أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قتل أبي رَافع الْيَهُودِيّ.
عَبْدِ الله بنِ أبِي الحُقَيْقِ
عبد الله، مجرور لِأَنَّهُ عطف بَيَان لِأَنَّهُ اسْم أبي رَافع، وَأَبوهُ: الْحقيق، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَاسم أبي رَافع: عبد الله عِنْد الْهَيْثَم، وَقيل: الَّذِي سَمَّاهُ عبد الله هُوَ عبد الله بن أنيس، وَذَلِكَ فِيمَا أخرجه الْحَاكِم فِي (الإكليل) من حَدِيثه مطولا، وأوله: أَن الرَّهْط الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله، ﷺ، إِلَى عبد الله بن أبي الْحقيق ليقتلوه هم عبد الله بن عتِيك وَعبد الله بن أنيس وَأَبُو قَتَادَة وحليف لَهُم رجل من الْأَنْصَار، قدمُوا خَيْبَر لَيْلًا فَذكر الحَدِيث.
يُقَالُ سَلاَّمُ بنُ أبِي الحُقَيْقِ
أَي: يُقَال: إسم أبي رَافع سَلام، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام، وَالْقَائِل بِهَذَا هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) .
كانَ بِخَيْبَرَ
أَي: كَانَ أَبُو رَافع يسكن بِخَيْبَر بلد عنزة فِي جِهَة الشمَال والشرق من الْمَدِينَة على نَحْو سِتّ مراحل، وخيبر بلغَة الْيَهُود: حصن، وَكَانَ فِي صدر الْإِسْلَام دَار بني قُرَيْظَة وَالنضير.
ويُقَالُ: فِي حِصْنٍ لَهُ بِأرْضِ الْحجاز
أَي: يُقَال: كَانَ أَبُو رَافع فِي حصن كَانَ لَهُ بِأَرْض الْحجاز، قَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحجاز من الْمَدِينَة إِلَى تَبُوك، وَمن الْمَدِينَة إِلَى طَرِيق الْكُوفَة، وَمن وَرَاء ذَلِك إِلَى أَن يشارف أَرض الْبَصْرَة فَهُوَ نجد، وَمَا بَين الْعرَاق وَبَين وجرة وغمرة الطَّائِف نجد، وَمَا كَانَ من وَرَاء وجرة إِلَى الْبَحْر فَهُوَ تهَامَة، وَمَا كَانَ بَين تهَامَة ونجد فَهُوَ حجاز، وَقَالَ الْمَدَائِنِي: الْحجاز جبل يقبل من الْيمن حَتَّى يتَّصل بِالشَّام وَفِيه الْمَدِينَة وعمان، وَإِنَّمَا سمي حجازًا لِأَنَّهُ يحجز بَين نجد وتهامة، وَمن الْمَدِينَة إِلَى طَرِيق مَكَّة إِلَى أَن يبلغ مهبط العرج حجاز أَيْضا، وَمَا وَرَاء ذَلِك إِلَى مَكَّة وَجدّة فَهُوَ تهَامَة، وَمَا كَانَ بَين تهَامَة ونجد فَهُوَ حجاز.
وقَالَ الزُّهْرِيُّ هُوَ بَعْدَ كعْبِ بنِ الأشْرَفِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ: قتل أبي رَافع كَانَ بعد قتل كَعْب بن الْأَشْرَف، وَقد ذكرنَا أَن قتل كَعْب بن الْأَشْرَف كَانَ فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت قصَّة أبي رَافع فِي سنة سِتّ، وَهُوَ وهم، وَقيل: فِي سنة خمس فِي ذِي الْحجَّة، وَقيل: فِي سنة أَربع، وَقيل: فِي رَجَب سنة ثَلَاث، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي (تَارِيخه) عَن حجاج بن أبي منيع عَن جده عَن الزُّهْرِيّ.
٤٠٣٨ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ نَصْر حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ حدَّثنا ابنُ أبِي زَائِدَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ رَهْطًَا إِلَى أبِي رَافِعٍ فدَخَلَ علَيْهِ عبْدُ الله بن عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وهْوَ نائِمٌ فقَتَلَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، وَيحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي، صَاحب الثَّوْريّ، ﵀، وَابْن أبي زَائِدَة واسْمه مَيْمُون، وَيُقَال: خَالِد الْهَمدَانِي الْكُوفِي القَاضِي، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه زَكَرِيَّا، وَهُوَ يروي عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قتل النَّائِم
[ ١٧ / ١٣٤ ]
الْمُشرك، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن مُسلم عَن يحيى بن زَكَرِيَّا إِلَخ، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر هُنَا أَيْضا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
قَوْله: (رَهْط)، الرَّهْط من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين، وَلَا يكون فيهم امْرَأَة، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَيجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الْجمع، وَقد ذكرنَا عَن الْحَاكِم آنِفا، أَنهم كَانُوا أَرْبَعَة مِنْهُم: عبد الله بن عتِيك، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالكاف: ابْن مَالك بن الْأَوْس، وَيُقَال: عتِيك بن الْحَارِث بن قيس بن هيشة بن الْحَارِث بن أُميَّة بن زيد بن مُعَاوِيَة بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ، اسْتشْهد عبد الله هَذَا يَوْم الْيَمَامَة، قَالَ أَبُو عمر: وَأَظنهُ وأخاه جَابر بن عتِيك شَهدا بَدْرًا، وَلم يخْتَلف أَن عبد الله شهد أحدا، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَأَبوهُ: أَنه شهد صفّين مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ أَبُو عمر: فَإِن كَانَ فَلم يقتل يَوْم الْيَمَامَة، وَالله أعلم. قَوْله: (بَيته)، بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء أَي: بَيت أبي رَافع، وَهُوَ مَنْصُوب على المفعولية، هَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: ببيته، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، فعل مَاض من التثبيت، وَالْجُمْلَة حَالية بِتَقْدِير: قد، وَالتَّقْدِير: دخل على أبي رَافع عبد الله ابْن عتِيك قد بَيت الدُّخُول لَيْلًا أَي: فِي اللَّيْل. قَوْله: (وَهُوَ)، أَي: وَالْحَال أَن أَبَا رَافع نَائِم فَقتله.
٤٠٣٩ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ مُوساى حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوساى عنْ إسْرَائِيل عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قَالَ بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ إلَى أبي رَافِعٍ اليَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الأنْصَارِ فأمَّرَ علَيْهِمْ عَبْدَ الله بنَ عَتِيكٍ وكانَ أبُو رَافِعٍ يُؤذِي رسولَ الله، ﷺ ويُعِينُ علَيْهِ وكانَ فِي حُصْنٍ لَهُ بِأرْضِ الحِجَازِ فلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ورَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الله لأصْحَابِهِ اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ فإنِّي مُنْطَلِقٌ ومُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أنْ أدْخُلَ فأقْبَلَ حتَّى دَنا مِنَ البَابِ ثُمَّ تقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كأنَّهُ يَقْضِي حاجَةً وقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فهَتَفَ بِهِ البَوَّابُ يَا عَبْدُ الله إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ تَدْخُلَ فادْخُلْ فإنِّي أُرِيدُ أنْ أغْلِقَ البابَ فدَخَلْتُ فكَمَنْتُ فلَمَّا دخَلَ النَّاسُ اغْلقَ البَابَ ثُمَّ علَّقَ الأغَالِيقَ علَى وَتَدٍ قَالَ فقُمْتُ إِلَى الأقالِيدِ فأخَذْتُهَا ففَتَحْتُ الْبَابَ وكانَ أبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ وكانَ فِي عَلاَلِيَّ لَهُ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إلَيْهِ فجَعَلْتُ كُلَّمَا فتَحْتُ بَابا أغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ قُلْتُ إنَّ القَوْمَ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إلَيَّ حتَّى أقْتُلَهُ فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ فإذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وسْطَ عِيَالِهِ لَا أدْرِي أيْنَ هُوَ مِنَ البَيْتِ فَقُلْتُ يَا أبَا رَافِعٍ قَالَ مَنْ هاذَا فأهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فأضْرِبُهُ ضَرْبَةً بالسَّيْفِ وأنَا دَهِشٌ مِمَّا أغْنَيْتُ شَيْئًَا وصاحَ فخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ فأمْكُثُ غيْرَ بعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إلَيْهِ فقُلْتُ مَا هاذا الصَّوّتُ يَا أبَا رَافِعٍ فَقال لأُمِّكَ الوَيْلُ إنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بالسَّيْفِ قَالَ فأضْرِبُهُ ضَرْبَةً أثْخَنَتْهُ ولَمْ أقْتُلْهُ ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حتَّى أخَذَ فِي ظَهْرِهِ فعَرَفْتُ أنِّي قتَلْتُهُ فجَعَلْتُ أفْتَحُ الأبْوَابَ بَابا بَابا حتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وأنَا أُرَي أنِّي قدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأرْضِ فوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فانْكَسَرَتْ ساقِي فعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حتَّى جَلَسْتُ علَى البَابِ فقُلْتُ لَا أخْرُجُ اللَّيْلَةَ حتَّى أعْلَمَ أقَتَلْتُهُ فلَمَّا صاحَ الدِّيكُ قامَ النَّاعِي علَى السُّورِ فَقال أنْعَى أبَا رَافِعٍ تاجِرَ أهْلِ الحِجَازِ فانْطَلَقْتُ إِلَى أصْحَابِي فقُلْتُ النَّجَاءَ
[ ١٧ / ١٣٥ ]
فقَدْ قَتَلَ الله أبَا رَافِعٍ فانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فحَدَّثْتُهُ فَقال لِي ابْسُطْ رِجْلَكَ فبَسَطْتُ رِجْلِي فمَسَحَها فكَأنَّهَا لَمْ أشْتَكِهَا قَطُّ. .
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه مطولا، وَفِيه بَيَان قصَّة أبي رَافع. ويوسف بن مُوسَى بن رَافع. ويوسف بن مُوسَى بن رَاشد بن بِلَال الْقطَّان الْكُوفِي، سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا سنة اثْنَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَهُوَ أَيْضا شيخ البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، يروي عَن جده أبي إِسْحَاق.
قَوْله: (رجَالًا من الْأَنْصَار) قد سمى مِنْهُم فِي هَذَا الْبَاب: عبد الله بن عتِيك ومسعود بن سِنَان وَعبد الله بن أنيس وَأَبا قَتَادَة وخزاعى ابْن أسود. وَإِن كَانَ عبد الله بن عتبَة مَحْفُوظًا فَكَانُوا سِتَّة، وَقد ترجمنا عبد الله بن عتِيك، وَأما مَسْعُود بن سِنَان فَهُوَ ابْن سِنَان ابْن الْأسود حَلِيف لبني غنم بن سَلمَة من الْأَنْصَار، شهد أحدا وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا، وَعبد الله بن أنيس، بِضَم الْهمزَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة: ابْن أسعد بن حرَام بن حبيب بن غنم بن كَعْب بن غنم بن تفاثة بن أياس بن يَرْبُوع بن فالبرك بن وبرة أخي كلب بن وبرة، البرك بن وبرة دخل فِي جُهَيْنَة، وَقَالَ أَبُو عمر: عبد الله بن أنيس الْجُهَنِيّ، ثمَّ الْأنْصَارِيّ حَلِيف بني سَلمَة، وَقيل: هُوَ من جُهَيْنَة حَلِيف للْأَنْصَار، وَقيل: هُوَ من الْأَنْصَار، توفّي سنة أَربع وَخمسين شهد أحدا وَمَا بعْدهَا، وَأَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ فَارس رَسُول الله، ﷺ، اخْتلف فِي اسْمه، فَقيل: الْحَارِث بن ربعي بن بلدهة، وَقيل: بلدمة بن خناس بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كَعْب بن سَلمَة الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ، وَقيل: النُّعْمَان الربعِي، وَقيل: عَمْرو بن ربعي. وَاخْتلف فِي شُهُوده بَدْرًا، فَقَالَ بَعضهم: كَانَ بَدْرِيًّا وَلم يذكرهُ ابْن عقبَة وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد كلهَا، وَعَن الشّعبِيّ أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كبر على أبي قَتَادَة سِتا، وَكَانَ بَدْرِيًّا وَعنهُ أَنه كبر عَلَيْهِ سبعا، وَكَانَ بَدْرِيًّا. وَقَالَ الْحسن بن عُثْمَان: مَاتَ أَبُو قَتَادَة سنة أَرْبَعِينَ وَشهد مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مشاهده كلهَا فِي خِلَافَته، وَمَات بِالْكُوفَةِ وَهُوَ ابْن سبعين سنة، وخزاعي، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة: ابْن أسود بن خزاعي، الْأَسْلَمِيّ حَلِيف الْأَنْصَار، ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة وَقَالَ: قيل: لَهُ صُحْبَة، وَلم يذكرهُ أَبُو عمر فِي الصَّحَابَة، وَقيل بِالْقَلْبِ: أسود بن خزاعي، وَقيل: أسود بن حرَام، ذكره فِي (الإكليل) فِي حَدِيث عبد الله بن أنيس، وَكَذَا ذكره مُوسَى بن عقبَة فِي (الْمَغَازِي) وَذكر فِي (دَلَائِل الْبَيْهَقِيّ) من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة على الشَّك: هَل هُوَ أسود بن خزاعي أَو أسود بن حرَام؟ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة): الْأسود بن خزاعي، وَقيل: خزاعي بن أسود أحد من قتل ابْن أبي الْحقيق، ذكره ابْن إِسْحَاق وَهُوَ أسلمي من حلفاء بني سَلمَة الأنصاريين، وَقَالَ الذَّهَبِيّ أَيْضا: الْأسود بن أَبيض، استدركه أَبُو مُوسَى، قيل: هُوَ أحد من بَيت ابْن أبي الْحقيق، وَأما عبد الله بن عتبَة، فبالعين المضمومة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ أَبُو عمر، عبد الله بن عتبَة أَبُو قيس الذكواني، مدنِي. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: قيل: لَهُ صُحْبَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (جَامع الْأُصُول): إِنَّه ابْن عنبة، بِكَسْر الْعين وَفتح النُّون، وغلطه بَعضهم بِأَنَّهُ خولاني لَا أَنْصَارِي، ومتأخر الْإِسْلَام، وَهَذِه الْقِصَّة مُتَقَدّمَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عبد الله بن عتبَة، أَبُو عتبَة الْخَولَانِيّ، نزل مصر، وَقَالَ بكر بن زرْعَة: لَهُ صُحْبَة وَقد صلى الْقبْلَتَيْنِ وَسمع من النَّبِي ﷺ. قَوْله: (فأمَّر عَلَيْهِم)، بتَشْديد الْمِيم من التأمير. قَوْله: (وَكَانَ أَبُو رَافع يُؤْذِي رَسُول الله، ﷺ) لِأَنَّهُ مِمَّن أعَان غطفان وَغَيرهم من مُشْركي الْعَرَب بِالْمَالِ الْكثير على رَسُول الله، ﷺ. قَوْله: (وَرَاح النَّاس بسرحهم)، أَي: رجعُوا بمواشيهم الَّتِي ترعى، والسرح، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: وَهِي السَّائِمَة من إبل وبقر وغنم. قَوْله: (ثمَّ تقنع بِثَوْبِهِ)، أَي: تغطى بِهِ ليخفي شخصه لِئَلَّا يعرف. قَوْله: (فَهَتَفَ بِهِ البواب)، أَي: ناداه، وَفِي رِوَايَة فَنَادَى صَاحب الْبَاب. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ البواب: يَا عبد الله؟ فَهَذَا يدل على أَنه عرفه؟ فَلَو عرفه لما مكنه من الدُّخُول مَعَ أَنه كَانَ مستخفيًا مِنْهُ. قلت: لم يرد بِهِ اسْمه الْعلم، بل الظَّاهِر أَنه أَرَادَ بِهِ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، لِأَن الْكل عبيد الله. قَوْله: (فَكَمَنْت)، أَي: اخْتَبَأْت،
[ ١٧ / ١٣٦ ]
وَفِي رِوَايَة يُوسُف، ثمَّ اخْتَبَأْت فِي مربط حمَار عِنْد بَاب الْحصن. قَوْله: (ثمَّ غلق الأغاليق)، وَهُوَ بالغين الْمُعْجَمَة جمع غلق بِفَتْح أَوله، وَهُوَ مَا يغلق بِهِ الْبَاب، وَالْمرَاد بهَا المفاتيح كَأَنَّهُ كَانَ يغلق بهَا وَيفتح بهَا، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَفِي (التَّوْضِيح): هُوَ جمع إغليق، وَهُوَ الْمِفْتَاح. قَوْله: (على وتد) ويروى: على ود، وَهُوَ مدغم الوتد، قَالَه الْكرْمَانِي: يَعْنِي قلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال، وَقَالَ: هِيَ مسمرة على الْبَاب، فَكيف تعلق على الوتد؟ قلت: يُرَاد بهَا الأقاليد، والإقليد كَمَا يفتح بِهِ يغلق أَيْضا بِهِ. قَوْله: (يسمر عِنْده) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع، أَي: يتحدثون عِنْده بعد الْعشَاء وَهُوَ من السمر وَهُوَ الاقتصاص بِاللَّيْلِ. قَوْله: (فِي علالي) جمع علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الغرفة وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ فِي علية لَهُ عجلة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْجِيم، قَالَ بَعضهم: هِيَ سلم من الْخشب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: العجلة من نخل ينقر الْجذع وَيحمل فِيهِ شبه الدرج. قَوْله: (نذروا) بِكَسْر الذَّال أَي: علمُوا، وَأَصله من الْإِنْذَار وَهُوَ الْإِعْلَام بالشَّيْء الَّذِي يحذر مِنْهُ، وَذكر ابْن سعد أَن عبد الله بن عتِيك كَانَ يرطن باليهودية فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَت لَهُ امْرَأَة أبي رَافع: من أَنْت؟ قَالَ: جِئْت أَبَا رَافع بهديه، ففتحت لَهُ. قَوْله: (فَأَهْوَيْت نَحْو الصَّوْت)، أَي: قصدت نَحْو صَاحب الصَّوْت، وَفِي رِوَايَة يُوسُف: فعمدت نَحْو الصَّوْت. قَوْله: (وَأَنا دهش) جملَة إسمية وَقعت حَالا، ودهش أَي: تحير وَهُوَ بِفَتْح الدَّال وَكسر الْهَاء، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة. قَوْله: (فَمَا أغنيت شَيْئا) يُقَال: مَا يُغني عَنْك، أَي: مَا يجدي عَنْك وَمَا ينفعك، حَاصِل الْمَعْنى: لم أَقتلهُ. قَوْله: (لأمك الويل) دُعَاء عَلَيْهِ، وَالْوَيْل مُبْتَدأ، و: لأمك، مقدما خَبره. قَوْله: (أثخنته) أَي: أثخنت الضَّرْبَة أَبَا رَافع، وَالْحَال أَنِّي لم أَقتلهُ أَيْضا. قَوْله: (ظبه السَّيْف) وَهُوَ حرف حد السَّيْف، وَيجمع على: ظبات وظبين، وَأما الضبيب بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى على وزن: رغيف، فَلَا أَدْرِي لَهُ معنى يَصح فِي هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ سيلان الدَّم من الْفَم، يُقَال: ضبت لثته ضبيبًا، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَكَذَا يرْوى، وَمَا أرَاهُ مَحْفُوظًا، وَقَالَ عِيَاض: روى بَعضهم الصبيب بِالْمُهْمَلَةِ، قَالَ: وأظن أَنه الطّرف. قلت: هُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَكَذَا ذكره الْحَرْبِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَو كَانَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة مصغر ذُبَاب السَّيْف وَهُوَ طرفه لَكَانَ ظَاهرا، وَفِي رِوَايَة يُوسُف: فأضع السَّيْف فِي بَطْنه ثمَّ انكفىء عَلَيْهِ حَتَّى أسمع صَوت الْعظم. قَوْله: (وَأَنا أرى) بِضَم الْهمزَة أَي: أَظن، وَذكر ابْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته أَنه كَانَ سيء الْبَصَر، قَوْله: فَانْكَسَرت ساقي فَوَثَبت يَده، قيل: هُوَ وهم وَالصَّوَاب رجله. قَوْله: (قَامَ الناعي) بالنُّون وَالْعين الْمُهْملَة من النعي، وَهُوَ خبر الْمَوْت، وَالِاسْم الناعي. قَوْله: (أنعي أَبَا رَافع) كَذَا ثَبت فِي الرِّوَايَات بِفَتْح الْعين، قَالَ ابْن التِّين: هِيَ لُغَة، وَالْمَعْرُوف: أنعوا، قَوْله: (النَّجَاء) بِالنّصب أَي: أَسْرعُوا. قَوْله: (فَكَأَنَّهَا) أَي: فَكَأَن رجْلي لم أشتكها، من الشكاية.
٤٠٤٠ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ حدَّثَنَا شُرَيْحٌ هُوَ ابنُ مَسْلَمَةَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بعَثَ رسُولُ الله ﷺ إلَى أبِي رَافِعٍ عَبْدَ الله بنَ عَتِيكٍ وعَبْدَ الله بنَ عُتْبَةَ فِي ناسٍ مَعَهُمْ فانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ الحِصْنِ فَقالَ لَهُمْ عَبْدُ الله بنُ عَتِيكٍ امْكُثُوا أنْتُمْ حتَّى أنْطَلِقَ أنَا فأنْظُرَ قالَ فتَلَطَّفْتُ أنْ أدْخُلَ الحِصْنَ ففَقَدُوا حِمارًَا لَهُمْ قَالَ فخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونَهُ قَالَ فَخَشِيتُ أنْ أُعْرَفَ قَالَ فَغَطَّيْتُ رأسِي ورِجْلِي كأنِّي أقْضِي حاجَةً ثُمَّ نادَى صاحِبُ الْبابِ مَنْ أرَادَ أنْ يَدْخُلَ فلْيَدْخُلْ قَبْلَ أنْ أُغْلِقَهُ فدَخَلْتُ ثُمَّ اخْتَبأتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بابِ الحَصْنِ عِنْدَ أبِي رَافِعٍ وتَحَدَّثُوا حتَّى ذَهَبَتْ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى بُيُوتِهِمْ فلَمَّا هدَأتِ الأصْوَاتُ وَلَا أسْمَعُ حَرَكةً خرَجْتُ قَالَ ورَأيْتُ صاحِبَ الْبابِ حيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الحِصْنِ فِي كَوَّةٍ فأخَذْتُهُ ففَتَحْتُ بِهِ بابَ الحِصْنِ قَالَ قُلْتُ إنْ نَذِرَ بِي القَوْمُ انْطَلَقْتُ علَى مَهْلٍ ثُمَّ عَمَدْتُ إلَى أبْوَابِ بيُوتِهِمْ فغَلَّقْتُهَا علَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ ثُمَّ
[ ١٧ / ١٣٧ ]
صَعِدْتُ إلَى أبِي رافِعٍ فِي سُلَّمٍ فإذَا البَيْتُ مُظْلِمٌ قدْ طُفِىءَ سِرَاجُهُ فلَمْ أدْرِ أيْنَ الرَّجُلُ فقُلْتُ يَا أبَا رَافعٍ قَالَ مَنْ هاذَا قَالَ فعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فأضْرِبُهُ وصَاحَ فلَمْ تُغْنِ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ جِئْتُ كأنِّي أُغِيثُهُ فقُلْتُ مالَكَ يَا أبَا رَافِعٍ وغيَّرْتُ صَوْتي فَقال ألاَ أُعْجِبَكَ لاُِمِّكَ الوَيْلُ دخَلَ علَيَّ رَجُلٌ فضَرَبَنِي بالسَّيْفِ قَالَ فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضا فأضْرِبُهُ أخْرَى فلَمْ تُغْنِ شَيْئًا فَصاحَ وقامَ أهْلُهُ قَالَ ثُمَّ جِئْتُ وغيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُغِيثِ فإذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ فأضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ أنْكَفِىءُ علَيْهِ حتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ العَظْمِ ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًَا حتَّى أتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أنْ أنْزِلَ فأسْقُطُ مِنْهُ فانْخَلَعَتْ رِجْلِي فعَصَبْتُهَا ثُمَّ أتَيْتُ أصْحَابي أحْجُلُ فقُلْتُ لَهُمْ انْطَلِقُوا فبَشِّرُوا رَسُولَ الله ﷺ فإنِّي لاَ أبْرَحُ حتَّى أسْمَعَ النَّاعِيَةَ فلَمَّا كانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ النَّاعِيَةُ فَقال أنْعَى أبَا رَافعٍ قَالَ فقُمْتُ أمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ فأدْرَكْتُ أصْحَابِي قبْلَ أنْ يَأتُوا النَّبِيَّ ﷺ فبَشَّرْتُهُمْ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء، أخرجه عَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم أَبُو عبد الله الْكُوفِي عَن شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة ابْن مسلمة الْكُوفِي عَن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق وَإِبْرَاهِيم هَذَا يروي عَن أَبِيه يُوسُف، ويوسف يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو السبيعِي عَن الْبَراء بن عَازِب، وَرِجَال هَذَا الأسناد كلهم كوفيون.
قَوْله: (وَعبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (بقبس)، أَي: شعلة من النَّار. قَوْله: (فَلَمَّا هدأت الْأَصْوَات) كَذَا هُوَ بِالْهَمْزَةِ، وَذكر ابْن التِّين بِغَيْر همز، ثمَّ قَالَ: وَصَوَابه الْهَمْز، أَي: سكنت ونام النَّاس. قَوْله: (فأضربه)، ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع مُبَالغَة لاستحضار صُورَة الْحَال وَإِن كَانَ ذَلِك قد مضى. قَوْله: (فَلم تغنِ) أَي: لم تَنْفَع شَيْئا. قَوْله: (أغيثه)، بِضَم الْهمزَة من الإغاثة. قَوْله: (وَقَامَ أَهله)، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فصاحت امْرَأَته فنوهت بِنَا فَجعلنَا نرفع السَّيْف عَلَيْهَا، ثمَّ نذْكر نهي النَّبِي ﷺ، عَن قتل النِّسَاء فنكف عَنْهَا. قَوْله: (ثمَّ أنكفىء) أَي: أنقلب عَلَيْهِ. قَوْله: (فانخلعت رجْلي) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: فَانْكَسَرت، والتلفيق بَينهمَا بِأَن يُقَال: إنَّهُمَا وَقعا، أَو أَرَادَ من كل مِنْهُمَا مُجَرّد اختلال الرجل. قَوْله: (أحجل) بِالْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ الْجِيم: من الحجلان، وَهُوَ مشي الْمُقَيد كَمَا يحجل الْبَعِير على ثَلَاث، والغلام على رجل وَاحِدَة. قَوْله: (مَا بِي قلبة) بِفَتْح الْقَاف وَاللَّام أَي: تقلب، واضطرب من جِهَة الرجل. فَإِن قلت: سبق أَنه قَالَ: فمسحها، فَكَأَنَّهَا لم أشتكها. قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا، إِذْ لَا يلْزم من عدم التقلب عودهَا إِلَى حالتها الأولى وَعدم بَقَاء الْأَثر فِيهَا.