٥٢)، الكوفي كان يصلي كل يوم ألف ركعة، "ك" (٢٥/ ٣٣).
¬ (^٣) ابن مسعود.
¬ (^٤) مرَّ الحديث (برقم: ٦٠٩٨).
¬ (^٥) قوله: (وأحسن الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال للأكثر. وللكشميهني بضم الهاء مقصورًا. ومعنى الأول: الهيئة والطريقة، والثاني: ضد الضلال، "ف" (١٣/ ٢٥٢).
¬ (^٦) بفتح الهاء وإسكان المهملة: السمت والطريقة، "ك" (٢٥/ ٣٣).
¬ (^٧) قوله: (وشر الأمور محدثاتها) المحدثات بفتح الدال جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل قبل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، والبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة؛ فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء كان محمودًا أو مذمومًا. قال الشافعي ﵀: البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السُّنَّة فهو محمود، وما خالفها
[ ١٤ / ٢٣٣ ]
و﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ¬ (^١)﴾ [الأنعام: ١٣٤]. [راجع: ٦٠٩٨، تحفة: ٩٥٥١].
٧٢٧٨ و٧٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (^٢) قال: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزيدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَا: كُنَّا عِنْدَ
"عَنْ عُبَيْدِ اللهِ" في نـ: "عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عبد الله" - أي: ابن عتبة بن مسعود -.
===
فهو مذموم، فمما حدث: تدوين الحديث، ثم تفسير القرآن، ثم تدوين المسائل الفقهية، ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب، فأنكر الأول عمر وأبو موسى وطائفة، ورخص فيه الأكثر، وأنكر الثاني جماعة من التابعين كالشعبي، وأنكر الثالث أحمد وطائفة يسيرة، واشتد إنكار أحمد للذي بعده. ومما حدث أيضًا: تدوين القول في الديانات فتصدى لها المثبتة فبالغ حتى شَبَّهَ، وبالغ النفاة حتى عطل، واشتد إنكار السلف لذلك كابي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وكلامهم [في] ذم أهل الكلام مشهور، وسببه أنهم تكلموا في ما سكت عنه النبي - ﷺ - وأصحابه، وثبت عن مالك أنه لم يكن في عهده - ﷺ - وأبي بكر ﵁ شيء من الأهواء، يعني: بدع الخوارج والروافض والقدرية، وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلامهم أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أنه أشرف العلوم، وأن من لم يستعمله فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسَّك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة، والله الموفق، "فتح" (١٣/ ٢٥٣) مختصرًا.
¬ (^١) أراد ختم موعظته بشيء من القرآن يناسب الحال، "ف" (١٣/ ٢٥٤).
¬ (^٢) ابن عيينة.
[ ١٤ / ٢٣٤ ]
النَّبِيّ - ﷺ - فقَالَ: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا ¬ (^١) ¬ (^٢) بِكِتَابِ اللهِ ﷿". [راجع: ٢٣١٤، أطرافه: ٢٣١٥].
٧٢٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قال: حَدَّثنَا فُلَيْحٌ ¬ (^٣) قال: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ ¬ (^٤) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إلَّا مَنْ أَبَى ¬ (^٥) ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ¬ (^٦) ".
[تحفة: ١٤٢٣٧].
===
¬(^١) الخطاب لوالد العسيف والذي استأجره، وليس خطابًا لأبي هريرة وزيد بن خالد كما يتوهم من ظاهره، "ع" (١٦/ ٥٠٤)، قد مرَّ ذكره بطوله غير مرَّة، (منها برقم: ٧١٩٤).
¬ (^٢) قوله: (بينكما) الخطاب للأعرابي وخصمه فيما زنى ابنه العسيف بامرأته وأعطى وليدة ومائة من الغنم، "ك" (٢٥/ ٣٣). ومطابقته للترجمة من حيث إن قوله ﵇: "بكتاب الله" أي: السُّنَّة، ويطلق عليها كتاب الله لأنها بوحيه وتقديره، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، فإذا كان المراد هو السُّنَّة يدخل في الترجمة، "ع" (١٦/ ٥٠٤)، "ف" (١٣/ ٢٥٤).
¬ (^٣) ابن سليمان.
¬ (^٤) هو الذي يقال له هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، وهلال بن أسامة المدني، "ك" (٢٥/ ٣٣)، "ع" (١٦/ ٥٠٤).
¬ (^٥) أي: امتنع.
¬ (^٦) قوله: (فقد أبى) يعني: امتنع عن قبول الدعوة، أو عن امتثال الأوامر. فإن قلت: العاصي يدخل الجنة أيضًا إذ لا يبقى مخلدًا في النار؟ قلت: يعني لا يدخل في أول الحال، أو المراد بالإباء الامتناع عن الإسلام، "ك" (٢٥/ ٣٣)، "ع" (١٦/ ٥٠٤).
[ ١٤ / ٢٣٥ ]
٧٢٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ ¬ (^١) قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ ¬ (^٢) قال: حَدَّثَنَا سَلِيمُ ¬ (^٣) بْنُ حَيَّانَ - وَأَثْنَى ¬ (^٤) عَليْهِ ¬ (^٥) - قال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
"قال: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ" في نـ: "عن سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ".
===
¬(^١) قوله: (محمد بن عَبادة) بفتح العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة ومن عداه في الصحيحين بضمها، واسم جده البختري - بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة من فوق - هو واسطي يكنى أبا جعفر، ما له في "البخاري" إلا هذا الحديث، وآخر تقدم في "كتاب الأدب" (برقم: ٦١٠٦)، "ك" (٢٥/ ٣٣)، "ف" (١٣/ ٢٥٥).
قوله: "إن العين نائمة … " إلخ، هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره، يقال: رجل يقظ إذا كان ذكي القلب، وفي حديث ابن مسعود: "فقالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قطّ أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلًا"، "ف" (١٣/ ٢٥٥).
قوله: "كمثل رجل بنى دارًا … " إلخ، فإن قلت: التشبيه يقتضي أن يكون مثل الباني هو مثل النبي - ﷺ - حيث قال: "مثله كمثل رجل بنى دارًا"، لا مثل الداعي؟ قلت: هذا ليس من باب تشبيه المفرد بالمفرد بل تشبيه المركب بالمركب من غير ملاحظة مطابقة المفردات بين الطرفين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ [يونس: ٢٤]. قوله: "فرق" بلفظ الماضي من التفريق، وفي بعضها بسكون الراء والتنوين أي: فارق بين المطيع والعاصي، "ك" (٢٥/ ٣٤ - ٣٥).
¬ (^٢) ابن هارون.
¬ (^٣) بفتح السين المهملة على وزن كريم: ابن حيان بفتح المهملة وتشديد التحتية، "ع" (١٦/ ٥٠٥).
¬ (^٤) أي: يزيد، القائل بهذا محمد شيخ البخاري، "ع" (١٦/ ٥٠٥).
¬ (^٥) أي: على سليم بن حيان.
[ ١٤ / ٢٣٦ ]
مِينَاءٍ ¬ (^١) قال: حَدَّثَنَا - أَوْ: سَمِعْتُ ¬ (^٢) - جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ ¬ (^٣) هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: مَثَلُهُ ¬ (^٤) كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأدُبَةً ¬ (^٥) وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ. فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا ¬ (^٦) لَهُ يَفْقَهْهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ - ﷺ -، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصى مُحَمَّدًا - ﷺ - فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ. [تحفة ٢٢٦٤].
"مِينَاءَ" في نـ: "مِينَى". "فَاضْرِبُوا" في نـ: "قال: فَاضْربُوا". "الدَّارُ الْجَنَّةُ" في نـ: "فَالدَّارُ الْجَنَّةُ". "فَرْقٌ" في ذ: "فَرَّقَ" - كذا لأَبي ذر بتشديد الراء فعلًا ماضيًا، ولغيره بسكون الراء والتنوين، "ف" (١٣/ ٢٥٦) -.
===
¬(^١) بكسر الميم وتسكين التحتانية وبالنون ممدودًا ومقصورًا، المكي، "ك" (٢٥/ ٣٣).
¬ (^٢) شك من سليم بن حيان.
¬ (^٣) المراد به سيدنا محمد - ﷺ -.
¬ (^٤) بفتح الميم والمثلثة أي: صفته، ويمكن أن يراد به ما عليه أهل البيان، وهو ما نشأ من الاستعارات التمثيلية، "ك" (٢٥/ ٣٤).
¬ (^٥) بفتح الدال وضمها: طعام يدعى إليه الناس كالوليمة، "ك" (٢٥/ ٣٤).
¬ (^٦) أي: فسروها واكشفوها كما هو تعبير الرؤيا حتى يفهم المقصود، "ك" (٢٥/ ٣٤).
[ ١٤ / ٢٣٧ ]
- تَابَعَهُ ¬ (^١) قُتَيْبَةُ عَنْ لَيْثٍ ¬ (^٢)، عَنْ خَالِدٍ ¬ (^٣)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ¬ (^٤) ¬ (^٥)، عَنْ جَابِرٍ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ -.
٧٢٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (^٦)، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ¬ (^٧)، عَنْ هَمَّامٍ ¬ (^٨)، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ ¬ (^٩)
"خَرَجَ" في نـ: "قال: خَرَجَ".
===
¬(^١) أي: محمد بن عَبَادة، "ع" (١٦/ ٥٠٦).
¬ (^٢) ابن سعد.
¬ (^٣) ابن يزيد الفقيه.
¬ (^٤) الليثي المدني.
¬ (^٥) قوله: (عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر) ابن عبد الله الأنصاري، قال: "خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا فقال: إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا. فقال: اسْمَعْ سَمِعَتْ أذنك، واعْقِلْ عَقَلَ قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا ثم بنى فيها بيتًا ثم جعل فيها مائدة" نحو الحديث المذكور، وهذا حديث منقطع، سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله. قيل: فائدة إيراد البخاري هذه المتابعة لدفع توهم من يظن أن طريق سعيد بن ميناء موقوف عليه؛ لأنه لم يصرح برفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، فذكر هذه المتابعة لتصريحها بالرفع، "ع" (١٦/ ٥٠٦).
¬ (^٦) الثوري.
¬ (^٧) النخعي.
¬ (^٨) ابن الحارث.
¬ (^٩) جمع قارئ، والمراد بهم العلماء بالقرآن والسُّنَّة، وكان في الصدر الأول إذا أطلقوا بالقراء أرادوا بهم العلماء.
[ ١٤ / ٢٣٨ ]
اسْتَقِيمُوا ¬ (^١) ¬ (^٢)؛ فَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا ¬ (^٣)، لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. [تحفة: ٣٣٨٧].
٧٢٨٣ - حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ قال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ ¬ (^٤)، عَنْ بُرَيْدٍ ¬ (^٥)، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلِي
"حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ" في نـ: "حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ"، وزاد في حـ: "محمد بن العلاء".
===
¬(^١) أي: اسلكوا طريق الاستقامة، وهو كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلًا وتركًا، "ف" (١٣/ ٢٥٧).
¬ (^٢) قوله: (استقيموا) أي: اثبتوا على الصراط المستقيم أي: الكتاب والسُّنَّة ولازموه فإنكم مسبوقون، فربما تلحقون بهم بعض اللحوق، "ك" (٢٥/ ٣٥).
قال في "الفتح" (١٣/ ٢٥٧): قوله: "سبقتم" بفتح أوله وحكي ضمه والأول المعتمد. وقوله: "سبقًا بعيدًا" أي: ظاهرًا. ووصفه بالبعد لأنه غاية شأو المتنافسين، والمراد أنه خاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام فإذا تمسك بالكتاب والسُّنَّة سبق إلى كل خير؛ لأن من جاء بعده إن عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام، وإلا فهو أبعد منه حسًّا وحكمًا، "ف" (١٣/ ٢٥٧).
قال الطيبي (١/ ٤٢٠): "يا معشر القراء استقيموا" أي: استقيموا على الصراط المستقيم بالإخلاص عن الرياء فقد سبقكم من أخلص الله في القراءة. "وإن أخذتم يمينًا وشمالًا" أي: يمين الصراط بالميل إلى الرياء، "لقد ضللتم" بأن أدّاكم الشرك الأصغر إلى الأكبر، انتهى.
¬ (^٣) أي: خالفتم الأمر المذكور.
¬ (^٤) اسمه حماد بن أسامة
¬ (^٥) ابن عبد الله.
[ ١٤ / ٢٣٩ ]
وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ يَا قَوْمِ: إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ ¬ (^١) بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ ¬ (^٢)، فَالنَّجَاءَ ¬ (^٣). فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا ¬ (^٤)، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ ¬ (^٥) فَنَجَوْا، وَكَذَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ ¬ (^٦)، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ ¬ (^٧)، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ". [أخرجه: ٢٢٨٣، تحفة: ٩٠٦٥].
"فَاتَّبَعَ" في سـ، حـ، ذ: "وَاتَّبَعَ".
===
¬(^١) وقد تقدَّم الحديث (برقم: ٦٤٨٢) في "كتاب الرقاق".
¬ (^٢) قوله: (أنا النذير العريان) أي: المجرد عن الثياب. كان عادتهم أن الرجل إذا رأى العدو وأراد إنذار قومه يخلع ثيابه ويديرها حول رأسه إعلامًا لقومه من البعيد بالغارة ونحوها، قاله الكرماني (٢٥/ ٣٥).
وقال في "المجمع" (٣/ ٥٨٥): خص العريان لأنه أبين للعين وأغرب وأشنع عند المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعينهم يكون على مكان عال، فإذا رأى العدو ينزع ثوبه، وألاح به لينذر قومه ويبقى عريانًا، وروي بموحدة بدل مثناة بمعنى الفصيح أي: النذير المفصح بالإنذار لا يوري ولا يكني هو مثلٌ لشدة الأمر ودنوّ المحذور، انتهى.
¬ (^٣) ممدودًا ومقصورًا بالنصب على أنه مفعول مطلق أي: الإسراع، "ك" (٢٥/ ٣٥)، أي: انجوا بأنفسكم، والنجاء: السرعة، نجا ينجو إذا أسرع. نجا من الأمر إذا خلص، وأنجاه غيره، "مجمع" (٤/ ٦٨٥).
¬ (^٤) الإدلاج بلفظ الإفعال: السير أول الليل، وبالافتعال: السير آخر الليل.
¬ (^٥) أي: على سكينتهم، "ع" (١٦/ ٥٠٧).
¬ (^٦) أي: أتاهم صباحًا وأغار عليهم، "ع" (١٦/ ٥٠٧).
¬ (^٧) بالجيم ثم الحاء أي: استأصلهم، "ك" (٢٥/ ٣٦).
[ ١٤ / ٢٤٠ ]
٧٢٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَه، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب ¬ (^١) ¬ (^٢). قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
"قَالَ عُمَرُ" في نـ: "فَقَالَ عُمَرُ".
===
¬(^١) قد مرَّ الحديث مع بيانه (برقم: ١٣٩٩) في "كتاب الزكاة".
¬ (^٢) قوله: (كفر من كفر من العرب) لأنهم أنكروا وجوب الزكاة ولحقوا بمسيلمة؛ فيكون كفرًا حقيقة؛ لأن وجوبها مما علم كونه من الدين بالضرورة، أو امتنعوا منها فيكون تسميته كفرًا تغليظًا. وفي "شرح الشيخ": لعل بعضهم أنكروا وبعضهم منعوا فصح إطلاق الكفر عليهم تارة ونفيه أخرى، وقد أخذ عمر ﵁ بالظاهر، فلما تبين له حقيقة الحال وافق أبا بكر، كما قال: عرفت أنه الحق، "لمعات".
قال الكرماني (٢٥/ ٣٦): هم طائفة منعوا الزكاة بشبهة أن صلاة أبي بكر ﵁ ليست سكنًا لهم، بخلاف صلاة رسول الله - ﷺ - فإنها كانت سكنًا لهم قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
قوله: "فإن الزكاة حق المال" هذا الرد يدل على أن عمر ﵁ حمل الحق في قوله: "إلا بحقه" على غير الزكاة وإلا لم يستقم استشهاد عمر بالحديث على منع المقاتلة، ولا رد أبي بكر ﵁ بقوله: "فإن الزكاة حق المال"، أو يقال: إن عمر ظن أن المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع فاستشهد بالحديث، وأجابه أبو بكر "بأني ما أقاتلهم لكفرهم بل لمنعهم الزكاة"، ويعضد هذا الوجه قوله: "كفر من كفر"، "طيبي" (٤/ ٢٤).
[ ١٤ / ٢٤١ ]
فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ ¬ (^١)، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ"؟. [راجع: ١٣٩٩].
٧٢٨٥ - قَالَ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ¬ (^٢)، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي كَذَا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
قَالَ لي ابْنُ بُكَيْرٍ ¬ (^٣) ¬ (^٤) وَعَبْدُ اللهِ ¬ (^٥)، عَنِ اللَّيْثِ، عن عُقَيْلٍ:
"وَحِسَابُهُمْ" في نـ: "وَحِسَابُهُ". "قَالَ: وَاللهِ" في نـ: "فَقَالَ: وَاللهِ". "كَذَا" كذا في ذ، وفي هـ، ذ: "كذا وكذا"، وفي نـ: "عقالًا".
===
¬(^١) أي: بحق الإسلام.
¬ (^٢) أي: هذا داخل تحت الاستثناء الرافع للعصمة المبيح للقتال، "ك" (٢٥/ ٣٦)، كما أن الصلاة حق البدن.
¬ (^٣) هو يحيى بن عبد الله بن بكير.
¬ (^٤) قوله: (وقال لي ابن بكير …) إلخ، ومراده: أن قتيبة حدثه عن الليث بالسند المذكور فيه بلفظ: "لو منعوني كذا"، ووقع في رواية الكشميهني: "كذا وكذا"، وحدثه به يحيى وعبد الله عن الليث بالسند المذكور بلفظ: "عناقًا". وقوله: "وهو أصح" أي: من رواية من روى "عقالًا" كما تقدمت الإشارة إليه في "كتاب الزكاة"، أو أبهمه كالذي وقع هنا، "ف" (١٣/ ٢٥٨). ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن من فرق بينهما خرج عن الاقتداء بالسُّنَّة الشريفة، "قس" (١٥/ ٢٨٠)، "ع" (١٦/ ٥٠٧).
¬ (^٥) ابن صالح كاتب الليث.
[ ١٤ / ٢٤٢ ]
عَنَاقًا ¬ (^١)، وَهْوَ أَصَحُّ. ورواه الناس عناقًا، وعقالًا ها هنا لا يجوز، وعقالًا في حديث الشعبي مرسل، وكذا قال قتيبة: عقالًا. [راجع: ١٤٠٠].
٧٢٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ¬ (^٢)، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ¬ (^٣)، عَنْ يُونُسَ ¬ (^٤)، عَنِ ابْن شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ ¬ (^٥) بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ فَنَزَلَ
"حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ" كذا في ذ، وفي نـ: "حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ".
===
¬(^١) وهو أنثى من ولد المعز، "ك" (٢٥/ ٣٦).
¬ (^٢) ابن أبي أوسى.
¬ (^٣) عبد الله.
¬ (^٤) ابن يزيد الأيلي.
¬ (^٥) قوله: (عيينة) بتحتانية ونون مصغرًا "ابن حصن" بكسر الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة ثم نون "ابن حذيفة بن بدر" يعني: الفزاري، معدود في الصحابة، وكان في الجاهلية موصوفًا بالشجاعة والجهل والجفاء، وله ذكر في المغازي، ثم أسلم في الفتح وشهد مع النبي - ﷺ - حنينًا فأعطاه مع المؤلفة، وإياه عنى العباس بن مرداس السلمي بقوله:
"أتجعل نهبي ونهب العبـ …
_________________
(١) يد بين عيينة والأقرع وله ذكر مع الأقرع بن حابس سيأتي قريبًا، وله قصة مع أبي بكر وعمر حين سأل أبا بكر أن يعطيه أرضًا يقطعه إياها فمنعه عمر، وقد ذكره البخاري في "التاريخ الصغير"، وسماه النبي - ﷺ - "الأحمق المطاع"، وكان عيينة ممن وافق طليحة الأسدي لما ادعى النبوة، فلما غلبهم المسلمون في قتال أهل الردة فَرَّ طليحة وأسر عيينة فأتي به أبو بكر فاستتابه فتاب، وكان قدومه إلى المدينة على عمر بعد أن استقام أمره وشهد الفتوح. وفيه من جفاء الأعراب شيء، "ف" (١٣/ ٢٥٨)، "ع" (١٦/ ٥٠٨).
[ ١٤ / ٢٤٣ ]
عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ ¬ (^١) بْنِ قَيْسِ ¬ (^٢) بْنِ حِصْنٍ، - وَكَانَ مِنَ النَّفَر الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ ¬ (^٣) عُمَر، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ ¬ (^٤) كُهُولًا كَانُوا أَوْ شَبَابًا ¬ (^٥) - فَقَالَ عُيَينَةُ لابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ ¬ (^٦) عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ ¬ (^٧) فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَليْهِ؟ قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَليْهِ.
"وَمُشَاوَرَتِهِ" في نـ: "وَمُشَاوَرِيهِ" - بفتح الواو ويجوز كسرها، "ف" (١٣/ ٢٥٨) -.
===
¬(^١) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء.
¬ (^٢) قوله: (الحر بن قيس) أي: الفزاري، قال أبوعمر: الحر كان من الوفد الذين قدموا على رسول الله - ﷺ - من فزارة مرجعه من تبوك. قوله: "وكان" أي: الحر من الطائفة الذين يقربهم عمر، ثم بين ابن عباس سبب إدنائه الحر بقوله: "وكان القراء أصحاب مجلس عمر" وأراد بالقراء العلماء والعباد، فدل ذلك على أن الحر المذكور كان متصفًا بذلك فلذلك كان عمر يدنيه. قوله: "كهولًا كانوا أو شبابًا" الكهول جمع كهل، والشباب جمع شاب، أراد أن هؤلاء المذكورين أصحاب مجلسه وأصحاب مشورته، سواء فيهم الكهول والشبان؛ لأن كلهم كانوا على خير، "ع" (١٦/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، "ف" (١٣/ ٢٥٨).
¬ (^٣) أي: يقربهم.
¬ (^٤) بلفظ المصدر وبلفظ المفعول، "ك" (٢٥/ ٣٧).
¬ (^٥) مرَّ الحديث (برقم: ٤٦٤٢).
¬ (^٦) أي: وجاهة، "ع" (١٦/ ٥٠٩).
¬ (^٧) قوله: (عند هذا الأمير) هذا من جملة جفاء عيينة؛ إذ كان من حقه أن ينعته بأمير المؤمنين، ولكنه لا يعرف منازل الأكابر. قوله: "فتستأذن لي عليه" أي: في خلوة؛ لأن عمر كان لا يحتجب إلا عند خلوته وراحته، ومن
[ ١٤ / ٢٤٤ ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ¬ (^١): فَاسْتَأْذَنَ ¬ (^٢) لِعُيَيْنَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَاللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ¬ (^٣)، وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ ¬ (^٤) فَقَالَ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
"وَمَا تَحْكُمُ" في هـ، ذ: "وَلا تَحْكُمُ".
===
ثم قال له: "سأستأذن لك عليه" أي: حتى تجتمع به وحدك، "ف" (١٣/ ٢٥٨)، "ع" (١٦/ ٥٠٩).
قوله: "يا ابن الخطاب" هذا أيضًا من جفائه حيث خاطبه بهذه المخاطبة. قوله: "فوالله ما جاوزها" وفي هذا تقوية لما ذهب إليه الأكثرون أن هذه الآية محكمة. قال الطبري - بعد أن أورد أقوال السلف في ذلك وأن منهم من ذهب إلى أنها منسوخة بآية القتال -: والأولى بالصواب أنها غير منسوخة؛ لأن الله تعالى أتبع ذلك تعليمه نبيه - ﷺ - محاجة المشركين، ولا دلالة على النسخ، فكأنها نزلت لتعريف النبي - ﷺ - عشرة من لم يؤمر بقتاله من المشركين، أو أريد به تعليم المسلمين، وأمرهم بأخذ العفو من أخلاقهم فيكون تعليمًا لخلقه صفة عشرة بعضهم بعضًا فيما ليس بواجب، فأما الواجب فلا بد من عمله فعلًا أو تركًا، انتهى ملخصًا، "ف" (١٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
¬ (^١) موصول بالسند المذكور، "ع" (١٦/ ٥٠٩)، "ف" (١٣/ ٢٥٨).
¬ (^٢) أي: الحر.
¬ (^٣) بفتح الجيم وسكون الزاي، أي: العطاء الكثير، وأصله ما عظم من الخطب، "ع" (١٦/ ٥٠٩).
¬ (^٤) أي: حتى قصد أن يبالغ في ضربه، "ع" (١٦/ ٥٠٩).
[ ١٤ / ٢٤٥ ]
وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ ¬ (^١). فَوَاللهِ ¬ (^٢) مَا جَاوَزَهَا ¬ (^٣) عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيهِ، وَكَانَ وَقَّافًا ¬ (^٤) عِنْدَ كِتَابِ اللهِ ﷿. [راجع: ٤٦٤٢].
٧٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ¬ (^٥)، عَنْ أَسْمَاءَ بْنَتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ حِينَ خَسَفَتِ ¬ (^٦) الشَّمْس، وَالنَّاسُ قِيَامٌ، وَهِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي
"أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ" كذا في ذ، وفي نـ: "أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ". "خَسَفَتِ" في سـ، ذ: "كَسَفَتِ".
===
¬(^١) أي: فأعرض عنه، "ف" (١٣/ ٢٥٩).
¬ (^٢) قيل: إنه من كلام ابن عباس، وقيل: من كلام الحر بن قيس، "ع" (١٦/ ٥٠٩).
¬ (^٣) أي: ما عمل بغير ما دلت عليه الآية، بل عمل بمقتضاها، "ع" (١٦/ ٥٠٩).
¬ (^٤) أي: يعمل بما فيه ولا يتجاوزه، "ع" (١٦/ ٥٠٩)، هذا محل المطابقة للترجمة.
¬ (^٥) الحنفية، زوجة هشام بن عروة، وأسماء جدتها، "ك" (٢٥/ ٣٧).
¬ (^٦) قوله: (خسفت) ولأبي ذر عن المستملي بالكاف لغتان، أو يغلب في القمر لفظ الخسوف بالخاء، وفي الشمس الكسوف بالكاف، قاله القسطلاني (١٥/ ٢٨٢). وقال العيني (١٦/ ٥٠٩): هذا يدل على أن الكسوف والخسوف كلاهما يستعملان في الشمس. وفيه رد على من قال: إن الكسوف يختص بالشمس والخسوف بالقمر. قوله: "حتى الجنة والنار" بالنصب عطف على الضمير المنصوب في قوله: "رأيته"، ويجوز الرفع على أن "حتى" ابتدائية و"الجنة" مبتدأ محذوف الخبر أي: حتى الجنة مرئية، والنار عطف عليه. ومطابقته للترجمة في قوله: "جاءنا بالبينات فأجبناه"؛ لأن الذي أجاب وآمن هو الذي اقتدى بسنته ﵇، "قس" (١٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
[ ١٤ / ٢٤٦ ]
فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ ¬ (^١) فَأَشَارَتْ بيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ. فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَليْهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَرَهُ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّار، وَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ ¬ (^٢) فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ الْمُسْلِم، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ فَأَجَبْنَا ¬ (^٣) وَآمَنَّا. فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا عَلِمْنَا أَنَّكَ مُوقِنٌ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوِ الْمُرْتَابُ ¬ (^٤)، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". [راجع: ٨٦، أخرجه: م ٩٠٥، تحفة: ١٥٧٥٠].
٧٢٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ¬ (^٥) قال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ¬ (^٦)، عَنِ الأَعْرَجِ ¬ (^٧)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
"مَا لِلنَّاسِ" في سـ، ذ: "مَا بَال لنَّاسِ". "قَالَتْ بِرَأْسِهَا" في نـ: "فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا". "أيْ نَعَمْ" كذا في سـ، حـ، ذ، وفي نـ: "أَنْ نَعَمْ". "وَأُوحِيَ" في نـ: "فَأُوحِيَ". "لَا أَدْرِي" في نـ: "لَا نَدْرِي". "فَأَجَبْنَا" كذا في هـ، وفي سـ، حـ، ذ: "فَاجَبْنَاه". "لَا أَدْرِي" في نـ: "قال: لَا أَدْرِي".
===
¬(^١) قد مرَّ الحديث مع بيانه (برقم: ١٠٥٣)، و(برقم: ٨٦) في "العلم".
¬ (^٢) أي: تمتحنون ذلك بسؤال منكر ونكير، "ك" (٢٥/ ٣٨).
¬ (^٣) أي: أجبنا دعوته وقبلنا، "ك" (٢٥/ ٣٨).
¬ (^٤) أي: الشاك في نبوته، "ك" (٢٥/ ٣٨).
¬ (^٥) ابن أبي أويس. هو ابن أخت مالك، "ع" (١٦/ ٥١٠).
¬ (^٦) اسمه عبد الله بن ذكوان.
¬ (^٧) اسمه عبد الرحمن بن هرمز، "ع" (١٦/ ٥١٠).
[ ١٤ / ٢٤٧ ]
"دَعُونِي ¬ (^١) مَا تَرَكْتُكُمْ ¬ (^٢)، إِنَّمَا أُهْلِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ ¬ (^٣) عَنْ شَيْءٍ ¬ (^٤) فَاجْتَنِبُوه،
"أُهْلِكَ" كذا في هـ، ذ، وفي نـ: "هَلَكَ". "سُؤَالُهُمْ" في نـ: "بِسُؤَالِهِمْ".
===
¬(^١) أي: اتركوني، أي: دعوني ما لم امركم بشيء ولا نهيتكم بشيء، "خ".
¬ (^٢) قوله: (دعوني ما تركتكم …) إلخ، المراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل وجوبه أو تحريمه، وعن كثرة السؤال لما فيه غالبًا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة، وقد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل إذ أمروا أن يذبحوا البقرة، فلو ذبحوا أيّ بقرة شاؤوا لامتثلوا، ولكنهم شددوا فشدد عليهم. وبهذا يظهر مناسبة قوله: "فإنما هلك من كان قبلكم … " إلخ. قوله: "فإنما أهلك" بفتحات، وقال بعد ذلك: "سؤالهم" بالرفع على أنه فاعل "أهلك"، وفي رواية غير الكشميهني: "أهلك" بضم أوله وكسر اللام، وقال بعد ذلك: "بسؤالهم" أي: بسبب سؤالهم. وقوله: "واختلافهم" بالرفع والجر على الوجهين، "ف" (١٣/ ٢٦٠ - ٢٦١) حصرًا. وقال الكرماني (٢٥/ ٣٨): في بعضها: "هلك" من المجرد، و"من كان قبلكم" فاعله.
¬ (^٣) من هذا تؤخذ المطابقة للترجمة؛ لأن من اجتنب عما نهاه - ﷺ - وامتثل بما أمره فهو من اقتدى بسُنَّته، [انظر: "القسطلاني"١٥/ ٢٨٣].
¬ (^٤) قوله: (فإذا نهيتكم عن شيء …) إلخ، هذا النهي عام في جميع المناهي ويستثنى من ذلك ما يُكْرَهُ المكلَّف على فعله كشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور. وخالف قوم فتمسكوا بالعموم فقالوا: الإكراه على
[ ١٤ / ٢٤٨ ]
وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ¬ (^١). [تحفة ١٣٨٥٠].
===
ارتكاب المعصية لا يبيحها. قوله: "فأتوا منه ما استطعتم" قال النووي ["المنهاج" (٩/ ١٠١)]: هذا من جوامع الكلم وقواعد الإسلام، ويدخل فيه كثير من المسائل كالصلاة لمن عجز عن ركن منها، أو شرط فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء، وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل، والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في أثناء النهار، إلى غير ذلك. وقال غيره: إن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعَبَّرَ عنه بعض الفقهاء بأن "الميسور لا يسقط بالمعسور"، واستدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد. والذي يظهر: أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدل على المدعى من الاعتناء، بل من جهة الكف؛ إذ كل أحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلًا فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الكف، بل كل مكلف قادر على الترك، بخلاف الفعل فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثم قيد في الأمر بالاستطاعة دون النهي. واستدل به على النهي عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك. قال البغوي في "شرح السُّنَّة": المسائل على وجهين، أحدهما: ما كان على وجه التعلم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، وعلى ذلك يتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. وثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف وهو المراد في هذا الحديث، والله أعلم، "ف" (١٣/ ٢٦١ - ٢٦٣) مختصرًا.
¬ (^١) أي: افعلوا قدر استطاعتكم فيه، "ع" (١٦/ ٥١٠).
[ ١٤ / ٢٤٩ ]