١٠١- حديث "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعمِّدًا فَلْيَتبَوّأ مَقْعَدَهُ مِن النّار" i
قال في النهاية: "تكَررت هذه اللفظة في الحديث ومعناها لينزل منزله من النار.
يقال: بوّأه الله منزلا، أي أسكنه إياه، وتبوأت منزلا اتخذته"ii. ا. هـ.
وقال الخطّابي: "لفظهُ أمر ومعناه الخبر، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ iii. يريد أن الله يبوّئه مقعده من النار.
وقال ابن بطّال: "هو بمعنى الدعاء أي بوأه الله"iv.
وقال الطيبي: "الأمر بالتبوّؤ تهكم وتغليظ".
وقال الكرماني: "يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته بأن يكون معناه: من كذب فليأمر نفسه بالتبوّؤ ويلزم عليه v. قال: "فلقوله " فليتبوأ " توجيهات أربعة"vi.
_________________
(١) i البخاري: كتاب العلم – باب إثم من كذب على النبي ﷺ ١/٢٠٠. مسلم بشرح النووي ١/٦٧. مسند أحمد ٣/٩٨، ١١٣. ابن ماجة برقم ٣٢، ٣٣. ii النهاية في غريب الحديث ١/١٥٩. iii مريم: أية ٧٥. iv علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن، عالم بالحديث من أهل قرطبة له شرح البخاري. توفي سنة ٤٤٩هـ. انظر: الأعلام ٤/ ٢٨٥. v العبارة في الكرماني "ويَلْزَم عليه في قوله (فليتبوأ) توجيهات أربعة" وهذا أولى. والمراد بالتوجيهات الأربعة أقوال العلماء المذكورين في شرح الكرماني، وهم الخطابي وابن بطال والطيبي والكرماني. فعبارة السيوطي غير دقيقة. vi صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢/١١٣.
[ 73 - 74 / ٤٣ ]
قال الحافظ ابن حجر: "وأولها أولاها"i
قال الطيبي: "فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنه قصد في الكذب التعمد، فليقصد في جزائه التبوّؤ"ii.
١٠٢ حديث (لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى أكون أَحَبَّ إليه مِنْ وَلَدِه ووالِده والناسِ أجمعين) iii.
قال الكرماني: "أحبّ " أفعل التفضيل بمعنى المفعول iv: وهو مع كثرته على خلاف القياس، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل، وفصل بينه وبين معموله بقوله "إليه"، لأن الممتنع الفصل بأجنبي، مع أن الظرف يتوسع فيه"v.
١٠٣ حديث (سُئِلَ عَنْ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ فأَمَرَ بلالا حينَ طَلَعَ الفَجْرُ فَأَقامَ الصَّلاةَ، ثم أسفر الغدَ) vi.
قال أبو البقاء: "هو منصوب على الظرف، أي أسفر بالصلاة في الغد"vii.
١٠٤ حديث (بُعثتُ أنا والساعةَ كهاتين) viii.
قال أبو البقاء: "لا يجوز فيه إلا النصب، والواو فيه بمعنى مع، والمراد به المقاربة،
_________________
(١) i فتح الباري ١/ ٢٠١. ii انظر كلام الطيبي في صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢ /١١٣- نقلًا عن شرح مشكاة المصابيح للطيبي- مخطوط بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة ج ١ ورقة ١٦٢. iii مسند أحمد ٣/١٧٧،٢٠٧ البخاري: كتاب الِإيمان- باب حب الرسول من الإيمان ١/٥٨. مسلم بشرح النووي ٢/١٥. ابن ماجة برقم ٦٧. iv قال الصبان ٣/ ٥٥: "أفعل التفضيل فيه [أي أحبّ] مصوغ من فعل المفعول، ففيه شذوذ من هذه الجهة، إلا على قول من يجعل المصوغ منه مقيسا عند أمن اللبس. وكذا من جهة صوغه من زائد على الثلاثي إن كان من أحب الرباعي فإن كان من حب الثلاثي فلا شذوذ فيه..". وقال الرضي في شرح الكافية ٢/٢١٤: "وقياسه- أي اسم التفضيل- أن يكون لتفضيل الفاعل على غيره في الفعل وقد استعملوا في المفعول أيضا على غير قياس نحو: أعذر، وأشهر، وألوم، وأشغل أي أكثر معذورية ومشهورية وملكية ومشغولية، ومنه أعنى في قول سيبويه: وهم بشأنه أعنى". وانظر: شرح المفصل لابن يعيش ٦/ ٩٤. v البخاري بشرح الكرماني ١/٩٧. vi تكملته (.. ثم قال: أين السائل عن وقت صلاة الغداة، ما بين هاتين أو قال هذين وقت) هذه رواية جامع المسانيد التي اعتمد عليها العكبري في إعراب الحديث، والرواية في مسند أحمد٣ /١١٣ " أسفر من الغد ". vii إعراب الحديث النبوي لأبي البقاء العكبري- برقم ٤٥. viii الحديث عن أنس قال رسول الله ﷺ: "بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابه". وفي رواية أخرى: "وضم السبابة والوسطى". مسلم: كتاب الفتن ١٨/ ٩٠- البخاري: كتاب الرقاق. فتح الباري ١١ /٣٤٧. مسند أحمد ٣/ ١٣١
[ 73 - 74 / ٤٤ ]
ولو رفع لفسد المعنى، [لأنه كان يكون تقديره: بُعثتُ أنا وبعثت الساعة، وهذا فاسد في المعنى] إذ لا يقال بُعثت الساعة، ولا في الوقوع لأنها لم توجد بعد"i. انتهى.
وفي حديث آخر (بُعِثْتُ والسّاعةَ كهاتين) ii.
قال ابن السِّيد في مسائله: "النصب والرفع جائزان في "الساعة"؛ النصب على تأويل مع، والرفع بالعطف على الضمير في "بُعِثَت" والنصب فيه أحسن، لأن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد. ألا ترى أنه يقبح أن تقول: قمتُ وزيد iii. وهذا مشهور عند النحويين iv تغني شهرته عن الإطالة فيه"v.
وقال القاضي عياض في الحديث الأول: "الأحسن رفع الساعة عطفًا على ما لم يسمّ فاعله في "بُعثتُ"، ويجوز النصب على المفعول معه، أي بعثت مع الساعة، كقولهم: جاء البردُ والطيالسةَ vi، أو على فعل مضمر يدلّ عليه الحال، أي فأعدّوا الطيالسة vii. ويقدّر هنا فانتظروا الساعة".
وقال القرطبى: "قد اختار بعضهم النصب بناءً على التشبيه، أي إن التشبيه وقع بملاصقة الأصبعين واتصالهما، واختار آخرون الرفع بناء على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما"viii.
وقوله: "كهاتين" حال، أي مقترنين.
قال القرطبي: "فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتمل أن يقع بالتقارب الذي بينهما في الطول".
١٠٥ حديث (فَلَمَّا نَظَرُوا إلَيْه قالُوا: مُحَمّدٌ والخَميس) ix.
_________________
(١) i إعراب الحديث النبوي برقم ٤٦، وما بين القوسين منه. ii صحيح البخاري كتاب التفسير- سورة النازعات- فتح الباري ٨/ ٦٩١ iii في النسخ الخطية: "قمتُ أنا وزيد" والصواب ما أثبته. iv قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٤٤: "إن كان المعطوف عليه ضميرا متصلًا مرفوعًا فالجيد الكثير أن يؤكد قبل العطف بضمير رفع منفصل كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ". v كتاب المسائل والأجوبة لابن السّيد البطليوسي المتوفى سنة ٥٢١ هـ. vi الطيالسة جمع طَيْلسان وهو فارسي معرَّب، نوع من اللباس. vii أي مفعول به على رأي الزجاج. وانظر الخلاف في ناصب المفعول معه- التصريح ١/ ٣٤٤ viii أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي فقيه مالكي من رجال الحديث. مولده بقرطبة كان مدرسًا بالإسكندرية وتوفي بها سنة ٦٥٦ هـ من كتبه: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلما. انظر الأعلام١/١٨٦. ix حديث عن أنس (أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلًا فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس ) البخاري: كتاب المغازي باب غزوة خيبر٧/٤٦٧ كتاب الخوف باب التبكير ٢/٤٣٨. مسند أحمد ٣/١١١، ١٦٣.
[ 73 - 74 / ٤٥ ]
قال في النهاية: " "محمدٌ" خبر مبتدأ محذوف، أي هذا محمد"i.
وقال الكرماني: "أي جاء محمد"ii.
وقال الزركشي: "والخميس" بالرفع عطفًا على محمد، وبالنصب على المفعول معه"iii.
١٠٦ – حديث (جاءَ أَعْرابيٌّ فَبال في المسْجِدِ، فقال الصَّحابةُ: مَهْ مَهْ) iv.
قال الجوهري: "هي كلمة مبنيَّة على السكون، وهي اسم سمي به الفعل، والمعنى اكفف. يقال مَهْمَهْتُه إذا زجرتُه، فإن وصلت نوّنت فقلت: مَهٍ مَهٍ"vvi.
وقال الداودي: "أصل هذه الكلمة ما هذا، كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظ فقالوا
"مه "، فصّيروا الكلمتين كلمة"vii.
١٠٧- حديث "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ حَلاوةَ الإيمان" viii.
قال الكرماني: " "ثلاث" مبتدأ. وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض من المضاف إليه، فالتقدير ثلاث خصال، أو لأنه صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ بالحقيقة أي خصال ثلاث، أو لأن الجملة الشرطية صفة، والخبر على هذا التقدير هو "أن يكون"، إذ على التقديرين الأولين الشرطية خبر، و"أن يكون " هو بدل من ثلاث أو بيان.
فأما "مَنْ" فهو مبتدأ، والشرط والجزاء معًا خبره، أو الشرط فقط على اختلاف فيه ix.
_________________
(١) i النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٧٩ ii صحيح البخاري بشرح الكرمايى ٤/٣٢ iii شرح صحيح البخاري للزركشي٢/١٦ iv مسند أحمد ٣/١٩١ v الصحاح للجوهري ٦/ ٢٢٥٠ vi قال الرضي في شرح الكافية ٢/٦٩: "وأما التنوين اللاحق لبعض هذه الأسماء فعند الجمهور للتنكير وقال ابن السكيت والجوهري: دخولها فيما تدخل عليه منها دليل كونه موصولًا بما بعده وحذفه دليل الوقف.." وقال الأشموني ٣/٢٠٧: "وذهب قوم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما نون منها وما لم ينون". vii أحمد بن نصر الداودي الأسدي المالكي، أبو جعفر، محدّث فقيه متكلم، سكن طرابلس الغرب وتوفي بتلمسان. من مصنفاته: النامي في شرح الموطأ، النصيحة في شرح البخاري، توفي سنة ٤٠٢ هـ انظر. معجم المؤلفين ٢/ ١٩٤ viii الحديث عن أنس عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعودوا الكفر كما يكره أن يُقذف في النار" مسند أحمد ٣/١٠٣، ٢٤٨، ٢٨٨. البخاري: كتاب الإيمان. باب حلاوة الإيمان. فتح الباري ١/ ٦٠ ix إذا وقع اسم الشرط مبتدأ فقيل خبره فعل الشرط وحده وفيه ضميره وقيل فعل الجواب لأن الفائدة به تمّت، وقيل مجموعها. قال أبن هشام: والصحيح الأول وإنما توقفت الفائدة على الجواب من حيث التعلق فقط لا من حيث الخبرية. انظر: مغنى اللبيب- الباب الرابع ص ٥١٩- ٥٢٠ همع الهوامع ٤/٣٤١.
[ 73 - 74 / ٤٦ ]
و"مَنْ" إما شرطية وإما موصولة متضمنة لمعنى الشرط، و"وجد" بمعنى أصاب، ولهذا عُدّي لمفعول واحد.
وقوله "كنّ " أي حصلن، فهي تامة.
وقوله "أن يكون الله ورسوله أحب إليه": "أحبَّ" منصوب خبر "يكون". فإن قلت: لِم ما ثنّي "أحب" حتى يطابق خبر "يكون" اسمها؟ قلت "أفَعْلَ" إذا استعمل بـ "مِنْ " فهو مفرد مذكر لا غير، ولا تجوز المطابقة.
وقوله "وأن يحبّ المرء" بنصب "المرءَ" لأنه مفعول، وفاعله الضمير الراجع إلى "مَنْ ".
و"لا يحبه إلا للهِ" جملة حالية تحتمل بيانًا لهيئة الفاعل أو المفعول، أوكليهما معًا.
قوله "أن يعود في الكفر" فإن قلت: المشهور عاد إليه معدَّى بكلمة الانتهاء i لا بآلة الظرف. قلت: قد ضمّن فيه معنى الاستقرار، كأنه قال: يعود مستقرًا فيه"ii. انتهى.
١٠٨ – حديث "إذا جاء أحَدُكُم الصلاةَ فلْيمْض على هَيْئَتِه، فلْيُصلِّ ما أدرك ولْيقْضِ ما سُبقه" iii.
قال أبو البقاء: "هكذا ضبطوه على ما لم يسمَّ فاعله، والوجه فيه أنه أراد سُبِق به، فحذف حرف الجر، وعدّي الفعل بنفسه، وهو كثير في اللغة"iv.
١٠٩ - حديث "ما مِنْ مُسْلِم يغرسُ غرسًا أو يَزْرَعُ زَرْعًا فيأكل منه إنسان أو طيرٌ أو بهيمةٌ إلا كانت له صدقة" v.
قال الطيبي: "الرواية برفع "صدقة" على أن "كانت" تامة"vi.
١١٠- حديث "ما أعددت لها مِنْ كبير عملٍ صلاةٍ ولا صَوْم" vii.
_________________
(١) i المقصود بكلمة الانتهاء (إلى) وبآلة الظرف (في) . ii صحيح البخاري بشرح الكرماني ١/ ١٠٠ iii مسند أحمد ٣/١٠٦، ٢٤٣. iv إعراب الحديث النبوي- برقم ٤٧ v البخاري- كتاب المزارعة- باب فضل الزرع والغرس- فتح الباري ٥/٣. مسلم ١٠/ ٢١٤ مسند أحمد ٣/ ٢٢٩، ٢٤٣. مشكاة المصابيح- كتاب الزكاة باب فضل الصدقة. vi شرح مشكاة المصابيح. الطيبي، مخطوط بالمكتبة المحمودية الجزء الثاني ورقة ١٠٤ vii الحديث عن أنس وفيه ".. فصلى رسول الله فلما فرغ من صلاته قال: أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله. قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كبير عمل صيام ولا صلاة إلا أني أحب الله ورسوله.." مسلم ١٦/١٨٧. مسند أحمد٣/١٠٤
[ 73 - 74 / ٤٧ ]
قال أبو البقاء: "يروونه بالجر على البدل من "عمل"، أو من "كبير""i.
١١١- حديث "إنَّ الله تعالى لَغنيٌّ أنْ يُعذِّبَ هذا نَفْسه" ii.
قلت: هو على تقدير عن.
١١٢ – حديث "يا أَنْجَشَة رُويدَكَ سَوْقَكَ بالقَوارير" iii.
قال أبو البقاء: "الوجه النصب برُويد، والتقدير: أمهل سوقَك، والكاف حرف للخطاب وليست اسمًا و"رويد" يتعدّى إلى مفعول واحد"iv.
وقال ابن مالك في توضيحه: " "رويد" هنا اسم فعل بمعنى أرود، أي أمهل، والكاف المتصلة به حرف خطاب، وفتحة داله بنائية. ولك أن تجعل "رويد" مصدرًا مضافًا إلى الكاف، ناصبًا "سوقك" وفتحة داله على هذا إعرابية"v.وقال النووي: " "رويدك" منصوب على الصفة لمصدر محذوف أي [سُقْ] سوقًا رويدًا، ومعناه الأمر بالرفق [بهن]، و"سَوْقك" منصوب بإسقاط الجارِّ، أي ارفق في سوقك بالقوارير"vi.
وقال الأندلسي في شرح المفصل: "تلحق الكاف "رويد" إذا كان اسم فعل، وإذا كان مصدرًا، لما فيها من معنى الأمر في هذين الوجهين، والكاف في الأمر حرف خطاب بمنزلتها في "ذاك" وإنما دخلت لتبيّن من تعني إذا خفت اللبس بمن لا تعني؛ وتحذفها إذا لم تخف لبسا".
_________________
(١) i إعراب الحديث النبوي. رقم ٤٨ ii عن أنس قال: "رأى رسول الله ﷺ رجلًا يهادي بين ابنيه، قال: ما هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي فقال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ لغني أن يعذب هذا نفسه، فأمره فركب ". مسند أحمد ٣/١٠٦. وفي البخاري ي كتاب الأيمان والنذور باب النذر فيما لا يملك فتح الباري ١١/ ٥٨٥ " إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه"، وكذلك الراوية في سنن أبي داود ٣/ ٢٣٥ كتاب الأيمان والنذور. iii عن أنس "أن النبي ﷺ أتى على أزواجه وسوَّاق يسوق بهن يقال له أنجشة، فقال. ويحك يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير..". مسند أحمد ٣/ ١٨٦، ١٠٧- البخاري: كتاب الأدب،١٠/٥٣٨. مسلم: كتاب الفضائل ١٥/ ٨٠ بروايات مختلفة. iv إعراب الحديث النبوي- برقم ٤٩ v شواهد التوضيح والتصحيح ص ٢٠٥ vi صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/ ٨٠ وما بين المعقوفات منه.
[ 73 - 74 / ٤٨ ]
وذهب بعض النحويين إلى أن هذه الكاف في موضع رفع، ومنهم من قال هي في موضعِ نصب. والقولان باطلان، أما الأول فلأن الكاف لو كانت فاعلة لما جاز حذفها، وأيضا فإن جميع هذه الأسماء التي في معنى الأمر، لا يبرز منها الفاعل نحو: حَذار زيدًا. وأما الثاني فلأن "إرواد" الذي هو الأصل لا يتعدّى إلا إلى واحد، ولو كانت الكاف منصوبة لكنت عديته إلى مفعولين.
ثم الذي يدلّ على أن الكاف لا موضع لها من الإِعراب أصلًا أنها لو كان لها محل لكنت تؤكدّها فتقول رويدك نفسُك، بالرفع إن كانت مرفوعة، وبالنصب إن كانت منصوبة، وبالجرّ إن كانت مجرورة. وحيث لم يجز ذلك دلّ على أنها حرف.
وإن كان "رُوَيد" مصدرًا وأضفته إلى الكاف، فالكاف هنا اسم لأنك تقيم الظاهر مقامه، فتقول: رُويدَك، مثل: رُويدَ زَيْدٍ، لأن المصدر يضاف، فعلى هذا الوجه تقول رُويدَك نفسِك، فتؤكد الكاف لأنه اسم، ويجوز أن ترفع التأكيد على أن تجعله للضمير المرفوع.
وأما قول العرب: رُويدَك نَفْسَك، في الأمر، فإن الكاف حرف خطاب، و"نفسك" مفعول. انتهى.
١١٣ - حديث "ما مِنْ رجل مُسْلم يموتُ له ثلاثةٌ مِنْ وَلَدِه لم يَبْلُغوا الحِنْثَ إلا أدْخَلَ الله ﷿ أبوَيْهمُ الجَنّةَ بفضْل رحمتِه إياهم" i.
قال أبو البقاء: " "من" زائدة، و"رجل" مبتدأ: [وما بعده]، إلى قوله "لم يبلغوا الحنث" صفة للمبتدأ. والخبر قوله "إلا أدخل الله أبويهم الجنة". فإن قيل الخبر هنا جملة وليس فيها ضمير يعود منها إلى المبتدأ، فالجواب: إن الرجل المسلم الذي هو المبتدأ هو أحد أبوي المولود، وهو المذكور في خبر المبتدأ، فقد وضع الظاهر موضع المضمر لغرض، وهو إضافة الأم ii إليه، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ iii iv.
وقال الحافظ ابن حجر: "الضمير في "رحمته" راجع إلى الله. وفي "إياهم" إلى الأولاد، أي بفضل رحمة الله للأولاد"v.
_________________
(١) i البخاري: كتاب الجنائز- باب فضل من مات له ولد فاحتسب. فتح الباري ٣/١١٨. ii في النسخ المخطوطة "اللام" والتصويب من إعراب الحديث للعكبري. iii سورة يوسف: آية ٩٠. iv إعراب الحديث النبوي- برقم٥٠. v فتح الباري ٣/ ١٢١.
[ 73 - 74 / ٤٩ ]
وقال ابن التين: "قيل إن الضمير في "رحمته" للأب في قوله "ما من رجل مسلم" لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيجازى بالرحمة في الآخرة"i.
قال ابن حجر: "والأوّل أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجة "بفضل رحمة الله إياهم".
وقال الكرماني: الظاهر أن المراد بقوله "إياهم" جنس المسلم الذي مات أولاده، لا الأولاد، أي بفضل رحمة الله لمن مات لهم. قال: وإنما جمع باعتبار أنه نكرة في سياق النفي يفيد العموم"ii.
وقال ابن حجر: "وهذا الذي زعم أنه ظاهر ليس بظاهر، بل في غير هذه الطريق ما يدلّ على أن الضمير للأولاد؛ ففي حديث عمرو بن عبْسة iii عند الطبراني iv "إلا ادْخَلَهُ الله بِرَحْمتِه هو وإياهُم الجنّة" v.
وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي vi عنده "أَدْخَلَهُ الله الجنَّةَ بفَضْل رحمتِه إياهما". قاله بعد قوله "مَنْ ماتَ لَهُ وَلَدان" فوضح بذلك أن الضمير في قوله "إياهَم" للأولاد لا للآباء.
١١٤ - حديث "أتانا رسول الله ﷺ في دارنا فاسْتَسْقى، فَحَلبْنا لَه شاةً لنا ثُمّ شُبْتُه مِنْ ماءِ بِئْرِنا" vii.
قال الكرماني: "فإن قلت استعمل هنا بـ "مِنْ " وروي في موضع آخر بالباء. قلت: المعنيان صحيحان، وقد يقوم حرف الجرّ مقام أخيه"viii.
قوله: "ثم قال: الأَيْمَنون الأَيْمَنون".
قال الزركشي: "كذا بالرفع بتقدير مبتدأ مضمر، أي المقدّم".
_________________
(١) i الإمام عبد الواحد بن التين السفاقسي. له شرح على صحيح البخاري. انظر: كشف الظنون ١/٥٤٦. ii صحيح البخاري بشرح الكرماني ٧/٥٨. iii عمرو بن عبسة بن خالد السلميّ، قيل أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاده فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر وقبل الفتح فشهدها. يقال مات بحمص في أواخر حلافة عثمان. انظر: الإصابة ٣/ ٧٠٥. iv سليمان بن أحمد الطبراني من كبار المحدثين، أصله من طبرية، له ثلاثة معاجم في الحديث، ومصنفات أخرى. توفي سنة ٣٦٠ هـ انظر: الأعلام ٣/ ١٢١. v فتح الباري ٣/ ١٢١. vi أبو ثعلبة الأشجعي، قال عنه البخاري له صحبة. انظر: الإصابة ٤/ ٢٩. vii البخاري: كتاب الهبة- باب من استسقى. فتح الباري ٥/ ٢٠١. وتكملته ".. فأعطيته، وأبو بكر عن يساره وعمر تجاهه وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ قال عمر: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابيّ فضله ثم قال: الأيمنون الأيمنون..". viii صحيح البخاري بشرح الكرماني ١١/١١٤.
[ 73 - 74 / ٥٠ ]
١١٥- حديث "وإنْ وَجَدْناهُ لَبَحْرا" i.
قال الخطابي: " "إنْ " هنا نافية، واللام في "لبحرا" بمعنى إلا، أي ما وجدناه إلا بحرا، والعرب تقول: إنْ زيدٌ لعاقلٌ، أى ما زيدٌ إلا عاقل، والبحر من نعوت الخيل. قال الأصمعي ii: فرسٌ بحر إذا كان واسع الجري"iii.
قلت: هذا الذي أعربه الخطابي مذهب كوفي، وذلك لأنه أخذ عن ثعلب iv، وهو من أئمة الكوفيين. والبصريون يقولون في هذا: إنّ "إنْ" مخففة من الثقيلة، واللام لام الابتداء دخلت للفرق بين "إنْ" المخففة و"إنْ" النافية v
قال أبو حيان: "الكوفيون يرون أنّ "إنْ" هي النافية، واللام بمعنى إلا وهذا باطل، لأن اللام لا تعرف في كلامهم بمعنى إلا"vi.
وقال ابن مالك: "قولهم إن اللام بمعنى "إلا" دعوى لا دليل عليها، ولو كانت بمعنى "إلا" لكان استعمالها بعد غير "إنْ" من حروف النفي أولى، لأنها أنصّ على النفي من "إنْ"، فكان يقال: لم يقمْ لزيدٌ، ولن يقعدَ لعمروٌ، بمعنى لم يقمْ إلا زيدٌ، ولن يقعد إلا عمرو. وفي عدم استعمال ذلك دليل على أن اللام لم يقصد بها إيجاب، وإنما قصد بها التوكيد كما قصد مع التشديد".
١١٦- حديث "إذا أَقْرَضَ أَحَدُكُم قَرْضًا فأَهْدى إليه أو حَمَلَهُ فلا يَقْبَلْها" vii.
قال الطيبي: "القَرْض" اسم للمصدر، والمصدر في الحقيقة الإقراض، ويجوز أن يكون هاهنا بمعنى المقروض، فيكون مفعولا ثانيًا لأقرض، والأوّل مقدّر كقوله تعالى:
_________________
(١) i عن أنس قال: "كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة، يقال له المندوب، فركبه فلما رجع قال: ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا". البخاري: كتاب الهبة ٥/ ٢٤٠. كتاب الجهاد ٦/٥٨، ٦٦. ii عبد الملك بن قريب الأصمعي الباهلي، أحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، طاف كثيرًا في البوادي وحفظ كثيرًا من الشعر، له مصنفات كثيرة منها: الإبل، الأضداد، الخيل. توفي بالبصرة سنة ٢١٦ هـ. انظر: الأعلام ٤/ ١٦٢. iii انظر: فتح الباري ٥/ ٢٤١. iv أحمد بن يحي ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة كان ثقة حجة صالحًا ديِّنًا مشهورًا بالحفظ ورواية الشعر. من مصنفاته: المصون، معاني القرآن، المجالس. توفي سنة ١ ٢٩ هـ. انظر: إنباه الرواة١/ ١٧٣ بغية الوعاة ١/ ٣٩٦. v انظر الخلاف في الإنصاف مسألة ٩٠، مغنى اللبيب ٢٥٦. vi انظر: ارتشاف الضرب ٢/ ١٥١ بتحقيق د. النماس. vii الحديث لا مشكاة المصابيح- كتاب البيوع- باب الربا. برقم ٢٨٣١ ورواه ابن ماجة- كتاب الصدقات برقم ٢٤٣٢.
[ 73 - 74 / ٥١ ]
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ i والضمير الفاعل في "فأهدى" عائد إلى المفعول المقَدّر. والضمير في "لا يقبلها" راجع إلى مصدر أهدى.
وقوله "فأهدى" عطف على الشرط، وجوابه "فلا".
١١٧ – حديث "هذا جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحِبُّه" ii.
قال الأندلسي: "قال سيبويه: حدثنا يونس iii أن العرب تقول "هذا أنت تقول كذا". لم يُرد بقوله "هذا أنت" أن يعرفه بنفسه، ولكنه أراد أن ينبهه، كأنه قال: الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا [أنت] "iv.
قال السيرافي: "وقولهم "هذا زيدٌ يفعل كذا": "يفعل" في موضع الحال عند البصريين، هذا زيدٌ فاعلًا. وعند الكوفين هو منصوب على أنه خبر هذا". انتهى.
وفي حديث الشفاعة: "هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون". وفي حديث النحر: "هذا يومٌ يُشتهى فيه اللحم" v
وقوله: "اللهمّ إنَّي أحرّم ما بين جبليها مثل ما حرّم به إبراهيم مكة" قال الكرماني: فإن قلت لفظ "به" زائد. قلت: لا، بل "مثل" منصوب بنزع الخافض، أي أحرّم بمثل ما حرّم به، أو معناه أحرّم بهذا اللفظ وهو"أحرّم" مثل ما حرّم به إبراهيم"vi.
١١٨ – حديث "مِنَ السُّنَّةِ إذا تَزوَّجَ البكرَ أقَام عِنْدَها سَبْعًا" vii.
قال الطيبي: "يجوز أن يكون قوله "من السنة" خبرًا، وما بعده في تأويل المبتدأ، أي من السنة إقامة الرجل عند البكر إذا تزوجها سبعًا".
_________________
(١) i سورة البقرة: آية ٢٤٥ ii عن أنس قال: "قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة التمس غلامًا من غلمانكم يخدمني ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه، فلما أشرف على المدينة قال: "اللهم إني أحرِّم ما بين جبليها مثل ما حرّم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدّهم وصاعهم". البخاري كتاب الأطعمة- باب الحيس- فتح الباري ٩/ ٥٥٤. وقد رويَ الحديث بروايات متعددة مختلفة منها: البخاري٦/٨٧. مسند أحمد ٣/٢٤٣، ١٤٩، ١٥٩. iii يونس بن حبيب الضبي، غلب عليه النحو، وروى عنه سيبويه كثيرا. كانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء. توفي سنة ١٨٢ هـ انظر: إنباه الرواة ٤/ ٧٤. iv الكتاب لسيبويه ٢/ ٣٥٥ بتصرف يسير. v مسند أحمد ٣/١١٧ vi صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢٠/٤٨. vii البخاري- كتاب النكاح ٩/٣١٤. مشكاة المصابيح/ كتاب النكاح باب القسم برقم ٣٢٣٣.
[ 73 - 74 / ٥٢ ]
١١٩ – حديث "قوموا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السماوات والأرض" i.
قال الطيبي: "عدّاه بـ "إلى" لإرادة معنى المسارعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ii
١٢٠ – حديث "لم يُصَدَّقْ نَبِيّ من الأنبياء ما صدقت" iii.
قال الطيبي: " "ما" فيه مصدرية"iv.
١٢١ - حديث "قولُ أُمّ حارثة لرسول الله ﷺ: قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حارثة منيّ فإنْ يكُ في الجَنَّةِ اصبر ْوأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع" v.
قال ابن مالك: "حقّ الفعل إذا دخلت عليه "إنْ" وكان ماضيًا بالوضع، أو بمقارنته "لم" أن ينصرف إلى الاستقبال نحو ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُم﴾ vi ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا﴾ vii. وإن كان قبل دخول "إنْ" صالحًا للحال والاستقبال تخلّص له بدخولها، نحو ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ viii. وقد يراد المضيّ بما دخلت عليه "إنْ" فلا يتأثر بها، ويستوي في ذلك الماضي بالوضع نحو ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ ix والمضارع نحو ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ x. ومنه "فإن يكُ في الجنةِ أصْبرْ وأحْتسِب". والأصل "يكون" ثم جزم فصار "يكنْ" ثم حذف نونه لكثرة الاستعمال فصار "يكُ".
_________________
(١) i مسند أحمد ٣/١٣٦. مسلم ١٣/٤٥. مشكاة المصابيح برقم ٣٨١٠. ii سورة آل عمران: آية ١٣٣. iii عن أنس قال النبي ﷺ: "أنا أول شفيع في الجنّة، لم يصدق نبي من الأنبياء ما صُدّقتً " مسلم بشرح النووي ٣/٧٣. صحيح الجامع الصغير برقم ١٤٧١. iv شرح مشكاة المصابيح مجلد ٤ ورقة ٢٤٤. v البخاري- كتاب الرقاق- باب صفة الجنة والنار ١١/ ٤١٥. مسند أحمد ٣/ ١٢٤ وتكملته: "فقال: ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه لفي جنة الفردوس". وانظر: البخاري/ كتاب المغازي ٧/ ٣٠٤، كتاب الجهاد ٦/ ٢٦ وفيه: "أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب..". vi سورة الإسراء: آية ٧. vii سورة البقرة: آية ٢٧٩. viii سورة النساء: آية ٣١. ix سورة يوسف: آية ٢٦. x سورة يوسف: آية ٧٧.
[ 73 - 74 / ٥٣ ]
وهذا الحذف جائز لا واجب. ولذلك جاء الوجهان في كتاب الله نحو ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ i ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ii. ولو ولي الكاف ساكن عادت النون نحو ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ iii ولوجوب عود النون قبل الساكن لم يجئ الفعلان في الحديث المذكوِر بالحذف، بل حذفت نون الأول لعدم ساكن بعده، وثبتت نون الثاني لإيلائه ساكنا. ولا يستصحب الحذف قبل ساكن إلا في ضرورة، كقول الشاعر:
فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةُ أبْدَتْ وَسامَةً
فَقدْ أَبْدتِ المِرْآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَم iv
و"ترى" من قول أم حارثة "وإن تكن الأخرى ترى ما أَصنع" مضارع راء بمعنى رأى، والكلام عليه كالكلام على قول أبي جهل "متى يراك الناس"v. وكما جُوّز رفع "يراك" لإهمال "متى" وتشبيهها بـ "إذا"، كذلك يجوز رفع "يرى" لأنه جواب، والجواب قد يرفع، وإن كان الشرط مجزوم اللفظ، كقراءة طلحة بن سليمان vi ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ vii وكقول الراجز:
إنّك إنْ يُصْرَعْ أخوُكَ تصْرَعُ"viii ix. انتهى.
وقوله: "أصابهُ سَهْم غَرْب"x.
_________________
(١) i سورة النحل: آية ١٢٠. ii سورة مريم: آية ١٤. iii سورة النساء: آية ١٣٧. iv قائله الخنجر بن صخر الأسدي، فكأنه نظر وجهه في المرآة فلم يره حسنًا فتسلى بأنه يشبه الأسد في شجاعته. انظر: الأشموني ١/ ٢٤٥. خزانة الأدب ٩/ ٣٠٤. همع الهوامع ١/١٠٨. شفاء العليل في إيضاح التسهيل ١/٣٢٦. شواهد التوضيح ١٧٦. v البخاري: كتاب المغازي ٧/ ٢٨٢ وانظر شواهد التوضيح ص ١٧. vi طلحة بن سليمان السمان، مقرئ مصدّر، له شواذ تروى عنه. انظر: غاية النهاية في طبقات القراء١/ ٣٤١. vii سورة النساء: آية ٧٨. وقراءة طلحة بن سليمان شاذة. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٩٩. القرطبي ٥/ ٢٨٢. الدرّ المصون ٤٣/٤. التبيان للعكبري ١/٣٧٤. viii رجز من شواهد سيبويه ٣/٦٧ ونسبه إلى جرير بن عبد الله البجلي، ومطلعه: يا أقرَعُ بن حابسٍ يا أقرعُ وقيل قائله عمرو بن خثارم البجلي يخاطب الأقرع بن حابس في منافرة بين بجيلة وكلب. انظر: شرح أبيات سيبويه للسيرافي ٢/١٢٢، خزانة الأدب للبغدادي ٨/ ٢٠ شرح الأشموني ٤/١٨، شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ٧/ ١٨٠. ix شواهد التوضيح ١٧٤. x سهم غَرب أي لا يعرف راميه. يقال سَهْم غَرْب بفتح الراء وسكونها وبالإضافة وغير الإضافة. وقيل هو بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح إذا رماه فأصاب غيره. انظر: النهاية لابن الأثير ٣/ ٣٥٠. غريب الحديث للخطابي ١/ ٢٢١.
[ 73 - 74 / ٥٤ ]
يروى بالإضافة وعدمها على الصفة لسهم، ونظيره من ذلك "غرّة عبد أو أمة"i و"برد حِبَرة"ii و"حلة سِيَراء"iii.
قوله: "أوَ هَبِلْتِ أوَ جَنَّةٌ واحدةٌ هي؟ ".
قال الرافعي في تاريخ قزوين: "الواو فيهما مفتوحة، وهي واو الابتداء دخلت عليها همزة الاستفهام، الأولى على التوبيخ، والثانية على الإنكار"iv.
قوله: "إنها جنان".
قال الطيبي: "هو ضمير مبهم تفسيره ما بعده، ويجوز أن يكون الضمير للشأن".
١٢٢ – حديث "كتابُ الله القِصاصُ" v.
قال الزركشي: "مرفوعان على الابتداء والخبر. ويجوز نصبهما على وجهين أحدهما: أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل، أي كتب الله القصاص، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ vi. والثاني: أنه إغراء، ويكون القصاص بدلا، أو منصوبًا بفعل، أو مرفوعًا خبرِ مبتدأ محذوف. ولا يجوز هذا الوجه في الآية، أعني يمتنع أن يكون "كتاب الله" منصوبًا بـ "عليكم" المتأخر عنه.
١٢٣ – حديث "فكُنّا نَراهُ يَمْشي بَين أظهرنا رَجُلًا مِنْ أَهْل الجنَّة" vii.
قال النووي: "روي "رجلا" و"رجلٌ" وكلاهما صحيح، الأوّل على البدل من الهاء في نراه، والثاني على الاستئناف"viii.
_________________
(١) i عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة منِ بني لحيان بغرة عبد أو أمة". البخاري: كتاب الديات ١٢/ ٢٥٢. ii عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببُردْ حِبرَة". البخاري: كتاب اللباس ١٠/ ٢٧٦. وبرد حِبَرة على الوصف والإضافة: برد يمان مخطط. انظر: النهاية ١/٣٢٨. iii عن علي بن أبي طالب: "أهدى إليَّ النبي ﷺ حلّة سيراء فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي". البخاري ٥/٢٢٩، ٩/٥١٢، ١٠/٢٩٦. قيل هي ثياب فيها خطوط من حرير. iv عبد الكريم بن محمد الرافعي، القزويني، فقيه من كبار الشافعية. من مصنفاته: التدوين في أخبار قزوين، المحرر في الفقه، فتح العزيز في شرح الوجيز للغزالي في الفقه. توفي سنة ٦٢٣ هـ. انظر: الأعلام ٤/ ٥٥. v عن أنس "أن الربيّع ابنة النضر كسرت ثنية جارية فطلبوا الأرش وطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص فقال: كتاب الله القصاص، فرضي القوم وعفوا " البخاري- كتاب الصلح ٥/٣٠٦. مسند أحمد ٣/١٢٨، ١٦٧ سنن أبي داود- باب القصاص من السنّ ٤/١٩٧ vi سورة النساء: آية ٢٤ vii مسلم بشرح النووي ٢/ ١٣٥ viii مسلم بشرح النووي ٢/ ١٣٥
[ 73 - 74 / ٥٥ ]
١٢٤ – حديث "إنّ حَقًا على الله أَنْ لا يرتَفعَ شيءٌ مِن الدُّنيا إلا وَضَعه" i.
قال الطيبي: " "على الله" متعلق بـ "حقًا"، و"أنْ لا يرتفع" خبر إنّ، و"أَنْ" مصدرية فتكون معرفة والاسم نكرة من باب القلب، أي إن عدم الارتفاع حقّ على الله. ويمكن أن يقال "على الله" صفة "حقًا" أي حقًا ثابتًا على الله تعالى".
١٢٥ – حديث "انْطَلِقُوا باسمِ الله وبِالله على مِلَّةِ رَسولِ الله" ii.
قال الطيبي: "ليس الجارَّان متعلقين بالفعل، بل هما حالان، كأنه قال انطلقوا متبركين باسم الله مستعينين بالله ثابتين على ملة رسول الله".
١٢٦ – حديث "هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون [ما لا يفعلون] " iii.
قال الطيبي: "الذين" بدل من قوله "خطباء"، ويجوز أن يكون صفة له، لأنه لا توقيت iv فيه على عكس قوله:
ولقد أمرُّ على اللئيم يَسُبُّني v.
ويجوز أن يكون منصوبًا على الذم وهو الأوجه.
١٢٧ - حديث "إنَّ الله لا يَظْلِمُ مؤمِنًا حَسَنَة يُعطَى بها في الدنيا ويُجْزَى بها في الآخرة" vi.
قال الطيبي: "لا يظلم" أي لا ينقص، وهو يتعدى إلى مفعولين أحدهما: "مؤمنًا" والآخر "حسنة". والباء في قوله "يعطى بها" إن حملت على السببية فيحتاج إلى مقدر أي
_________________
(١) i الحديث عن أنس وأوله: "كانت ناقة لرسول الله ﷺ تسمى العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها " البخاري- كتاب الرقاق- باب التواضع ١١/ ٣٤٠. مسند أحمد ٣/١٠٣ ii عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ قال: انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله " سنن أبي داود- كتاب الجهاد ٣/٣٨. مشكاة المصابيح- كتاب الجهاد- باب القتال في الجهاد برقم ٣٩٥٦. iii الحديث عن أنس وأوله: "مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم " مشكاة المصابيح- كتاب الأدب- باب البيان والشعر، برقم ٤٨٠١ الجامع الكبير للسيوطي ١/٧٤١. مسند أحمد ٣/ ١٢٠، ١٨٠، ٢٣١ باختلاف. iv هكذا في النسخ المخطوطة ولم يظهر لي المراد، وقد رجعت إلى نسختين خطيتين من شرح الطيبي فلم أجد فيه العبارة. v البيت من البحر الكامل، وعجزه: فمضيت ثمّت قلتُ لا يعنيني وهو من شواهد سيبويه ٣/٢٤ منسوب لرجل من بني سلول. وفي الأصمعيات ص ١٢٦ مع أبيات قائلها شمر بن عمرو الحنفي. وانظر: شرح جمل الزجاجي لابن عصفور ١/ ٢٥٠، مغنى اللبيب ١٠٧، ٤٨٠، الأشموني ٣/ ٦٠ والشاهد فيه أن جملة (يسبني) وقعت صفة للئيم لأنه معرف بـ "أل" الجنسية فقرب من النكرة فجاز نعته بالنكرة، ويجوز أن تكون الجملة حالا. vi مسلم بشرح النووي ١٧/ ١٤٩. صحيح الجامع الصغير برقم ١٨٤٩.
[ 73 - 74 / ٥٦ ]
يعطي بسببها حسنة، وإن حملت على البدل فلا. وأما الباء في "يجزى بها" فهي للسببية"i.
قوله (وأمّا الكافرُ فَيُطْعَمُ بحَسَناتِه) قال: "اعلم أن "أما" التفصيلية تقتضي التعدد لفظًا أو تقديرا، وقرينتها هنا الكلام السابق، والقرينتان واردتان على التقابل، فيقدر في كلّ من القرينتين ما يقابل الأخرى".
١٢٨ – حديث "دَخَلَ رَجُلٌ والنبي ﷺ مُتِّكِيٌ بَين ظَهرانَيْهم" ii.
قال في الفائق: "يقال أقام فلان بين أظهر قومه، وبين ظهرانيهم، أي بينهم، وإقحام لفظ الظهر ليدل على أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن معنى التثنية فيه أن ظهرًا منهم قدّامه وآخر وراءه، فهو مكنوف من جانبيه. هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا، وإن لم يكن مكنوفا. وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي للتأكيد، كما تزاد في نحو"نفساني" في النسبة إلى النفس، ونحوه"iii.
وقال القاضي عياض: "قال الأصمعي: العرب تقول "نحنُ بَيْنَ ظَهْرَيْكُم" على لفظ الاثنين، و"ظهرانيْكم". قال الخليل: أي بينكم. قال غيره: والعرب تضع الاثنين موضع الجمع".
وقال الكرماني: "النون مفتوحة لا غير"iv.
قوله (قال: اللهمّ نَعَمْ) .
قال الكرماني: "الجواب هو "نعم"، وذكر لفظ "اللهمّ" للتبرك، وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدًا لصدقه"v.
وقال المُطَرِّزي في المعرب: "قد يؤتي بـ"اللهم" توكيدًا للجواب، ودليلًا على الندرة"vi.
_________________
(١) i شرح مشكاة المصابيح- مخطوط في المكتبة المحمودية ج- ٤ ورقة ١٢١. ii عن أنس قال: "بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم قال: أنشدك بالله آالله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال اللهم نعم". البخاري- كتاب العلم ١/١٤٨. مسند أحمد ٣/١٦٨. iii الفائق في غريب الحديث للزمخشري ١/ ٤١ ببعض اختلاف في الترتيب وانظر الكلام أيضًا في صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢/١٧. iv صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢/١٧. v صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢/١٨. vi ناصر بن عبد السيّد الخوارزمي المطرزي، أديب عالم باللغة، من فقهاء الحنفية. من مصنفاته: الإيضاح في شرح مقامات الحريري، المصباح في النحو، المعرب في اللغة شرحه ورتبه في كتابه المُغرب في ترتيب المعرب. توفي سنة ٦١٠ هـ. انظر: الأعلام ٧/٣٤٨.
[ 73 - 74 / ٥٧ ]
وقال الطيبي: "قد يؤتى بـ "اللهمّ" قبل "إلا" إذا كان المستثنى عزيزًا نادرًا، وكان قصدهم الاستظهار بمشيئة الله في إثبات كونه ووجوده، أي إنه بلغ من الندرة حدّ الشذوذ". وقوله (أنشدك بالله) .
أي أسألك بالله.
١٢٩ – حديث "عُرِضَتْ علىَّ أجور أمتي حتى القذاةُ يخرجها الرجلُ من المسجد" i.
قال الشيخ ولي الدين العراقي: ""القذاةُ" بالرفع عطفًا على قوله "أجور أمتي". ويجوز فيه الجر بتقدير: حتى أجرِ القذاةِ، ثمِ حذف المضاف وأبقى المضاف إليه على إعرابه. ويجوز فيه النصب بتقدير: حتى رأيت القذاة".
وقال الطيبي: "لابدّ هنا من تقدير مضاف، أي أجور أعمال أمتي وأجر القذاة، أو أجر إخراج القذاة. ويحتمل الجرّ و"حتى" بمعنى إلى. وحينئذ التقدير: إلى أجر إخراج القذاة. و"يخرجها من المسجد" جملة مستأنفة للبيان. والرفع عطفًا على أجور، والتقدير ما مرَّ. و"حتى" يحتمل أن تكون هي الداخلة على الجملة فحينئذ التقدير: حتى أجر القذاة يخرجها. على الابتداء والخبر"ii.
١٣٠- حديث "شَهدْتُ وليمَتَيْن مِنْ نِساءِ رسول الله ﷺ، فما أطعمنا خُبزًا ولا لحمًا. قلت: فمه؟ قال: الحَيْس iii"iv.
قال أبو البقاء: "أراد "فما" ولكنه حذف الألف وجعل الهاء بدلا منها، كما قالوا "هنه" في "هنا". ولا يقال إنه حذف الألف لكونه استفهاما كما حذفت في قوله تعالى: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ v لأن ذلك إنما يجيء في المجرور، فأما المنصوب والمرفوع فلا"vi.
_________________
(١) i الترمذي: أبواب فضائل القرآن ٤/٢٥٠ برقم ٣٠٨٣. سنن أبي داود: كنس المسجد ١/١٢٦. مشكاة المصابيح: كتاب الصلاة- باب المسجد. ii شرح مشكاة المصابيح للطيبي مخطوط في المكتبة المحمودية- ج اورقة ٢٦٢. iii الحيس: تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن- (المصباح المنير- الحيس) . iv١٣٠- مسند أحمد ٣/٩٩. v سورة الطارق: آية ٥. vi إعراب الحديث النبوي- برقم ٣٦.
[ 73 - 74 / ٥٨ ]
١٣١- حديث "لقد اخفتُ في الله وما يُخافُ أَحد" i.
قال الطيبي: ""أخفت" ماضي مجهول من أخاف بمعنى خوّف. وقوله "وما يُخاف أحد" حال، أي خُوّفت في دين الله وحدي. وقوله: "ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم" تأكيد للشمول، أي ثلاثون يومًا وليلة متواترات لا ينقص منها شيء من الزمان"ii.
١٣٢- حديث "أما إنَّ كُلَّ بناء وبَالٌ على صاحِبه إلا ما لا إلا ما لا" iii.
قال الحافظ أبو الفضل العراقي: "يعني إلا ما لابدَّ منه".
١٣٣- حديث "الدجّال، وإنَّ بين عَيْنَيْه مكتوب كافر" وفي نسخة "مكتوبًا كافر" iv.
قال ابن مالك في توضيحه: "إِذا رفع "مكتوب" جعل اسم إنّ محذوفًا، وما بعد ذلك جملة من مبتدأ وخبر في موضع رفع خبراَ لإنّ، والاسم المحذوف إما ضمير الشأن وإما ضمير عائد على الدجّال. ونظيره - إن كان المحذوف ضمير الشأن - قوله ﷺ في بعض الرِوايات: "وإنّ لنفسك حقّ " v وقوله ﷺ - بنقل من يوثق بنقله -: "إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون" vi، وقول بعض العرب: "إنّ بك زيدٌ مأخوذ". رواه سيبويه vii عن الخليل. ومنه قول رجل للنبي ﷺ: "لعلّ نزعها عرق"viii أي لعلَّها. ونظائره في الشعر كثيرة.
وإذا كان الضمير ضمير الدّجال فنظيره رواية الأخفش: "إنّ بك مأخوذ أخواك" والتقدير: إنّك بك مأخوذ أخواك، ونظيره من الشعر قوله:
فليتَ دفعتَ الهمَّ عنّي ساعة
فبتنا على ما خيّلتْ ناعِمَي بالِ ix
_________________
(١) i١٣١- الترمذي: أبواب صفة القيامة ٤/ ٥٩ برقم ٢٥٩٠ مسند أحمد ٣/ ١٢٠، ٢٨٦ الحديث عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لقد أخفتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتيت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبدٍ إلا شيء يواريه إبط بلال". قال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث حين خرج النبي صلى الله وسلم هاربًا من مكة ومعه بلال، إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمل تحت إبطه". ii شرح مشكاة المصابيح للطيبي- ج-٤ ورقة ١٣٨. iii سنن أبي داود ٤/٣٦٠ باب ما جاء في البناء. iv البخاري: كتاب الفتن- باب ذكر الدجال- فتح الباري ١٣/ ٩١. v البخاري: كتاب التهجد- فتح الباري ٣/ ٣٨ والرواية في الأصل "حقًا" وفي رواية أخرى في الشرح "حق. vi مسلم: كتاب اللباس والزينة ١٤/ ٩٢. vii الكتاب ٢/ ١٣٤. viii البخاري: كتاب الطلاق. باب إذا عرّض بنفي الولد. فتح الباري ٩/ ٤٤٢. ix البيت لعدي بن زيد العبّادي في ديوانه ١٦٢. وانظر خزانة الأدب ١٠/ ٤٤٥، مغنى اللبيب ٣٢١.
[ 73 - 74 / ٥٩ ]
أراد فليتك. ومثله قول الآخر:
فلو كُنْتُ ضَبيًّا عَرَفتَ قَرابَتي
ولكنَّ زنْجيٌ عَظيمُ المشافِر i
أراد: ولكنك زنجي. ويروِى "ولكن زنجيًا" على حذف الخبر. ومن روى "مكتوبًا" فيحتمل أن يكون اسم إن محذوفًا على ما تقررّ في رواية الرفع، و"كافر" مبتدأ، وخبره "بين عينيه " و"مكتوبا" حال، أو يجعل "مكتوبا" اسم إنّ و"بين عينيه" خبرا و"كافر" خبر مبتدأ، والتقدير: هو كافر. ويجوز رفع "كافر" وجعله سادًا مسدّ خبر إنّ، كما يقال: إن قائمًا الزيدان. وهذا مما انفرد به الأخفش"ii. انتهى.
١٣٤- حديث "هل مِنْ أَحَدٍ يَمشي على الماء إلا ابْتَلَّتْ قَدَماه" iii.
قال الطيبي: "استثناء من أعمّ عام الأحوال، تقديره: يمشي في حال من الأحوال
إلا في حال ابتلال قدميه"iv.
١٣٥- حديث "مَنْ عالَ جاريتن حتّى تَبْلُغا جاء يَوْمَ القيامة أنا وهو كهاتين" v.
قال الشيخ أكمل الدين vi في شرح المشارق: "في الكلام تقديم وتأخير، فإن في "جاء" ضميرًا يعود إلى "مَنْ". وقوله "هو" تأكيد له وقوله "أنا" معطوف عليه. وتقديره: هو وأنا، ثم قدّم إما لكونه ﷺ أصلا في تلك الخصلة، أو قدّم في الذكر لشرفه".
قلت: ليس هذا الإعراب بسديد لأن تقديم المعطوف على المعطوف عليه لا يجوز، والأولى أن يجعل "أنا" مبتدأ، و"هو" معطوف عليه، و"كهاتين" الخبر. والجملة حالية بدون الواو نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ vii.
_________________
(١) i البيت من البحر الطويل، وهو من شاهد سيبويه ٢/١٣٦ نسبه للفرزدق، يهجو رجلا من ضبة، نفاه عن ضبة ونسبه إلى الزنج. والمشافر: جمع مشفر وهو شفة البعير. وانظر: خزانة الأدب ١٠/ ٤٤٤. مغنى اللبيب ٣٢٣، همع الهوامع ٢/١٦٣. ii شواهد التوضيح ص١٤٨. iii تكملته: "كذلك صاحب الدنيا لا يسلم من الذنوب" مشكاة المصابيح- كتاب الرقاق برقم ٥٢٠٥ الفتح الكبير للسيوطي ٢٩٢/٣- عن شعب الإيمان للبيهقي. iv شرح مشكاة المصابيح ج-٤ ورقة ١٣٢. قال الطيبي في شرح المشكاة: وحاصل معناه: هل يتحقق المشي على الماء مع عدم الابتلال؟ ولذا صح الجواب بلا. v مسلم بشرح النووي ١٦/ ١٨٠. vi الشيخ أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود البابرتي الحنفي، له شرح على كتاب مشارق الأنوار للإمام الصغاني، سماه تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار، وله مصنفات أخرى. توفى بمصر سنة ٧٨٦ هـ. انظر: الأعلام ٧/٤٢. كشف الظنون ٢/ ١٦٨٨ الدرر الكامنة ٤/٢٥٠. vii سورة البقرة: آية ٣٦.
[ 73 - 74 / ٦٠ ]
١٣٦- حديث "إنّ رَجُلًا قال: يارسول الله كيف يحشرُ الكافر على وَجْهه يَوْمَ القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرٌ على أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة" i.
قال الطيبي: "قادر" مرفوع على أنه خبر "الذي" واسم "ليس" ضمير الشأن"ii.
١٣٧- حديث "لِكُلِّ أمة أمينٌ وإنَّ أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة" iii.
قال القاضي: "هو بالرفع على النداء، والأفصح أن يكون منصوبًا على الاختصاص"iv.
١٣٨- حديث "قول سُراقة: يانَبِيَّ الله مُرْنِي بمَ شِئْت" v.
قال ابن مالك: "فيه شاهد على إجراء "ما" الموصولة مجرى "ما" الاستفهامية في حذف ألفها إذا جُرّت، لكن بشرط كون الصلة "شاء" وفاعلها"vi.
١٣٩ – حديث "لا تُشَدِّدوا على أَنْفُسِكُم فَيُشدِّدَ الله عليكم" vii.
قال الطيبي: ""فيشدّد" نُصِبَ على جواب النهي. والفاء في قوله "فإن قومًا" سبب للفعل المنهي المسبب عنه الشدّة. والفاء في قوله "فتلك بقاياهم" للتعقيب. و"تلك" إشارة إلى ما في الذهن من تصوّر جماعة باقية من أولئك المشددين. و"الخبر" بيان له. كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك﴾ viii"ix.
_________________
(١) i البخاري- كتاب التفسير ٨/ ٤٩٢ والرواية فيه "قادرًا". مسلم بشرح النووي ١٧/١٤٨ والرواية فيه "قادرًا". مشكاة المصابيح: كتاب أحوال القيامة. باب الحشر برقم ٥٥٣٧. ii شرح مشكاة المصابيح ج ٤ ورقة ١٩٦. iii١٣٧- البخاري ٧/ ٩٣. مسند أحمد ٣/ ١٨٩. iv قال في فتح الباري ٧/٩٣: "صورته صورة النداء، لكن المراد فيه الاختصاص " وقال الأشموني ٣/ ١٨٦: "اعلم أن المخصوص- وهو الاسم الظاهر الواقع بعد ضمير يخصه أو يشارك فيه- على أربعة أنواع: الأول أن يكون أيّها وأيتها، فلهما حكمهما في النداء وهو الضم، ويلزمهما الوصف باسم محلا بـ "أل" لازم الرفع نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجلُ، واللهم اغفر لنا أيتها العصابةُ ". v البخاري: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة ٧/ ٢٤٩ والرواية فيه: "مرني بما شئت". وكذلك مسند أحمد ٣/٢١١. vi شواهد التوضيح ص ١٩٥. vii سنن أبي داود- باب في الحسد ٤/٢٧٧- مشكاة المصابيح: كتاب الإيمان- باب الاعتصام بالكتاب والسنة برقم ١٨١. الحديث عن أنس وفيه: ".. إن رسول الله ﷺ كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار..". viii سورة الكهف: آية ٧٨. ix شرح مشكاة المصابيح ج١ ورقة ١٥٨.
[ 73 - 74 / ٦١ ]
١٤٠- حديث "أَصْبَحَ رَسول الله ﷺ عَروسًا" i.
قال الزركشي: ""العروس" نعت يستوي فيه الرجل والمرأة، يقع عليهما مدّة بناء الرجل بها"ii.
١٤١- حديث "قال النبي ﷺ يوْمَ بَدر: مَنْ يَنْظُرُ ما فَعَلَ أبو جهل؟ فانْطَلَقَ ابن مسعودٍ فَوجَدَهُ قد ضَربه ابنا عفراءَ حتى بَرَد، فأخذَ بِلحْيته فقال: أَنْتَ أبا جهل؟ " iii.
قال الزركشي: "كذا الرواية في البخاري من رواية زهير، وهو يصح على النداء، أي أنت المقتول الذليل يا أبا جهل، على جهة التقريع والتوبيخ".
قال القاضي: "أو على لغة القصر في الأب، ويكون خبر المبتدأ".
وقال الداودي: "يحتمل معنيين أحدهما: أن يكون استعمل اللحن ليغيظ أبا جهل كالمصغر له، أو يريد أعني أبا جهل".
وردّهما السفاقسي iv لأن تغييظه في مثل هذه الحالة لا معنى له، ثم النصب بإضمار "أعني"v إنما يكون إذا تكررت النعوت.
قال الزركشي: "ولا يردّان، أما الأول فإنه أبلغ في التهكم. وأما الثاني فليس التكرار شرطًا في القطع عند جمهور النحويين، وإن أوهمته عبارة ابن مالك في كتبه"vi.
قال القاضي: "ورواه الحُميدي vii: "أنت أبو جهل" وكذا ذكره البخاري من رواية يونس".
_________________
(١) i البخاري: كتاب الصلاة- باب ما يذكر في الفخذ ا/٤٨٠. مسند أحمد ٣/١٠٢، ١٦٨. ii في الصحاح (عرس): العروس: نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ماداما في إعراسهما. iii البخاري: كتاب المغازي- باب قتل أبي جهل. فتح الباري ٧/٢٩٣، ٣٢١ مسند أحمد ٣/ ١١٥، ١٢٩. والرواية فيه "أنت أبو جهل". iv هو الإمام عبد الواحد بن التين السفاقسي، له شرح على صحيح البخاري. v أي قطع النعت إلى الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وإلى النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف. ولكني أرى أن الداودي لم يقصد هنا قطع النعت بل أراد النصب على الاختصاص بإضمار أعني. vi قال المرادي في شرح ألفية ابن مالك ٣/١٥٢: "قد يوهم كلام الناظم أن القطع مشروط بتكرار النعوت، كما أوهمه كلام غيره، وليس ذلك بشرط". وقال الرضي في شرح الكافية ١/٣١٦: "وشرط الزجاجي في القطع تكرر النعت، والآية ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ردّ عليه ". vii الحافظ محمد بن فتوح الحُميدي. مؤرخ محدث أندلسي، صاحب ابن حزم وتلميذه، رحل إلى مصر ودمشق ومكة وتوفي ببغداد سنة ٤٨٨ هـ من مصنفاته: جذوة المقتبس، الجمع بين الصحيحين. انظر: الأعلام ٦/٣٢٧.
[ 73 - 74 / ٦٢ ]
١٤٢- حديث "مَنْ أجوَدُ جُودًا" i.
قال الطيبي ii: "مَنْ" الاستفهامية مبتدأ. و"أجود" خبره، و"جودا" تمييز مزال عن الأصل. وفيه وجهان: أحدهما: أن "أجود" أفْعَل من الجودة، أي أحسن جودا وأبلغه. والثاني: أنه من الجود الكرم، أي من الذي جوده أجود، فيكون إسنادا مجازيًا، كما في قولك: جِدْ جدَةً.
وقوله: "الله أجودُ جودًا ثم أنا أجود بني آدم، وأجوده من بعدي رجل علم عِلْمًا فنشره" الضمير في "أجوده" راجع إلى بني آدم، على تأويل الإنسان أو للجود.
١٤٣- حديث أُحد، قوله "لا تشرفْ يُصيبُكَ سَهم" iii.
قال الزركشي: "كذا لهم بالرفع، وهو الصواب. وعند الأصيلي "يُصبْكَ" بالجزم، وخطّؤوه، وهو قلب للمعنى إذ لا يستقيم أن تقول: إن لا تشرف يصبك، ولكن جوّزه الكوفيون"iv
قوله (تَنْقُزان القِرَب) .
بضم القاف. قال القاضي عياض: "ضبطه الشيوخ، بنصب الباء، وفيه بُعد، إلا على تقدير نزع الخافض أي بالقرب. وقيل صوابه بالرفع على الابتداء، كأنه قال: والقِرَبُ على متونهما. وروي "تُنْقِزان" بضم التاء وكسر القاف، ويستقيم على هذا نصب "القِرَب" أي إنهما لسرعتهما في السيّر تتحرك القرب على ظهورهما وتضطرب"v.
_________________
(١) i الحديث عن أنس، قال رسول الله ﷺ (هل تدرون من أجود جودا..) مشكاة المصابيح: كتاب العلم برقم ٢٥٩ قال الشيخ الألباني في حاشيته ١/٨٦ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/١٦٦ وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك الحديث. ii شرح مشكاة المصابيح للطيبي- مخطوط ج- ١ ورقة ١٨٦. iii عن أنس "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ فأشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يانبي الله، بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقِهما تنقزان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم ". البخاري: كتاب مناقب الأنصار ٧/١٢٨، كتاب المغازي ٧/٣٦١. وقال عياض: "قيل معنى تنقزان تثبان. والنقز: الوثب والقفز، كناية عن سرعة السير". البخاري- كتاب الجهاد ٦/٧٩ iv قال ابن مالك في الألفية: وشرط جزم بعد نهي أن تضع "إن" قبل "لا" دون تخالف يقع قال المرادي: "يعني إن شرط جزم الجواب بعد النهي أن يصح إقامة شرط منفي مقامه هذا مذهب الجمهور. وأجاز الكسائي جزم جواب النهي مطلقا، ولا يشترط تقدير "إن" قبل "لا" وقد نسب ذلك إلى الكوفيين. واستدل الكسائي بالقياس على النصب وبالسماع قول النبي ﷺ: "فلا يقربن مسجدنا يؤذنا بريح الثوم " وقوله ﵇: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" وقول أبي طلحة لرسول الله ﷺ: "لا تشرف يصبك سهم". توضيح المقاصد ٤/٢١٣-٢١٤ وانظر الأشموني والصبان ٣/٣١١. أمالي السهيلي ٨٥، ١١٨. v مشارق الأنوار ٢/ ٢٤.
[ 73 - 74 / ٦٣ ]
١٤٤- حديث "أَقْر قَوْمَكَ السَّلامَ فَإنَّهم ما علمتُ أعِفَّةٌ صُبُر" i.
قال أبو البقاء: "أعفة" مرفوع، خبر إنّ. وفي "ما" وجهان أحدهما: هي مصدرية، والتقدير إنهم في علمي أعفّة. والثاني: زمانية تقديره إنهم مدّة علمي فيهم أعفة. ولا يجوز النصب بـ"علمت" لأنه لا يبقى لـ"إنّ" خبر"ii.
١٤٥- حديث "هذا أَوَّلُ طَعامٍ أَكَلَهُ أَبوكِ مِنْ ثلاثةِ أَيَّام" iii.
قال أبو البقاء: "هكذا في هذه الرواية. ودخول "من" لابتداء غاية الزمان جائز عند الكوفيين ومنعه أكثر البصريين". قال: "والأقوى عندي مذهب الكوفيين". قال: "وفي بعض الروايات "منذ ثلاث" وهذا لا خلاف في جوازه"iv. انتهى.
وقال ابن مالك في شرح التسهيل: "هذا الحديث من الأدلة على استعمال "من" لابتداء غاية الزمان. وكذا قوله في حديث الاستسقاء: "فمُطِرنا مِنْ جُمعةٍ إلى جمعة"v وقول أنس: "فلم أَزَلْ أحبُّ الدُّباءَ من يومئذٍ"vi وقول عائشة: "لم يجلسْ عندي من يومِ قيل فيَّ ما قيل"vii. وكلّها في صحيح البخاري"viii. انتهى.
١٤٦ - حديث نكاح زينب، قوله "فلما رأَيْتُها عَظمَتْ في صَدْري حتَّى ما أستطيع أَنْ أَنْظُرَ إليها أنَّ رسول الله ﷺ ذكرها" ix.
قال أبو البقاء: "أنَّ" بالفتح، وتقديره لأن النبي ﷺ ذكرها"x.
_________________
(١) i عن أنس أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: "أقرئ قومك السلام فإنهم ما علمت أعفّه صبر". مسند أحمد ٣/ ١٥٠. ii إعراب الحديث النبوي برقم ٥٤. iii عن أنس بن مالك: "أن فاطمة ناولت رسول الله ﷺ كسرة من خبز شعير فقال: هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيام". مسند أحمد ٣/٢١٣ iv إعراب الحديث النبوي- برقم ٥٦ v البخاري- فتح الباري ٢/ ٥٠٩ vi البخاري- فتح الباري ٩/ ٥٦٣. والدباء: القرع (القاموس المحيط) vii البخاري- فتح الباري ٥/ ٢٧١. viii فصل ابن مالك في هذه المسألة في كتابه شواهد التوضيح ص ١٢٩- ١٣٢ فجعل المبحث الثامن والأربعين في استعمال "من" في ابتداء غاية الزمان، واستدل بشواهد من القرآن والحديث والشعر. ix مسند أحمد ٣/١٩٥ x إعراب الحديث النبوي برقم ٥٧
[ 73 - 74 / ٦٤ ]
١٤٧ - حديث "أنه ﷺ رمى الجَمْرةَ ثُمَّ نَحَرَ البُدْن، والحَجَّامُ جالس، ثم حَلَق أَحدَ شقيه الأيمنَ" i.
قال أبو البقاء: "الأيمن" بالنصب بدل من "أحد"، أو على إضمار أعني. والرفع جائز على تقدير هو الأيمن"ii.
١٤٨ - حديث الجمل "فلما نَظَر الجَمَلُ إلى رسول الله ﷺ أَقْبَلَ نَحْوَهُ حتى خَرَّ ساجدًا بين يديه، فأخذ رسولُ الله ﷺ بِناصيته أذلّ ما كانت قط حتى أدخله في العمل" iii. فيه استعمال "قط " غير مسبوقة بنفي، وقد كثر ذلك في الحديث.
وقال ابن مالك في التوضيح: "في حديث حارثة بن وهب iv "صلى بنا النبي ﷺ ونحن أكثر ما كنا قط"v، فيه استعمال "قط" غير مسبوقة بنفي، وهو مما خفي على كثير من النحويين، لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي نحو: ما فعلت ذلك قط، وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي، وله نظائر"vi. انتهى.
وفي حديث جابر vii "ما من صاحبِ إبلٍ لا يَفْعَلُ فيها حقَّها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط"viii. وفي حديث سمرة بن جندب ix في صلاة الكسوف "فقام بنا كأطولِ ما قام بنا في صلاةٍ قط، ثم ركع كأطول ما ركعَ بنا في صلاة قط، ثم سجَدَ بنا كأطولِ ما سجد بنا في صلاة قط"x.
_________________
(١) i١٤٧- مسند أحمد ٣/٢٠٨. ii إعراب الحديث النبوي برقم ٥٨. iii مسند أحمد ٣/١٥٨. iv حارثة بن وهب الحزاعي، أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه له في الصحيحين أربعة أحاديث ويعد في الكوفيين. انظر: الإصابة ١/ ٢٩٩، الاستيعاب ١/ ٢٨٤. v صحيح البخاري- فتح الباري ٣/ ٥٠٩ كتاب الحج- باب الصلاة بمنى. vi شواهد التوضيح ١٩٣. vii جابر بن عبد الله الأنصاري، أحد المكثرين عن النبي ﷺ شهد العقبة وكثيرًا من الغزوات مع النبي ﷺ قيل مات سنة ٧٤ هـ أنظر الاصابة ١/ ٢١٤-٢١٥. viii مسند أحمد ٣/٣٢١. ix سمرة بن جندب الفزاري، كان من الحفاظ المكثرين عن رسول الله ﷺ كانت وفاته بالبصرة سنة ٥٨ هـ انظر: الاستيعاب ٢/ ٧٥-٧٧ الإصابة ٢/ ٧٧. x مسند أحمد ٥/١٦.
[ 73 - 74 / ٦٥ ]
١٤٩ - حديث "أصابت الناس سنَةٌ على عهد رسول الله ﷺ" i.
قال الأبذي في شرح الجزولية: "إطلاق السّنة على عام القحط من باب العَلَم بالغلبة. ومثله في حديث سعد "وسألتُه أن لا يُهلك أمتي بالسنة فأعطانيها"ii
قوله (فادع الله يَغِثْنا) .
قال الزركشي: "بفتح الياء وبالجزم على الجواب، ومنهم من ضمّ الياء ورفع الفعل، من الإغاثة والغوث وهو الإجابة. وروى في الموطأ "يَغيثُنا" بفتح الياء وبالرفع. وعلى هذا فجواب الأمر محذوف أيَ يُحْيِك iii ويُحْيِ الناس"iv.
وقوله "اللهمّ اسقنا" يجوز فيه قطع الهمزة ووصلها، لأنه ورد في القرآن ثلاثيًا ورباعيًا v.
قوله (ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعةً) .
قال الزركشي: "بالنصب والجر"vi.
قوله (فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد) .
قال الكرماني: "مِنْ" إما بمعنى في، وإما تبعيضية"vii.
قوله (والذي يليه حتى الجمعةُ الأخرى) .
قال الكرماني: "هوَ مثل "أكلتُ السمكة حتى رأسُِها، في جواز الحركات الثلاث في مدخولها، وجاء عليها الروايات"viii.
_________________
(١) i حديث الاستسقاء ورد بروايات مختلفة في كتب الحديث، انظر: البخاري كتاب الجمعة- باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة ٢/٤١٣. باب الاستسقاء في المسجد الجامع ٢/٥٠١، ٥١٢ مسلم بشرح النووي ٦/ ١٩١. مسند أحمد ٣/٢٥٦. مشكاة المصابيح كتاب الفصائل- باب في المعجزات برقم ٥٩٠٢. وقد اختلفت النسخ المخطوطة من عقود الزبرجد في ترتيب فقرات الحديث، ولكن الكلام فيها واحد. ii مسند أحمد ١/١٧٥. iii وردت في بعض النسخ "يحبك ويحب الناس" وروايات أخرى. والتصويب من شرح البخاري للزركشي. iv شرح صحيح البخاري للرركثي ٢/٦٦. v في قوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ النحل: آية ٦٦ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بضم النون وفي المؤمنين آية ٢١ مثله. وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر ﴿نَسْقِيكُمْ﴾ بفتح النون انظر: السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ٣٧٤. vi شرح صحيح البخاري ٢/ ٦٦. vii صحيح البخاري بشرح الكرماني ٦/ ٤١. viii صحيح البخاري بشرح الكرماني ٦/ ٤١.
[ 73 - 74 / ٦٦ ]
قوله (وساَل الوادي قناة) .
قال الكرماني: " [قَناةُ] علم لبقعة غير منصرف مرفوع بأنه بدل عن الوادي. وفي بعض الروايات "قناةً"، بالنصب والتنوين، فهو بمعنى البئر المحفورة، أي سال الوادي مثل القناة. وفي بعضها "وادي قناة" بإضافة الوادي إليها"i.وقال الرضيّ الشاطبي ii: "الفقهاء يقولونه بالنصب والتنوين، يتوهمونه قناة من القنوات، وليس كذلك"iii
وقال الطيبي: "قناة" نصب على الحال أو المصدر، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي مثل القناة أو سيلان القناة في الدوام والاستمرار والقوة والمقدار"iv.
قوله (ورسول الله ﷺ قائمًا يخطب) .
قال الزركشي: "كذا بنصب قائمًا على الحال من "يخطب". ويروى بالرفع على الخبر"v.
قوله "اللهمَّ حَوالَيْنا".
قال الزركشي: "هو ظرف متعلق بمحذوف، أي أمطر حوالينا"vi.
وقال الكرماني: "هو ظرف، أي أمطر في الأماكن التي في حولنا ولا تمطر علينا"vii.
وقال الحافظ ابن حجر: "فيه حذف تقديره: اجعل أو أمطر"viii.
وقال الطيبي: "حوله وحوليه وحواليه بمعنى، وإنما أوثر "حوالينا" لمراعاة الازدواج مع قوله علينا، نحو ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ﴾ ix"x.
قوله (ولا علينا) .
_________________
(١) i صحيح البخاري بشرح الكرماني ٦/ ٤١. ii محمد بن علي بن يوسف، رضي الدين الأنصاري الشاطبي، عالم باللغة، له تصانيف منها حواش على صحاح الجوهري وغيره توفي بالقاهرة سنة ٦٨٤ هـ وهو أستاذ أبي حيان النحوي. انظر: الأعلام ٦/٢٨٣. iii عن فتح الباري ٢/٥٠٦. iv شرح مشكاة المصابيح: مخطوط ج ٤ ورقة ٢٧٨. v شرح صحيح البخاري للزركشي ٢/٦٦. vi شرح صحيح البخاري للزركشي ٢/٦٧. vii صحيح البخاري بشرح الكرماني ٦/١٠٦. viii فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٢/ ٥٠٥. ix سورة النمل: آية ٢٢. x شرح مشكاة المصابيح/ مخطوط ج ٤ ورقة ٢٧٨.
[ 73 - 74 / ٦٧ ]
قال الطيبي: "عطف جملة على جملة، أي أمطر حوالينا ولا تمطر علينا. ولو لم تكن الواو لكان حالا". قال: "وفي إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها كان مستقيا للآكام وما معها فقط، ودخول الواو ويقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم "تجوعُ الحُرَّةُ ولا تأكلُ بثَدْيَيها"i، فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة، إذ كانوا يكرهون ذلك"ii.
قوله (قال فَأَقْلَعَتْ) .
قال الكرماني: "فإن قلت: فما وجه تأنيث الفعل؟ قلت: تأنيثه إما باعتبار السحابة، أو باعتبار السحاب"iii.
قوله (فادع الله يَحْبسها عنا) .
قال ابن مالك: "يجوز في "يحبسها" الجزم على جعله جوابًا للدعاء، لأن المعنى إن تدعه يحبسْها، وهو أجود، والرفع على الاستئناف أي فهو يحبسُها والنصب على إضمار "أَنْ " كأنه قال ادع الله أن يحبسَها، ومثله قراءة الأعمش iv ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ v وقول بعض العرب "خذ اللّصَّ قبلَ يأخذَك vi "vii.
وقال الطيبي: "الضمير فيه للسحاب فإنها جمع سحابة"viii.
قوله "اللهمّ أغِثنا".
قال القرطبي: "كذا رويناه بالهمزة، وهي للتعدية، ومعناه هب لنا غيثًا. وقال بعضهم: صوابه "غِثنا" لأنه من "غاث". قال وأما "أغثنا" فإنه من الإغاثة وليس من طلب الغيث"ix. قال القرطبي: "والصواب الأول".
_________________
(١) i انظر في هذا المثل: الفاخر للمفضل بن سلمه ص ١٠٩. ii شرح مشكاة المصابيح/ مخطوط ج ٤ ورقة ٢٧٨. وانظر: فتح الباري ٢/ ٥٠٥. iii صحيح البخاري شرح الكرماني ٦/١٠٨. iv الأعمش هو أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش الأسدي الكوفي، الإمام الجليل، كان ورعًا واسع الحفظ للقرآن. مات سنة ١٤٨هـ. انظر القراءات الشاذة للمرحوم القاضي ص ٦ ا-١٧. v سورة المدثر: آية ٦. وفي المحتسب ٢/٣٣٧: قرأ الحسن "ولا تمنن تستكثر" جزمًا، وقرأ الأعمش "تستكثر" نصبًا. وانظر: القرطبي ١٩/٦٩. vi الأشموني ٣/٣١٥، توضيح المقاصد للمرداوي ٤/٢٢٣. vii شواهد التوضيح ١٧٩. viii شرح المشكاة- ج٤ ورقة ٢٧٨- والمقصود الضمير في "يحبسها". ix انظر كلام القاضي عياض على هذه المسألة في صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ١٩١.
[ 73 - 74 / ٦٨ ]
١٥٠ – حديث "أنّ رجلا قال يارسول الله: متى الساعةُ قائمة" i.
قال الزركشي: "يجوز في "قائمة" الرفع والنصب".
١٥١- حديث "لا يتمنَّينَّ أَحَدُكُم الموتَ لِضُرٍّ نَزَلَ به، فإنْ كان لابُدَّ مُتمنّيًا" ii.
قال الكرماني: "قوله "لابدّ" حال، وتقديره: إن كان أحدكم فاعلا حالة كونه لابدّ له من ذلك"iii.
١٥٢ - حديث "إذا تقرَّبَ إليَّ العَبْدُ شِبرًا تَقرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإذا تَقَرّب إليَّ ذِراعًا تَقَرّبت منه باعًا" iv.
قال الكرماني: "فإن قلت استعمل التقربّ أولًا بـ "إلى"، وثانيًا بمن، فما الفرقُ بينهما؟ قلت: الأصل "مِنْ" واستعمالها بـ "إلى" لقصد معنى الانتهاء، والصلات تختلف بحسب المقصود"v.
١٥٣- حديث "لا تقومُ السَّاعَةُ على أحدٍ يقولُ الله الله"vi.
قال النووي: "هو برفع اسم الله تعالى. وقد يغلط فيه بعض الناس فلا يرفعه"vii.
وقال القرطبي: "صوابه بالنصب، وكذلك قيدناه عن محققي من لقيناه، ووجهه أن هذا مثل قول العرب: "الأسدَ الأسدَ" و"الجدارَ الجدارَ" إذا حذروا من الأسد المفترس والجدار المائل. وهو منصوب بفعل مضمر تقديره احذر. وقد قيده بعضهم "الله الله " بالرفع على الابتداء وحذف الخبر، وفيه بعد". انتهى.
١٥٤- حديث "نَهى عن بَيْعِ الثِّمارِ حتّى تُزْهي، قيل: وما تُزهي؟ " viii.
قال الطيبي: "يجوز أن يكون "تزهي" حكاية قول الرسول ﷺ. أي ما معنى قولك
_________________
(١) i البخاري- كتاب الأدب باب ما جاء في قول الرجل ويلك ٣/٥٥٣. ii البخاري- كتاب الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة ١١/١٥٠. مسند أحمد ٣/ ١٠٤، ٢٤٧ iii صحيح البخاري بشرح الكرمايى ٢٢/١٣٣. iv البخاري- كتاب التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه ١٣/ ٣١١ مسند أحمد ٣/١٢٧، ١٣٠، ٢٧٢. v رواية الكرماني ٢٥/٢٢٨: "إذا تقرب العبد إليّ شرًا تقربت إليه ذراعًا وإذا تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا". vi صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٧٨. مسند أحمد ٣/١٦٢. vii صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٧٨. viii البخاري- كتاب البيوع- باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها فتح الباري ٤/٣٩٨، وتكملته، "قال: حتى تحمر، فقال رسول الله ﷺ: أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". وانظر: مشكاة المصابيح/ كتاب البيوع- باب المنهي عنها من البيوع. برقم ٢٨٤٠.
[ 73 - 74 / ٦٩ ]
"حتى تزهي"؟ أو وضع الفعل موضع المصدر، أي قيِل ما الزهو، ونحوه قول الشاعر:
وقالوا ما تشاءُ فقُلْتُ ألهو i
١٥٥- حديث "نَهى عن بَيْعِ الحَبِّ حتَى يفرك" ii.
قال البيهقي iii في سننه iv: "إن كان بخفض الراء على إضافة الإفراك إلى الحب وافق رواية من قال: "حتى يشتد". وإن كان بفتح الراء ورفع الياء على إضافة الفرك إلى ما لم يسمّ فاعلُه خالف رواية من قال فيه: "حتى يشتد" واقتضى تنقيته عن السنبل حتى يجوز بيعه. قال: "ولم أر أحدًا من محدّثي زماننا ضبط ذلك، والأشبه أن يكون "يَفرِك" بخفض الراء [لموافقة] معنى من قال فيه:"حتى يشتد".
قوله: "أرأيت إنْ مَنَعَ الله الثَمرةَ، بِمَ يأخُذُ أَحدُكُم مالَ أخيه؟ " v.
قال الكرماني: "أرأيت" في معنى أخبرني. وفيه نوعان من التصرّف: إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، وإطلاق الاستفهام وإرادة الأمر"vi.
وقال أبو حيان: "كون "أرأيت" بمعنى أخبرني نصَّ عليه سيبويه vii وغيره، وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني يتعدّى بعن، و"أرأيت" يتعدّى بنفسه لمفعول صريح، وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني، ويقع بعده جملة الشرط، ويتنازع هو وفعل الشرط في ما بعده، فأعمل الثاني على رأي البصريين، وحذف مفعول "أرأيت" الأول، ومفعوله الثاني هو جملة الاستفهام، وربط هذه الجملة الاستفهامية بالمفعول المحذوف في "أرأيت" مقدّر، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره فأخبروني". انتهى.
وقال الطيبي: "أرأيت" معناه أخبرني من إطلاق السبب على المسبّب، لأن مشاهدة
_________________
(١) i من البحر الوافر، قائله عروة بن الورد العبسي من قصيدة يتحسر فيها على سلمى التي سباها وتزوجها ثم اختارت أهلها عليه. وعجزه: إلى الإصباح آثر ذي أثير، انظر: ديوان عروة بن الورد ٣٥، ابن يعيش ٢/ ٩٥، همع الهوامع ١٣/١. قال في الهمع: "فإنه نزل فيه ألهو منزلة اللهو " ii مسند أحمد ٣/ ١٦١. iii أحمد بن الحسين، أبو بكر البيهقي الشافعي، من أئمة الحديث، له مصنفات كثيرة منها: السنن الكبرى في عشر مجلدات، السنن الصغرى، الأسماء والصفات، الترغيب والترهيب. توفي سنة ٤٥٨ هـ. أنظر: الأعلام ١/ ١١٦. iv السنن الكبرى ٥/٣٠٣. v هذا الجزء تكملة للحديث السابق ذي الرقم ١٥٤. vi صحيح البخاري بشرح الكرماني ١٠/٥٧. vii الكتاب سيبويه ١/ ٢٣٩.
[ 73 - 74 / ٧٠ ]
الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرّرة، أي قد رأيت ذلك فأخبرني به".
قوله: "بمَ يأخُذُ أحَدُكُم".
قال الطيبي: "مثل قولهم "فيمَ" و"علامَ" و"حتّامَ" في حذف الألف عند دخول حرف الجر على ما الاستفهامية. ولما كانت ما الاستفهامية متضمنة للهمزة، ولها صدر الكلام ينبغي أن يقدّر أبم يأخذ، والهمزة للإنكار، فالمعنى لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه عفوًا.
١٥٦ - حديث "إن رجلًا جاء إلى الصلاة وقد حَفَزَه النَّفس، فقال: الله أَكْبر، الحمدُ للهِ حَمْدًا كثيرًا طيبًّا" i.
قال البيضاوي: "حمدًا" نصب بفعل مضمر دلّ عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلا منه جاريًا على محلّه. و"طيبًّا" وصف له"ii.
وقوله: "لم يقُل بأسًا".
قال الطيبي: "يجوز أن يكون مفعولا به، أي لم يتفوَّه بما يؤخذ عليه، أو مفعولا مطلقًا، أي لم يقل قولا يشدّد عليه. و(أيُّهم يرفعُها): مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يبتدرونها ويستعجلونها أيهم يرفعها"iii.
١٥٧ - حديث "مُرَّ على النبيّ ﷺ بجنازة فأَثْنَوا عليها خيرًا، فقال: وَجَبَتْ، ثم مُرَّ بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: وجَبَتْ، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجَبَتْ ولهذا وجَبَتْ. قال: شهادةُ القوم، المؤمنون شُهداءُ الله في الأرض" iv.
قال الكرماني: "شهادةُ القوم" مبتدأ، وخبره محذوف، أي موجبة شرعًا أو معرفة لثبوتها. وروي بالنصب، أي وجبت بشهادتهم"v.
_________________
(١) i الحديث عن أنس، وتكملته (مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات، فأرمَّ القوم، فقال: أيكم المتكلم بها فإنه لم يقل بأسًا فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها) . مسلم: كتاب المساجد، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة ٥/٩٧. سنن أبي داود: كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء١/٢٠٣. مسند أحمد ٣/١٠٦، ٦٧ ١، ٢٥٢. ii عبد الله بن عمر الشيرازي، ناصر الدين البيضاوي، قاض مفسر، من مصنفاته: تفسير البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول. توفي بشيراز سنة ٦٨٥ هـ. انظر: الأعلام ٤/ ١١٠. iii شرح مشكاة المصابيح/ مخطوط ج١ ورقة ٢٧٨. iv البخاري: كتاب الشهادات ٥/ ٢٥٢. مسند أحمد ٣/ ١٨٦، ١٩٧، ٢٤٥. v صحيح البخاري بشرح الكرمايى ١١/١٦٥.
[ 73 - 74 / ٧١ ]
وقال عياض: "ضبطه بعضهم "شهادةُ" بالرفع، على خبر مبتدأ مضمر، أي هي، ثم استأنف الكلام فقال "القومُ المؤمنون شهداءُ الله في الأرض". وضبطه بعضهم "شهادة القوم" على الإضافة، فـ"المؤمنون" رفع بالابتداء، و"شهداءُ" خبره. و"القوم" خفض بالإضافة. و"شهادة" على هذا خبر مبتدأ محذوف، أي سبب قولي هذا شهادة القوم. ورواه بعضهم "المؤمنين" نعت للقوم، ويكون "شهداء" على هذا خبر مبتدأ محذوف أي هم شهداء الله. ويصح نصب "شهادة" بمعنى من أجل شهادة القوم. ومن روى "القومُ" مرفوعًا كان مبتدأ، و"المؤمنون"وصفهم".انتهى.
وقال السُهيلي i: "إن كانت الرواية بتنوين الشهادة فهو على إضمار المبتدأ، أي هي شهادة، و"القوم" رفع بالابتداء، و"المؤمنون" نعت له أو بدل، وما بعده خبر. وفي هذا ضعف لأن المعهود من كلام النبوة حذف المنعوت نحو "المؤمنون تتكافأ دماؤهم"ii و"المؤمنون هينون لينون"iii و"المؤمنُ غِرٌّ كريم"iv. لأن الحكم متعلّق بالصفة فلا معنى للموصوف".
قال: "ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن يرتفع "القوم" بالشهادة لأنها مصدر، ويرتفع "المؤمنون" بالابتداء، إذ قد أجازوا إعمال المصدر عمل الفعل، فلا بُعد في عمله هنا في القومِ منوّنا، كما تقول: يعجبني ضربٌ زيدٌ عمرًا. ويحتمل وجهًا ثالثًا، وهو أن يكون "القوم" فاعلا بإضمار فعل، كأنه قال هذه شهادة، ثم قال "القوم" أي شهد القوم"v. انتهى.
١٥٨ - حديث سؤال القبر، قوله: "إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِه" vi.
_________________
(١) i عبد الرحمن بن عبد الله، أبو القاسم السّهيلي، إمام في اللغة والنحو والحديث، نظر في كتاب سيبويه على بن الطراوة وسمع منه كثيرا، وله تآليف جليلة، منها: الروض الأنف، نتائج الفكر، أمالي السهيلي. توفي بمراكش سنة ٥٨١ هـ. انظر: إشارة التعيين ١٨٢. إنباه الرواه ٢/ ١٦٢. ii مسند أحمد ١/١١٩، ٢/٠٢١١ الفتح الكبير ٣/٢٥٢. iii الفتح الكبير ٣/٢٣٢. iv مسند أحمد ٢/٣٩٤. v انظر: أمالي السهيلي ص ٨٧. vi عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ. فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار. قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا، قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". البخاري: كتاب الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر ٣/٢٣٢. مسلم ١٧/٢٠٣. مسند أحمد ٣/١٢٦. مشكاة المصابيح: باب إثبات عذاب القبر رقم ١٢٦ مع اختلاف الروايات.
[ 73 - 74 / ٧٢ ]
قال الطيبي: "شرط، "أتاه" جزاؤه، والجملة خبر إنَّ. و"إنّه i ليسمع قرع نعالهم"ii
إما حال، بحذف الواو، كأحد الوجهين في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّة﴾ iii أي ووجوههم، ونحو: كلّمته فوهُ إلىِ فيّ iv، ذكره شارح اللباب v. أو يكون جوابًا للشرط على إضمار الفاء، فيكون "أتاه" حالاَ من فاعل "يسمع" و"قد" مقدّرة. ويحتمل أن يكون "إذا" ظرفًا محضًا، وقوله "إنّه" تأكيد لقوله "إن العبد" كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيع﴾ vi في أحد الوجهين.
قوله (فيُقْعِدانه) .
قال التوربشتي vii: "في حديث البراء viii "فيُجْلِسانِه"ix وهو أولى اللفظين بالاختيار، لأن الفصحاء إنما يستعملون القعود في مقابلة القيام، فيقولون القيام والقعود، ولا تسمعهم يقولون القيام والجلوس، يقال قعد الرجل عن قيامه، وجلس عن ضجعه واستلقائه. وحكي أن النضر بن شميل x دخل على المأمون xi عند مقدمه مرو، فمثل وسلّم، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين: أمضطجع فأجلس؟ قال: فكيف أقول؟ قال: قُل اقعد. فعلى هذا المختار من الروايتين هو الإجلاس، لما أشرنا إليه من دقيق المعنى
_________________
(١) i"إنه" رويت بإثبات الواو قبلها وحذفها. والإعراب هنا على رواية حذف الواو. ii شرح مشكاة المصابيح- مخطوط ج١ ورقة ١٢٥. iii سورة الزمر: آية ٦٠. iv قال سيبويه ١/ ٣٩١: "قولك: كلمته فاه إلى فيّ، وبايعته يدًا بيد، كأنه قال مشافهة، وبايعته نقدا. أي كلمته في هذه الحال. وبعض العرب يقول: كلمته فوه إلى فيّ، كأنه يقول: كلمته وفوه إلى فيّ، أي وهذه حاله". وانظر شرح اللباب في علم الإعراب للسيرافي الغالي، دراسة وتحقيق محمد المهدي عمّار، رسالة ماجستير في الجامعَة الإسلامية، المجلد الثاني ص – ٥٣٣- ٥٣٥. v اللباب في النحو تأليف تاج الدين محمد بن محمد بن أحمد بن السيف المعروف بالفاضل الاسفرايني، توفي سنة ٦٨٤هـ وشارح اللباب هو محمد بن مسعود بن محمود السيرافي الغالي، كان حيًا سنة ٧١٢ هـ وقد قام ثلاثة من طلاب الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بتحقيق هذا الشرح، نالوا به الماجستير. vi سورة الكهف: آية ٣٠. vii شهاب الدين فضل الله بن حسن التوربشتي، محدث فقيه من أهل شيراز. من مصنفاته: الميسر في شرح مصابيح السنة للبغوي توفي سنة ٦٦١هـ انظر الأعلام ٥/١٥٢. viii البراء بن عازب الأنصاري الأوسي، له ولأبيه صحبة، روي عنه أنه غزا مع الرسول ﷺ أربع عشرة غزوة، قيل مات سنة ٧٢ هـ. انظر: الإصابة ١/ ١٤٦- ١٤٧. ix حديث البراء في مسند أحمد ٤/٢٨٧. وكلام التوربشتي هنا منقول عن شرح المشكاة للطيبي- مخطوط ج- ١ ورقة ١٢٥. x النضر بن شميل التميمي، من أهل مرو، صاحب غريب وشعر وفقه ومعرفة بأيام الناس ورواية الحديث. وهو من أصحاب الخليل بن أحمد. توفي سنة ٢٠٣ هـ انظر: إنباه الرواة ٣/٣٤٨. xi هو الخليفة العباسي عبد الله بن هارون الرشيد، سابع الخلفاء العباسيين، كان عالمًا كبيرًا، قرّب العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة، حصلت في أيامه المحنة بخلق القرآن، توفي سنة ٢١٨ هـ. انظر. الأعلام ٤/ ١٤٢.
[ 73 - 74 / ٧٣ ]
وفصيح الكلام، وهو الأحقّ والأجدر ببلاغة الرسول ﷺ. ولعلّ من روى "فيقعدانه" ظن أن اللفظين ينزلان من المعنى منزلة واحدة. ومن هذا الوجه أنكر كثير من السلف رواية الحديث بالمعنى، خشية أن يزلّ في الألفاظ المشتركة فيذهب عن المعنى المراد جانبًا". انتهى i
قوله: "قد بَدَّلَكَ الله بهِ مَقْعَدًا في الجنَّة".
فيه دخول الباء على المتروك، واشتهر أنه المعروف لغة.
_________________
(١) i انتهى كلام التوربشتي كما في شرح المشكاة. وقد عقَّب عليه الطيبي في شرح المشكاة ج١ ورقة ١٢٥ بقوله: "أقول: لا ارتياب أن الجلوس والقعود مترادفان، وأن استعمال القعود مع القيام، والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظية، ونحن نقول بموجبه إذا كانا مذكورين معًا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ وكقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا﴾ لكن لم قلت إنه إذا لم يكن أحدهما مذكورا كان كذلك، ألا ترى إلى حديث جبرائيل ﵇ "حتى جلس إلى النبي ﷺ" بعد قوله: "إذا طلع علينا" ولا خفاء أنه ﵇ لم يضطجع بعد الطلوع عليهم. وكذلك لم يرد في هذا الحديث الاضطجاع ليوجب أن تذكر معه الجلوس. وأما الترجيح بما رواه عن النضر. وهو من رواة العربية، على رواية الشيخين العالميين التقيين، فبعيد عن مثله، وهو من مشاهير المحدثين.
[ 73 - 74 / ٧٤ ]