===
¬(^١) قوله: (ما أحد أصبر على أذى …) إلخ، أصبر: أفعل تفضيل من الصبر، ومن أسمائه الحسنى: الصبور، ومعناه الذي لا يعاجل العُصاة بالعقوبة، وهو قريب من معنى الحليم، والحليم أبلغ في السلامة من العقوبة، والمراد بالأذى أذى رسله وصالحي عباده؛ لاستحالة تعلق أذى المخلوقين به لكونه صفة نقص وهو منزه عن كل نقص، ولا يؤخر النقمة قهرًا بل تفضلًا، وتكذيب الرسل في نفي الصاحبة والولد عن اللّه أذى لهم، فأضيف الأذى إلى اللّه تعالى للمبالغة في الإنكار عليهم والاستعظام لمقالتهم.
وقال ابن المنير: وجه مطابقة الآية للحديث اشتماله على صفتي الرزق والقوة الدالة على القدرة، أما الرزق فواضح من قوله: "ويرزقهم"، وأما القوة فمن قوله: "ما أحد أصبر" بأن فيه إشارة إلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم، بخلاف طبع البشر فإنه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إِلَّا من جهة تكلفه ذلك شرعًا، "ف" (١٣/ ٣٦١).
¬ (^٢) أي: ينسبون إليه ويثبتونه له، "ك" (٢٥/ ١٠١)، "ع" (١٦/ ٥٨٠).
¬ (^٣) أي: يدفع عنهم المكروهات من العلل والبليات، "ك" (٢٥/ ١٠١).
ومرَّ الحديث (برقم: ٦٥٩٩).
¬ (^٤) أي: الأرزاق والأقوات مقابلة للسيآت بالحسنات، "ك" (٢٥/ ١٠١).
¬ (^٥) قوله: (باب قول اللّه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ …﴾ إلخ) والغرض من الباب إثبات صفة العلم، وفيه أيضًا رد على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم، فأورد هنا خمس قطع من خمس آيات: قوله: " ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ " أي: اختاره، والرسول إما جميع الرسل
[ ١٤ / ٣٩٨ ]
وَ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وَ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وَ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ ¬ (^١) عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ يَحْيَى ¬ (^٢) ¬ (^٣):
"وَ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ " سقطت الواو في نـ. " ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ﴾ " في نـ: "وَ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ﴾ ".
===
أو جبريل؛ لأنه المبلغ لهم. واختلف في المراد بالغيب فقيل: هو على عمومه، وقيل: ما يتعلق بالوحي خاصة، وقيل: ما يتعلق بعلم الساعة وهو ضعيف؛ لأن علم الساعة مما استأثر اللّه بعلمه إِلَّا إن ذهب قائل ذلك بأن الاستثناء منقطع، وفي الآية رد على المنجمين وعلى كل من يدعي أنه يطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك؛ لأنه مكذب للقرآن. والآية الثالثة: وهو قوله: " ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ " من الحجج القاطعة في إثبات العلم للّه تعالى، وحرفه المعتزلي نصرة لمذهبه، فقال: أنزله ملتبسًا بعلمه الخاص وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ، ورد عليه بأن نظم العبارات ليس هو نفس العلم القديم بل دال عليه، ملتقط من "ك" (٢٥/ ١٠٢ - ١٠٣)، "ع" (١٦/ ٥٨١)، "ف" (١٣/ ٣٦٤).
¬ (^١) أي: لا يعلم وقت قيامها غيره، فالتقدير إليه يرد علم وقت الساعة، "ع" (١٦/ ٥٨١).
¬ (^٢) ابن زياد الفراء النحوي المشهور، وإنما قيل له: الفراء مع أنه لم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها؛ لأنه كان يفري الكلام، "ع" (١٦/ ٥٨١).
¬ (^٣) أي: في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣].
[ ١٤ / ٣٩٩ ]
الظَّاهِرُ ¬ (^١) عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
٧٣٧٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَفَاتِيحُ الْغَيبِ ¬ (^٢) خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّه، لَا يَعْلَمُ
"عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" في نـ: "كُلِّ شَيْءٍ". "لَا يَعْلَمُهَا" في نـ: "لَا يَعْلَمُهُنَّ".
===
¬(^١) وقيل: معناه: العالم بظواهر الأشياء وبواطنها، وقيل: الظاهر بالأدلة والباطن بذاته، وقيل: الظاهر بالعقل والباطن بالحس، وقيل: معنى الظاهر: العالي على كل شيء؛ لأن من غلب [على] شيء ظهر عليه وعلاه، والباطن: الذي [في] كل شيء أي: علم باطنه، "ف" (١٣/ ٣٦٢).
¬ (^٢) قوله: (مفاتيح الغيب) استعارة إما مكنية وإما مصرحة، ولما كان جميع ما في الوجود محصورًا في علمه شبهه الشارع بالمخازن واستعار لبابها المفتاح.
والحكمة في جعلها خمسًا: الإشارة إلى حصر العوالم فيها، ففي قوله: "مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ" إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص، وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ومع ذلك ينفي أن يعرف أحد حقيقتها فغيرها بطريق الأولى.
وفي قوله: "لا يعلم متى يأتي المطر" إشارة إلى أمور العالم العلوي، وخص المطر مع أن له أسبابًا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق.
وفي قوله: "وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ … " إلخ، إشارة إلى أمور العالم السفلي مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة، بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن.
[ ١٤ / ٤٠٠ ]
مَا تَغِيضُ ¬ (^١) الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّه، وَمَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّه، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّه، وَلَا تَدْرِي ¬ (^٢) نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّه، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ". [راجع: ١٠٣٩، تحفة: ٧١٨٣].
٧٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (^٣)، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ¬ (^٤)، عَنِ الشَّعْبِيِّ ¬ (^٥)، عَنْ مَسْرُوقٍ ¬ (^٦)، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
"وَمَا يَعْلَمُ" في نـ: "وَلَا يَعْلَمُ". "عَنْ إِسْمَاعِيلَ" في نـ: "قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ".
===
وفي قوله: "ولا يعلم ما في غد" إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث، وعبر بلفظ "غد" لكونه أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه [مع إمكان الأمارة والعلامة] فما بعد عنه أولى.
وفي قوله: "ولا يعلم متى تقوم الساعة" إشارة إلى علوم الآخرة فإن يوم القيامة أولها، وإذا نفى علم الأقرب انتفى علم ما بعده.
فجمعت الآية [لقمان: ٣٤] أنواع الغيوب وأزالت جميع الدعاوي الفاسدة، "ع" (١٦/ ٥٨٢)، "ف" (١٣/ ٣٦٥).
¬ (^١) من غاض الماء إذا نقص، وهو لازم ومتعد، والغيض: السقط الذي لم يهتم خلقه، "ك" (٢٥/ ١٠٢). ومرَّ الحديث (برقم: ١٠٣٩).
¬ (^٢) فإن قلت: الدراية علم يحصل بالتكلف، فكيف يصح استثناء اللّه تعالى منه؟ قلت: أراد بهذا العلم المطلق، "ك" (٢٥/ ١٠٢).
¬ (^٣) الثوري.
¬ (^٤) ابن أبي خالد البجلي.
¬ (^٥) عامر بن شراحيل.
¬ (^٦) ابن الأجدع.
[ ١٤ / ٤٠١ ]
مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ ¬ (^١) ¬ (^٢) فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ ¬ (^٣)، وَهُوَ يَقُولُ: "لَا يَعْلَمُ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ". [راجع: ٣٢٣٤، أخرجه: م ١٧٧، ت ٣٠٦٨، س في الكبرى ١١٤٠٨، تحفة: ١٧٦١٣].
"رَبَّهُ" زاد في نـ: "﷿".
===
¬(^١) أي: في ليلة المعراج.
¬ (^٢) قوله: (رأى ربه …) إلخ، اختلفوا في رؤيته، فعائشة ﵂ ممن أنكرها، لكنها لم تنقل عن النَّبِيّ - ﷺ - بل قالته اجتهادًا واستدلالًا. وقال الداودي: إنها أنكرت ما قيل عن ابن عباس أنه رآه بقلبه. ومعنى الآية: لا تحيط به الأبصار، وقيل: لا تدركه الأبصار وإنما يدركه المبصرون، وقيل: لا تدركه في الدنيا، "عيني" (١٦/ ٥٨٢ - ٥٨٣).
¬ (^٣) قوله: (أنه يعلم الغيب فقد كذب) كذا وقع في هذه الرواية، وقد تقدم في تفسير سورة "النجم" (برقم: ٤٨٥٥) من طريق وكيع عن إسماعيل بلفظ: "ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب"، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وذكر هذه الآية أنسب في هذا الباب لموافقته حديث ابن عمر الذي قبله، لكنه جرى على عادته التي أكثر منها من اختيار الإشارة على صريح العبارة.
ونقل ابن التين عن الداودي قال: قوله في هذا الطريق: "من حدثك أن محمدًا يعلم الغيب" ما أظنه محفوظًا، وما أحد يدعي أن رسول اللّه - ﷺ - كان يعلم الغيب إِلَّا ما علم، انتهى. وليس في الطريق المذكورة هنا التصريح بذكر محمد - ﷺ -، وإنما وقع فيه بلفظ: "ومن حدثك أنه يعلم" وأظنه بني على أن الضمير في قول عائشة: "ومن حدّثك" أنه لمحمد - ﷺ - لتقدم ذكره، ويعكر عليه أنه وقع في رواية إبراهيم النخعي عن مسروق عن عائشة قالت: "ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم الفرية: من زعم أنه يعلم ما في غد … "
[ ١٤ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحديث، أخرجه النسائي. وظاهر هذا السياق أن الضمير للزاعم، ولكن ورد التصريح بأنه لمحمد - ﷺ - فيما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد ربه بن سعيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي بلفظ: "أعظم الفرية على اللّه من قال: إن محمدًا رأى ربه وإن محمدًا كتم شيئًا من الوحي، وإن محمدًا يعلم ما في غدٍ" وهو عند مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن داود وسياقه أتم، ولكن قال فيه: "ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد". هكذا بالضمير، كما في رواية إسماعيل معطوفًا على "من زعم أن رسول اللّه - ﷺ - كتم شيئًا". وما ادعاه من النفي متعقب؛ فإن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن ذلك حتى كان يرى أن صحة النبوة يستلزم اطلاع النَّبِيّ على جميع المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النَّبِيّ - ﷺ - ضلت، فقال زيد بن اللصيت - بصاد مهملة وآخره مثناة وزن عظيم -: يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال النَّبِيّ - ﷺ -: "إن رجلًا يقول كذا وكذا، وإني واللّه لا أعلم إِلَّا ما علّمني اللّه، وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا، قد حبستها شجرة، فذهبوا فجاؤوه بها"، فأعلم النَّبِيّ - ﷺ - أنه لا يعلم من الغيب إِلَّا ما علمه الله، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ …﴾ الآية، "فتح الباري" (١٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
وقوله: "وهو يقول: لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" فإن قلت: التلاوة هي ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ لا ما ذكره في "الجامع"؟ قلت: يحتمل أن يكون ضمير هو راجعًا إلى النَّبِيّ - ﷺ -، أو ذكر المقصود من الآية وجاز مثله إذ ليس قاصدًا للقراءة ولا ناقلًا لها، "كرماني" (٢٥/ ١٠٢).
[فيه إثبات صفة العلم وفيه أيضًا ردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم، وأنكر الجهمية أيضًا كونه عالمًا، "اللامع" (١٠/ ٣٦٥)].
[ ١٤ / ٤٠٣ ]