قال أبو البقاء: "قوله: "أنَّى بأرضك السلام". في "أنّى" ها هنا وجهان: أحدهما: من أين، كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فهي ظرف مكان.
[ ١ / ٧٨ ]
و"السلام" لما مبتدأ. والظرف خبر عنه. والثاني: هي بمعنى كيف، أي كيف بأرضك السلام؟ ووجه هذا الاستفهام أنه لما رأى ذلك الرجل في قفر من الأرض استبعد علمه بكيفية السلام. فأما قوله "بأرضك" فموضعه نصب على الحال من السلام، والتقدير: من أين استقرَّ السلام كائنًا بأرضك؟ ".
وقوله: "موسى بني إسرائيل":
أي أنت موسى بني إسرائيل؟ فأنت مبتدأ، وموسى خبره.
وقوله: "فكلموهم أن يحملوهما فعُرف الخضر فحملوهما".
المعنى أن موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة هل تحملوننا؟ فعرفوا الخضر فحملوهم. فجمع الضمير في "كلموهم " على الأصل، وثنّى "يحملوهما" لأنهما المتبوعان، ويوشع تبع لهما. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ فثنى ثم وحد لما ذكرنا.
وقوله: "قومٌ حملونا".
أي هؤلاء قوم، أوهم قوم. فالمبتدأ محذوف. وقوم خبره.
وقوله: "فأخذَ برأسه".
في الباء وجهان أحدهما: هي زائدة، أي أخذ رأسه. والثاني: ليست زائدة، لأنه ليس المعنى أنه تناولت رأسه ابتداء، وإنما المعنى أنه جرّه إليه برأسه ثم اقتلعه. ولو كانت زائدة لم يكن لقوله "اقتلعه" معنى زائد على أخذه.
وقوله: "لَوددْنا لو صبرَ".
"لو" هنا بمعنى "أنْ " الناصبة للفعل، كقوله تعالى:
[ ١ / ٧٩ ]
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون﴾. وقد جاء بأنْ لا قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَه﴾. و"صبر" بمعنى يصبر، أي وددنا أن يصبر". انتهى كلام أبى البقاء.
قلت: وبقى فيه أشياء منها قوله: "موسى بني إسرائيل":
فيه إضافة العلم وهو"موسى" إلى بني إسرائيل. والقاعدة النحوية أن العلم لا يضاف لاستغنائه بتعريف العلمية عن تعريف الإضافة، إلا أنه جاء إضافة العلم قليلًا في قول الشاعر:
علا زيْدُنا يومَ النَّقا رأسَ زَيْدِكُم
فأوّل على أنه تُخُيّل فيه التنكير لوقوع الاشتراك في مسمَّى هذا اللفظ، وكذا يؤول في هذا الحديث.
قال ابن الحاجب: "شرط الإضافة الحقيقية تجريد المضاف من التعريف".
قال الرضي: "فإن كان ذا لام حذفه لامه، وإن كان علمًا نكّر بأن يجعل واحدًا من جملة من سمّي بذلك اللفظ قال: وعندي أنه يجوز إضافة العلم مع بقاء تعريفه، إذ لا منع من اجتماع التعريفين كما في النداء، نحو: يا هذا، ويا عبد الله. وذلك إذا أضيف العلم إلى ما هو متصف به معنى، نحو: زيدُ الصدّق، ونحو ذلك. وإن لم يكن في الدنيا إلا زيد واحد. ومثله قولهم: مُضمرُ الحمراء، وأنمارُ الشّاء وزيدُ الخيل. فإن الإضافة
[ ١ / ٨٠ ]
فيها ليست للاشتراك المتفق انتهى.
وقوله: "ما نَقَصَ عِلْمي وعلمُك مِنْ عِلْمِ الله إلا كنقرةِ هذا العصُفورِ مِنْ هذا البحْر" ليس هذا الاستثناء على ظاهره، لأن علم الله لا يدخله النقص، فقيل "نقص" بمعنى أخذ، وهو توجيه حسن، فيكون من باب التضمين، ويكون التشبيه واقعًا على الآخذ لا على المأخوذ منه. وقيل المراد بالعلم المعلوم بدليل دخول حرف التبعيض، لأن العلم القائم بذات الله تعالى صفة قديمه لا تتبعض، والمعلوم هو الذي يتبعض. وقيل هو من باب قول الشاعر:
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنّ سيوفهُم
بهنّ فُلولٌ مِنْ قِراع الكتائب
لأن نقر العصفور لا يُنقص البحر. وقيل "إلا" بمعنى "ولا"، أي ولا كنقرة هذا العصفور. كما قيل بذلك في قوله تعالى: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، أي ولا الذين ظلموا. لكن قال أبو حيان في البحر: "إن إثبات "إلا" بمعنى "ولا" لا يقوم عليه دليل.
وقوله: "إني على عِلْم من عِلْم الله". "على" هنا للاستعلاء المجازي.
وقوله: "فبينما هُمْ في ظلِّ صَخْرة في مكانٍ ثَرْيان".
قال ابن مالك في توضيحه:
[ ١ / ٨١ ]
"هو بلا صرف، وفيه شاهد على أن منع أصرف، فَعْلان ليس مشروطا بأن يكون له مؤنث على فَعْلى، بل شرطه ألا تلحقه تاء التأنيث، ويستوي في ذلك مالا مؤنث له من قبل المعنى "لَحْيان" ومالا مؤنث له من قبل الوضع كـ"ثَرْيان"، وما له مؤنث على فَعْلى في اللغة المشهورةكـ"سَكْران"". انتهى.
وقال الكرمانى: "اللام في قوله (لَوَدِدْنا) جواب قسم محذوف. و(لوصَبَر) في تقدير المصدر، أي والله لوددنا صبر موسى. وهذا حكم كلّ فعل وقع مصدّرًا بلو بعد فعل المودّة. قال الزمخشرى في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ ودّوا إدهانك. و(يُقَصّ) بصيغة المجهول. و(مِنْ أمرهما) مفعول ما لم يسمّ فاعله". [انتهى كلام الكرمانى].