وَقَوْلِ اللهِ: ﴿وَلَا تَقْفُ ¬ (^٢) مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
"يُذْكَرُ" في نـ: "يُكْرَهُ".
===
آوى أهل المعاصي أنه يشاركهم في الإثم، فإن من رضي فعل قوم وعملهم التحق بهم، ولكن خصت المدينة بالذكر لشرفها لكونها مهبط الوحي وموطن الرسول - ﷺ -، ومنها انتشر الدين في أقطار الأرض فكان لها مزيد فضل على غيرها. وقال غيره: السر في تخصيص المدينة بالذكر أنها كانت إذ ذاك موطن النبي - ﷺ - ثم موطن الخلفاء الراشدين، "ف" (١٣/ ٢٨١ - ٢٨٢).
¬ (^١) قوله: (باب ما يذكر من ذم الرأي) أي: الذي يكون على غير أصل من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وأما الرأي الذي يكون على أصل من هذه الثلاثة فهو محمود، وهو الاجتهاد. وقوله: "وتكلف القياس" أي: الذي لا يكون على هذه الأصول لأنه ظن والظن رد، وأما القياس الذي يكون على هذه الأصول فغير مذموم، وهو الأصل الرابع المستنبط من هذه، والقياس هو: الاعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، فكان حجة. وقوله: " ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ " احتج به لما ذكره من ذم التكلف، ثم فسر "القفو" بالقول، وهو من كلام ابن عباس، أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقال أبو عبيدة: معناه: لا تتبع ما لا تعلم وما لا يعنيك. وقال الراغب (ص: ٦٨): الاقتفاء اتباع القفا، كما أن الارتداف اتباع الردف، ويكنى بذلك عن الاغتياب وتتبع المعايب، ومعنى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: لا تحكم بالقيافة والظن، والقيافة مقلوب عن الاقتفاء نحو جذب وجبذ. وهو حجة على من يحكم بالقيافة، "ع" (١٦/ ٥٢٥)، "ف" (١٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
¬ (^٢) أي: لا تتبع.
[ ١٤ / ٢٨٣ ]
٧٣٠٧ - حَدَّثنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ¬ (^١) قال: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ¬ (^٢) قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ¬ (^٣) بْنُ شُرَيْحٍ وَغَيْرُهُ ¬ (^٤)، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ ¬ (^٥)، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: حَجَّ عَلَيْنَا ¬ (^٦) عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ¬ (^٧) فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ عَنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ ¬ (^٨)، فَيَبْقَى نَاسٌ
"حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ" في ذ: "حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ". "أَعْطَاكُمُوهُ" كذا في حـ، ذ، وفي سـ، هـ، ذ: "أَعْطَاهُمُوهُ". "يَنْتَزِعُهُ" في نـ: "يَنْزِعُهُ". "عَنْهُمْ "في نـ: "مِنْهُمْ".
===
¬(^١) بمثناة ثم لام بوزن عظيم، وهو سعيد بن عيسى بن تليد، نسب إلى جده، يكنى أبا عيسى بن عني - بمهملة ثم نون مصغرًا - وهو من المصريين الثقات الفقهاء، وكان يكتب للحكام، "ف" (١٣/ ٢٨٣).
¬ (^٢) أي: عبد الله.
¬ (^٣) هو أبو شريح الإسكندراني، "ف" (١٣/ ٢٨٣).
¬ (^٤) هو ابن لهيعة، أبهمه البخاري لضعفه، وجعل الاعتماد على رواية عبد الرحمن، "ف" (١٣/ ٢٨٣).
¬ (^٥) محمد بن عبد الرحمن، "ف" (١٣/ ٢٨٤).
¬ (^٦) أي: مرَّ علينا حاجًّا، "ف" (١٣/ ٢٨٤)، أي: مارًّا علينا، "ك" (٢٥/ ٥٤).
¬ (^٧) ابن العاص.
¬ (^٨) قوله: (مع قبض العلماء بعلمهم) أي: بقبض العلماء مع علمهم، ففيه نوع قلب في الحرفين، أو يراد من لفظ "بعلمهم": بكتبهم، بأن يمحى الحلم من الدفاتر، ويبقى "مع" على المصاحبة، أو "مع" بمعنى عند. مرَّ الحديث في "كتاب العلم" (برقم: ١٠٠). قوله: "فعَجِبَتْ" أي: من جهة
[ ١٤ / ٢٨٤ ]
جُهَّالٌ ¬ (^١) يُسْتَفْتَوْنَ ¬ (^٢) فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيَضِلُّونَ ¬ (^٣) وَيُضِلُّونَ" ¬ (^٤).
===
أنه ما غير حرفًا منه، روي أنها قالت له: "القه ففاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك، فلقيته؛ [فسألته] فذكره لي نحو المرة الأولى، فلما أخبرتها قالت: ما أحسبه إلا قد صدق لم يزد فيه شيئًا ولم ينقص منه"، "ك" (٢٥/ ٥٤). ووقع في رواية سفيان بن عيينة الموصولة: "قال عروة: ثم لبثت سنة ثم لقيت عبد اللّه بن عمرو في الطواف فسألته فأخبرني به"، فأفاد أن لقاءه إياه في المرة الثانية كان بمكة، وكأن عروة كان حج في تلك السُّنَّة من المدينة وعبد الله من مصر، فبلغ عائشة، ويكون قولها: "قد قدم" أي: من مصر طالبًا لمكة لا أنه قد قدم المدينة؛ إذ لو دخلها لَلَقيهُ عروة بها، ويحتمل أن تكون عائشة حجت تلك السنة وحج معها عروة فقدم عبد الله بعد، فلقيه عروة بأمر عائشة. قلت: ورواية الأصل تحتمل أن عائشة كان عندها علم من الحديث، فظنت أنه زاد فيه أو نقص، فلما حدث به ثانيًا كما حدث به أوّلًا تذكرت أنه على وفق ما كانت سمعت، ولكن رواية حرملة التي ذكر فيها أنها أنكرت ذلك وأعظمته ظاهرة في أنه لم يكن عندها من الحديث علم، ويؤيد ذلك أنها لم تستدل على أنه حفظه إلا لكونه حدّث به بعد سنة كما حدّث به أوّلًا لم يزد ولم ينقص، قال عياض: لم تتهم عائشة عبد الله، ولكن لعلها نسبت إليه أنه مما قرأه من الكتب القديمة؛ لأنه كان قد طالع كثيرًا منها، ومن ثم قالت: "أحَدَّثك أنه سمع النبي - ﷺ - يقول هذا؟ " انتهى، "ف" (١٣/ ٢٨٥).
¬ (^١) مرَّ الحديث (برقم: ١٠٠).
¬ (^٢) بصيغة المجهول.
¬ (^٣) من الضلالة.
¬ (^٤) من الإضلال.
[ ١٤ / ٢٨٥ ]
فَحَدَّثْتُ ¬ (^١) عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ ¬ (^٢) فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي ¬ (^٣) انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَاسْتَثْبِتْ لِي مِنْهُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي عَنْهُ. فَجِئْتُهُ فَسَأَلْتُه، فَحَدَّثَنِي بِهِ كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِي، فَأتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا، فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو.
[راجع: ١٠٠].
٧٣٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَة ¬ (^٤) قال: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: سأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: هَلْ شَهِدْتَ صِفِّينَ ¬ (^٥)؟ قَالَ: نَعَمْ. فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ. ح وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ ¬ (^٦) عَلَى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ
"فَحَدَّثْتُ" في قتـ، ذ: "فَحَدَّثْتُ به". "أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ" في نـ: "حَدَّثَنَا أبُو حَمْزَةَ".
===
¬(^١) هذا قول عروة.
¬ (^٢) أي: بعد تلك السنة أو الحجة، "ك" (٢٥/ ٥٤)، "ع" (١٦/ ٥٢٦).
¬ (^٣) هو عروة ابن أسماء أخت عائشة، "ك" (٢٥/ ٥٤).
¬ (^٤) اسمه محمد بن ميمون.
¬ (^٥) المشهور كسر الصاد، وقيل: جاء فتحها أيضًا، "ع" (١٦/ ٥٢٨)، بكسر المهملة وشدة الفاء المكسورة وسكون التحتانية وبالنون: موضع بين الشام والعراق بشاطئ الفرات، فيه وقعت المقابلة بين علي ومعاوية، وهو غير منصرف، "ك" (٢٥/ ٥٥).
¬ (^٦) قوله: (اتهموا رأيكم …) إلخ، أي: لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل من الدين، وهو كنحو قول علي
[ ١٤ / ٢٨٦ ]
أَبِي جَنْدَلٍ ¬ (^١) وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَرَدَدْتُه، وَمَا وَضَعْنَا
"أَمْرَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - " زاد في نـ: "عليه".
===
﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه"، والسبب في قول سهل ذلك: أن أهل الشام لما استشعروا أن أهل العراق شارفوا أن يغلبوهم، وكان أكثر أهل العراق من القراء الذين يبالغون في التدين، ومن ثم صار منهم الخوارج الذين مضى ذكرهم فأنكروا على علي ﵁ ومن أطاعه الإجابة إلى التحكيم، فاستند علي إلى قصة الحديبية؛ لأن النبي - ﷺ - أجاب قريشًا إلى المصالحة مع ظهور غلبته لهم، وتوقف بعض الصحابة أولًا حتى ظهر لهم أن الصواب ما أمرهم به. وأول الكرماني كلام سهل بن حنيف بحسب ما احتمله اللفظ فقال: كانهم اتهموا سهلًا بالتقصير في القتال حينئذ، فقال لهم: بل اتهموا أنتم رأيكم؛ فإني لا أقصر كما لم أكن مقصرًا يوم الحديبية وقت الحاجة، فكما توقفت يوم الحديبية من أجل أني لا أخالف حكم رسول الله - ﷺ - كذلك أتوقف اليوم لأجل مصلحة المسلمين، "ف" (١٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩). فإن قلت: لم نسب اليوم إلى أبي جندل لا إلى الحديبية؟ قلت: لأن رده إلى المشركين كان شاقًا على المسلمين، وكان ذلك أعظم ما جرى عليهم من سائر الأمور، وأرادوا القتال بسببه، وأن لا يردوا أبا جندل ولا يرضون بالصلح، "ك" (٢٥/ ٥٥).
¬ (^١) هو ابن سهيل بن عمرو القرشي العامري، واسمه العاصي، أسلم أبو جندل بمكة فحبسه أبوه في حديده، وقيده فهرب يوم الحديبية إلى رسول الله - ﷺ - مع قيوده وردّ إليهم بسبب العهد الذي جرى، ثم هرب وألحق بأبي بصير الثقفي ورفقته، وكانوا سبعين رجلًا من المسلمين يقطعون على من مر بهم من عير قريش وتجارهم، وكان مقرهم سيف البحر - بكسر السين -، كذا في "التهذيب" [للنووي] (٢/ ٢٠٥) و"الاستيعاب" (٤/ ١٦٢١ - ١٦٢٢).
[ ١٤ / ٢٨٧ ]
سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا ¬ (^١) إِلَّا أَسْهَلْنَ ¬ (^٢) بِنَا ¬ (^٣) إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ هَذَا الأَمْرِ ¬ (^٤). قَالَ ¬ (^٥): وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: شَهِدْتُ صِفِّينَ وَبِئْسَتْ ¬ (^٦) صَفُّونَ ¬ (^٧).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، يَقُولُ: مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفْتِيَ. [راجع: ٣١٨١].
"أَسْهَلْنَ بِنَا" في هـ، ذ: "أَسْهَلْنَ بِهَا". "صِفُّونَ" في ذ: "صِفِّينَ"، وفي سفـ: "الصِّفُّونَ". "ولا ينبغي" سقطت الواو في نـ.
===
¬(^١) بإعجام الظاء المكسورة أي: يخوفنا ويهولنا، "ك" (٢٥/ ٥٥).
¬ (^٢) أي: السيوف، أي: أفضين بنا إلى أمر سهل، "ك" (٢٥/ ٥٥).
¬ (^٣) قوله: (إلا أسهلن بنا) أي: أنزلتنا في السهل من الأرض أي: أفضين بنا، وهو كناية عن التحول من الشدة إلى الفرج، ومراد سهل أنهم كانوا إذا وقعوا في شدة يحتاجون فيها إلى القتال في المغازي والثبوت والفتوح العمرية، عمدوا إلى سيوفهم فوضعوها على عواتقهم، وهو كناية عن الجد في الحرب، فإذا فعلوا ذلك انتصروا، وهو المراد بالنزول في السهل. ثم استثنى الحرب التي وقعت بصفين لما وقع فيها من إبطاء النصر وشدة المعارضة من حجج الفريقين؛ إذ حجة علي ومن معه ما شرع لهم من قتال أهل البغي حتى يرجعوا إلى الحق، وحجة معاودة ومن معه ما وقع من قتل عثمان مظلومًا ووجود قتلته بأعيانهم في العسكر العراقي، فعظمت الشبهة حتى اشتد القتال وكثر القتل في الجانبين إلى أن وقع التحكيم فكان ما كان، "ف" (١٣/ ٢٨٨).
¬ (^٤) أي: الذي نحن فيه من هذه المقاتلة في صفين، فإنها لا يسهل بنا مرَّ بلطائف في "كتاب الجهاد" (برقم: ٣١٨١، وفي "المغازي" برقم ٤١٨٩)، "ك" (٢٥/ ٥٥).
¬ (^٥) أي: الأعمش.
¬ (^٦) أي: بئست المقاتلة التي وقعت فيها، "ك" (٢٥/ ٥٥).
¬ (^٧) قوله: (بئست صفون) كذا لغير أبي ذر، وللنسفي مثله، لكن
[ ١٤ / ٢٨٨ ]