أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون قطعا. قَوْله: (ليبلغ) أَمر للْغَائِب، وَيجوز فِي الْغَيْن الْكسر لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن تحريكه بِالْكَسْرِ إِذا حرك، وَالْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات، وَلَا يجوز غير ذَلِك، و: الشَّاهِد، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: ليبلغ، وَقَوله: الْعلم وَالْغَائِب، منصوبان على أَنَّهُمَا مفعولان لَهُ. وَالتَّقْدِير: ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب الْعلم وَالشَّاهِد الْحَاضِر من شهد إِذا حضر.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق مُرَاجعَة المتعلم أَو السَّامع لضبط مَا يسمعهُ من الْعَالم، وَفِيه معنى التَّبْلِيغ من المراجع إِلَيْهِ إِلَى المراجع، فَكَأَن المراجع كَانَ كالغائب عِنْد سَمَاعه حَتَّى لم يفهم مَا سَمعه وراجع فِيهِ، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِيهِ تَبْلِيغ الشَّاهِد الْغَائِب، فتناسبا من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: رَوَاهُ عبد اللَّه بن عَبَّاس، ﵄، وَهَذَا تَعْلِيق، وَلكنه أسْندهُ فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب الْخطْبَة أَيَّام منى، عَن عَليّ بن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن غَزوَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ: (خطب النَّاس يَوْم النَّحْر فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: يَوْم حرَام) وَفِي آخِره: (اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ اللَّهُمَّ هَل بلغت؟) قَالَ ابْن عَبَّاس: فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لوَصِيَّة إِلَى أمته فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب، وَذكر الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا زُهَيْر بن حَرْب وَعُثْمَان بن أبي شيبَة، حَدثنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن عبد اللَّه ابْن عبد اللَّه عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: (تَسْمَعُونَ وَيسمع مِنْكُم وَيسمع من يسمع مِنْكُم) . وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي شَيْء من طرق حَدِيث ابْن عَبَّاس بِهَذِهِ الصُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَته وَرِوَايَة غَيره بِحَذْف الْعلم، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَعْنَى، لِأَن الْمَأْمُور بتبليغه هُوَ الْعلم. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ مثل مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه أبرز أحد المفعولين الَّذِي هُوَ مُقَدّر فِي الحَدِيث، وَهُوَ لَفْظَة: الْعلم.
١٠٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قالَ: حدّثني سَعِيدٌ عنْ أبي شُرَيْحٍ أنَّهُ قالَ لِ عَمْرِو بنِ سعِيدٍ، وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلى مَكَّة: ائْذَنْ لِي أيُّهَا الأمِيرُ أحَدّثْكَ قَوْلًا قامَ بِهِ النبيّ
[ ٢ / ١٣٨ ]
ُ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكلَّمَ بِهِ، حمدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (إِن مكَّةَ حَرَّمَهَا الله وَلَمْ يُحَرّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِها دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِها شَجَرَةً، فإنْ أحَدٌ تَرَخصَّ لقتالِ رسولِ الله ﷺ فِيها فَقُولُوا: إِنّ الله قدْ أَذِنَ لرِسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا ساعَةً مِنْ نَهَارٍ ثمَّ عادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بالأَمْسِ، ولْيُبلّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ) . فَقِيلَ لأَبِي شرَيْحٍ مَا قالَ عَمْروٌ قالَ: أنَا أعْلَمُ منْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! إنَّ مَكَّةَ لاَ تُعِيذُ عاصِيًا وَلَا فارَّا بدَمٍ وَلَا فارَّا بخَرْبَةٍ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب) .
بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة. الأول: عبد اللَّه بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وَقد تقدم ذكرهم. الرَّابِع: أَبُو شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: الْخُزَاعِيّ الكعبي. قيل: اسْمه خويلد، قَالَ أَبُو عمر: قيل: اسْمه عَمْرو بن خَالِد. وَقيل: كَعْب بن عَمْرو. قَالَ: وَالأَصَح عِنْد أهل الحَدِيث أَن اسْمه خويلد بن عَمْرو بن صَخْر بن عبد الْعُزَّى بن مُعَاوِيَة بن المحترش بن عَمْرو بن مَازِن بن عدي بن عَمْرو بن ربيعَة الْخُزَاعِيّ الْعَدوي الكعبي، أسلم قبل فتح مَكَّة، وَكَانَ يحمل حينئذٍ أحد ألوية بني كَعْب بن خُزَاعَة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله ﷺ عشرُون حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث، وَهُوَ: (وَالله لَا يُؤمن (ثَلَاثًا) من لَا يُؤمن جَاره بوائقه) . والمتفق عَلَيْهِ: (من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره) . الحَدِيث، وَهَذَا الحَدِيث. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ أَبُو شُرَيْح من عقلاء أهل الْمَدِينَة، توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَفِي الصَّحَابَة من يشْتَرك مَعَه فِي كنيته اثْنَان: أَبُو شُرَيْح هانىء بن يزِيد الْحَارِثِيّ، وَأَبُو شُرَيْح رَاوِي حَدِيث: (أَعْتَى النَّاس على الله تَعَالَى) الحَدِيث. قَالُوا: هوالخزاعي، وَقَالُوا: غَيره. وَفِي الرِّوَايَة أَيْضا أَبُو شُرَيْح الْغِفَارِيّ، أخرج لَهُ ابْن مَاجَه.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني. وَمِنْهَا: أَنه من الرباعيات.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث، وَفِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن شُرَحْبِيل عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَفِي الدِّيات عَن ابْن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد فِي مَعْنَاهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج، وَفِي الْعلم عَن قُتَيْبَة بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (الْبعُوث)، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة. جمع الْبَعْث بِمَعْنى الْمَبْعُوث، وَهُوَ الْجند الَّذِي يبْعَث إِلَى مَوضِع. وَمعنى: يبْعَث الْبعُوث أَي: يُرْسل الجيوش، والبعث الْإِرْسَال. وَفِي (الْعباب) بَعثه أَي أرْسلهُ، وَقَوْلهمْ: كنت فِي بعث فلَان، أَي: فِي جَيْشه الَّذِي بعث مَعَه. والبعوث الجيوش، ومصدر بَعثه بعث وَبعث بِالتَّحْرِيكِ أَيْضا، والبعثة الْمرة الْوَاحِدَة. قَوْله: (إيذن) أَمر من: أذن يَأْذَن، وَأَصله: إئذن، قلبت الْهمزَة الثَّانِيَة يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. قَوْله: (لامرىء) قد مر أَن هَذَا اللَّفْظ من النَّوَادِر، حَيْثُ كَانَت عينه دَائِما تَابِعَة للامه فِي الْحَرَكَة. قَوْله: (أَن يسفك) بِكَسْر الْفَاء على الْمَشْهُور، وَحكي ضمهَا، وَمعنى السفك إِرَاقَة الدَّم. وَفِي (الْعباب): سفكت الدَّم أسفُكه وأسفِكه سفكًا، أَي: هرقته. وَقَرَأَ ابْن قطيب وَابْن أبي عبلة وَطَلْحَة بن مصرف وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة: (ويسفك الدِّمَاء)، بِضَم الْفَاء، وَكَذَلِكَ الدمع. وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ: لَا يسْتَعْمل السفك إلاَّ فِي صب الدَّم، وَقد يسْتَعْمل فِي نشر الْكَلَام إِذا نشره. قَوْله: (وَلَا يعضد) من الْعَضُد، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الْقطع: يُقَال: عضد الشَّجَرَة، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي، يعضد، بِالْكَسْرِ فِي الْمُضَارع: إِذا قطعهَا بالمعضد، وَهُوَ سيف يمتهن فِي الشّجر، فَهُوَ معضود، وَالْمعْنَى: لَا يعضد أَغْصَانهَا. قَالَ الْمَازرِيّ: يُقَال: عضد واستعضد. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: معنى لَا يعضد: لَا يفْسد وَلَا يقطع، وَأَصله من عضد الرجل إِذا أصَاب عضده، لكنه يُقَال مِنْهُ: عضده يعضده
[ ٢ / ١٣٩ ]
بِالضَّمِّ فِي الْمُضَارع، وَكَذَلِكَ يُقَال: إِذا أَعَانَهُ بِخِلَاف الْعَضُد بِمَعْنى الْقطع. وَفِي (الْعباب): عضدته أعضده، بِالضَّمِّ، أَي أعنته، وَكَذَلِكَ إِذا أصبت عضده، وعضدت الشَّجَرَة أعضدها، بِالْكَسْرِ، أَي: قطعتها، والمعضد، بِكَسْر الْمِيم: مَا يعضد بِهِ الشَّجَرَة، وَالشَّجر مَا لَهُ سَاق. قَوْله: (ترخص) من بَاب تفعل من الرُّخْصَة، وَهُوَ حكم ثَبت لعذر مَعَ قيام الْمحرم. قَوْله: (لَا تعيذ)، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: من الإعاذة، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي لَا تعصم العَاصِي من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ. قَوْله: (وَلَا فَارًّا) أَي: ملتجئًا إِلَى الْحرم بِسَبَب خَوفه من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، وَهُوَ بِالْفَاءِ وَالرَّاء الْمُشَدّدَة، وَمَعْنَاهُ فِي الأَصْل: الهارب. قَوْله: (بخربة)، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، وَهِي السّرقَة، كَذَا ثَبت تَفْسِيرهَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، أَعنِي فِي رِوَايَته: (وَلَا فَارًّا بخربة) . يَعْنِي: السّرقَة. وَقَالَ ابْن بطال: الخربة، بِالضَّمِّ: الْفساد، وبالفتح: السّرقَة. وَقَالَ القَاضِي: وَقد رَوَاهُ جَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ غير الْأصيلِيّ: (بخربة)، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي مُسلم، وَرَوَاهُ الْأصيلِيّ: (بخربة)، بِضَم الْخَاء، وَقيل: بِضَم الْخَاء الْعَوْرَة، وبالفتح يَصح على أَن المُرَاد الفعلة الْوَاحِدَة. وَقَالَ الْخَلِيل: الخربة، بِالضَّمِّ: الْفساد فِي الدّين، مَأْخُوذ من الخارب وَهُوَ اللص، وَلَا يكَاد يسْتَعْمل إلاَّ فِي سَارِق الْإِبِل. وَقَالَ غَيره: الخربة، بِالْفَتْح: السّرقَة وَالْعَيْب. وَقَالَ الْخطابِيّ: الخربة هُنَا السّرقَة، والخرابة: سَرقَة الْإِبِل خَاصَّة، كَمَا قَالَ الْخَلِيل، وَأنْشد.
(والخارب اللص يحب الخاربا)
وَقَالَ غَيره: وَأما الْحِرَابَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَيُقَال فِي كل شَيْء. يُقَال فِي الأول: خرب فلَان بِالْمُعْجَمَةِ وَفتح الرَّاء إبل فلَان يخرب خرابة، مثل: كتب يكْتب كِتَابَة، وَرُوِيَ فِي بعض النّسخ: بجزية، بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَفِي (الْعباب): الخربة يَعْنِي، بِالْفَتْح: السّرقَة وَالْعَيْب والبلية، والخربة أَيْضا: أَعنِي بِالْفَتْح: الغربال. والخربة، بِالضَّمِّ: ثقب الورك وكل ثقب مستدير. والخرابة، بِالضَّمِّ: جبل من لِيف أَو نَحوه، وخرابة الإبرة: خرقها، وخرابة الورك: ثقبه، وَقد تشدد راؤها. والخارب: اللص. قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ سَارِق البعران خَاصَّة، وَالْجمع الخراب، بِضَم الْخَاء وَتَشْديد الرَّاء. قَالَ: والحربة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: الغرارة السَّوْدَاء. وَقَالَ اللَّيْث: الْوِعَاء. والحربة، بِفتْحَتَيْنِ: الطلعة إِذا كَانَت بقشرها.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وَهُوَ يبْعَث الْبعُوث) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (إيذن لي) مقول القَوْل. قَوْله: (أَيهَا الْأَمِير)، أَصله: يَا أَيهَا الْأَمِير، حذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (أحَدثك) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، و: (قولا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان. قَوْله: (قَامَ بِهِ) أَي النَّبِي، ﵊، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، أَعنِي: قَوْله: بِهِ، وَالْفَاعِل أَعنِي قَوْله: النَّبِي، وَهِي فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (قولا) . قَوْله: (الْغَد) بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة، وَهُوَ الْيَوْم الثَّانِي من فتح يَوْم مَكَّة. قَوْله: (سمعته)، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى القَوْل. وَقَوله: (أذناي) فَاعله، وَأَصله أذنان لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت نون التَّثْنِيَة. فَإِن قلت: مَا موقع هَذِه الْجُمْلَة من الْإِعْرَاب؟ قلت: النصب، لِأَنَّهَا صفة أُخْرَى لِلْقَوْلِ. قَوْله: (ووعاه قلبِي)، عطف على: سمعته اذناي، من الوعي وَهُوَ: الْحِفْظ. قَوْله: (وأبصرته عَيْنَايَ) أَيْضا عطف على مَا قبله، وَأَصله: عينان لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت نون التَّثْنِيَة، وَاعْلَم أَن كل مَا فِي الْإِنْسَان اثْنَان من الْأَعْضَاء تحو: الْأذن وَالْعين، فَهُوَ مؤنث بِخِلَاف الْأنف وَنَحْوه. قَوْله: (حِين)، نصب على الظّرْف: لقام، وَسمعت، ووعاه، وأبصرت. قَوْله: (حمد الله) جملَة وَقعت بَيَانا لقَوْله: تكلم. قَوْله: (واثنى عَلَيْهِ) عطف على: حمد، من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (حرمهَا الله) جملَة وَقعت فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (وَلم يحرمها النَّاس) عطف على خبر: إِن. قَوْله: (فَلَا يحل)، الْفَاء فِيهِ جَوَاب شَرط مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يحل. قَوْله: (يُؤمن بِاللَّه)، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لامرىء. قَوْله: (أَن يسفك) فَاعل لَا يحل، و: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: فَلَا يحل سفك دم. قَوْله: (بهَا) أَي بِمَكَّة، و: الْبَاء، بِمَعْنى: فِي، أَي: فِيهَا، كَمَا هِيَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَوْله: (دَمًا) مفعول ليسفك. قَوْله: (وَلَا يعضد) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ عطف على: يسفك. وَالتَّقْدِير: وَأَن لَا يعضد. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: لَا يحل أَن لَا يعضد؟ . قلت: لَا، زيدت لتأكيد معنى النَّفْي، فَمَعْنَاه: لَا يحل أَن يعضد. قَوْله: (بهَا) أَي: فِيهَا، وَهَكَذَا فِي بعض النّسخ، و: شَجَرَة، بِالنّصب مفعول: يعضد. وَذكر بعض شرَّاح (الْمَشَارِق) للصغاني أَن قَوْله: لَا يعضد، بِالرَّفْع ابْتِدَاء كَلَام، وفاعله ضمير فِيهِ يرجع إِلَى أمرىء، وَعطفه على: لَا يحل، بِأَن يكون تَقْدِيره: إِن مَكَّة حرمهَا الله لَا يعضد بهَا أمرؤ شَجَرَة جَائِز. قلت: هَذَا تَوْجِيه حسن إِن ساعدته الرِّوَايَة. قَوْله: (فَإِن أحد): إِن
[ ٢ / ١٤٠ ]
للشّرط، وَأحد، مَرْفُوع بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: فَإِن ترخص أحد، ويفسره قَوْله: ترخص، إِنَّمَا حذف لِئَلَّا يجْتَمع الْمُفَسّر والمفسر، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك﴾ (التَّوْبَة: ٦) تَقْدِيره: وَإِن استجارك أحد من الْمُشْركين. قَوْله: (لقِتَال رَسُول الله ﵊)، اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (فَقولُوا) جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت فِيهِ الْفَاء. قَوْله: (قد أذن) خبر: إِن. وَقَوله: (لم يَأْذَن لكم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَإِنَّمَا أذن لي)، رُوِيَ بِصِيغَة الْمَجْهُول والمعلوم. قَوْله: (سَاعَة)، نصب على الظّرْف. قَوْله: (حرمتهَا) بِالرَّفْع فَاعل: عَادَتْ. قَوْله: (الْيَوْم)، نصب على الظّرْف. قَوْله: (وليبلغ) يجوز بِكَسْر اللَّام وتسكينها، و: الشَّاهِد، بِالرَّفْع فَاعله، و: الْغَائِب، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (يَا باشريح) أَصله يَا أَبَا شُرَيْح حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف. قَوْله: (لَا تعيذ) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: مَكَّة لَا تعيذ. قَوْله: (عَاصِيا) مفعول: لَا تعيذ، ويروى بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، أَي: الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا. قَوْله: (وَلَا فَارًّا بِدَم) عطف على: عَاصِيا، وَالْبَاء فِي: بِدَم، للمصاحبة، أَي: مصاحبا بِدَم وملتسبًا بِهِ. قَوْله: (وَلَا فار بخربة)، عطف على مَا قبله، وَالْبَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (لعَمْرو بن سعيد)، بِفَتْح الْعين: وَهُوَ عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ ابْن أُميَّة الْقرشِي الْأمَوِي، يعرف بالأشدق، لَيست لَهُ صُحْبَة وَلَا كَانَ من التَّابِعين باحسان. ووالده مُخْتَلف فِي صحبته. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يكنى أَبَا أُميَّة، وَكَانَ أَمِير الْمَدِينَة، وغزا ابْن الزبير، ﵄، ثمَّ قَتله عبد الْملك بن مَرْوَان بعد أَن آمنهُ. وَيُقَال: إِنَّه الَّذِي رأى النَّبِي ﷺ، وروى عَن عمر وَعُثْمَان، روى عَنهُ بنوه وَأُميَّة وَسَعِيد. قلت: كَانَ قَتله سنة سبعين من الْهِجْرَة. قَوْله: (وَهُوَ يبْعَث الْبعُوث إِلَى مَكَّة) يَعْنِي: كَانَ عَمْرو بن سعيد يبْعَث الْجند إِلَى مَكَّة لقِتَال ابْن الزبير، وَذَلِكَ أَنه لما توفّي مُعَاوِيَة توجه يزِيد إِلَى عبد اللَّه بن الزبير يَسْتَدْعِي مِنْهُ بيعَته، فَخرج إِلَى مَكَّة مُمْتَنعا من بيعَته، فعضب يزِيد وَأرْسل إِلَى مَكَّة يَأْمر واليها يحيى بن حَكِيم بِأخذ بيعَة عبد اللَّه، فَبَايعهُ وَأرْسل إِلَى يزِيد بيعَته، فَقَالَ: لَا أقبل حَتَّى يُؤْتى بِهِ فِي وثاق، فَأتى ابْن الزبير، وَقَالَ: أَنا عَائِذ بِالْبَيْتِ، فَأبى يزِيد، وَكتب إِلَى عَمْرو بن سعيد أَن يُوَجه إِلَيْهِ جندًا، فَبعث هَذِه الْبعُوث. قَالَ ابْن بطال: وَابْن الزبير، ﵄، عِنْد عُلَمَاء السّنة أولى بالخلافة من يزِيد وَعبد الْملك لِأَنَّهُ بُويِعَ لِابْنِ الزبير قبل هَؤُلَاءِ، وَهُوَ صَاحب النَّبِي ﷺ، وَقد قَالَ مَالك: ابْن الزبير أولى من عبد الْملك. قَوْله: (من يَوْم الْفَتْح) يَعْنِي فتح مَكَّة، وَكَانَ فِي عشْرين من رَمَضَان فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة. قَوْله: (سمعته أذناي) إِلَى آخِره، إِشَارَة مِنْهُ إِلَى مبالغته فِي حفظه من جَمِيع الْوُجُوه، فَفِي قَوْله: (سمعته أذناي) نفي أَن يكون سَمعه من غَيره، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير، وأهوى النُّعْمَان بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ. وَقَوله: (ووعاه قلبِي) تَحْقِيق لفهمه والتثبت فِي تعقل مَعْنَاهُ. وَقَوله: (وأبصرته عَيْنَايَ) زِيَادَة فِي تحقق السماع والفهم عَنهُ بِالْقربِ مِنْهُ والرؤية، وَأَن سَمَاعه مِنْهُ لَيْسَ اعْتِمَادًا على الصَّوْت دون حجاب، بل الرُّؤْيَة والمشاهدة، وَالْهَاء فِي قَوْله: تكلم بِهِ، عَائِدَة على قَوْله: أحَدثك. قَوْله: (حرمهَا الله) إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ مُطلق التَّحْرِيم، فَيتَنَاوَل كل محرماتها، وَإِمَّا أَن يُرَاد بِهِ مَا ذكر بعده من سفك الدَّم وعضد الشّجر. وَيُقَال: مَعْنَاهُ تفهيم المخاطبين بعظيم قدر مَكَّة بِتَحْرِيم الله إِيَّاهَا، وَنفي مَا تعتقده الْجَاهِلِيَّة وَغَيرهم من أَنهم حرمُوا وحللوا، كَمَا حرمُوا أَشْيَاء من قبل أنفسهم، وأكد ذَلِك الْمَعْنى بقوله: (وَلم يحرمها النَّاس)، أَي: فتحريمها ابْتِدَاء أَي من غير سَبَب يعزى لأحد لَا مدْخل فِيهِ لَا لنَبِيّ وَلَا لعالم، ثمَّ بيّن التَّحْرِيم بقوله: (فَلَا يحل لامرىء يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يسفك بهَا دَمًا) إِلَى آخِره، لِأَن من آمن بِاللَّه لَزِمته طَاعَته، وَمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر لزمَه الْقيام بِمَا وَجب عَلَيْهِ، وَاجْتنَاب مَا نهى عَنهُ، تخلصًا خوف الْحساب عَلَيْهِ، وَيُقَال: معنى: وَلم يحرمها النَّاس: لَيْسَ من مُحرمَات النَّاس، حَتَّى لَا يعْتد بِهِ، بل هِيَ من مُحرمَات الله. أَو مَعْنَاهُ: إِن تَحْرِيمهَا بِوَحْي الله تَعَالَى، لَا أَنه اصْطلحَ النَّاس على تَحْرِيمهَا بِغَيْر إِذن الله تَعَالَى. قَوْله: (فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله ﷺ) مَعْنَاهُ: إِن قَالَ أحد بِأَن ترك الْقِتَال عَزِيمَة، والقتال رخصَة يتعاطى عِنْد الْحَاجة مستدلًا بِقِتَال رَسُول الله ﷺ فِيهَا، فَقولُوا لَهُ: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، فَإِن الله أذن لرَسُول ﷺ وَلم يَأْذَن لكم، وَإِنَّمَا أذن لَهُ فِيهَا سَاعَة من نَهَار، يَعْنِي فِي إِرَاقَة دم كَانَ مُبَاحا خَارج الْحرم، وَالْحُرْمَة كَانَت للحرم فِي إِرَاقَة دم محرم الإراقة، فَكَانَ الْحرم فِي حَقه ﷺ وَفِي تِلْكَ السَّاعَة بِمَنْزِلَة الْحل، ثمَّ عَادَتْ حرمتهَا كَمَا كَانَت، وَإِنَّمَا قَالَ: فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله ﷺ، وَلم يُقَال: لقتالي بَيَانا لاستظهار التَّرَخُّص، فَإِن الرَّسُول الْمبلغ للشرائع، إِذا فعل ذَلِك كَانَ دَلِيلا على جَوَاز التَّرَخُّص. وَإِنَّمَا الْتفت ثَانِيًا بقوله: (وَإِنَّمَا أذن لي) وَلم يقل: أذن لَهُ، بَيَانا لاختصاصه بذلك بِالْإِضَافَة إِلَى ضَمِيره كَمَا فِي قَول امرىء الْقَيْس:
[ ٢ / ١٤١ ]
(وَذَلِكَ من نبأ جَاءَنِي وخبرته عَن أبي الْأسود)
قَوْله: (سَاعَة من نَهَار) أَرَادَ بِهِ مِقْدَارًا من الزَّمَان من يَوْم الْفَتْح وَهُوَ زمَان الدُّخُول فِيهَا، وَلَا يعلم من الحَدِيث إِبَاحَة عضد الشّجر لرَسُول الله ﷺ فِي تِلْكَ السَّاعَة. قَوْله: (حرمتهَا) أَي الحكم الَّذِي فِي مُقَابلَة الْإِبَاحَة المستفادة من لفظ الْإِذْن، وَلَفظ الْيَوْم يُطلق وَيُرَاد بِهِ يَوْمك الَّذِي أَنْت فِيهِ. أَي: من يَوْم وَقت طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الزَّمَان الْحَاضِر الْمَعْهُود، وَقد يكون أَكثر من يَوْم وَاحِد وَأَقل، وَكَذَا حكم الأمس. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِهِ هَهُنَا؟ قلت: الظَّاهِر أَنه الْحَاضِر وَيحْتَمل أَيْضا الْمَعْنى الآخر أَي مَا بَين الطُّلُوع إِلَى الْغُرُوب. وَتَكون حينئذٍ اللَّام للْعهد من يَوْم الْفَتْح، إِذْ عود حرمتهَا كَانَ فِي يَوْم الْفَتْح لَا فِي غَيره الَّذِي هُوَ يَوْم صُدُور هَذَا القَوْل، وَكَذَا اللَّام فِي الأمس يكون معهودًا من أمس يَوْم الْفَتْح. قَوْله: (مَا قَالَ عَمْرو) أَي فِي جوابك، فَقَالَ أَبُو شُرَيْح: قَالَ، أَي عَمْرو: أَنا اعْلَم مِنْك: قَالَ ابْن بطال: مَا قَالَه لَيْسَ بِجَوَاب لِأَنَّهُ لم يخْتَلف مَعَه فِي أَن من أصَاب حدا فِي غير الْحرم ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم هَل يُقَام عَلَيْهِ؟ وَإِن مَا أنكرهُ عَلَيْهِ أَبُو شُرَيْح بَعثه الْخَيل إِلَى مَكَّة واستباحته حرمتهَا بِنصب الْحَرْب عَلَيْهَا، فحاد عَمْرو عَن الْجَواب، وَاحْتج أَبُو شُرَيْح بِعُمُوم الحَدِيث، وَذهب إِلَى أَن مثله لَا يجوز أَن يستباح نَفسه وَلَا ينصب الْحَرْب عَلَيْهَا بِقِتَال بَعْدَمَا حرمهَا رَسُول الله ﷺ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لما سمع عَمْرو ذَلِك رده بقوله: أَنا أعلم، وَيَعْنِي: إِن صَحَّ سماعك وحفظك لَكِن مَا فهمت الْمَعْنى المُرَاد من الْمُقَاتلَة، فَإِن ذَلِك التَّرَخُّص كَانَ بِسَبَب الْفَتْح عنْوَة وَلَيْسَ بِسَبَب قتل من اسْتَحَقَّه خَارج الْحرم، وَالَّذِي أَنا بصدده من الْقَبِيل الثَّانِي لَا من الأول، فَكيف تنكر عَليّ؟ فَهُوَ من القَوْل بِالْمُوجبِ، يَعْنِي: الْجَواب مُطَابق وَلَيْسَ مجاوبة من غير سُؤَاله. قلت: كَونه جَوَابا على اعْتِقَاد عَمْرو فِي ابْن الزبير، وَالله اعْلَم، وَقد شنع عَلَيْهِ ابْن حزم فِي ذَلِك فِي (الْمحلى) فِي كتاب الْجِنَايَات، فَقَالَ: لَا كَرَامَة للئيم الشَّيْطَان الشرطي الْفَاسِق، يُرِيد أَن يكون أعلم من صَاحب رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَهَذَا الْفَاسِق هُوَ العَاصِي لله وَلِرَسُولِهِ وَمن وَالَاهُ أَو قَلّدهُ، وَمَا حَامِل الخزي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إلاَّ هُوَ وَمن أمره وَصوب قَوْله، وَكَأن ابْن حزم إِنَّمَا ذكر ذَلِك لِأَن عمرا ذكر ذَلِك عَن اعْتِقَاده فِي ابْن الزبير، ﵄.
وَقَالَ ابْن بطال اخْتلف الْعلمَاء فِي الصَّحَابِيّ إِذا روى الحَدِيث هَل يكون أولى بتأويله مِمَّن يَأْتِي بعده أم لَا؟ فَقَالَت طَائِفَة تَأْوِيل الصَّحَابِيّ أولى لِأَنَّهُ الرَّاوِي للْحَدِيث، وَهُوَ أعلم بمخرجه وَسَببه. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يلْزم تَأْوِيله إِذا لم يصب التَّأْوِيل. وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي (شرح كتاب الْبُرْهَان): مُخَالفَة الرَّاوِي لما رَوَاهُ على أَقسَام: مُخَالفَة بِالْكُلِّيَّةِ، وَمُخَالفَة ظَاهِرَة على وَجه التَّخْصِيص، وَتَأْويل مُحْتَمل أَو مُجمل. وكل هَذِه الْأَقْسَام فِيهَا الْخلاف. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: مَذْهَب الشَّافِعِي اتِّبَاع رِوَايَته لَا عمله، وَمذهب أبي حنيفَة اتِّبَاع عمله لَا رِوَايَته، فَإِذا كَانَ الحَدِيث عَاما فَهَل يخص بِعَمَل رَاوِيه، وَكَذَا إِذا كَانَ لفظ الحَدِيث مُجملا فَصَرفهُ الرَّاوِي إِلَى أحد محتملاته، هَل يُصَار إِلَى مذْهبه؟ فَفِي ذَلِك خلاف. وَقَالَ الْخَطِيب: ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه إِن كَانَ تَأْوِيل الرَّاوِي يُخَالف ظَاهر الحَدِيث رَجَعَ إِلَى الحَدِيث، وَإِن كَانَ أحد محتملاته الظَّاهِرَة رَجَعَ إِلَيْهِ، وَمثله إِمَام الْحَرَمَيْنِ بقوله ﷺ: (الذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا إلاَّ هَا وَهَا)، حمله ابْن عمر، ﵄، على التَّقَابُض فِي الْمجْلس، وَحَدِيث ابْن عمر: (البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا) حمله ابْن عمر على فرقة الْأَبدَان، وَذكر الْحَنَفِيَّة حَدِيث أبي هُرَيْرَة، ﵁، فِي ولوغ الْكَلْب سبعا، وَأَن مَذْهَب أبي هُرَيْرَة جَوَاز الِاقْتِصَار على الثَّلَاث. وَأَن السَّبع مَنْدُوبَة. وَقَالَ الْمَازرِيّ، وَغَيره: يَنْبَغِي أَن يعد حَدِيث أبي هُرَيْرَة من بَاب الْمُخَالفَة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى النّسخ لَا بِمَعْنى التَّخْصِيص، فَإِن الِاقْتِصَار على الثَّلَاث مُخَالفَة للعدد الْمَحْدُود وَهُوَ السَّبع. قلت: إِنَّمَا خَالف أَبُو هُرَيْرَة الْعدَد السَّبع لثُبُوت انتساخه عِنْده، وَالْحمل عَلَيْهِ تَحْسِين الظَّن فِي حق الصَّحَابِيّ. وَقَالَ الْمَازرِيّ: وَيَنْبَغِي أَن يكون مثله حَدِيث عَائِشَة، ﵂، وَقَول أبي القعيس لَهَا: أتحتجبين مني وَأَنا عمك؟ قَالَت: كَيفَ ذَلِك؟ فَقَالَ: أَرْضَعتك امْرَأَة أخي بِلَبن أخي. قَالَت: فَسَأَلت عَن ذَلِك رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: (فَقَالَ: صدق أَفْلح إيذني لَهُ) فروته وأفتته بِخِلَافِهِ، فَكَانَ يدْخل عَلَيْهَا من أرضعه أخواتها وَبَنَات أُخْتهَا، وَلَا يدْخل عَلَيْهَا من أرضعه نسَاء إخوتها. وَلم يحرم بِلَبن الْفَحْل هِيَ وَابْن عمر وَابْن الزبير وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْمسيب وَالقَاسِم وَأَبُو سَلمَة وَأهل الظَّاهِر، وَاحْتَجُّوا بِأَن عَائِشَة روته وَلم تعْمل بِهِ وَلم يَأْخُذ بِهِ الْكُوفِيُّونَ وَلَا الشَّافِعِي وَلَا التفتوا إِلَى تَأْوِيلهَا، وَأخذُوا بحديثها وافتوا بِتَحْرِيم لبن
[ ٢ / ١٤٢ ]
الْفَحْل. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، ﵄، فِي بَرِيرَة، أَن النَّبِي ﷺ خَيرهَا بعد أَن اشترتها عَائِشَة وأعتقتها، وَأَن ابْن عَبَّاس يُفْتِي أَن بيعهَا طَلَاق، وَمَا رَوَاهُ مُخَالف لفتياه، لِأَنَّهُ لَو كَانَ بيعهَا طَلَاقا لم يُخَيّر وَهِي مُطلقَة؟ وروت عَائِشَة، قَالَت: فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ فزيد فِي صَلَاة الْحَضَر وأقرت صَلَاة السّفر، وَكَانَت عَائِشَة تتمّ. فَترك الْكُوفِيُّونَ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل قَوْلهَا وَأخذُوا بحديثها، وَقَالُوا: قصر الصَّلَاة فِي السّفر فَرِيضَة، وَرَوَاهُ أَشهب عَن مَالك، وروى عَنهُ أَبُو مُصعب أَنه سنة، وَذهب جمَاعَة وَالشَّافِعِيّ إِلَى التَّخْيِير بَين الْقصر والإتمام، وَالله اعْلَم.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه.
الأول: فِي قَول أبي شُرَيْح: (ائْذَنْ لي أَيهَا الْأَمِير) حُسن التلطف فِي الْإِنْكَار لَا سِيمَا مَعَ الْمُلُوك فِيمَا يُخَالف مقصودهم، لِأَن التلطف بهم أدعى لقبولهم لَا سِيمَا من عرف مِنْهُ بارتكاب هَوَاهُ، وَأَن الغلظة عَلَيْهِم قد تكون سَببا لإثارة فتْنَة ومعاندة.
الثَّانِي: فِيهِ وَفَاء أبي شُرَيْح، ﵁، بِمَا أَخذه الله على الْعلمَاء من الْمِيثَاق فِي تَبْلِيغ دينه ونشره حَتَّى يظْهر، وَقد روى ابْن إِسْحَاق فِي آخِره أَنه قَالَ لَهُ عَمْرو بن سعيد: نَحن أعلم بحرمتها مِنْك، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُرَيْح: إِنِّي كنتُ شَاهدا وكنتَ غَائِبا، وَقد أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن يبلغ شاهدُنا غائبنا، وَقد أبلغتك فَأَنت وشأنك. وَقَالَ ابْن بطال: كل من خاطبه النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، بتبليغ الْعلم من كَانَ فِي زَمَنه فالتبليغ عَلَيْهِ مُتَعَيّن، وَأما من بعدهمْ فالتبليغ عَلَيْهِم فرض كِفَايَة. قلت: فِيهِ نظر، فقد ذكر أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أَن التَّبْلِيغ عَن النَّبِي، ﵊، فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ وَاحِد سقط عَن البَاقِينَ، وَقد كَانَ النَّبِي، ﵊، إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَالْحكم لَا يبوح بِهِ فِي النَّاس، لَكِن يخبر بِهِ من حَضَره ثمَّة على لِسَان أُولَئِكَ إِلَى مَن ورَاءهم قوما بعد قوم، قَالَ: فالتبليغ فرض كِفَايَة والإصغاء فرض عين، والوعي وَالْحِفْظ يترتبان على معنى مَا يستمع بِهِ، فَإِن كَانَ مَا يَخُصُّهُ تعين عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ يتَعَلَّق بِهِ وَبِغَيْرِهِ كَانَ الْعَمَل فرض عين، والتبليغ فرض كِفَايَة، وَذَلِكَ عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ، وَلَا يلْزمه أَن يَقُول ابْتِدَاء وَلَا بعده، فقد كَانَ قوم من الصَّحَابَة يكثرون الحَدِيث: قَالَ رَسُول الله، ﵊، فحبسهم عمر، ﵁، حَتَّى مَاتَ وهم فِي سجنه. هَذَا آخر كَلَامه.
الثَّالِث: اسْتدلَّ بقوله: (لَا يحل لأحد يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر) الحَدِيث، بَعضهم على أَن الْكفَّار غير مخاطبين بِفُرُوع الشَّرِيعَة، وَالصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ خِلَافه. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا مَفْهُوم لَهُ، وَقد اسْتعْمل منطوقه بِتَحْرِيم الْقِتَال على الْمُؤمن فِيهَا.
الرَّابِع: اسْتدلَّ بَعضهم بقوله: (أَن يسفك بهَا دَمًا) على تَحْرِيم الْقِتَال بِمَكَّة، وَهُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ السِّيَاق، وَهُوَ قَوْله: (فَإِن أحد ترخص) الخ. وَقَوله فِي بعض طرق الحَدِيث: (وَإنَّهُ لم يحل الْقِتَال لأحد قبلي)، وَالضَّمِير فِي: إِنَّه، للشأن. وَهَذِه الْأَحَادِيث ظَاهرهَا يدل على أَن حكم الله تَعَالَى أَن لَا يُقَاتل من كَانَ بِمَكَّة، ويؤمن من استجار بهَا وَلَا يتَعَرَّض لَهُ، وَهُوَ قَول قَتَادَة وَغَيره فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا إِنَّا جعلنَا حرما آمنا﴾ (العنكبوت: ٦٧) وَكَانَت عَادَة الْعَرَب احترام مَكَّة. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: من خَصَائِص الْحرم أَن لَا يحارب أَهله، فَإِن بغوا على أهل الْعدْل، قَالَ بعض الْفُقَهَاء: يحرم قِتَالهمْ ويضيقوا عَلَيْهِم حَتَّى يرجِعوا إِلَى الطَّاعَة. وَقَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء: يُقَاتلُون على بغيهم إِذا لم يُمكن ردهم إلاَّ بِالْقِتَالِ، لِأَن قتال أهل الْبَغي من حُقُوق الله تَعَالَى الَّتِي لَا تجوز إضاعتها، فحفظها فِي الْحرم أولى من إضاعتها. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقد نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي كتاب: اخْتِلَاف الحَدِيث، فِي (الْأُم) . وَأجَاب الشَّافِعِي عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِأَن التَّحْرِيم يعود إِلَى نصب الْقِتَال وقتالهم بِمَا يعم كالمنجنيق وَغَيره إِذا لم يُمكن إصْلَاح الْحَال بِدُونِهِ، بِخِلَاف مَا إِذا تحصن الْكفَّار بِبَلَد آخر، فَإِنَّهُ يجوز قِتَالهمْ على كل وَجه بِكُل شَيْء. وَقَالَ الْقفال، من أَصْحَاب الشَّافِعِي، فِي (شرح التَّلْخِيص) فِي أول كتاب النِّكَاح: لَا يجوز الْقِتَال بِمَكَّة، وَلَو تحصنت جمَاعَة من الْكفَّار فِيهَا لم يجز قِتَالهمْ. قَالَ النَّوَوِيّ: الَّذِي قَالَه الْقفال غلط، نبهت عَلَيْهِ. قلت: بل هُوَ مُوَافق لِلْقَوْلِ الأول الَّذِي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ. وَظَاهر الحَدِيث يعضده، فَإِن قَوْله: (لَا يحل لأحد) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فتعم.
الْخَامِس: اسْتدلَّ أَبُو حنيفَة بقوله: (لَا يحل لمن يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يسفك بهَا دَمًا) على أَن الملتجىء إِلَى الْحرم لَا يقتل لِأَنَّهُ عَام يدْخل فِيهِ هَذِه الصُّورَة، وَحكى ابْن بطال اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيمَن أصَاب حدا من قتل أَو زنا أَو سَرقَة، فَقَالَ ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَالشعْبِيّ: إِن إصابه فِي الْحرم أقيم عَلَيْهِ وَإِن أَصَابَهُ فِي غير الْحرم لَا يُجَالس وَلَا يدانى حَتَّى يخرج فيقام عَلَيْهِ، لِأَن الله تَعَالَى جعله آمنا دون غَيره فَقَالَ: ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (آل عمرَان: ٩٧) وَقَالَ آخَرُونَ: إِذا أَصَابَهُ فِي غير الْحرم ثمَّ لَجأ إِلَيْهِ يخرج ويقام عَلَيْهِ الْحَد، وَلم يحضروا مُجَالَسَته وَلَا مسامعته، وَهُوَ مَذْهَب ابْن الزبير وَالْحسن وَمُجاهد. وَقَالَ آخَرُونَ:
[ ٢ / ١٤٣ ]
لايمنع من إِقَامَة الْحَد فِيهِ، والملتجىء إِلَيْهِ عَلَيْهِ الْحَد الَّذِي وَجب عَلَيْهِ قبل أَن يلجأ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب عَمْرو بن سعيد كَمَا ذكر فِي الحَدِيث. وَحكى الْقُرْطُبِيّ أَن ابْن الْجَوْزِيّ حكى الْإِجْمَاع فِيمَن جنى فِي الْحرم: انه يُقَاد مِنْهُ، وفيمن جنى خَارجه ثمَّ لَجأ إِلَيْهِ عَن أبي حنيفَة وَأحمد أَنه لَا يُقَام عَلَيْهِ. قلت: مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ يُقَام عَلَيْهِ. وَنقل ابْن حزم عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة الْمَنْع، ثمَّ قَالَ: وَلَا مُخَالف لَهُم من الصَّحَابَة، ثمَّ نقل عَن جمَاعَة من التَّابِعين موافقتهم، ثمَّ شنع على مَالك وَالشَّافِعِيّ، فَقَالَ: قد خالفا فِي هَذَا هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة وَالْكتاب وَالسّنة، وَاحْتج بَعضهم لمذهبهما بِقصَّة ابْن خطل. وَأجِيب عَنْهَا بأوجه. أَحدهَا: أَنه ارْتَدَّ وَقتل مُسلما وَكَانَ يهجو النَّبِي، ﵊. الثَّانِي: أَنه لم يدْخل فِي الْأمان فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهُ وَأمر بقتْله وَإِن وجد مُعَلّقا باستار الْكَعْبَة. الثَّالِث: أَنه كَانَ مِمَّن قَاتل، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ إِنَّمَا قتل فِي تِلْكَ السَّاعَة الَّتِي أبيحت لَهُ، وَهُوَ غَرِيب، فَإِن سَاعَة الدُّخُول حِين استولى عَلَيْهَا وأذعن أَهلهَا، وَقتل ابْن خطل بعد ذَلِك، وَبعد قَوْله: (من دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن)، وَقد دخل لكنه اسْتَثْنَاهُ مَعَ جمَاعَة غَيره.
السَّادِس: فِي قَوْله: (فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله، ﵊) دَلِيل على على أَن مَكَّة فتحت عنْوَة، وَهُوَ مَذْهَب الْأَكْثَرين. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ، لَكِن من رَآهَا عنْوَة يَقُول: إِن النَّبِي، ﵊، منَّ على أَهلهَا وسوغهم أَمْوَالهم ودورهم وَلم يقسمها وَلم يَجْعَلهَا فَيْئا. قَالَ أَبُو عبيد: وَلَا يعلم مَكَّة يشبهها شَيْء من الْبِلَاد. وَقَالَ الشَّافِعِي وَغَيره: فتحت صلحا، وتأولوا الحَدِيث بِأَن الْقِتَال كَانَ جَائِزا، لَهُ، ﵊، لَو احْتَاجَ إِلَيْهِ، ويضعف هَذَا التَّأْوِيل قَوْله فِي الحَدِيث: (فَإِن أحد ترخص لقِتَال رَسُول الله، ﵊) فَإِنَّهُ يدل على وجود الْقَتْل. وَقَوله: (من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن)، وَكَذَلِكَ غَيره من النَّاس الْمُعَلق على أَشْيَاء مَخْصُوصَة، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: عِنْدِي أَن أَسْفَل مَكَّة دخله خَالِد بن الْوَلِيد، ﵁ عنْوَة، وأعلاها دخله الزبير بن الْعَوام، ﵁، صلحا، ودخلها الشَّارِع من جِهَته، فَصَارَ حكم جِهَته الْأَغْلَب.
السَّابِع: فِي قَوْله: (وَلَا يعضد بهَا شَجَرَة) دَلِيل على حُرْمَة قطع شجر الْحرم، وَفِي رِوَايَة: (وَلَا يعضد شوكه)، وَفِي رِوَايَة: (وَلَا يخبط شَوْكهَا) . قَالَ النَّوَوِيّ: اتّفق الْعلمَاء على تَحْرِيم قطع أشجارها الَّتِي لَا ينبتها الآدميون فِي الْعَادة وعَلى تَحْرِيم خَلاهَا، وَاخْتلفُوا فِيمَا ينبته الآدميون، وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي ضَمَان الشَّجَرَة إِذا قلعهَا، فَقَالَ مَالك: يَأْثَم وَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب فِي الْكَبِيرَة بقرة وَفِي الصَّغِيرَة شَاة، وَكَذَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، ﵃، وَبِه قَالَ أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْوَاجِب فِي الْجَمِيع الْقيمَة، وَيجوز عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه رعي الْبَهَائِم فِي كلأ الْحرم، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: لَا يجوز، والكلأ والعشب اسْم للرطب، والحشيش اسْم لليابس مِنْهُ، والكلأ يُطلق عَلَيْهِمَا. قَوْله: (وَلَا يعضد شوكه) دَلِيل على تَحْرِيم قطع الشوك المؤذي وَغَيره، وَقد أَخذ بِهِ بَعضهم عملا بِعُمُوم الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم لَا يحرم الشوك لأذاه تَشْبِيها بالفواسق الْخمس، وخصوا الحَدِيث بِالْقِيَاسِ. قَالَ الْخطابِيّ: أَكثر الْعلمَاء على إِبَاحَة الشوك، وَيُشبه أَن يكون الْمَحْظُور مِنْهُ مَا ترعاه الْإِبِل، وَهُوَ مَا رق مِنْهُ دون الصلب الَّذِي لَا ترعاه، فَيكون ذَلِك كالحطب وَغَيره. قلت: صحّح الْمُتَوَلِي، من الشَّافِعِيَّة، التَّحْرِيم مُطلقًا، وَالْقِيَاس الْمَذْكُور ضَعِيف لقِيَام الْفَارِق وَهُوَ أَن الفواسق الْخمس تقصد الْأَذَى بِخِلَاف الشوك.
الثَّامِن: فِي قَوْله: (وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب) صَرَاحَة بِنَقْل الْعلم وإشاعة السّنَن والاحكام، وَهُوَ إِجْمَاع.
التَّاسِع: أَن الحَدِيث يدل صَرِيحًا على تَحْرِيم الله مَكَّة، وَأبْعد من قَالَ: إِن إِبْرَاهِيم، ﵊، أول من افْتتح ذَلِك، وَالصَّوَاب، أَنَّهَا مُحرمَة من يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض.
الْعَاشِر: فِيهِ النَّصِيحَة لولاة الْأُمُور وَعدم الْغِشّ لَهُم والإغلاظ عَلَيْهِم.
الْحَادِي عشر: فِيهِ ذكر التَّأْكِيد فِي الْكَلَام.
الثَّانِي عشر: فِيهِ تَقْدِيم الْحَمد على الْمَقْصُود.
الثَّالِث عشر: فِيهِ إِثْبَات الْقيمَة.
الرَّابِع عشر: فِيهِ اخْتِصَاص الرَّسُول، ﵊، بخصائص.
الْخَامِس عشر: فِيهِ جَوَاز الْقيَاس عَلَيْهِ، ﵊، لَوْلَا الْعلم بِكَوْن الحكم من خَصَائِصه.
السَّادِس عشر: فِيهِ جَوَاز النّسخ، إِذْ نسخ الْإِبَاحَة للرسول، ﵊، بِالْحُرْمَةِ.
السَّابِع عشر: فِيهِ جَوَاز المجادلة.
الثَّامِن عشر: فِيهِ مُخَالفَة التَّابِعِيّ للصحابي بِالِاجْتِهَادِ.
التَّاسِع عشر: فِيهِ فضل أبي شُرَيْح لاتباعه أَمر النَّبِي، ﵊، بالتبليغ عَنهُ.
الْعشْرُونَ: فِيهِ وجوب الْإِنْكَار من الْعَالم على الْأَمِير إِذا رأى أَنه غيّر شَيْئا من الدّين، وَإِن لم يسْأَل عَنهُ.
الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: فِي قَوْله: (ووعاه قلبِي) دَلِيل على أَن الْعقل مَحَله الْقلب لَا الدِّمَاغ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مَحَله الدِّمَاغ لقَالَ: ووعاه
[ ٢ / ١٤٤ ]
رَأْسِي، وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث إِنَّه مُشْتَرك بَينهمَا.
الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: فِيهِ أَن التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم من عِنْد الله لَا مدْخل لبشر فِيهِ، وَأَن ذَلِك لَا يعرف إلاَّ مِنْهُ فعلا وقولًا وتقريرًا.
الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: (إِن مَكَّة حرمهَا الله وَلم يحرمها النَّاس) يُعَارضهُ قَوْله: ﵇: (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة) الحَدِيث. وَأجِيب: بِأَن نِسْبَة الحكم لإِبْرَاهِيم على معنى التَّبْلِيغ، فَيحْتَمل أَن تَحْرِيم إِبْرَاهِيم لَهَا بإعلام الله تَعَالَى أَنه حرمهَا، فتحريمه لَهَا بِتَحْرِيم الله لَا بِاجْتِهَادِهِ، أوكل الله إِلَيْهِ تَحْرِيمهَا فَكَانَ عَن أَمر الله، فأضيف إِلَى الله مرّة لذَلِك، وَمرَّة لإِبْرَاهِيم، أَو أَنه دعى إِلَيْهِ فَكَانَ تَحْرِيم الله لَهَا بدعوته. قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره من الْعلمَاء: قيل: إِن مَكَّة مَا زَالَت مُحرمَة من يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقيل: كَانَت حَلَالا إِلَى زمن إِبْرَاهِيم، ﵊، وَالْأول قَول الْأَكْثَرين وأوفق للْحَدِيث. وَأجِيب: عَن حَدِيث إِبْرَاهِيم بِأَن التَّحْرِيم كَانَ خفِيا ثمَّ أظهره إِبْرَاهِيم، ﵇، وَقَالَ أَصْحَاب القَوْل الثَّانِي: إِن معنى الحَدِيث أَن الله كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَغَيره يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض: إِن إِبْرَاهِيم سيحرم مَكَّة، بِإِذن الله تَعَالَى. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ خصص من بَين مَا يجب بِهِ الْإِيمَان هذَيْن اللَّفْظَيْنِ: الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَي الْقِيَامَة؟ أُجِيب: بِأَن الأول إِشَارَة إِلَى المبدأ وَالثَّانِي إِلَى الْمعَاد، والبواقي دَاخِلَة تحتهما. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ سمي يَوْم الْقِيَامَة الْيَوْم الآخر؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ لَا ليل بعده، وَلَا يُقَال: يَوْم إلاَّ لمَا تقدمه ليل. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل أحل للنَّبِي، ﵊، فِي السَّاعَة الَّتِي أحلّت لَهُ مَكَّة سَائِر الْأَشْيَاء؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ أحلّت لَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَة: الدَّم دون الصَّيْد، وَقطع الشّجر، وَسَائِر مَا حرم الله على النَّاس.
١٠٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قالَ: حدّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عَنْ مُحمَّدٍ عنِ ابنِ أبي بَكْرَةَ، عنْ أبي بَكْرَةَ ذُكِرَ النبيُّ ﷺ قالَ: (فإنّ دِمَاءَكُمْ وأموَالَكُمْ) . قالَ مُحمَّدٌ: وأحْسِبُهُ قالَ: وأعْرَاضَكُمْ: (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَة يَوْمكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ) وكانَ مُحَمَّدٌ يَقُولَ: صَدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، كانَ ذَلِكَ، (ألاَ هَلْ بَلَّغْتُ) . مَرَّتَيْنِ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَلا ليبلغ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب) .
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْبَصْرِيّ انْفَرد البُخَارِيّ بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَهُوَ ثِقَة ثَبت، وَثَّقَهُ يحيى وَآخَرُونَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق ثِقَة، توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه نفيع، وَقد تقدم.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنه وَقع فِي بعض النّسخ: عَن مُحَمَّد عَن أبي بكرَة بِحَذْف ابْن أبي بكرَة بَينهمَا، وَفِي بَعْضهَا: عَن مُحَمَّد بن أبي بكرَة بتبديل: عَن، بِلَفْظ ابْن، وَكِلَاهُمَا وهم فَاحش. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَأما سَنَد هَذَا الحَدِيث فقد وَقع فِي البُخَارِيّ فِيهِ اضْطِرَاب من الروَاة عَن الْفربرِي. قَالَ أَبُو عَليّ الغساني: وَقع فِي نُسْخَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ، فِيمَا قَيده عَن الْحَمَوِيّ وَأبي الْهَيْثَم عَن الْفربرِي: عَن مُحَمَّد عَن أبي بكرَة، هُنَا سقط ابْن أبي بكرَة. وَرَوَاهُ سَائِر رُوَاة الْفربرِي، بِإِثْبَات ابْن أبي بكرَة بَين مُحَمَّد وَأبي بكرَة، وَوَقع الْخلَل فِيهِ أَيْضا فِي كتاب بَدْء الْخلق والمغازي، وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: فِي نُسْخَة أبي زيد أَيُّوب: عَن مُحَمَّد بن أبي بكرَة، وَفِي نُسْخَة الْأصيلِيّ: مُحَمَّد عَن أبي بكرَة على الصَّوَاب. وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب الْعِلَل): إِن إِسْمَاعِيل بن علية وَعبد الْوَارِث روياه عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أبي بكرَة، لم يذكرَا بَينهمَا أحدا، وَكَذَا رَوَاهُ يُونُس: عَن عبيد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي بكرَة، وَرَوَاهُ قُرَّة بن خَالِد: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين. قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَرجل آخر أفضل من عبد الرَّحْمَن. وَسَماهُ أَبُو عَامر الْعَقدي: حميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي. انْتهى كَلَامه. وَقَالَ الغساني: اتِّصَال هَذَا الْإِسْنَاد وَصَوَابه أَن يكون: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَيْضا عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي عَن أبي بكرَة، ﵁. قلت: الصَّوَاب الَّذِي ذكره
[ ٢ / ١٤٥ ]
هُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني كَمَا تقدم فِي أَوَائِل كتاب الْعلم من طَرِيق أُخْرَى: عَن مُحَمَّد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه، وَقد تقدم هُنَاكَ أَكثر مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحَدِيث.
بَيَان الْإِعْرَاب واللغات: قَوْله: (ذكر النَّبِي، ﵊. قَالَ: فَإِن دماءكم) أَي: ذكر أَبُو بكرَة النَّبِي، ﵊، وَلَيْسَ هَذَا من الذّكر الَّذِي بعد النسْيَان. وَقَوله: (قَالَ)، أَي النَّبِي، ﵊، الْمَعْنى: ذكر أَبُو بكرَة النَّبِي، ﵊، ثمَّ قَالَ: قَالَ النَّبِي، ﵊، و: الْفَاء، فِي فَإِن، عاطفة والمعطوف عَلَيْهِ مَحْذُوف، لِأَن هَذَا الحَدِيث مَخْزُوم، لِأَنَّهُ بعض حَدِيث طَوِيل وَقد سبق بعضه فِي بَاب: قَول النَّبِي، ﵊: (رب مبلغ أوعى من سامع)، حَيْثُ قَالَ رَسُول الله ﵊: (أَي يَوْم هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه قَالَ: أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟ فَقُلْنَا: بلَى، قَالَ: فَأَي شهر هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحجَّة؟ قُلْنَا: بلَى. قَالَ: فَإِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ بَيْنكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا) إِلَى آخِرَة، وَقد خرم الحَدِيث هَهُنَا اقتصارا على الْمَقْصُود وَهُوَ بَيَان التَّبْلِيغ. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) أَي: ابْن سِيرِين أحد الروَاة. قَوْله: (واحسبه) أَي: أَظُنهُ، أَي: أَظن ابْن أبي بكرَة، قَالَ: (وَأَعْرَاضكُمْ)، بِالنّصب عطف على قَوْله: (وَأَمْوَالكُمْ) . وَقَوله: (قَالَ مُحَمَّد وَأَحْسبهُ قَالَ)، جمل مُعْتَرضَة. قَوْله: (حرَام) خبر: إِن، وَقَالَ الْكرْمَانِي: جمل مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها بِحَسب الظَّاهِر. قلت: بِحَسب الظَّاهِر اعتراضها بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ فِي الْحَقِيقَة بَين اسْم إِن وخبرها. فَإِن قلت: كَيفَ روى مُحَمَّد بن سِيرِين هَهُنَا ظَانّا فِي هَذَا اللَّفْظ، وَفِيمَا تقدم جَازَ مَا فِيهِ كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي ذَلِك الْبَاب؟ قلت: إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد رِوَايَته لأيوب ظَانّا فِي تِلْكَ اللَّفْظَة، وَبعدهَا تذكر فَحصل لَهُ الْجَزْم بهَا، فرواها لِابْنِ عون جَازِمًا. وَإِمَّا بِالْعَكْسِ لطرو تردد لَهُ أَو لغير ذَلِك، وَالله أعلم. فَإِن قلت: مَا معنى قَوْله: (عَلَيْكُم) إِذْ مَعْلُوم أَن أَمْوَالنَا لَيست حَرَامًا علينا؟ قلت: الْعقل مُبين للمقصود وَهُوَ: أَمْوَال كل أحد مِنْكُم حرَام على غَيره، وَذَلِكَ عِنْد فقدان شَيْء من أَسبَاب الْحل، وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وَهِي بَيْنكُم بدل: عَلَيْكُم. قَوْله: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض بِالْكَسْرِ، وَقد فسرناه هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَحَاصِله أَنه يُقَال للنَّفس وللحسب. وَقَالَ فِي (شرح السّنة) لَو كَانَ المُرَاد من الْأَعْرَاض النُّفُوس لَكَانَ تَكْرَارا، لِأَن ذكر الدِّمَاء كافٍ، إِذْ المُرَاد بهَا النُّفُوس فَيتَعَيَّن الأحساب. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الظَّاهِر أَن المُرَاد بالأعراض: الْأَخْلَاق النفسانية. قَوْله: (أَلا)، بتَخْفِيف اللَّام، كَأَنَّهُ قَالَ: ألاَ يَا قوم هَل بلغت؟ يَعْنِي: هَل عملت بِمُقْتَضى مَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك﴾ (الْمَائِدَة: ٦٧)؟ قَوْله: (وَكَانَ مُحَمَّد)، أَي: ابْن سِيرِين. قَوْله: (كَانَ ذَلِك)، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: ذَلِك إِشَارَة إِلَى مَاذَا؟ إِذْ لَا يحْتَمل أَن يشار بِهِ إِلَى: ليبلغ الشَّاهِد، وَهُوَ أَمر، لِأَن التَّصْدِيق والتكذيب من لَوَازِم الْخَبَر. قلت: إِمَّا أَن تكون الرِّوَايَة عِنْد ابْن سِيرِين: ليبلغ، بِفَتْح اللَّام فَيكون خَبرا، وَإِمَّا أَن يكون الْأَمر فِي معنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: إِخْبَار الرَّسُول، ﵊، بِأَنَّهُ سيقع التَّبْلِيغ فِيمَا بعد. وَإِمَّا أَن يكون إِشَارَة إِلَى تَتِمَّة الحَدِيث، وَهُوَ: أَن الشَّاهِد عَسى أَن يبلغ من هُوَ أوعى مِنْهُ، يَعْنِي: وَقع تَبْلِيغ الشَّاهِد أَو إِلَى مَا بعده، وَهُوَ التَّبْلِيغ الَّذِي فِي ضمن: (ألاَ هَل بلغت)؟ يَعْنِي: وَقع تَبْلِيغ الرَّسُول، ﵊، إِلَى الْأمة وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾ (الْكَهْف: ٧٨) . قلت: الْجَواب الأول موجه إِن ساعدته الرِّوَايَة عَن مُحَمَّد بِفَتْح اللَّام، وَكَون الْأَمر بِمَعْنى الْخَبَر يحْتَاج إِلَى قرينَة. أَقُول: لَا يجوز أَن يكون للْإِشَارَة إِلَى التَّبْلِيغ الَّذِي يدل عَلَيْهِ: ليبلغ، وَمعنى كَانَ ذَلِك: وَقع ذَلِك التَّبْلِيغ الْمَأْمُور بِهِ من الشَّاهِد إِلَى الْغَائِب. قَوْله: (مرَّتَيْنِ) يتَعَلَّق بقوله: قَالَ مُقَدرا، أَي: قَالَ، ﵊، مرَّتَيْنِ: أَلا هَل بلغت. فَإِن قلت: لم قدرت: قَالَ، وَمَا جعلته من تَتِمَّة: قَالَ، الْمَذْكُور فِي اللَّفْظ، وَيكون: وَكَانَ مُحَمَّد إِلَى آخِره جملَة مُعْتَرضَة؟ قلت: حِينَئِذٍ يلْزم أَن يكون مَجْمُوع هَذَا الْكَلَام مقولًا مرَّتَيْنِ، وَلم يثبت ذَلِك.