أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة الْعَشِيرَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الشين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء. قَوْله: أَو العسيرة، بِالشَّكِّ، وضبطها مثل ضبط الْعَشِيرَة إلاَّ أَنَّهَا بِالسِّين الْمُهْملَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: جَاءَ فِي كتاب الْمَغَازِي من (صَحِيح البُخَارِيّ): العسيرة، أَي: بِضَم الْمُهْملَة الأولى وَفتح الثَّانِيَة، و: العسير، بِفَتْح الْمُهْملَة الأولى وَكسر الثَّانِيَة بِحَذْف الْهَاء وَالْمَعْرُوف فِيهَا الْعَشِيرَة بإعجام الشين وبالهاء وَقَالَ السُّهيْلي معنى العسيرة والعسيرا إِنَّه اسْم مصغر من العسرى، والعسر فَإِذا صغر تَصْغِير التَّرْخِيم قيل: عسيرة، وَهِي بقلة أذية أَي: عصيفة، ثمَّ تكون سحاء، ثمَّ يُقَال لَهَا: العسرى، وَأما الْعَشِيرَة فتصغير وَاحِدَة الْعشْر، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: العشير ذَوَات الْعَشِيرَة، والعشير هُوَ مَوضِع من بطن يَنْبع، وَقَالَ ياقوت: قَالَ الْأَزْهَرِي: ذُو الْعَشِيرَة مَوضِع بالصمان ينْسب إِلَى عشرَة نابتة فِيهِ، وَذُو الْعَشِيرَة مَوضِع من نَاحيَة يَنْبع غَزَاهَا رَسُول الله، ﷺ، وعشيرة أَيْضا قَرْيَة عِنْد أكمة أَرَاهَا من نواحي الْيَمَامَة، وَهِي لتيم عدي.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: أوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ الأبْوَاءَ ثُمَّ بُوَاطَ ثُمَّ الْعُشَيْرَةَ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار ضد الْيَمين الْمدنِي التَّابِعِيّ رأى أنس بن مَالك صَاحب (كتاب الْمَغَازِي) الْمدنِي، قدم بَغْدَاد وَحدث بهَا وَمَات سنة خمسين وَمِائَة وَدفن فِي مَقْبرَة الخيزران، وَهِي الْيَوْم مَشْهُورَة بمشهد الإِمَام أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وترجمته طَوِيلَة اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) وروى لَهُ فِي (كتاب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام) وَغَيره، وروى لَهُ مُسلم فِي المتابعات، واحتجت بِهِ الْأَرْبَعَة. قَوْله: (أول مَا غزا النَّبِي ﷺ، الْأَبْوَاء) قَالَ الْوَاقِدِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: هِيَ أول غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله، ﷺ، بِنَفسِهِ وَيُقَال لَهَا: غَزْوَة ودان، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: خرج النَّبِي ﷺ، غازيًا فِي صفر على رَأس اثْنَي عشر شهرا من مقدمه الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة سعد
[ ١٧ / ٧٣ ]
ابْن عبَادَة، وَقَالَ ابْن جرير: يُرِيد قُريْشًا وَبني ضَمرَة بن بكر بن عبد مَنَاة من كنَانَة، فوادعته فِيهَا بَنو ضَمرَة وَرجع رَسُول الله، ﷺ، وَلم يلق كيدًا، والأبواء، بِفَتْح الْهمزَة وبالباء الْمُوَحدَة الساكنة ممدودًا: مَوضِع مَعْرُوف بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَهِي إِلَى الْمَدِينَة أقرب، كَأَنَّهُ سمى بِجمع: بو، وَهُوَ جلد ولد الْإِبِل الْمحشِي بالتبن. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْأَبْوَاء قَرْيَة جَامِعَة مَذْكُورَة فِي رسم الْفَرْع، و: ودان، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة على وزن فعلان، قَالَ الْبكْرِيّ: قَرْيَة من أُمَّهَات الْقرى، وَقَالَ ياقوت: بَينهَا وَبَين أبواء ثَمَانِيَة أَمْيَال. قَوْله: (ثمَّ بواط)، أَي: غزا بواط، وَهُوَ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْوَاو بعد الْألف طاء مُهْملَة، قَالَ الصغاني: بواط جبل من جبال جُهَيْنَة من نَاحيَة ذِي خشب، وَبَين بواط وَالْمَدينَة ثَلَاثَة برد أَو أَكثر، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: غزا رَسُول الله، ﷺ فِي شهر ربيع الأول، يَعْنِي: من السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، يُرِيد قُريْشًا، قَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة السَّائِب بن عُثْمَان بن مَظْعُون، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: اسْتخْلف عَلَيْهَا سعد بن معَاذ، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ فِي مِائَتي رَاكب، وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ سعد بن أبي وَقاص، وَكَانَ قَصده أَن يتَعَرَّض لعير قُرَيْش وَكَانَ فِيهِ أُميَّة ابْن خلف وَمِائَة رجل وَخَمْسمِائة بعير، قَالَ ابْن إِسْحَاق: حَتَّى بلغ بواط من نَاحيَة رضوى ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَلم يلق فِيهَا كيدًا فَلبث بهَا شهر ربيع الْأُخَر وَبَعض جُمَادَى. قَوْله: (ثمَّ الْعَشِيرَة)، أَي: ثمَّ غزا الْعَشِيرَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: ثمَّ غزا رَسُول الله، ﷺ قُريْشًا، قَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا سَلمَة بن عبد الْأسد، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَخرج رَسُول الله، ﷺ يتَعَرَّض لعير قُرَيْش ذَاهِبَة إِلَى الشَّام حَتَّى نزل الْعَشِيرَة من بطن ينبعٍ فَأَقَامَ بهَا جُمَادَى الأولى وليالي من جُمَادَى الْآخِرَة، ووادع فِيهَا بني مُدْلِج وحلفاءهم من بني ضَمرَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَلم يلق كيدًا. قلت: وَلم يكن فِي هَذِه الْغَزَوَات الثَّلَاث حَرْب.
٣٩٤٩ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا وهْبٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ كُنْتُ إلَى جَنْبَ زَيْدِ بنِ أرْقَمَ فَقيلَ لَهُ كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ منْ غَزْوَةٍ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ قِيلَ كَمْ غَزَوْتَ أنْتَ مَعَهُ قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ قُلْتُ فأيُّهُمْ كانَتْ أوَّلَ قَالَ العُسَيْرَةُ أوِ العُشَيْرُ فذَكَرْتُ لِقَتادَةَ فَقالَ الْعُشَيْرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ووهب هُوَ ابْن جرير الْبَصْرِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَزيد بن أَرقم الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن خَالِد عَن زُهَيْر وَعَن عبد الله بن رَجَاء عَن إِسْرَائِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن بنْدَار وَأبي مُوسَى، وَفِيه: عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَفِي الْمَنَاسِك عَن أبي خَيْثَمَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن غيلَان: حَدثنَا وهب بن جرير وَأَبُو دَاوُد قَالَا: حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: كنت إِلَى آخِره نَحوه، غير أَن فِي لَفظه: قلت: وأيتهن كَانَ أول؟ قَالَ: ذَات الْعَشِيرَة أَو العسيرة، وروى مُسلم من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر يَقُول: غزوت مَعَ رَسُول الله، ﷺ، تسع عشرَة غَزْوَة، قَالَ جَابر: لم أشهد بَدْرًا وَلَا أحدا مَنَعَنِي أبي فَلَمَّا قتل أبي عبد الله يَوْم أحد لم أَتَخَلَّف عَن رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة قطّ، وَمُقْتَضى حَدِيثه أَن غَزَوَاته ﷺ إِحْدَى وَعشْرين غَزْوَة لِأَنَّهُ ذكر أَنه لم يغز مَعَه بَدْرًا وَلَا أحدا، وَأَنه غزا مَعَه تسع عشرَة غَزْوَة بعد أحد، وَقد ذكر أَصْحَاب الْمَغَازِي وَالسير أَكثر من ذَلِك، فَذكر مُحَمَّد بن سعد عَن جمَاعَة من أهل السّير، مِنْهُم مُوسَى بن عقبَة وَابْن إِسْحَاق وَأَبُو مسعر وَعبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد فِي آخَرين، وَقَالَ: دخل حَدِيث بَعضهم فِي بعض، قَالُوا: عدد مغازي رَسُول الله، ﷺ سبع وَعِشْرُونَ غَزْوَة، وَكَانَت سراياه الَّتِي بعث فِيهَا سبعا وَأَرْبَعين سَرِيَّة. فَإِن قلت: قد ذكر أَصْحَاب السّير قبل غَزْوَة العشير ثَلَاث غزوات. قلت: أما أَن يكون زيد بن أَرقم لم يكن يَوْمئِذٍ أسلم، أَو كَانَت ثَلَاث غزوات صَغِيرَة، فَإِن من عد من الصَّحَابَة ذكر أعظمها، أَو كَانَت قبل أَن يشْتَهر أَمر الْغَزْو بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا علمه. قَوْله: (فَأَيهمْ؟) قَالَ الدمياطي: مُقْتَضى الْكَلَام: أيهن، أَو: أَيهَا، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أيتهن، كَمَا ذكرنَا، قَوْله: (فَذكرت) الذاكر لعبادة هُوَ شُعْبَة.
[ ١٧ / ٧٤ ]