أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة وَالْعرض على الْمُحدث. قَوْله: (على الْمُحدث) يتَعَلَّق بِالْقِرَاءَةِ وَالْعرض كليهمَا، فَهُوَ من بَاب تنَازع العاملين على مَعْمُول وَاحِد.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ قِرَاءَة الشَّيْخ، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وَالسَّمَاع عَلَيْهِ، وَهَذِه مُنَاسبَة قَوِيَّة، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين، لما ذكر البُخَارِيّ فِي الْبَاب الأول قِرَاءَة الشَّيْخ، وَهُوَ قَوْله: بَاب قَول الْمُحدث: حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا، عقب بِهَذَا الْبَاب، فَذكر الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وَالسَّمَاع عَلَيْهِ، فَقَالَ: بَاب الْقِرَاءَة وَالْعرض على الْمُحدث، وَكَانَ من حَقه أَن يقدم هَذَا الْبَاب على: بَاب قَول الْمُحدث: حَدثنَا وأنبأنا، لِأَن قَول الْمُحدث: حَدثنَا وأنبأنا فرع عَن تحمله، هَل كَانَ بِالْقِرَاءَةِ أَو بِالْعرضِ، أَو يَقُول: بَاب قِرَاءَة الشَّيْخ، ثمَّ يَقُول: بَاب الْقِرَاءَة على الْمُحدث. قلت: كَلَامه مشْعر بِبَيَان الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق على هَذَا الْبَاب، وَهُوَ: بَاب قَول الْمُحدث: حَدثنَا وَأخْبرنَا. وَحقّ الْمُنَاسبَة هُوَ الَّذِي يكون بَين الْبَابَيْنِ المتواليين، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقَوله: وَكَانَ من حَقه إِلَخ، لَيْسَ كَذَلِك، بل الَّذِي رتبه هُوَ الْحق، لأَنا قد قُلْنَا: إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ قِرَاءَة الشَّيْخ، وَفِي هَذَا الْبَاب الْقِرَاءَة على الشَّيْخ، وَقِرَاءَة الشَّيْخ أقوى، والأقوى يسْتَحق التَّقْدِيم. فَإِن قلت: مَا مَقْصُود البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب المترجم بالترجمة الْمَذْكُورَة؟ قلت: أَرَادَ بِهِ الرَّد على طَائِفَة لَا يعتدون إلاَّ بِمَا يسمع من أَلْفَاظ الْمَشَايِخ دون مَا يقْرَأ لَهُ عَلَيْهِم، وَلِهَذَا قَالَ عقيب الْبَاب: وَرَأى الْحسن وَالثَّوْري وَمَالك الْقِرَاءَة جَائِزَة إِلَخ.
فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين مفهومي الْقِرَاءَة وَالْعرض؟ قلت: الْمَفْهُوم من كَلَام الْكرْمَانِي أَن بَينهمَا مُسَاوَاة، لِأَنَّهُ قَالَ: المُرَاد بِالْعرضِ هُوَ عرض الْقِرَاءَة بِقَرِينَة مَا يذكر بعد التَّرْجَمَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير لَا يَصح عطف الْعرض على الْقِرَاءَة لِأَنَّهُ نَفسهَا. قلت: الْعرض تَفْسِير الْقِرَاءَة، وَمثله يُسمى بالْعَطْف التفسيري، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا غاير بَينهمَا بالْعَطْف لما بَينهمَا من الْعُمُوم وَالْخُصُوص، لِأَن الطَّالِب إِذا قَرَأَ كَانَ أَعم من الْعرض وَمن غَيره، وَلَا يَقع الْعرض إلاَّ بِالْقِرَاءَةِ، لِأَن الْعرض عبارَة عَمَّا يُعَارض بِهِ الطَّالِب أصل شَيْخه مَعَه أَو مَعَ غَيره بِحَضْرَتِهِ، فَهُوَ أخص من الْقِرَاءَة. قلت: هَذَا كَلَام مخبط لِأَنَّهُ تَارَة جعل الْقِرَاءَة أَعم من الْعرض، وَتارَة جعلهَا مُسَاوِيَة لَهُ، لِأَن قَوْله: لِأَن الطَّالِب إِذا قَرَأَ كَانَ أَعم من الْعرض وَمن غَيره، مشْعر بِأَن بَين الْقِرَاءَة وَالْعرض عُمُوما وخصوصًا مُطلقًا لاستلزام صدق أَحدهمَا صدق الآخر، كالإنسان وَالْحَيَوَان،، وَقَوله: وَلَا يَقع الْعرض إلاَّ بِالْقِرَاءَةِ، مشْعر بِأَن بَينهمَا مُسَاوَاة، لِأَنَّهُمَا متلازمان فِي الصدْق كالإنسان والناطق، وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع أَن الْعرض بِالْمَعْنَى الْأَخَص مساوٍ للْقِرَاءَة، وبالمعنى الْأَعَمّ يكون بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق لاستلزام صدق أَحدهمَا صدق الآخر، والمستلزم أخص مُطلقًا، وَاللَّازِم أَعم، فالقراءة بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، وَالْعرض
[ ٢ / ١٦ ]
بِمَنْزِلَة الْحَيَوَان. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِن الْعرض لَهُ مَعْنيانِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِقِرَاءَة أَو لَا، فَالْأول: يُسمى عرض قِرَاءَة. وَالثَّانِي: عرض مناولة، وَهُوَ أَن يَجِيء الطَّالِب إِلَى الشَّيْخ بِكِتَاب فيعرضه عَلَيْهِ، فيتأمل الشَّيْخ وَهُوَ عَارِف متيقظ، ثمَّ يُعِيدهُ إِلَيْهِ وَيَقُول لَهُ: وقفت على مَا فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثي عَن فلَان، فأجزت رِوَايَته عني، وَنَحْوه.
وَرَأَى الحَسَنُ والثَّوْرِيُّ ومالكٌ القِرَاءَةَ جائزِةً.
أَي: رأى الْحسن الْبَصْرِيّ، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَالْإِمَام مَالك الْقِرَاءَة على الْمُحدث جَائِزَة فِي صِحَة النَّقْل عَنهُ، فَذكر عَنْهُم أَولا مُعَلّقا، ثمَّ أسْند عَنْهُم على مَا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا كَلَام مُسْتَأْنف غير دَاخل فِي التَّرْجَمَة، وَجوز الْكرْمَانِي أَن يكون دَاخِلا فِي التَّرْجَمَة بِتَأْوِيل الْفِعْل الْمَاضِي بِالْمَصْدَرِ، أَي: بَاب الْقِرَاءَة وَرَأى الْحسن الْبَصْرِيّ، وَهَذَا بعيد.
واحْتَجَّ بَعْضُهُم فِي القَراءَةِ عَلَى العَالِمِ بِحَدِيثِ ضَمامِ بنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ للنَّبي ﷺ: الله أمَرَكَ أنْ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ؟ قالَ: (نَعَمْ) قَالَ: فَهاذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النبيِّ ﷺ أخبْرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذلِكَ فأَجَازُوهُ.
أَرَادَ: بِالْبَعْضِ، هَذَا، شَيْخه الْحميدِي، فَإِنَّهُ احْتج فِي جَوَاز الْقِرَاءَة على الْمُحدث فِي صِحَة النَّقْل عَنهُ بِحَدِيث ضمام بن ثَعْلَبَة، فَإِنَّهُ قدم على النَّبِي، ﵊، وَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام، ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه فَأخْبرهُم بِهِ، فاسلموا. وَقَوله: (آللَّهُ أَمرك) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فِي لَفْظَة: (آللَّهُ)، وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ. وَقَوله: (أَمرك) جملَة خَبره، قَوْله: (أَن نصلي الصَّلَاة) أَي: بِأَن نصلي، وَالْبَاء، مقدرَة فِيهِ، وَنُصَلِّي: إِمَّا بتاء الْخطاب أَو بنُون الْجمع المصدرة على مَا يَأْتِي بَيَانه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (قَالَ: نعم) أَي قَالَ النَّبِي ﷺ: نعم الله أمرنَا بِأَن نصلي. قَوْله: (فَهَذِهِ قِرَاءَة) أَي: قَالَ الْبَعْض الَّذِي احْتج فِي الْقِرَاءَة على الْعَالم بِحَدِيث ضمام: هَذِه قِرَاءَة على النَّبِي ﷺ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي قَالَ الْبَعْض المحتج، وَهُوَ الْحسن وَالثَّوْري وَنَحْوهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن المُرَاد بِالْبَعْضِ هُوَ الْحميدِي كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: يحْتَمل أَن يكون هَذَا المحتج بعض الْمَذْكُورين. أَعنِي: الْحسن وَالثَّوْري ومالكًا. قلت: لَا يمْنَع من ذَلِك، وَلَكِن حق الْعبارَة على هَذَا أَن يُقَال: قَالَ الْبَعْض المحتج من هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، لَا كَمَا يَقُوله الْكرْمَانِي. قَوْله: (قِرَاءَة على النَّبِي) هَكَذَا هُوَ فِي غَالب النّسخ بِإِظْهَار كلمة: على، الَّتِي للاستعلاء، وَفِي بَعْضهَا: قِرَاءَة النَّبِي، فَإِن صحت تكون الْإِضَافَة فِيهِ للْمَفْعُول، وَيقدر على: فِيهِ. قَوْله: (فأجازوه)، أَي: قبلوا مِنْهُ، وَلَيْسَ المُرَاد الْإِجَازَة المصطلحة بَين أهل الحَدِيث، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى قوم ضمام، وَجوز الْكرْمَانِي: أَن يرجع الضَّمِير إِلَى النَّبِي ﵊، وصحابته، وَهَذَا بعيد، سِيمَا من حَيْثُ الْمرجع. لَا يُقَال: إجَازَة قومه لَا حجَّة فِيهِ لأَنهم كفرة، لأَنا نقُول: المُرَاد الْإِجَازَة بعد الْإِسْلَام، أَو كَانَ فيهم مُسلمُونَ يومئذٍ. فَإِن قلت: قَوْله: أخبر قومه بذلك، لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي سَاقه البُخَارِيّ، فَكيف يحْتَج بِهِ؟ قلت: إِن لم يَقع فِي هَذَا الطَّرِيق فقد وَقع فِي طَرِيق آخر، ذكره أَحْمد وَغَيره من طَرِيق ابْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، قَالَ: (بعث بَنو سعد بن بكر ضمام بن ثَعْلَبَة)
فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِي آخِره: إِن ضمامًا قَالَ لِقَوْمِهِ عِنْدَمَا رَجَعَ إِلَيْهِم: (إِن الله قد بعث رَسُولا، وَأنزل الله عَلَيْهِ كتابا وَقد جِئتُكُمْ من عِنْده بِمَا أَمركُم بِهِ ونهاكم عَنهُ. قَالَ: فوَاللَّه مَا أَمْسَى فِي ذَلِك الْيَوْم وَفِي حاضرته رجل وَلَا امْرَأَة إلاَّ مُسلما) .
واحْتَجَّ مالِكٌ بالصَّكِّ يُقْرَأُ على القَوْمِ فيَقُولُونَ: أشهْدَنَا فُلاَنُ، وَيُقْرَأُ ذَلكَ قِراءَةً عَلَيْهِمْ، ويُقْرَأُ على المُقْرِىءِ فَيَقُولُ القَارِىءُ: أقْرَأَنِي فُلانٌ.
أَرَادَ بالصك الْمَكْتُوب الَّذِي يكْتب فِيهِ إِقْرَار الْمقر. قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّك: الْكتاب، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَالْجمع صكاك وصكوك، وَفِي (الْعباب) وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ: صك، وَالْجمع: أصك وصكاك وصكوك، وَلَيْلَة الصَّك: لَيْلَة الْبَرَاءَة، وَهِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، لِأَنَّهُ يكْتب فِيهَا من صكاك الأوراق. قَوْله: (يقْرَأ) بِضَم الْيَاء فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِي: وَيقْرَأ، الثَّانِي.
[ ٢ / ١٧ ]
قَوْله: (فلَان)، منون، وَفِي بَعْضهَا بعد فلَان: وَإِنَّمَا ذَلِك قِرَاءَة عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن بطال: وَهَذِه حجَّة قَاطِعَة، لِأَن الْإِشْهَاد أقوى حالات الْإِخْبَار، وَأما قِيَاس مَالك قِرَاءَة الحَدِيث على قِرَاءَة الْقُرْآن فَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي الْكِتَابَة من طَرِيق ابْن وهب، قَالَ: سَمِعت مَالِكًا، وَسُئِلَ عَن الْكتب الَّتِي تعرض عَلَيْهِ: أيقول الرجل: حَدثنِي؟ قَالَ: نعم، كَذَلِك الْقُرْآن، أَلَيْسَ الرجل يقْرَأ على الرجل فَيَقُول، أَقْرَأَنِي فلَان، فَكَذَلِك إِذا قرىء على الْعَالم صَحَّ أَن يرْوى عَنهُ، وروى الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث عَن طَرِيق مطرف، قَالَ: صَحِبت مَالِكًا سبع عشرَة سنة فَمَا رَأَيْت قَرَأَ (المؤطأ) على أحد، يقرأون عَلَيْهِ. قَالَ: وسمعته يَأْبَى أَشد الإباء على من يَقُول: لَا يجْزِيه إلاَّ السماع من لفظ الشَّيْخ، وَيَقُول: كَيفَ لَا يجْزِيك هَذَا فِي الحَدِيث، ويجزيك فِي الْقُرْآن، وَالْقُرْآن أعظم؟
حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلاَمٍ حدّثنا مُحَمدُ بنُ الحَسَنِ الوَاسِطيُّ عَن عوفٍ عَنِ الحَسَن قَالَ: لاَ بأسَ بالقِراءَةِ على العالِمِ.
هَذَا إِسْنَاده فِيمَا ذكره عَن الْحسن أَولا مُعَلّقا عَن مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف اللَّام على الْأَصَح، البيكندي، عَن مُحَمَّد بن الْحسن بن عمرَان الْمُزنِيّ، قَاضِي وَاسِط، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الْأَثر هُنَا خَاصَّة، وَثَّقَهُ ابْن معِين: وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَأحمد: لَيْسَ بِهِ بَأْس، توفّي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَهُوَ يروي عَن عَوْف بن أبي جميلَة الْمَعْرُوف بالأعرابي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وروى الْخَطِيب هَذَا الْأَثر بأتم سياقًا مِنْهُ من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن الْحسن الوَاسِطِيّ عَن عَوْف الْأَعرَابِي: أَن رجلا سَأَلَ الْحسن، فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد، منزلي بعيد وَالِاخْتِلَاف يشق عَليّ، فَإِن لم تكن ترى بَأْسا قَرَأت عَلَيْك. قَالَ: مَا أُبَالِي قَرَأت عَلَيْك أَو قَرَأت عَليّ. قَالَ: فاقول: حَدثنِي الْحسن؟ قَالَ: نعم، قل: حَدثنِي الْحسن. قَوْله: (لَا بَأْس)، أَي: فِي صِحَة النَّقْل عَن الْمُحدث بِالْقِرَاءَةِ على الْعَالم أَي الشَّيْخ، وَقَوله: (على الْعَالم) لَيْسَ خَبرا لقَوْله: لَا بَأْس، بل هُوَ مُتَعَلق بِالْقِرَاءَةِ.
حدّثنا عُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى عنْ سُفْيانَ قَالَ: إِذا قُرِىءَ على المُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ أَن تَقُولَ: حدّثني. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا عاصِمٍ يَقولُ: عنْ مالِكٍ وسفُيانَ: القِراءَةُ على العالِمِ وقرِاءَتُهُ سَواءٌ.
هَذَا إِسْنَاده فِيمَا ذكره عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس أَولا مُعَلّقا عَن عبيد اللَّه بن مُوسَى بن باذام الْعَبْسِي، بالمهملتين، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. قَوْله: (فَلَا بَأْس)، أَي على القارىء أَن يَقُول: حَدثنِي، كَمَا جَازَ أَن يَقُول: أَخْبرنِي، فَهُوَ مشْعر بِأَن لَا تفَاوت عِنْده بَين حَدثنِي وَأَخْبرنِي، وَبَين أَن يقْرَأ على الشَّيْخ أَو يقرأه الشَّيْخ عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ) أَي البُخَارِيّ، وَسمعت أَبَا عَاصِم، وَهُوَ الضَّحَّاك بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم، ابْن الضَّحَّاك بن مُسلم ابْن رَافع بن الْأسود بن عَمْرو بن والان بن ثَعْلَبَة بن شَيبَان، الْبَصْرِيّ الْمَشْهُور بالنبيل، بِفَتْح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام، لقب بِهِ لِأَنَّهُ قدم الْفِيل الْبَصْرَة، فَذهب النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْن جرير: مَالك لَا تنظر؟ فَقَالَ: لَا أجد مِنْك عوضا. فَقَالَ: أَنْت نبيل، أَو لقب بِهِ لكبر أَنفه أَو لِأَنَّهُ كَانَ يلْزم زفر، رَحمَه الله تَعَالَى، وَكَانَ حسن الْحَال فِي كسوته؟ وَكَانَ أَبُو عَاصِم آخر رث الْحَال ملازمًا لَهُ، فجَاء النَّبِيل يَوْمًا إِلَى بَابه فَقَالَ الْخَادِم لزفَر: أَبُو عَاصِم بِالْبَابِ! فَقَالَ لَهُ: أَيهمَا؟ فَقَالَ: ذَلِك النَّبِيل. وَقيل: لقبه الْمهْدي، مَاتَ فِي ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ عَن تسعين سنة وَسِتَّة أشهر، وَهَذَا الَّذِي نَقله أَبُو عَاصِم عَن مَالك وسُفْيَان هُوَ مذْهبه أَيْضا فِيمَا حَكَاهُ الرامَهُرْمُزِي عَنهُ، ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي مساواتهما للسماع من لَفْظَة الشَّيْخ فِي الرُّتْبَة، أَو دونه، أَو فَوْقه على ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: أَنه أرجح من قِرَاءَة الشَّيْخ وسماعه، قَالَه أَبُو حنيفَة وَابْن أبي ذِئْب وَمَالك فِي رِوَايَة، وَآخَرُونَ. وَاسْتحبَّ مَالك الْقِرَاءَة على الْعَالم، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب الروَاة) عَن مَالك أَنه كَانَ يذهب إِلَى أَنَّهَا أثبت من قِرَاءَة الْعَالم. الثَّانِي: عَكسه أَن قِرَاءَة الشَّيْخ بِنَفسِهِ أرجح من الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَقيل: إِنَّه مَذْهَب جُمْهُور أهل الْمشرق. الثَّالِث: أَنَّهُمَا سَوَاء، وَهُوَ قَول ابْن أبي الزِّنَاد وَجَمَاعَة، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن سعد، وَقيل: إِنَّه مَذْهَب مُعظم عُلَمَاء الْحجاز والكوفة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأَتْبَاعه من عُلَمَاء الْمَدِينَة، وَمذهب البُخَارِيّ وَغَيرهم.
[ ٢ / ١٨ ]
٦٣ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثنا اللَّيثُ عْن سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ عَن شَرِيكِ بن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نِمَرِ أنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بنَ مالِكٍ يَقولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ على جَمَلٍ فأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثمَّ عَقَلَهُ ثمَّ قَالَ لَهُمْ: أيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ ﷺ مُتَّكىءٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. فقُلْنا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِيءُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ. ابنَ عبدِ المُطَّلِبِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: (قَدْ أجَبْتُك) فَقَالَ الرَّجُلُ للنَّبيِّ ﷺ: إنّي سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ فَلاَ تَجِدُ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: (سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ) فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَن قَبْلَكَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى الناسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ) قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّه آللَّهُ أَمَرَكَ أَن نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ؟ قَالَ: (اللَّهُمَّ نَعَم) . قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّه آللَّهُ أَمَرَكَ أَن نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ) قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّه آللَّهُ أَمَرَكَ أَن تَأْخُذَ هذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيائِنا فَتَقْسِمَها على فُقَرائِنا؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ) فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِما جِئْتَ بِهِ وَأَنا رَسُولُ مَنْ ورَائِي مِن قَوْمِي، وَأَنا ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعدِ بنِ بَكْرٍ.
لما ذكر احتجاج بَعضهم فِي الْقِرَاءَة على الْعَالم، لحَدِيث ضمام بن ثَعْلَبَة، أخرجه هَهُنَا بِتَمَامِهِ.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد اللَّه بن يُوسُف التنيسِي، وقدمر. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ، وَقد مر. الثَّالِث: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وَقد مر. الرَّابِع: شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم، الْقرشِي، أَبُو عبد اللَّه الْمدنِي الْقرشِي، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: اللَّيْثِيّ، وَقَالَ غَيره: الْكِنَانِي؛ وجده أَبُو نمر شهد أحدا مَعَ الْمُشْركين، ثمَّ هداه الله إِلَى الْإِسْلَام، سمع أنس بن مَالك وَسَعِيد بن الْمسيب وَأَبا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن يسَار وَغَيرهم، روى عَنهُ مَالك وَسَعِيد المَقْبُري وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَسليمَان بن بِلَال وَغَيرهم، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، وَقَالَ يحيى بن معِين: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَقَالَ ابْن عدي: شريك رجل مَشْهُور من أهل الحَدِيث، حدث عَنهُ الثِّقَات، وَحَدِيثه إِذا روى عَنهُ ثِقَة فَلَا بَأْس بِهِ، إلاَّ أَن يروي عَنهُ ضَعِيف، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ التِّرْمِذِيّ، توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، وَقد مر.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين تنيسي ومصري ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ.
فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث فِيهِ اخْتِلَاف من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن النَّسَائِيّ رَوَاهُ من طَرِيق يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عجلَان وَغَيره عَن سعيد. وَالثَّانِي: أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا، وَالْبَغوِيّ من طَرِيق الْحَارِث بن عمر عَن عبد اللَّه الْعمريّ عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج ابْن مَنْدَه من طَرِيق الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة. قلت: أما الأول: فَإِنَّهُ يُمكن أَن يكون اللَّيْث قد سمع من سعيد بِوَاسِطَة، ثمَّ لقِيه فَحدث بِهِ، وَيُؤَيّد ذَلِك رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يُونُس بن مُحَمَّد عَن اللَّيْث: حَدثنِي سعيد، وَكَذَا رِوَايَة ابْن مَنْدَه من طَرِيق ابْن وهب عَن اللَّيْث. وَأما الثَّانِي فَلِأَن اللَّيْث أثبتهم فِي سعيد.
بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث نَحوه، وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عِيسَى بن حَمَّاد بِهِ، وَعَن عبيد اللَّه بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد، عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن اللَّيْث: حَدثنِي ابْن عجلَان وَغَيره، من أَصْحَابنَا، عَن سعيد المَقْبُري، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن عِيسَى بن حَمَّاد بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على جمل)، وَهُوَ زوج النَّاقة، وتسكين الْمِيم فِيهِ لُغَة، وَمِنْه قِرَاءَة أبي السماك ﴿حَتَّى يلج الْجمل﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٠) بِسُكُون الْمِيم، وَالْجمع: جمال وجمالة وجمالات وجمائل وأجمال. قَوْله: (فأناخه) يُقَال: أنخت الْجمل أبركته، وَيُقَال أَيْضا: أَنَاخَ الْجمل نَفسه أَي: برك. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لَا يُقَال: أَنَاخَ وَلَا ناخ. قَوْله: (ثمَّ عقله)، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف، قَالَ الْجَوْهَرِي: عقلت الْبَعِير
[ ٢ / ١٩ ]
أعقله عقلا، وَهُوَ أَن يثني وظيفه مَعَ ذراعه ليشدهما جَمِيعًا فِي وسط الذِّرَاع، والوظيف هُوَ مستدق السَّاق والذراع من الْإِبِل، وَالْحَبل الَّذِي يشد بِهِ هُوَ العقال، وَالْجمع عُقُل. قَوْله: (متكىء)، مَهْمُوز، يُقَال: اتكأ على الشَّيْء فَهُوَ متكىء، والموضع مُتكأ، كُله مَهْمُوز الآخر، وتوكأت على الْعَصَا، وكل من اسْتَوَى على وطاء فَهُوَ متكأ، وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث. قَوْله: (بَين ظهرانيهم)، بِفَتْح الظَّاء وَالنُّون، وَفِي (الْفَائِق): يُقَال: أَقَامَ فلَان بَين ظهراني قومه، وَبَين ظهرانيهم، أَي: بَينهم، وأقحم لفظ، الظّهْر، ليدل على أَن إِقَامَته بَينهم على سَبِيل الِاسْتِظْهَار بهم، أَي: مِنْهُم والإستناد إِلَيْهِم، وَكَانَ معنى التَّثْنِيَة فِيهِ أَن ظهرا مِنْهُم قدامه وَآخر وَرَاءه، فَهُوَ مكتوف من جانبيه، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي الْإِقَامَة بَين الْقَوْم مُطلقًا، وَإِن لم يكن مكتوفًا، وَأما زِيَادَة الْألف وَالنُّون بعد التَّثْنِيَة فَإِنَّمَا هِيَ للتَّأْكِيد، كَمَا تزاد فِي النِّسْبَة، نَحْو نفساني فِي النِّسْبَة إِلَى النَّفس، وَنَحْوه. قَوْله: (فَلَا تَجِد عَليّ)، بِكَسْر الْجِيم، أَي: لَا تغْضب يُقَال: وجد عَلَيْهِ موجدة فِي الْغَضَب، وَوجد مَطْلُوبه وجودا، وَوجد ضالته وجدانًا، وَوجد فِي الْحزن وجدا، وَوجد فِي المَال جدة، أَي اسْتغنى. هَذَا الَّذِي ذكره الشُّرَّاح، وَهِي خَمْسَة مصَادر، وَقَالَ بَعضهم: ومادة وجد متحدة الْمَاضِي والمضارع، مُخْتَلفَة المصادر بِحَسب اخْتِلَاف الْمعَانِي. قلت: لَا نسلم ذَلِك، بل يُقَال: وجد مَطْلُوبه يجده، بِكَسْر الْجِيم، ويجده، بِالضَّمِّ، وَهِي لُغَة عامرية، وَوجد، بِكَسْر الْجِيم، لُغَة، قَالَه فِي (الْعباب): وَكَذَلِكَ يُقَال: وجد عَلَيْهِ فِي الْغَضَب يجد، بِكَسْر الْجِيم، ويجد، بضَمهَا، موجدة ووجدانًا أَيْضا، حَكَاهَا بَعضهم. وَأنْشد الْفراء فِي نوادره، لصخر الغي يرثي ابْنه تليدًا:
(وَقَالَت: لن ترى أبدا تليدًا بِعَيْنِك آخر الْعُمر الْجَدِيد)
(كِلَانَا رد صَاحبه بيأسٍ وإثباتٍ ووجدانٍ شَدِيد)
وَكَذَا يُقَال: وجد فِي المَال وجدا ووجدًا ووجدًا، وَجدّة، أَربع مصَادر. وَقَرَأَ الْأَعْرَج وَنَافِع وَيحيى بن يعمر وَسَعِيد بن جُبَير وَابْن أبي عبلة وطاووس وَأَبُو حَيْوَة وَأَبُو الْبر هشيم: من وجدكم، بِفَتْح الْوَاو. وَقَرَأَ أَبُو الْحسن روح بن عبد الْمُؤمن: من وجدكم، بِالْكَسْرِ، وَالْبَاقُونَ من وجدكم، بِالضَّمِّ. قَوْله: (عَمَّا بدا)، أَي ظهر، من البدو. قَوْله: (انشدك)، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَضم الشين الْمُعْجَمَة، وَمَعْنَاهُ: اسألك بِاللَّه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: نشدت فلَانا أنْشدهُ نشدًا، إِذا قلت لَهُ: نشدتك الله، أَي: سَأَلتك بِاللَّه، كَأَنَّك ذكرته إِيَّاه، فتنشد، أَي: تذكر. وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة): أَصله من النشيد، وَهُوَ رفع الصَّوْت. وَالْمعْنَى: سَأَلتك رَافعا صوتي، وَفِي (الْعباب): نشدت فلَانا أنْشدهُ نشدًا، ونشدت الضَّالة أنشدها نشدًا ونشدة ونشدانًا، طلبتها. قَوْله: (هَذِه الصَّدَقَة)، أَرَادَ بِهِ الزَّكَاة.
بَيَان التصريف: قَوْله: (جُلُوس) جمع: جَالس، كركوع جمع: رَاكِع. قَوْله: (فأناخه) أَصله: فأنوخه، قلبت الْوَاو ألفا بعد نقل حركتها إِلَى مَا قبلهَا. قَوْله: (وَالنَّبِيّ متكىء) اسْم فَاعل من: اتكأ يتكىء، أَصله موتكأ، قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء، وَكَذَلِكَ أصل: اتكأ ويتكىء يوتكىء، لِأَن مادته: وَاو وكاف وهمزة، وَمِنْه يُقَال: رجل تكاة، أَصله وكأة، مثل تؤدة إِذا كَانَ كثير الاتكاء، والإتكاء أَيْضا مَا يتكؤ عَلَيْهِ، وَهِي المتكأ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ﴾ (يُوسُف: ٣١) . قَالَ الْأَخْفَش: هُوَ فِي معنى: مجلسٍ. قَوْله: (فمشدد)، اسْم فَاعل من شدد تشديدًا، وَالْمَسْأَلَة، بِفَتْح الْمِيم، مصدر ميمي يُقَال: سَأَلته الشَّيْء، وَسَأَلته عَن الشَّيْء سؤالًا وَمَسْأَلَة. وَقد تخفف الْهمزَة فَيُقَال: سَأَلَ يسْأَل، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَنَافِع وَابْن كثير. ﴿سَأَلَ سَائل﴾ (المعارج: ١) بتَخْفِيف الْهمزَة. قَوْله: (سل) . أَمر من: سَأَلَ يسْأَل، وَأَصله اسْأَل، على وزن: إفعل فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السِّين، فحذفت للتَّخْفِيف، وَاسْتغْنى عَن همزَة الْوَصْل، فحذفت فَصَارَ: سل، على وزن: قل، لِأَن السَّاقِط هُوَ عين الْفِعْل. قَوْله: (فَلَا تَجِد) على أَصله: فَلَا تُوجد لِأَنَّهُ من وجد عَلَيْهِ. قَوْله: (بدا) فعل مَاض، تَقول: بدا الْأَمر بدوًا، مثل: قعد قعُودا أَي: ظهر. وأبديته: أظهرته.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) أَصله، بَين، زيدت عَلَيْهِ: مَا، وَهُوَ من الظروف الزمانية اللَّازِمَة الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وَبَين، وبينما، يتضمنان بِمَعْنى المجازات، وَلَا بُد لَهما من جَوَاب، وَالْعَامِل فيهمَا الْجَواب إِذا كَانَ مُجَردا من كلمة المفاجأة، وإلاَّ فَمَعْنَى المفاجأة. قَوْله: (نَحن) مُبْتَدأ و: جُلُوس، خَبره. قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) اللَّام فِيهِ للْعهد، أَي: مَسْجِد رَسُول الله ﷺ. قَوْله: (دخل رجل)، هُوَ جَوَاب. بَيْنَمَا، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، (إِذْ دخل رجل) . وَقد مر غير مرّة، أَن الْأَصْمَعِي لَا يستفصح إِذْ وَإِذا فِي جَوَاب: بَين وبينما. قَوْله: (على جمل) فِي مَحل الرّفْع على أَنه صفة الرجل. قَوْله: (فأناخه) عطف على قَوْله دخل. قَوْله:
[ ٢ / ٢٠ ]
(أَيّكُم)، كَلَام إضافي مُبْتَدأ و(مُحَمَّد)، خَبره. وَأي، هَهُنَا للاستفهام. قَوْله: (وَالنَّبِيّ متكىء)، جملَة اسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (هَذَا الرجل)، مُبْتَدأ، وَخبر، مقول القَوْل، والأبيض بِالرَّفْع صفة للرجل، وَكَذَلِكَ المتكىء. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) أَي فَقَالَ الرجل للنَّبِي، ﵊. قَوْله: (ابْن عبد الْمطلب) . بِفَتْح النُّون لِأَنَّهُ منادى مُضَاف، وَأَصله: يَا ابْن عبد الْمطلب، فَحذف حرف النداء. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يَا ابْن عبد الْمطلب، باثبات حرف النداء. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ الرجل) أَي: الرجل الْمَذْكُور، فِي قَوْله: (دخل رجل على جمل)، قَوْله: (إِنِّي سَائِلك) جملَة إسمية مُؤَكدَة بِأَن، مقول القَوْل. قَوْله: (فمشدد) عطف على: (سَائِلك) . قَوْله: (فَلَا تَجِد) نهي كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَقَالَ: سل) أَي: فَقَالَ الرَّسُول، ﵊، للرجل: سل. قَوْله: (بِرَبِّك) أَي: بِحَق رَبك، الْبَاء للقسم. قَوْله: (آللَّهُ؟) بِالْمدِّ فِي الْمَوَاضِع كلهَا، لِأَنَّهَا همزتان: الأولى همزَة الِاسْتِفْهَام، وَالثَّانيَِة: همزَة لَفْظَة الله، وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وأرسلك، خَبره. قَوْله: (اللَّهُمَّ نعم)، قَالَ الْكرْمَانِي: اللَّهُمَّ، أَصله: يَا الله، فَحذف حرف النداء، وَجعل الْمِيم بَدَلا مِنْهُ. وَالْجَوَاب: هُوَ نعم، وَذكر لفظ: اللَّهُمَّ، للتبرك، وَكَأَنَّهُ اسْتشْهد بِاللَّه فِي ذَلِك تَأْكِيدًا لصدقه. قلت: اللَّهُمَّ، تسْتَعْمل على ثَلَاثَة أنحاء: الأول: للنداء الْمَحْض، وَهُوَ ظَاهر. وَالثَّانِي: للإيذان بندرة الْمُسْتَثْنى، كَمَا يُقَال: اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يكون كَذَا. وَالثَّالِث: الْبَدَل على تَيَقّن الْمُجيب فِي الْجَواب المقترن هُوَ بِهِ، كَقَوْلِك لمن قَالَ: أَزِيد قَائِم؟ اللَّهُمَّ نعم. أَو: اللَّهُمَّ لَا. كَأَنَّهُ يُنَادِيه تَعَالَى مستشهدًا على مَا قَالَه من الْجَواب. قَوْله: (أنْشدك)، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَالْبَاء فِي: بِاللَّه، للقسم. قَوْله: (أَن تصلي) بتاء الْخطاب، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ بالنُّون، قَوْله: (الصَّلَوَات الْخمس) هَكَذَا بِجمع الصَّلَوَات عِنْد الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني والسرخسي: (الصَّلَاة) . بِالْإِفْرَادِ. فَإِن قلت: على هَذَا كَيفَ تُوصَف الصَّلَاة بالخمس وَهِي مُفْردَة؟ قلت: هِيَ للْجِنْس، فَيحْتَمل التَّعَدُّد. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: أَن نصلي، بالنُّون، أوجه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ثَابت عَن أنس بِلَفْظ: (إِن علينا خمس صلوَات ليومنا وليلتنا) . قَوْله: (أَن تَصُوم) بتاء المخاطبة. وَعند الْأصيلِيّ: بالنُّون. قَوْله: (هَذَا الشَّهْر) أَي: شهر رَمَضَان من السّنة، أَي: من كل سنة إِذْ اللَّام للْعهد، وَالْإِشَارَة فِيهِ لنَوْع هَذَا الشَّهْر لَا لشخص ذَلِك الشَّهْر بِعَيْنِه. قَوْله: (أَن تَأْخُذ هَذِه الصَّدَقَة)، بتاء الْمُخَاطب، وَكَذَلِكَ: (تقسمها):. وَأَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَصلهَا: بِأَن تَأْخُذ، أَي: تَأْخُذ الصَّدَقَة. قَوْله: (فتقسمها) بِالنّصب، عطف على قَوْله: (أَن تأخذها) . قَوْله: (بِمَا جِئْت)، أَي: بِالَّذِي جِئْت بِهِ. قَوْله: (وَأَنا)، مُبْتَدأ و(رَسُول) خَبره مُضَاف إِلَى: من، بِفَتْح الْمِيم، وَهِي مَوْصُولَة. وَكلمَة: من، فِي قَوْله: من قومِي، للْبَيَان.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فأناخه فِي الْمَسْجِد) فِيهِ حذف، وَالتَّقْدِير، فأناخه فِي رحبة الْمَسْجِد، وَنَحْوهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَكَذَا لتتفق هَذِه الرِّوَايَة بالروايات الْأُخْرَى، فَإِن فِي رِوَايَة أبي نعيم: أقبل على بعير لَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِد فأناخه ثمَّ عقله، فَدخل الْمَسْجِد. وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، ولفظها: (فاناخ بعيره على بَاب الْمَسْجِد فعقله ثمَّ دخل) . قَوْله: (هَذَا الرجل الْأَبْيَض) المُرَاد بِهِ الْبيَاض النير الزَّاهِر، وَأما مَا ورد فِي صفته أَنه، لَيْسَ بأبيض وَلَا آدم، فَالْمُرَاد بِهِ الْبيَاض الصّرْف كلون الجص، كريه المنظر، فَإِنَّهُ لون البرص. وَيُقَال: المُرَاد بالأبيض، وَهُوَ الْأَبْيَض المشرب بحمرة، يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْحَارِث بن عُمَيْر: (فَقَالَ: أيكما ابْن عبد الْمطلب؟ فَقَالُوا: هُوَ الأمغر المرتفق) . قَالَ اللَّيْث: الأمغر الَّذِي فِي وَجهه حمرَة مَعَ بَيَاض صَاف. وَقَالَ غَيره: الأمغر: الْأَحْمَر الشّعْر وَالْجَلد على لون الْمغرَة، وَقَالَ ابْن فَارس: الأمغر من الْخَيل الْأَشْقَر. قلت: مادته: مِيم وغين مُعْجمَة وَرَاء مُهْملَة. قَوْله: (اجبتك)، وَمَعْنَاهُ: سَمِعتك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَتى أجَاب حَتَّى أخبر عَنهُ؟ قلت: أجبْت بِمَعْنى: سَمِعت، أَو المُرَاد مِنْهُ إنْشَاء الْإِجَابَة، وَإِنَّمَا أَجَابَهُ، ﵇: بِهَذِهِ الْعبارَة لِأَنَّهُ أخل بِمَا يجب من رِعَايَة غَايَة التَّعْظِيم وَالْأَدب بِإِدْخَال الْجمل فِي الْمَسْجِد، وخطابه: بأيكم مُحَمَّد؟ وبابن عبد الْمطلب؟ انْتهى. قلت: لَا يَخْلُو ضمام إِمَّا أَنه قدم مُسلما وَإِمَّا غير مُسلم، فَإِن كَانَ الأول: فَإِنَّهُ يحمل مَا صدر مِنْهُ من هَذِه الْأَشْيَاء على أَنه لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت وقف على أُمُور الشَّرْع، وَلَا على النَّهْي، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ (النُّور: ٦٣) على أَنه كَانَت فِيهِ بَقِيَّة من جفَاء الْأَعْرَاب وجهلهم، وَإِن كَانَ الثَّانِي: فَلَا يحْتَاج إِلَى الِاعْتِذَار عَنهُ. وَاخْتلفُوا، هَل كَانَ مُسلما عِنْد قدومه أم لَا؟ فَقَالَ جمَاعَة: إِنَّه كَانَ أسلم قبل وفوده، حَتَّى زعمت طَائِفَة مِنْهُم أَن البُخَارِيّ فهم إِسْلَام ضمام قبل قدومه، وَأَنه جَاءَ يعرض على النَّبِي، ﵇، وَلِهَذَا بوب عَلَيْهِ: بَاب الْقِرَاءَة وَالْعرض على الْمُحدث، وَلقَوْله آخر الحَدِيث: (آمَنت بِمَا جِئْت بِهِ وَأَنا
[ ٢ / ٢١ ]
رَسُول من ورائي من قومِي) . وَإِن هَذَا إِخْبَار، وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ، وَرجحه القَاضِي عِيَاض، وَقَالَ جمَاعَة أُخْرَى: لم يكن مُسلما وَقت قدومه، وَإِنَّمَا كَانَ إِسْلَامه بعده، لِأَنَّهُ جَاءَ مستثبتًا. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق وَغَيره، وَفِيه: (أَن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثَعْلَبَة)
الحَدِيث، وَفِي آخِره: (حَتَّى إِذا فرغ قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله)، وَأَجَابُوا عَن قَوْله: آمَنت، بِأَنَّهُ انشاء وَابْتِدَاء إِيمَان، لَا إِخْبَار بِإِيمَان تقدم مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا رَسُول من ورائي) ورجحة الْقُرْطُبِيّ لقَوْله فِي حَدِيث ثَابت عَن أنس عِنْد مُسلم وَغَيره: فَإِن رَسُولك زعم. قَالَ: والزعم: القَوْل الَّذِي لَا يوثق بِهِ. قَالَه ابْن السّكيت وَغَيره: وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَن الزَّعْم يُطلق على القَوْل الْمُحَقق أَيْضا، كَمَا نَقله أَبُو عمر الزَّاهِد فِي شرح فصيح شَيْخه، ثَعْلَب. قلت: أصل وَضعه، كَمَا قَالَه ابْن السّكيت، واستعماله فِي القَوْل الْمُحَقق مجَاز يحْتَاج إِلَى قرينَة، وَأَجَابُوا أَيْضا عَن قَوْلهم: إِن البُخَارِيّ فهم إِسْلَام ضمام قبل قدومه، بِأَنَّهُ لَا يلْزم من تبويب البُخَارِيّ مَا ذَكرُوهُ، لِأَن الْعرض على الْمُحدث هُوَ الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، أَعم من أَن يكون تقدّمت لَهُ، أَو أبتدأ الْآن على الشَّيْخ بِقِرَاءَة شَيْء لم يتَقَدَّم قِرَاءَته وَلَا نظره، وَقَالُوا: قد بوب أَبُو دَاوُد عَلَيْهِ بَاب الْمُشرك يدْخل الْمَسْجِد. وَهُوَ أَيْضا يدل على أَنه لم يكن مُسلما قبل قدومه. وَقد مَال الْكرْمَانِي إِلَى مقَالَة الْأَوَّلين حَيْثُ قَالَ: فَإِن قلت: من أَيْن عرف حَقِيقِيَّة كَلَام الرَّسُول، ﵇، وَصدق رسَالَته، إِذْ لَا معْجزَة فِيمَا جرى من هَذِه الْقِصَّة؟ وَهَذَا الْإِيمَان لَا يُفِيد إلاَّ تَأْكِيدًا وتقريرًا؟ قلت: الرجل كَانَ مُؤمنا عَارِفًا بنبوته، عَالما بمعجزاته قبل الْوُفُود، وَلِهَذَا مَا سَأَلَ إلاَّ عَن تَعْمِيم الرسَالَة إِلَى جَمِيع النَّاس، وَعَن شرائع الْإِسْلَام. قلت: عَكسه الْقُرْطُبِيّ فاستدل بِهِ على إِيمَان الْمُقَلّد بالرسول، وَلَو لم تظهر لَهُ معْجزَة، وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الصّلاح. قَوْله: (وانا ضمام ابْن ثَعْلَبَة)، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وثعلبة، بالثاء الْمُثَلَّثَة الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، أَخُو بني سعد بن بكر السَّعْدِيّ، قدم على النَّبِي، ﵇، بَعثه إِلَيْهِ بَنو سعد، فَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم فَأخْبرهُم بِهِ فاسلموا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَا سمعنَا بوافد قطّ أفضل من ضمام ابْن ثَعْلَبَة. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ قدوم ضمام هَذَا سنة تسع، وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة والطبري وَغَيرهمَا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ سنة خمس، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن حبيب، وَفِيه نظر من وُجُوه الأول: أَن فِي رِوَايَة مُسلم أَن ذَلِك كَانَ حِين نزل النَّهْي فِي الْقُرْآن عَن سُؤال الرَّسُول، ﵇، وَآيَة النَّهْي فِي الْمَائِدَة، ونزولها مُتَأَخّر. الثَّانِي: أَن إرْسَال الرُّسُل إِلَى الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام، إِنَّمَا كَانَ ابتداؤه بعد الْحُدَيْبِيَة، ومعظمه بعد فتح مَكَّة، شرفها الله. الثَّالِث: أَن فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، ﵄، أَن قومه أطاعوه ودخلوا فِي الْإِسْلَام بعد رُجُوعه إِلَيْهِم، وَلم يدْخل بَنو سعد بن بكر بن هوَازن فِي الْإِسْلَام إلاَّ بعد وقْعَة حنين، وَكَانَت فِي شَوَّال سنة ثَمَان. قَوْله: (اخو بني بن سعد بن بكر) بن هوَازن، وهم أخوال رَسُول الله، ﵊، وَفِي الْعَرَب سعود قبائل شَتَّى، مِنْهَا: سعد تَمِيم، وَسعد هُذَيْل، وَسعد قيس، وَسعد بكر هَذَا. وَفِي الْمثل: بِكُل وَاد بَنو سعد.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ ابْن الصّلاح. فِيهِ دلَالَة لصِحَّة مَا ذهب إِلَيْهِ الْعلمَاء من أَن الْعَوام المقلدين مُؤمنُونَ، وَأَنه يكْتَفى مِنْهُم بِمُجَرَّد اعْتِقَادهم الْحق، جزما من غير شكّ وتزلزل، خلافًا للمعتزلة، وَذَلِكَ أَنه، ﵊، قرر ضمامًا على مَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي تعرف رسَالَته، وَصدقه بِمُجَرَّد إخْبَاره إِيَّاه بذلك، وَلم يُنكره عَلَيْهِ، وَلَا قَالَ لَهُ: يجب عَلَيْك معرفَة ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى معجزاتي، وَالِاسْتِدْلَال بالأدلة القطعية. الثَّانِي: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد، لِأَن قومه لم يَقُولُوا لَهُ: لَا نقبل خبرك عَن النَّبِي ﷺ حَتَّى يأتينا من طَرِيق آخر. الثَّالِث: قَالَ أَيْضا: فِيهِ جَوَاز إِدْخَال الْبَعِير فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ دَلِيل على طَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل وأرواثها، إِذْ لَا يُؤمن ذَلِك مِنْهُ مُدَّة كَونه فِي الْمَسْجِد. قلت: هَذَا احْتِمَال لَا يحكم بِهِ فِي بَاب الطَّهَارَة، على أَنا قد بينَّا أَن المُرَاد من قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) فِي الحَدِيث فِي رحبة الْمَسْجِد، وَنَحْوهَا. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة الْأَدْنَى للأعلى دون أَن يكنيه، إلاَّ أَنه نسخ فِي حق الرَّسُول، ﵇: بقوله تَعَالَى: ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ (النُّور: ٦٣) . الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الاتكاء بَين النَّاس فِي الْمجَالِس. السَّادِس: فِيهِ مَا كَانَ للنَّبِي، ﵇، من ترك التكبر، لقَوْله: (ظهرانيهم) . السَّابِع: فِيهِ جَوَاز تَعْرِيف الرجل بِصفة من الْبيَاض والحمرة، والطول وَالْقصر، وَنَحْو ذَلِك. الثَّامِن: فِيهِ الِاسْتِحْلَاف على الْخَبَر لعلم الْيَقِين، وَفِي مُسلم: (فبالذي خلق السَّمَاء، وَخلق الأَرْض، وَنصب هَذِه الْجبَال، آللَّهُ أرسلك؟ قَالَ: نعم) التَّاسِع: فِيهِ التَّعْرِيف
[ ٢ / ٢٢ ]
بالشخص، فَإِنَّهُ قَالَ: (ايكم مُحَمَّد؟ وَقَالَ: ابْن عبد الْمطلب؟) . الْعَاشِر: فِيهِ النِّسْبَة إِلَى الأجداد، فَإِنَّهُ قَالَ: (ابْن عبد الْمطلب؟) وَجَاء فِي (صَحِيح مُسلم): (يَا مُحَمَّد) . الْحَادِي عشر: استنبط مِنْهُ الْحَاكِم طلب الْإِسْنَاد العالي، وَلَو كَانَ الرَّاوِي ثِقَة، إِذْ البدوي لم يقنعه خبر الرَّسُول عَن النَّبِي ﷺ حَتَّى رَحل بِنَفسِهِ، وَسمع مَا بلغه الرَّسُول عَنهُ، قيل: إِنَّمَا يتم مَا ذكره إِذا كَانَ ضمام قد بلغه ذَلِك أَولا. قلت: قد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة مُسلم. الثَّانِي عشر: فِيهِ تَقْدِيم الْإِنْسَان بَين يَدي حَدِيثه مُقَدّمَة يعْتَذر فِيهَا ليحسن موقع حَدِيثه عِنْد الْمُحدث، وَهُوَ من حسن التَّوَصُّل، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: (إِنِّي سَائِلك فمشدد عَلَيْك) .
الأسئلة الاجوبة: مِنْهَا مَا قيل: قَالَ: (على فقرائنا)، وأصناف الْمصرف ثَمَانِيَة لَا تَنْحَصِر على الْفُقَرَاء. وَأجِيب: بِأَن ذكرهم بِاعْتِبَار أَنهم الْأَغْلَب من سَائِر الْأَصْنَاف، أَو لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة ذكر الْأَغْنِيَاء. وَمِنْهَا مَا قيل: لمَ لَمْ يذكر الْحَج؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ قبل فَرضِيَّة الْحَج، أَو لِأَنَّهُ لم يكن من أهل الِاسْتِطَاعَة لَهُ، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لم يذكر الْحَج فِي رِوَايَة شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر عَن أنس، وَقد ذكره مُسلم وَغَيره فِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس وَهُوَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس أَيْضا، وَمَا قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ مَنْقُول عَن ابْن التِّين، وَالْحَامِل لَهُم على ذَلِك مَا رُوِيَ عَن الْوَاقِدِيّ من أَن قدوم ضمام كَانَ سنة خمس، وَقد بَينا فَسَاده. وَمِنْهَا ماقيل: لَم لَمْ يُخَاطب بِالنُّبُوَّةِ وَلَا بالرسالة، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ (النُّور: ٦٣) وَأجِيب: بأوجه: الأول: أَنه لم يكن آمن بعد. الثَّانِي: أَنه باقٍ على جفَاء الْجَاهِلِيَّة، لكنه لم يُنكر عَلَيْهِ، وَلَا رد عَلَيْهِ. الثَّالِث: لَعَلَّه كَانَ قبل النَّهْي عَن مخاطبته ﵇ بذلك. الرَّابِع: لَعَلَّه لم يبلغهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، عَن قريب، وَيُقَال إِنَّمَا قَالَ: (ابْن عبد الْمطلب؟) لِأَنَّهُ لما دخل على النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَيّكُم ابْن عبد الْمطلب؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﵇: أَنا ابْن عبد الْمطلب) . فَقَالَ ابْن عبد الْمطلب؟ على مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: (ايكم ابْن عبد الْمطلب؟ فَقَالَ النَّبِي، ﵇: انا ابْن عبد الْمطلب) . فَقَالَ يَابْنَ عبد الْمطلب وسَاق الحَدِيث. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن النَّبِي ﷺ كَانَ يكره الانتساب إِلَى الْكفَّار، فَكيف قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: انا ابْن عبد الْمطلب؟ . وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ هَهُنَا تطابق الْجَواب السُّؤَال. لِأَن ضمامًا خاطبه بقوله: (ايكم ابْن عبد الْمطلب؟ فَأجَاب ﵇، بقوله: أَنا ابْن عبد الْمطلب) فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ يكره ذَلِك؟ وَقد قَالَ ﵇ يَوْم حنين: (أَنا ابْن عبد الْمطلب؟) قلت: لم يذكرهُ إلاَّ للْإِشَارَة إِلَى رُؤْيا رَآهَا عبد الْمطلب مَشْهُورَة، كَانَت إِحْدَى دَلَائِل نبوته، فَذكرهمْ بهَا، وبخروج الْأَمر على الصدْق. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة الْإِيمَان الْمَذْكُورَة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا جرت للتَّأْكِيد وَتَقْرِير الْأَمر، لَا لافتقار إِلَيْهَا كَمَا أقسم الله تَعَالَى على أَشْيَاء كَثِيرَة كَقَوْلِه: (قل: أَي وربي إِنَّه لحق)، (قل: بلَى وربي لتبعثن)، (فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق) . وَمِنْهَا مَا قيل: هَل النجدي السَّائِل فِي حَدِيث طَلْحَة بن عبيد اللَّه الْمَذْكُور فِيمَا مضى هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة أَو غَيره؟ أُجِيب: بِأَن جمَاعَة قد قَالُوا: إِنَّه هُوَ إِيَّاه، والنجدي هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة، وَمَال إِلَى هَذَا ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيرهمَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يبعد أَن يَكُونَا وَاحِدًا لتباين أَلْفَاظ حديثيهما ومساقهما.
رَواهُ مُوسَى وعَلِيُّ بنُ عبدِ الحَميدِ عنْ سُلَيْمانَ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذا.
أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَقد مر ذكره، وَهُوَ يروي هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة أبي سعيد الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك، ﵁ وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) مَوْصُولا بِهَذَا الطَّرِيق، وَكَذَا ابْن مَنْدَه فِي الْإِيمَان. فَإِن قلت: لم علقه البُخَارِيّ وَلم يُخرجهُ مَوْصُولا؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ يروي عَن شَيْخه مُوسَى بالواسطة، فَيكون تَعْلِيقا. وَفَائِدَة ذكره الاستشهاد وتقوية مَا تقدم. وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا علقه البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لم يحْتَج بشيخه سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، يَعْنِي شيخ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الَّذِي هُوَ شيخ البُخَارِيّ. قلت: كَيفَ يَقُول: لم يحْتَج بِهِ، وَقد روى لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا عَن ابْن أبي اياس عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن أبي صَالح السمان، قَالَ: (رَأَيْت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ، ﵁، فِي يَوْم جُمُعَة يُصَلِّي إِلَى شَيْء يستره من النَّاس)
الحَدِيث، ذكره فِي بَاب: يرد الْمُصَلِّي من بَين يَدَيْهِ؟ وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِيهِ: ثَبت ثَبت ثِقَة ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة ثَبت. وَقَالَ
[ ٢ / ٢٣ ]
شُعْبَة: سيد أهل الْبَصْرَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: كَانَ من خِيَار النَّاس، سمع الْحسن وَابْن سِيرِين وثابت الْبنانِيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَوْله (وَعلي بن عبد الحميد) عطف على مُوسَى، وروى الحَدِيث الْمَذْكُور أَيْضا عَليّ بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَن أنس، ﵁، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا من طَرِيقه، وَأخرجه الدَّارمِيّ عَن عَليّ بن عبد الحميد الخ، وَهُوَ عَليّ بن عبد الحميد بن مُصعب أَبُو الْحُسَيْن المعني، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا يَاء النِّسْبَة، نِسْبَة إِلَى معن بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس. قَالَ الرشاطي: المعني فِي الأزد وَفِي طي وَفِي ربيعَة. فَالَّذِي فِي أَزْد: معن بن مَالك. وَالَّذِي فِي طي: معن بن عتود بن غَسَّان بن سلامان بن نفل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي، وَالَّذِي فِي ربيعَة: معن بن زَائِدَة بن عبد اللَّه بن زَائِدَة بن مطر بن شريك. وروى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَقَالا: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: روى عَنهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. قلت: لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَأما ثَابت الْبنانِيّ فَهُوَ ابْن أسلم، أَبُو حَامِد الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ العابد، سمع ابْن الزبير وَابْن عمر وأنسًا وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، روى عَنهُ خلق كثير، وَقَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَلَا خلاف فِيهِ. توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى بنانة بطن من قُرَيْش. وَقَالَ الزبير بن بكار: كَانَت بنانة أمة لسعد بن لؤَي حضنت بنيه فنسبوا إِلَيْهَا. وَقَالَ الْخَطِيب: بنانة هم بَنو سعد بن غلب، وَأم سعد بنانة. قَوْله: (بِهَذَا)، أَشَارَ إِلَى معنى الحَدِيث الْمَذْكُور، لِأَن اللَّفْظ مُخْتَلف فَافْهَم.