الْكَلَام فِيهِ على انواع: الأول: إِن قَوْله: بَاب، مَرْفُوع مُضَاف إِلَى مَا بعده، تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان خوف الْمُؤمن من ان يحبط عمله، وَكلمَة: ان، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: من حَبط عمله، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ كلمة: من، وَهِي وَإِن لم تكن مَوْجُودَة لَكِنَّهَا مقدرَة، إِذْ الْمَعْنى عَلَيْهَا. قَوْله: (يحبط) على صِيغَة الْمَعْلُوم من: حَبط عمله يحبط حَبطًا وحبوطًا، من بَاب: علم يعلم. وَقَالَ ابو زيد: حَبط بِالْفَتْح وقرىء: ﴿فقد حَبط عمله﴾ (الْمَائِدَة: ٥) بِفَتْح الْبَاء، وَهُوَ: الْبطلَان. قَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: القَوْل بإحباط الْمعاصِي للطاعات من قَوَاعِد الاعتزال، فَمَا وَجه قَول البُخَارِيّ هذاك؟ قلت: هَذَا الإحباط لَيْسَ بِذَاكَ، لِأَن المُرَاد بِهِ الإحباط بالْكفْر، أَو بِعَدَمِ الْإِخْلَاص وَنَحْوه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بالحبط نُقْصَان الْإِيمَان، وَإِبْطَال بعض الْعِبَادَات لَا الْكفْر، فَإِن الانسان لَا يكفر إلاَّ بِمَا يَعْتَقِدهُ، أَو يفعل عَالما بانه يُوجب الْكفْر. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن الْجُمْهُور على أَن الْإِنْسَان يكفر بِكَلِمَة الْكفْر، وبالفعل الْمُوجب للكفر، وَإِن لم يعلم أَنه كفر. قَوْله: (يحبط عمله) المُرَاد، ثَوَاب عمله، فالمضاف فِيهِ مَحْذُوف. قَوْله: (وَهُوَ لَا يشْعر) جملَة اسمية وَقعت حَالا، من: شعر يشْعر من بَاب: نصر ينصر، وَفِي (الْعباب) شَعرت بالشَّيْء، بِالْفَتْح، أشعر بِهِ، بِالضَّمِّ، شعرًا وشعرة وشعرى، بِالْكَسْرِ فِيهِنَّ، وشعرة بِالْفَتْح، وشعورًا ومشعورًا ومشعورة: علمت بِهِ، وفطنت لَهُ، وَمِنْه قَوْلهم: لَيْت شعري. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَن حُصُول الثَّوَاب بالقيراطين أَو بقيراط الَّذِي هُوَ مثل جبل أحد، إِنَّمَا يحصل إِذا كَانَ عمله احتسابا خَالِصا لله تَعَالَى، وَفِي هَذَا الْبَاب مَا يُشِير إِلَى أَنه قد يعرض لِلْعَامِلِ مَا يحبط عمله، فَيحرم بِسَبَبِهِ الثَّوَاب الْمَوْعُود وَهُوَ لَا يشْعر، وَفِي نفس الْأَمر ذكر هَذَا الْبَاب إستطرادي، لأجل التَّنْبِيه على مَا ذكرنَا، وإلاَّ كَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر عقيب الْبَاب السَّابِق بَاب: أَدَاء الْخمس من الايمان، لِأَن الْأَبْوَاب المعقودة هَهُنَا فِي بَيَان شعب الايمان. الثَّالِث: ذكر النَّوَوِيّ أَن مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب الرَّد على المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الله لَا يعذب على شَيْء من الْمعاصِي، مِمَّن قَالَ: لَا اله الا الله، وَلَا يحبط شَيْء من أَعماله بِشَيْء من الذُّنُوب، وَإِن إِيمَان الْمُطِيع والعاصي سَوَاء، فَذكر فِي صدر الْبَاب أَقْوَال ائمة التَّابِعين، وَمَا نقلوه عَن الصَّحَابَة، ﵃، وَهُوَ كالمشير إِلَى أَنه لَا خلاف بَينهم فِيهِ، وَأَنَّهُمْ مَعَ اجتهادهم الْمَعْرُوف خَافُوا أَن لَا ينجوا من عَذَاب الله تَعَالَى، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: المرجئة أضداد الْخَوَارِج، والمعتزلة. الْخَوَارِج تكفر بِالذنُوبِ، والمعتزلة يفسقون بهَا، وَكلهمْ يُوجب الخلود فِي النَّار، والمرجئة تَقول: لَا تضر الذُّنُوب مَعَ الْإِيمَان، وغلاتهم تَقول: يَكْفِي التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَحده
[ ١ / ٢٧٤ ]
وَلَا يضر عدم غَيره، وَمِنْهُم من يَقُول يَكْفِي التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَقَالَ غَيره: إِن من المرجئة من وَافق الْقَدَرِيَّة: كالصالحي والخالدي، وَمِنْهُم من قَالَ بالإرجاء دون الْقدر، وهم خمس فرق كفر بَعضهم بَعْضًا، والمرجئة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْجِيم وبهمزة، مُشْتَقّ من الإرجاء، وَهُوَ التَّأْخِير. وَقَوله تَعَالَى: ﴿ارجئه واخاه﴾ (الْأَعْرَاف: ١١١) أَي: أَخّرهُ، والمرجىء من يُؤَخر الْعَمَل عَن الْإِيمَان وَالنِّيَّة وَالْقَصْد، وَقيل: من الرَّجَاء، لأَنهم يَقُولُونَ: لَا تضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة، كَمَا لَا تَنْفَع مَعَ الْكفْر طَاعَة، وَقيل: مَأْخُوذ من الإرجاء بِمَعْنى: تَأْخِير حكم الْكَبِيرَة، فَلَا يقْضى لَهَا بِحكم فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِىُّ مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَليّ عَمَلي إلاَّ خَشِيتُ أَن أكُونَ مُكَذِّبًا.
الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: أَن ابراهيم هُوَ ابْن زيد بن شريك التَّيْمِيّ، تيم الربَاب، أَبُو أَسمَاء الْكُوفِي. قيل: قَتله الْحجَّاج بن يُوسُف، وَقيل: مَاتَ فِي سجنه لما طلب الإِمَام ابراهيم النَّخعِيّ، فَوَقع الرَّسُول بابراهيم التَّيْمِيّ، فَأَخذه وحبسه، فَقيل لَهُ: لَيْسَ إياك أَرَادَ، فَقَالَ: أكره أَن أدفَع عَن نَفسِي، وأكون سَببا لحبس رجل مُسلم بَرِيء الساحة، فَصَبر فِي السجْن حَتَّى مَاتَ. قَالَ يحيى: هُوَ ثِقَة، مرجىء، وَمن غَرَائِبه مَا روى عَن الْأَعْمَش عَن ابراهيم التَّيْمِيّ، قَالَ: إِنِّي لأمكث ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا آكل، وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وتيم الربَاب، بِكَسْر الرَّاء، قَالَ الْحَازِمِي: تيم الربَاب، وَهُوَ تيم بن عبد مَنَاة بن ود بن طابخة، وَقَالَ معمر ابْن الْمثنى: تيم الربَاب ثَوْر وعدي وعكل وَمُزَيْنَة بَنو عبد مَنَاة وضبة بن ود، قيل: سموا بِهِ لأَنهم غمسوا أَيْديهم فِي رب وتحالفوا عَلَيْهِ، هَذَا قَول ابْن الْكَلْبِيّ، وَقَالَ غَيره: سموا بِهِ لأَنهم ترببوا، أَي: تحالفوا على بني سعد بن زيد. قلت: الرب، بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: الطلاء الخاثر. الثَّانِي: أَن قَول ابراهيم هَذَا رَوَاهُ أَبُو قَاسم اللالكائي فِي سنَنه بِسَنَد جيد عَن الْقَاسِم بن جَعْفَر، انبأنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمَّاد، حَدثنَا الْعَبَّاس بن عبد الله، حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن أبي حَيَّان عَن ابراهيم بِهِ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) عَن أبي نعيم، وَأحمد بن حَنْبَل فِي (الزّهْد) كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي حَيَّان التَّيْمِيّ عَن ابراهيم التَّيْمِيّ بِهِ. الثَّالِث: مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ يخَاف أَن يكون مُكَذبا فِي قَوْله: إِنَّه مُؤمن لتَقْصِيره فِي الْعَمَل، فَيحرم بذلك الثَّوَاب وَهُوَ لَا يشْعر. الرَّابِع: فِي مَعْنَاهُ قَوْله: مُكَذبا رُوِيَ، بِفَتْح الذَّال بِمَعْنى: خشيت أَن يكذبنِي من رأى عَمَلي مُخَالفا لقولي، فَيَقُول: لَو كنت صَادِقا مَا فعلت خلاف مَا تَقول، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يعظ النَّاس، وَرُوِيَ بِكَسْر الذَّال، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَمَعْنَاهُ: أَنه لم يبلغ غَايَة الْعَمَل، وَقد ذمّ الله تَعَالَى من أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وَقصر فِي الْعَمَل فَقَالَ: ﴿كبر مقتًا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٦) فخشي أَن يكون مُكَذبا أَي: مشابهًا للمكذبين.
وقالابنُ أَبي مُلَيْكَةَ أَدْرَكْت ثَلاَثِينَ مِنْ أصْحابِ النَّبىِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ على نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أحدٌ يَقُولُ إنَّهُ على إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
الْكَلَام فِيهِ أَيْضا على وُجُوه. الأول: أَن ابْن أبي مليكَة هُوَ: عبد الله بن عبيد الله، بتكبير الإبن وتصغير الْأَب، وَاسم أبي ملكية، بِضَم الْمِيم: زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن تيم بن مرّة الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمَكِّيّ الْأَحول، كَانَ قَاضِيا لِابْنِ الزبير ومؤذنًا، اتّفق على جلالته، سمع العبادلة الْأَرْبَعَة وَعَائِشَة وَأُخْتهَا اسماء وَأم سَلمَة وابا هُرَيْرَة وَعقبَة بن الْحَارِث والمسور بن مخرمَة، وادرك بِالسِّنِّ جمَاعَة وَلم يسمع مِنْهُم كعلي بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص، ﵄، مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّانِي: أَن قَوْله هَذَا أخرجه ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه مَوْصُولا من غير بَيَان الْعدَد، وَأخرجه مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الْإِيمَان لَهُ مطولا. الثَّالِث: فِي مَعْنَاهُ. فَقَوله: كلهم يخَاف النِّفَاق، أَي: حُصُول النِّفَاق فِي الخاتمة على نَفسه، إِذْ الْخَوْف إِنَّمَا يكون عَن أَمر فِي الِاسْتِقْبَال، وَمَا مِنْهُم من أحد يجْزم بِعَدَمِ عرُوض النِّفَاق، كَمَا هُوَ جازم فِي إِيمَان جِبْرِيل، ﵇، بِأَنَّهُ لَا يعرضه النِّفَاق، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَتَبعهُ بَعضهم على هَذَا الْمَعْنى، وَلَيْسَ الْمَعْنى هَكَذَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَنهم كلهم كَانُوا على حذر وَخَوف من أَن يخالط إِيمَانهم النِّفَاق، وَمَعَ هَذَا لم يكن مِنْهُم أحد يَقُول: إِن إيمَانه كَإِيمَانِ جِبْرِيل، ﵇، لِأَن جِبْرِيل مَعْصُوم لَا يطْرَأ عَلَيْهِ الْخَوْف من النِّفَاق، بِخِلَاف هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُم غير معصومين. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عَليّ بن ابى طَالب، ﵁، مَرْفُوعا: من
[ ١ / ٢٧٥ ]
شهد لَا إِلَه الا الله وَإِنِّي رَسُول الله كَانَ مُؤمنا كَإِيمَانِ جِبْرِيل ﵇، قلت: ذكره ابو سعيد النقاش فِي (الموضوعات) . وَقَالَ، ابْن بطال: لما طَالَتْ أعمارهم حَتَّى رَأَوْا مَا لم يقدروا على إِنْكَاره خشيوا على أنفسهم أَن يَكُونُوا فِي حيّز من نَافق أَو داهن، وَيُقَال عَن عَائِشَة، ﵂: إِنَّهَا سَأَلت النَّبِي، ﵇، عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٠) فَقَالَ: هم الَّذين يصلونَ وَيَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ويفرقون ان لَا يتَقَبَّل مِنْهُم، وَقَالَ بعض السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون﴾ (الزمر: ٤٧) أَعمال كَانُوا يحتسبونها حَسَنَات بَدَت سيئات، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: وَمَا مِنْهُم إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَة زَائِدَة استفادها من أَحْوَالهم أَيْضا، وَهِي: أَنهم كَانُوا قائلين بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه. قلت: لَا يفهم ذَلِك من حَالهم، وَإِنَّمَا الَّذِي يفهم من حَالهم أَنهم كَانُوا خَائِفين سوء الخاتمة لعدم الْعِصْمَة، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَبَعض السّلف.
ويُذْكَرُ عَن الَحسَنِ مَا خافَهُ إلاَّ مُؤْمِنٌ وَلَا أمِنَهُ إلاَّ مُنافِقٌ
الْحسن هُوَ: الْبَصْرِيّ، ﵀، أَي: مَا خَافَ الله تَعَالَى إلاَّ مُؤمن، وَلَا أمِنَ الله تَعَالَى إلاَّ مُنَافِق، وكل وَاحِد من: خَافَ وَأمن، يتَعَدَّى بِنَفسِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿انما ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه فَلَا تخافوهم﴾ (آل عمرَان: ١٧٥) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أمنته على كَذَا وائتمنته بِمَعْنى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ (الرَّحْمَن: ٤٦) وَقَالَ: ﴿فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٩) وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا خافه، أَي: مَا خَافَ من الله تَعَالَى، فَحذف الْجَار، وأوصل الْفِعْل إِلَيْهِ. وَكَذَا فِي: أَمنه، إِذْ مَعْنَاهُ: أَمن مِنْهُ، وأمنه، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْمِيم. قلت: إِذا كَانَ الْفِعْل مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير حرف يُوصل بِهِ الْفِعْل إلاّ فِي مَوضِع يحْتَاج فِيهِ إِلَى تضمين معنى فعل بِمَعْنى فعل آخر، وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ بَعضهم، عقب كَلَام الْكرْمَانِي بعد نَقله هَذَا الْكَلَام: وَإِن كَانَ صَحِيحا، لكنه خلاف مُرَاد المُصَنّف وَمن نقل عَنهُ؟ قلت: وَأثر الْحسن هَذَا أخرجه الْفرْيَابِيّ عَن قُتَيْبَة، ثَنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن الْمُعَلَّى بن زِيَاد: (سَمِعت الْحسن يحلف فِي هَذَا الْمَسْجِد بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ: مَا مضى مُؤمن قطّ وَلَا بَقِي إلاَّ وَهُوَ من النِّفَاق مُشفق، وَلَا مضى مُنَافِق قطّ وَلَا بَقِي إلاَّ وَهُوَ من النِّفَاق آمن، وَكَانَ يَقُول: من لم يخف النِّفَاق فَهُوَ مُنَافِق) . قَالَ: وَحدثنَا ابو قدامَة عبيد الله بن سعيد، حَدثنَا مُؤَمل بن اسماعيل عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن الْحسن: (وَالله مَا أصبح وَلَا أَمْسَى مُؤمن إلاَّ وَهُوَ يخَاف النِّفَاق على نَفسه) . وَحدثنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، وَحدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن حبيب بن الشَّهِيد: (أَن الْحسن كَانَ يَقُول: إِن الْقَوْم لما رَأَوْا هَذَا النِّفَاق يَقُول الْإِنْسَان: لم يكن لَهُم هم غير النِّفَاق) . وَحدثنَا هِشَام بن عمار، حَدثنَا أَسد بن مُوسَى عَن أبي الْأَشْهب عَن الْحسن: (لما ذكر أَن النِّفَاق يغول الايمان لم يكن شَيْء أخوف عِنْدهم مِنْهُ) . وَحدثنَا هِشَام، حَدثنَا أَسد بن مُوسَى، حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان قَالَ: (سَأَلَ أبان عَن الْحسن. فَقَالَ: نَخَاف النِّفَاق. قَالَ: وَمَا يؤمنني، وَقد خافه عمر بن الْخطاب، ﵁) . وَحدثنَا شَيبَان قَالَ: حَدثنَا ابْن الاشهب عَن طريف قَالَ: (قلت لِلْحسنِ، ﵁: إِن نَاسا يَزْعمُونَ أَن لَا نفاق، أَو لَا يخَافُونَ، شكّ أَبُو الاشهب. فَقَالَ: وَالله لِأَن أكون أعلم اني بَرِيء من النِّفَاق أحب إِلَيّ من طلاع الأَرْض ذَهَبا) . وَقَالَ احْمَد بن حَنْبَل فِي كتاب الايمان: حَدثنَا روح بن عبَادَة، حَدثنَا هِشَام، سَمِعت الْحسن يَقُول: (وَالله مَا مضى مُؤمن وَلَا بَقِي إلاّ وَهُوَ يخَاف النِّفَاق، وَمَا أَمنه إلاّ مُنَافِق) . فَإِن قلت: هَذِه الْآثَار الثَّلَاثَة صَحِيحَة عِنْد البُخَارِيّ فَلِم ذكر الْأَوَّلين بِلَفْظ: قَالَ، الَّتِي هِيَ صِيغَة الْجَزْم بِالصِّحَّةِ، وَذكر الثَّالِث بِلَفْظ: يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول الَّتِي هِيَ صِيغَة التمريض؟ قلت: لما نقل الأثرين الْأَوَّلين بِمثل مَا نقل عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَابْن أبي مليكَة، من غير تَغْيِير، ذكرهمَا بِصِيغَة الْجَزْم بِالصِّحَّةِ، وَنقل أثر الْحسن بِالْمَعْنَى على وَجه الِاخْتِصَار، فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض، وَصِيغَة التمريض لَا تخْتَص عِنْده بِضعْف الْإِسْنَاد وَحده، بل إِذا وَقع التَّغْيِير من حَيْثُ النَّقْل بِالْمَعْنَى، أَو من حَيْثُ الِاخْتِصَار، يذكرهُ بِصِيغَة التمريض، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي مثل هَذَا الْموضع، وَلَيْسَ مثل مَا ذكره الْكرْمَانِي بقوله: قلت: ليشعر بِأَن قَوْلهمَا ثَابت عِنْده صَحِيح الْإِسْنَاد، لَان: قَالَ، هُوَ صِيغَة الْجَزْم، وصريح الحكم بِأَنَّهُ صدر مِنْهُ، وَمثله يُسمى تَعْلِيقا بِصِيغَة التَّصْحِيح، بِخِلَاف: يذكر، فَإِنَّهُ لَا جزم فِيهِ، فَيعلم أَن فِيهِ ضعفا، وَمثله تَعْلِيق بِصِيغَة التمريض.
وَمَا يُحْذَرُ مِن الإصْرَار على النِّفَاقِ والعِصْيان مِنِ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿ولَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا
[ ١ / ٢٧٦ ]
وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
هَذَا عطف على قَوْله: خوف الْمُؤمن، وَالتَّقْدِير: بَاب خوف الْمُؤمن من أَن يحبط عمله، وَخَوف التحذير من الاصرار على النِّفَاق. وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة، و: يحذر، على صِيغَة الْمَجْهُول بتَخْفِيف الذَّال وتشديدها، وَالْجُمْلَة محلهَا من الْإِعْرَاب الْجَرّ لِأَنَّهَا عطف على الْمَجْرُور كَمَا قُلْنَا، وآثار إبراهم التَّيْمِيّ وَابْن أبي مليكَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ مُعْتَرضَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ. فان قلت: فَلِمَ أوقعهَا مُعْتَرضَة؟ قلت: لِأَنَّهُ عقد الْبَاب على ترجمتين: الأولى: الْخَوْف من حَبط الْعَمَل، وَالثَّانيَِة: الحذر من الْإِصْرَار على النِّفَاق. وَذكر فِيهِ: ثَلَاثَة من الْآثَار، وَآيَة من الْقرَان، وحديثين مرفوعين. وَلما كَانَت الْآثَار الثَّلَاثَة مُتَعَلقَة بالترجمة الأولى ذكرهَا عقيبها، وَالْآيَة وَأحد الْحَدِيثين، وَهُوَ حَدِيث عبد الله، متعلقان بالترجمة الثَّانِيَة ذكرهمَا عقيبها، وَأما الحَدِيث الآخر، وَهُوَ حَدِيث عبَادَة، فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بالترجمة الأولى أَيْضا على مَا نذكرهُ، وَهَذَا فِيهِ صِيغَة اللف والنشر غير مُرَتّب، والترجمة الثَّانِيَة فِي الرَّد على المرجئة لأَنهم قَالُوا: لَا حذر من الْمعاصِي مَعَ حُصُول الْإِيمَان، وَذكر البُخَارِيّ الْآيَة ردا عَلَيْهِم لِأَنَّهَا فِي مدح من اسْتغْفر من ذَنبه، وَلم يصر عَلَيْهِ، فمفهومه ذمّ من لم يفعل ذَلِك، وَكَأَنَّهُ لمح فِي ذَلِك حَدِيث عبد الله بن عَمْرو مَرْفُوعا، أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد حسن، قَالَ: (ويل للمصرين الَّذين يصرون على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ) أَي: يعلمُونَ أَن من تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ، ثمَّ لَا يَسْتَغْفِرُونَ، قَالَه مُجَاهِد وَغَيره. وَحَدِيث أبي بكر الصّديق، ﵁، مَرْفُوعا أخرجه التِّرْمِذِيّ باسناد حسن: (مَا أصر من اسْتغْفر وَإِن عَاد فِي الْيَوْم سبعين مرّة) . وَالْآيَة الْمَذْكُورَة فِي سُورَة آل عمرَان، وَهِي: ﴿وَالَّذين اذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب الا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ (آل عمرَان: ١٣٥) يفهم من الْآيَة أَنهم: إِذا لم يَسْتَغْفِرُوا، أَي: لم يتوبوا، وأصروا على ذنوبهم يكونُونَ مَحل الحذر وَالْخَوْف. وَقَالَ الواحدي: قَالَ ابْن عَبَّاس، ﵄ فِي رِوَايَة عَطاء: نزلت هَذِه الْآيَة فِي نَبهَان التمار، أَتَتْهُ امْرَأَة حسناء تبْتَاع مِنْهُ تَمرا، فَضمهَا إِلَى نَفسه وَقبلهَا، ثمَّ نَدم على ذَلِك. فَأتى النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَفِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: (أَن رجلَيْنِ أَنْصَارِيًّا وثقيفيًا آخى رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، بَينهمَا، فَكَانَا لَا يفترقان، قَالَ: فَخرج رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فِي بعض مغازيه، وَخرج مَعَه الثَّقَفِيّ وَخلف الْأنْصَارِيّ فِي أَهله وَحَاجته، وَكَانَ يتَعَاهَد أهل الثَّقَفِيّ، فَأقبل ذَات يَوْم فأبصر أمراته ضاحية قد اغْتَسَلت، وَهِي نَاشِرَة شعرهَا، فَوَقَعت فِي نَفسه، فَدخل عَلَيْهَا وَلم يسْتَأْذن حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا، فَذهب ليلثمها، فَوضعت كفها على وَجههَا، فَقبل ظَاهر كفها، ثمَّ نَدم واستحى، وَأدبر رَاجعا، فَقَالَت: سُبْحَانَ الله ﴿خُنْت امانتك وعصيت رَبك وَلم تصب حَاجَتك. قَالَ: فندم على صنعه، فَخرج يسيح فِي الْجبَال وَيَتُوب إِلَى الله تَعَالَى من ذَنبه، حَتَّى وافى الثَّقَفِيّ، فَأَخْبَرته امْرَأَته بِفِعْلِهِ، فَخرج يَطْلُبهُ حَتَّى دلّ عَلَيْهِ، فوافقه سَاجِدا لله، ﷿، وَهُوَ يَقُول: رب ذَنبي ذَنبي، قد خُنْت أخي. فَقَالَ لَهُ: يَا فلَان﴾ قُم فَانْطَلق إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَاسْأَلْهُ عَن ذَنْبك لَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يَجْعَل لَك فرجا وتوبة، فاقبل مَعَه حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ ذَات يَوْم عِنْد صَلَاة الْعَصْر نزل جِبْرِيل، ﵇، بتوبته، فَتَلَاهَا على رَسُول الله، ﵊: ﴿وَالَّذين اذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا انفسهم ذكرُوا الله﴾ (آل عمرَان: ١٣٥) إِلَى قَوْله: ﴿وَنعم أجر العاملين﴾ (آل عمرَان: ١٣٦) فَقَالَ عَليّ، ﵁: أخاص هَذَا لهَذَا الرجل أم للنَّاس عَامَّة فِي التَّوْبَة، قَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين.
٤٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حدّثناشُعْبَةُ عَن زُبَيْدٍ قَالَ سَأَلت أَبَا وَائِلٍ عنِ المُرجِئَة فَقَالَ حدّثني عبدُ اللهِ أَن النَّبِىَّ ﷺ قَالَ سِبَابُ المُسْلِم فسُوُقٌ وَقِتالُهُ كُفْرٌ.
قد قُلْنَا آنِفا: إِن حَدِيث عبد الله هَذَا للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة، وهى قَوْله: وَمَا يحذر عَن الْإِصْرَار إِلَى آخِره، فان قلت: كَيفَ مطابقته على التَّرْجَمَة؟ قلت: لما دلّ الحَدِيث على إبِْطَال قَول المرجئة الْقَائِلين بِعَدَمِ تفسيق مرتكبي الْكَبَائِر، وَعدم جعل السباب فسوقًا، وَعدم مقاتلة الْمُسلم كفرانًا لحقه، طابق قَوْله: وَمَا يحذر عَن الْإِصْرَار إِلَى آخِره.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: ابو عبد الله مُحَمَّد بن عرْعرة، بالعينين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالرَّاء المكررة، غير منصرف للعلمية والتأنيث، ابْن البرند، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء الْمَكْسُورَة، وَيُقَال، بفتحهما وَسُكُون النُّون وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَكَأَنَّهُ
[ ١ / ٢٧٧ ]
فَارسي مُعرب، ابْن النُّعْمَان، الْقرشِي السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى: سامة بن لؤَي بن غَالب، الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، عَن خمس وَسبعين سنة. قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن مُسلما روى لَهُ مَعَه، وَكَذَا أَبُو دَاوُد روى لَهُ، نبه عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي، وَاقْتصر صَاحب (الْكَمَال) على أبي دَاوُد. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: زبيد، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، ابْن الْحَارِث بن عبد الْكَرِيم، ابو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال لَهُ: ابو عبد الله اليامي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، جد للقبيلة، بطن من هَمدَان، وَيُقَال: الأيامي أَيْضا، الْكُوفِي روى عَن أبي وَائِل وَجمع من التَّابِعين، وَعنهُ الْأَعْمَش وَغَيره من التَّابِعين، وجلالته مُتَّفق عَلَيْهَا وَكَانَ من الْعباد المتنسكين. قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ زبيد، بالضبط الْمَذْكُور، إلاَّ هَذَا، وَأما زبيد، بِضَم الزَّاي وباليائين بِاثْنَتَيْنِ من تَحت، أبي الصَّلْت فمذكور فِي (الْمُوَطَّأ) وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكِتَابَيْنِ. الرَّابِع: أَبُو وَائِل، بِالْهَمْزَةِ بعد الالف، شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي، أَسد خُزَيْمَة، كُوفِي تَابِعِيّ، أدْرك زمن رَسُول الله ﷺ وَلم يره، وَقَالَ: ادركت سبع سِنِين من سني الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ: كنت قبل مبعث النَّبِي ﷺ ابْن عشر سِنِين أرعى إبِلا لأهلي، وَسمع عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان وعليًا وَابْن مَسْعُود وَعمَّارًا وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، رضوَان الله عَلَيْهِم، وَعنهُ خلق من التَّابِعين وَغَيرهم، واجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه، وَهُوَ من أجلّ اصحاب ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن مَسْعُود، ﵁، يثني عَلَيْهِ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ على الْمَحْفُوظ، وَقَالَ ابو سعيد بن صَالح: كَانَ ابو وَائِل يؤم جنائزنا وَهُوَ ابْن مائَة وَخمسين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، وَقد تقدم.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصُورَة الْجمع وَصُورَة الْإِفْرَاد وَالسُّؤَال والعنعنة. وَمِنْهَا: ان رِجَاله مَا بَين: بَصرِي وواسطي وكوفي. وَمِنْهَا: أَنهم ائمة أجلاء.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هُنَا عَن مُحَمَّد بن عرْعرة عَن شُعْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة، واخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بكار بن الريان، وَعون بن سَالم، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان: ثَلَاثَتهمْ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ زبيد. قلت لأبي وَائِل: أَنْت سمعته من عبد الله؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن مَحْمُود بن غيلَان بِهِ، وَعَن عمر بن عَليّ عَن ابْن أبي عدي، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي دَاوُد، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ، مَوْقُوفا.
بَيَان اللُّغَة: قَوْله: (عَن المرجئة) أَي: الْفرْقَة الملقبة بالمرجئة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (سباب الْمُسلم)، بِكَسْر السِّين وَتَخْفِيف الْبَاء بِمَعْنى: السب، وَهُوَ: الشتم، وَهُوَ التَّكَلُّم فِي عرض الْإِنْسَان بِمَا يعِيبهُ. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مصدر، يُقَال: سبّ يسب سبا وسبابًا. قلت: هَذَا لَيْسَ بمصدر سبّ يسب، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم بِمَعْنى السب، كَمَا قُلْنَا، أَو مصدر من بَاب المفاعلة، وَفِي (الْمطَالع): السباب: المشاتمة، وَهِي من السب، وَهُوَ الْقطع. وَقيل: من السبة، وَهِي حَلقَة الدبر كَأَنَّهَا على القَوْل الأول: قطع المسبوب عَن الْخَيْر وَالْفضل، وعَلى الثَّانِي: كشف الْعَوْرَة وَمَا يَنْبَغِي أَن يسْتَتر. وَفِي (الْعباب): التَّرْكِيب يدل على الْقطع، ثمَّ اشتق مِنْهُ الشتم، وَقَالَ ابراهيم الْحَرْبِيّ: السباب أَشد من السب، وَهُوَ أَن يَقُول فِي الرجل مَا فِيهِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ. قلت: هَذَا أَيْضا يُصَرح بِأَن السباب لَيْسَ بمصدر، فَافْهَم. قَوْله: (فسوق) مصدر، وَفِي (الْعباب): الْفسق الْفُجُور، يُقَال: فسق يفسق ويفسق أَيْضا عَن الْأَخْفَش: فسقًا وفسوقًا أَي فجر. وَقَوله تَعَالَى ﴿وانه لفسق﴾ (الْأَنْعَام: ١٢١) أَي: خُرُوج عَن الْحق، يُقَال: فسقت الرّطبَة، إِذا خرجت عَن قشرها، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ففسق عَن أَمر ربه﴾ (الْكَهْف: ٥٠) أَي: خرج عَن طَاعَة ربه، وَقَالَ اللَّيْث: الْفسق التّرْك لأمر الله تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْميل إِلَى الْمعْصِيَة. وَسميت الْفَأْرَة: فويسقة، لخروجها من جحرها على النَّاس: وَقَالَ ابو عُبَيْدَة: ففسق عَن أَمر ربه، أَي جَازَ عَن طَاعَته، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: الفسوق: يكون الشّرك وَيكون الْإِثْم. قَوْله: (وقتاله) أَي: مقاتلته، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهَا: الْمُخَاصمَة، وَالْعرب تسمي الْمُخَاصمَة: مقاتلة.
بَيَان الاعراب: قَوْله: (ان النَّبِي ﷺ) أَصله: بِأَن النَّبِي إِلَى آخِره، وَقَوله: (قَالَ)، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: إِن.
[ ١ / ٢٧٨ ]
قَوْله: (سباب الْمُسلم) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (فسوق) خَبره. فان قلت: هَذَا إِضَافَة الى الْفَاعِل اَوْ الْمَفْعُول. قلت: بل إِضَافَة الى الْمَفْعُول، قَوْله: وقتاله، كَذَلِك اضافته إِلَى الْمَفْعُول، وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: (كفر) .
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (عَن المرجئة) . مَعْنَاهُ سَأَلت أَبَا وَائِل عَن الطَّائِفَة المرجئة: هَل هم مصيبون فِي مقالتهم مخطئون؟ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو وَائِل فِي جَوَابه لزبيد بن الْحَارِث: حَدثنِي عبد الله أَن النَّبِي، ﵊، قَالَ: (سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر) يَعْنِي: أَنهم مخطئون، لأَنهم لَا يجْعَلُونَ سباب الْمُسلم فسوقا، وَلَا قِتَاله كفرا فِي حق الْمُسلم، وَلَا يفسقون مرتكبي الذُّنُوب، وَالنَّبِيّ ﷺ أخبر بِخِلَاف مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَدلَّ ذَلِك على كَونهم على خطأ وضلال، وَبِهَذَا التَّقْدِير الَّذِي قدرناه يُطَابق جَوَاب أَبَا وَائِل سُؤال زبيد، وَقَالَ بَعضهم: فِي التَّقْدِير أَي: عَن مقَالَة المرجئة، وَهَذَا لَا يَصح لِأَن على هَذَا التَّقْدِير لَا يُطَابق الْجَواب السُّؤَال. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن زبيد قَالَ: لما ظَهرت المرجئة أتيت أَبَا وَائِل، فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَدلَّ هَذَا أَن سُؤَاله كَانَ عَن معتقدهم، وَأَن ذَلِك كَانَ حِين ظُهُورهمْ. قلت: لَا نسلم هَذِه الدّلَالَة، بل الَّذِي يدل على أَنه وقف على مقالتهم، حَتَّى سَأَلَ أَبَا وَائِل: هَل هِيَ صَحِيحَة أَو بَاطِلَة؟ فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث، وَإِن تضمن الرَّد على المرجئة، لَكِن ظَاهره يُقَوي مَذْهَب الْخَوَارِج الَّذِي يكفرون بِالْمَعَاصِي: قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ لم يرد بقوله: (وقتاله كفر)، حَقِيقَة الْكفْر الَّتِي هِيَ خُرُوج عَن الْملَّة، بل إِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ: الْكفْر، مُبَالغَة فِي التحذير، وَالْإِجْمَاع من أهل السّنة مُنْعَقد على أَن الْمُؤمن لَا يكفر بِالْقِتَالِ، وَلَا يفعل مَعْصِيّة أُخْرَى، وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ المُرَاد بالْكفْر الْخُرُوج عَن الْملَّة بل كفران حُقُوق الْمُسلمين لِأَن الله تَعَالَى جعلهم أخوة، وَأمر بالإصلاح بَينهم، ونهاهم الرَّسُول ﷺ عَن التقاطع والمقاتلة، فَأخْبر أَن من فعل ذَلِك فقد كفر حق أَخِيه الْمُسلم، وَيُقَال: أطلق عَلَيْهِ الْكفْر لشبهه بِهِ، لِأَن قتال الْمُسلم من شَأْن الْكَافِر، وَيُقَال: المُرَاد بِهِ الْكفْر اللّغَوِيّ، وَهُوَ السّتْر، لِأَن حق الْمُسلم على الْمُسلم أَن يُعينهُ وينصره ويكف عَنهُ أَذَاهُ، فَلَمَّا قَاتله كَأَنَّهُ كشف عَنهُ هَذَا السّتْر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد أَنه يؤول إِلَى الْكفْر لشؤمه، أَو أَنه كَفعل الْكَفَّارَة وَقَالَ الْخطابِيّ: المُرَاد بِهِ الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى، فَإِن ذَلِك فِي حق من فعله مستحلًا بِلَا مُوجب وَلَا تَأْوِيل، أما المؤول فَلَا يكفر وَلَا يفسق بذلك، كالبغاة الخارجين على الإِمَام بالتأويل، وَقَالَ بَعضهم: فِيمَا قَالَه الْكرْمَانِي بعد، وَمَا قَالَه الْخطابِيّ أبعد مِنْهُ. ثمَّ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَلَو كَانَ مرَادا لم يحصل التَّفْرِيق بَين السباب والقتال، فَإِن مستحلًا لعن الْمُسلم بِغَيْر تَأْوِيل كفر أَيْضا. قلت: إِذا كَانَ اللَّفْظ مُحْتملا لتأويلات كَثِيرَة، هَل يلْزم مِنْهُ أَن يكون جَمِيعهَا مطابقا للتَّرْجَمَة؟ فَمن ادّعى هَذِه الْمُلَازمَة فَعَلَيهِ الْبَيَان، فَإِذا وَافق أحد التأويلات للتَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ يَكْفِي للتطابق. وَقَوله: وَلَو كَانَ مرَادا لم يحصل التَّفْرِيق الخ، غير مُسلم لِأَنَّهُ تَخْصِيص الشق الثَّانِي بالتأويل لكَونه مُشكلا بِحَسب الظَّاهِر، والشق الأول لَا يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل لكَون ظَاهره غير مُشكل. فَإِن قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (لعن الْمُسلم كقتله)، قلت: التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ، وَوجه التَّشْبِيه هُوَ حُصُول الْأَذَى بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: فِي الْعرض، وَالْآخر: فِي النَّفس. فَإِن قلت: السباب والقتال كِلَاهُمَا على السوَاء فِي أَن فاعلهما يفسق ولايكفر، فلِمَ قَالَ فِي الأول فسوق، وَفِي الثَّانِي كفر؟ قُلْنَا: لِأَن الثَّانِي أغْلظ، أَو لِأَنَّهُ بأخلاق الْكفَّار أشبه.
(أخبرنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس قَالَ أَخْبرنِي عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله ﷺ خرج يعْتَبر بليلة الْقدر وفتلاحى رجلَانِ من الْمُسلمين فَقَالَ إِنِّي خرجت لاخبر كم بليلة الْقدر وَإنَّهُ تلاحى فلَان وَفُلَان فَرفعت وَعَسَى أَن يكون خيرا لكم التمسوها فِي السَّبع وَالْخمس.) هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الأولى وَوجه تطابقه اياها من حَيْثُ أَن فِيهِ ذمّ التلاحى وَأَن صَاحبه نَاقص لِأَنَّهُ يشْتَغل ع كثير من الْخَيْر بِسَبَبِهِ سِيمَا إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد وَعنهُ جهر الصَّوْت بِحَضْرَة الرَّسُول ﷺ بل رُبمَا ينجر إِلَى بطلَان الْعَمَل وَهُوَ لَا يشْعر قَالَ تَعَالَى (وَلَا تجْهر واله بالْقَوْل كحهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون) وَقَالَ بَعضهم بعد أَن أَخذ هَذَا الْكَلَام من الكرمانى وَمن هُنَا يَتَّضِح مُنَاسبَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ومطابقتها وَقد خفيت على كثير
[ ١ / ٢٧٩ ]
من الْمُتَكَلِّمين على هَذَا الْكتاب قلت أَن هَذَا عَجِيب شَدِيد يَأْخُذ كَلَام النَّاس وينسبه إِلَى نَفسه مُدعيًا أ، غَيره قد خفى عَلَيْهِ ذَلِك على أَن هَذَا الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي فِي وَجه الْمُطَابقَة إِنَّمَا يُقَاد بِالْجَرِّ الثقيل على مَا لَا يخفي على من يتأمله فَإِذا أمعن النَّاظر فِيهِ لَا يجد لذكر هَذَا لحَدِيث هُنَا مُنَاسبَة وَلَا مطابقًا للتَّرْجَمَة (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة قُتَيْبَة بن سعيد وَقد مر ذكره فِي بَاب السَّلَام من السَّلَام. الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الْأنْصَارِيّ المدنى وَقد مر فِي بَاب عَلَامَات الْمُنَافِق الثَّالِث حميد بِضَم الْحَاء ابْن أبي حميد وَاسم أبي حميدتين بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ مولى طَلْحَة الطلحات وَهُوَ مَشْهُور بحميد الطَّوِيل قيل كَانَ قَصِيرا طَوِيل الْيَدَيْنِ فَقيل لَهُ ذَلِك وَكَانَ يقف عِنْد الْمَيِّت فتصل أحدى يَدَيْهِ إِلَى رأٍ سه والاخرى إِلَى رجلَيْهِ وَقَالَ الْأَصْمَعِي رَأَيْته وَلم يكن بذلك الطَّوِيل بل كَانَ فِي مر ذكره الْخَامِس عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ وَقد مر ذكره فِي بَاب عَلامَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والاخبار وبالافراد والعنعنة وَلَكِن فِي رِوَايَة الاصيلي حَدثنَا أنس فعلى رِوَايَته أَمن من تَدْلِيس حميد وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بيين بلخي ومدني وَبصرى (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن اخرجه غَيره) أخرجه أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن خَالِد بن الْحَارِث وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد عَن بشر بن الْمفضل بن مُغفل ثَلَاثَتهمْ عَن حميد الطَّوِيل عَنهُ بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ وَعَن على بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ وَعَن عمر أَن بن مُوسَى عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن حميد بِهِ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله " فتلاحى " بِفَتْح الْحَاء من التلاحى بِكَسْر الْحَاء وَهُوَ التَّنَازُع قَالَ الْجَوْهَرِي تلاحوا إِذا تنازعوا وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الملاحاة الْخُصُومَة والسباب وَالِاسْم اللحاء بِكَسْر الْحَاء وَهُوَ التَّنَازُع قَالَ الْجَوْهَرِي تلاحوا إِذا تنازعوا وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الملاحاة الْخُصُومَة والسباب وَالِاسْم اللحاء بِكَسْر اللَّام ممدودا قلت الَّذِي ذكره من بَاب المفاعلة وَالَّذِي فِي الحَدِيث من بَاب التفاعل لَان تلاحي اصله تلاحى بِفَتْح الْيَاء على وزن تفَاعل قلبت الْيَاء الْفَا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا والمصدر تلاح أَصله تلاحي فأعل اعلال قَاض فان قلت قد علم أَن بَاب التفاعل لمشاركة الْجَمَاعَة نَحْو تخاصم الْقَوْم وَبَاب المفاعلة لمشاركة اثْنَيْنِ نَحْو قَاتل زيد وَعَمْرو وَكَانَ الْقيَاس هُنَا أَن يذكر من بَاب النلاحاة لِأَنَّهَا كَانَت بَين رجلَيْنِ. قلت التَّحْقِيق فِي هَذَا الْبَاب أَن وضع فَاعل لنسبة الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل مُتَعَلقا بِغَيْرِهِ مَعَ أَن الْغَيْر فعل مثل ذَلِك وَوضع تفَاعل لنسبته إِلَى المشتركين فِيهِ من غير قصد إِلَى تعلق لَهُ فَلذَلِك جَاءَ الأول زَائِدا على الثَّانِي بمفعول ابدا فَأن كَانَ تفَاعل من فَاعل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول كضارب لم يَتَعَدَّ وَإِن كَانَ من الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعولين كجاذبته الثَّوْب يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد وَقد يفرق بَينهمَا من حَيْثُ الْمَعْنى فان البادىء فِيهِ غير مَعْلُوم دون تفَاعل وجاه تلاحى هَهُنَا من لاحيته لم يَتَعَدَّ إِلَى مفعول فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع دَقِيق قَوْله " التمسوها " من الالتماس وَهُوَ الطّلب (بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله " خرج " أَي من الْحُجْرَة جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله " يخبر " جملَة مستأنفة وَالْأولَى أَن تكون حَالا وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ مثبتا لَا يجوز فِيهِ الْوَاو قان قلت الْخُرُوج لم يكن فِي حَال الْأَخْبَار قلت هَذِه تسمى حَالا مقدرَة أَي خرج مُقَدّر الْأَخْبَار وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى " فادخلوها خَالِدين " أَي مقدرين الخلود وَلَا شكّ أَن الْخُرُوج حَالَة تَقْدِير الْأَخْبَار كالدخول حَالَة تَقْدِير الخلود قَوْله " فتلاحى " فعل ورجلان فَاعله وَكلمَة من بَيَانِيَّة مَعَ مَا فِيهَا من معنى التبغيض قَوْله " أَنِّي خرجت " مقول القَوْل قَوْله " لاخبركم " بِنصب الراءبان الْمقدرَة بعد لَام التَّعْلِيل إِذْ أَصله لِأَن أخْبركُم وَاخْبَرْ يَقْتَضِي ثَلَاثَة مفاعيل الأول كَاف الْخطاب وَقَوله بليلة الْقدر سد مسد الْمَفْعُول الثَّانِي وَالثَّالِث لن التَّقْدِير أخبركمك بِأَن لَيْلَة الْقدر هِيَ اللَّيْلَة الْفُلَانِيَّة وَلَا يجوز أَن يكون بليلة الْقدر سد مسد الْمَفْعُول الثَّانِي وَالثَّالِث لَان التَّقْدِير أخْبركُم بِأَن لَيْلَة الْقدر هِيَ اللَّيْلَة الْفُلَانِيَّة وَلَا يجوز أَن يكون بليلة الْقدر الْمَفْعُول الثَّانِي وَيكون الثَّالِث محذوفًا لِأَن الْمَفْعُول الأول فِي هَذَا الْبَاب كمفعول اعطيت وَالْمَفْعُول الثَّانِي وَالثَّالِث كمفعول علمت بِمَعْنى إِذا ذكر أَحدهمَا يجب ذكر الآخر لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنى كالمبتدأ وَالْخَبَر فَلَا بُد من ذكر أَحدهمَا إِذا ذكر الآخر قَوْله " وَأَنه "
[ ١ / ٢٨٠ ]
بِكَسْر الْهمزَة عطف على قَوْله إِنِّي وَالضَّمِير فِيهِ للشان وَقَوله " تلاحى فلَان " جملَة فِي مَحل الرّفْع على انه خبر أَن قَوْله " فَرفعت " عطف على تلاحى وَالْفَاء تصلح للسَّبَبِيَّة قَوْله " وَعَسَى أَن يكون " قد علم أَن فَاعل عَسى على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون اسْما نَحْو عَسى زَيْدَانَ يخرج فزيد مَرْفُوع بالفاعلية وَأَن يخرج فِي مَوضِع نصب لانه بِمَنْزِلَة قَارب زيد الْخُرُوج وَالثَّانِي أَن تكون أَن مَعَ جُمْلَتهَا فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو عَسى أَن يخرج زيد فَتكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة قرب أَن يخرج أَي خُرُوجه إِلَّا أَن الْمصدر لم يسْتَعْمل وَقَوله عَسى أَن يكون من قبيل الثَّانِي وَالضَّمِير فِي يكون يرجع إِلَى الرّفْع الدَّال عَلَيْهِ قَوْله فَرفعت وَقَوله خير لنصب بِأَنَّهُ خبر يكون (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " فتلاحى رجلَانِ " هما عبد الله بن أبي حَدْرَد بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره دَال اخرى وَكَعب بن مَالك كَانَ على عبد الله دين لكعب يَطْلُبهُ فتنازعا فِيهِ ورفعا صوتيهما فِي الْمَسْجِد قَوْله " فَرفعت " قَالَ النَّوَوِيّ أَي رفع بَيَانهَا أَو علمهَا والافهى بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وشذ قوم فَقَالُوا رفعت لَيْلَة الْقدر وَهَذَا غلط لِأَن آخر الحَدِيث يرد عَلَيْهِم فَأَنَّهُ قَالَ ﵊ " التمسوها " وَلَو كَانَ المُرَاد رفع وجودهَا لم يَأْمُرهُم بالتماسها لَا يُقَال كَيفَ يُؤمر بِطَلَب مَا رفع علمه لانا نقُول المُرَاد طلب التَّعَبُّد فِي مظانها وَرُبمَا يَقع الْعَمَل مصادفًا لَهَا أَنه مَأْمُور بِطَلَب الْعلم بِعَينهَا والاوجه أَن يُقَال رفعت من قلبِي بِمَعْنى نسيتهَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي سعيد " فجَاء رجلَانِ يحتقنان " بتَشْديد الْقَاف أَي يدعى كل مِنْهُمَا أَنه المحق " مَعَهُمَا الشَّيْطَان فنسيتها " وَيعلم من حَدِيث عبَادَة ان سَبَب الرّفْع التلاحى وَمن حَدِيث أبي سعيد هُوَ النسْيَان وَيحْتَمل أَن يكون السَّبَب هُوَ الْمَجْمُوع وَلَا مَانع مِنْهُ قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خير لكم " لتزيدوا فِي الِاجْتِهَاد وتقوموا فِي اللَّيَالِي لطلبها فَيكون زِيَادَة فِي ثوابكم وَلَو كَانَت مُعينَة لاقتنعتم بِتِلْكَ اللَّيْلَة فَقل عَمَلكُمْ قَوْله " التمسوها فِي السَّبع " أَي لَيْلَة السَّبع وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَالتسع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَالْخمس وَالْعِشْرين مِنْهُ وَهَكَذَا وَقع فِي مستخرج ابي نعيم فان قلت من أَيْن اسْتُفِيدَ التَّقْيِيد بالعشرين وبرمضان قلت من الْأَحَادِيث الآخر الدَّالَّة عَلَيْهِمَا وَقد مر فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر الْأَقْوَال الَّتِي ذكرت فِيهَا بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول فِيهِ ذمّ الملاحاة وَنقص صَاحبهَا الثَّانِي أَن الملاحاة والمخاصمة سَبَب الْعقُوبَة للعامة بذنب الْخَاصَّة فَإِن الْأمة حرمت اعلام هَذِه اللَّيْلَة بِسَبَب التلاحى بِحَضْرَتِهِ الشَّرِيفَة لَكِن فِي قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خيرا " بعض التأنيس لَهُم وَقَالَ النَّوَوِيّ ادخل البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفع لَيْلَة الْقدر كَانَ بِسَبَب تلاحيهما ورفعهما الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ فَفِيهِ مذمة الملاحاة ونقصان صَاحبهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فَأن قلت إِذا جَازَ أَن يكون الرّفْع خيرا فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْصِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا من عدم الرّفْع خير فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْضِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا وَأَن عدم الرّفْع أَزِيد خيرا وَأولى مِنْهُ ثمَّ أَن خيرية ذَاك كَانَت مُحَققَة وخيرية هَذَا مرجوة لِأَن مفَاد عَسى هُوَ الرَّجَاء لَا غير. الثَّالِث فِيهِ الْحَث على طلب لَيْلَة الْقدر. الرَّابِع قَالَ القَاضِي عِيَاض فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُخَاصمَة مذمومة وَأَنَّهَا مثل الْعقُوبَة المعنوية وَقَالَ بَعضهم فان قيل كَيفَ تكون الْمُخَاصمَة فِي طلب الْحق مذمومة قُلْنَا إِنَّمَا كَانَت كَذَلِك لوقوعها فِي الْمَسْجِد وَهُوَ مَحل الذّكر لَا اللَّغْو سِيمَا فِي الْوَقْت الْمَخْصُوص أَيْضا بِالذكر وَهُوَ شهر رَمَضَان قلت طلب الْحق غير مَذْمُوم لَا فِي الْمَسْجِد وَلَا فيا لوقت الْمَخْصُوص وَإِنَّمَا المذمة فِيهَا لَيست رَاجِعَة إِلَى مُجَرّد الْخُصُومَة فِي الْحق وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَة إِلَى زِيَادَة مُنَازعَة حصلت بَينهمَا عَن الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ وَتلك الزِّيَادَة هِيَ اللَّغْو وَالْمَسْجِد لَيْسَ بِمحل اللَّغْو مَعَ مَا كَانَ فِيهَا من رفع الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ فَافْهَم.