العبرة الثاني
لقد روى البخاري رحمه الله تعالى أن رسول الله ﷺ قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"، وأنه ﷺ قال: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأصلح الأنصار
[ ٧ ]
والمهاجرة"، ويوم حفر الخندق كان يقول: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة".
إن العبرة من هذا الحديث الشريف الصحيح هي:
أن نعلم أن الله تعالى أنعم علينا بنعم كثيرة وأعظمها نعمة الحياة والإيمان فإن زادنا الصحة والفراغ فقد تمت نعم الله تعالى علينا ولا يسعنا إلا شكرها، وذلك بحمد الله تعالى والثناء عليه مع طاعته بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
فإن نحن لم نحمد الله ولم نشكره فقد غبنا في نعم الله تعال علينا، وهذا لا يرضاه عبد عاقل أبدًا. ومن هنا أخبر الرسول ﷺ أن كثير من الناس مؤمنهم وكافرهم فقد غبنوا نعمة الله تعالى عليهم فلم يكملوا بها ولم يسعدوا عليها؛ إذ أوقات فراغهم لم يملؤوها بالذكر والعبادة وصحتهم لم يصوموا بها النهار ولم يقوموا بها الليل، ولم يجاهدوا في سبيل الله ولم يرابطوا، فهم لذلك قد غبنوا في هذين الطائين الإلهيين عطاء الفراغ وعطاء الصحة، وإن قلت ما الفراغ؟ قلت لك إنه الوقت الذي لا تحرث فيه ولا تزرع ولا تحصد، ولا تصنع فيه ولا تبني، ولا تبيع ولا تشتري، وأما الصحة فهي قدرتك
[ ٨ ]
على العمل لسلامة بدنك من علل المرض والهرم – وهو الكبر – ولكي تنصرف بعض الوقت عن العمل الدنيوي المانع لك عن العمل الأخروي أذكر قول الرسول ﷺ: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، أي لا عيش يسعد به صاحبه وتدوم سعادته إلا عيش الجنة دار السلام، وأما عيش الدنيا فإنه مهما طاب وحسن فإنه فان زائل ذاهب لا محالة، وما كان كذلك فكل عيش، وجوده وعدمه سواء واذكر وردد قول الرسول الحبيب ﷺ:
"اللهم لا عيش إلا عيش الأخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة".
واجتهد أن نكون منهم بحبك لهم واتباعك لما كانوا عليه.
[ ٩ ]