أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة أحد، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لَفْظَة: بَاب، وَكَانَت غَزْوَة أحد فِي شَوَّال سنة ثَلَاث يَوْم السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ عِنْد ابْن عَائِذ، وَعند ابْن سعد: لسبع لَيَال خلون مِنْهُ على رَأس اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ شهرا من الْهِجْرَة، وَقَالَ إِسْحَاق: لِلنِّصْفِ مِنْهُ، وَعند الْبَيْهَقِيّ عَن مَالك: كَانَت بدر لسنة وَنصف من الْهِجْرَة، وَأحد بعْدهَا بِسنة، وَفِي رِوَايَة: كَانَت على أحد وَثَلَاثِينَ شهرا، وَأحد جبل من جبال الْمَدِينَة على أثل من فَرسَخ مِنْهَا، سمي أحد لتوحده وانقطاعه عَن جبال أخر هُنَاكَ، وَقَالَ السُّهيْلي: وَفِيه قبر هَارُون بن عمرَان، وَبِه قبض. وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ مُوسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، مرا بِهِ حاجين أَو معتمرين، وَفِي الْآثَار المسندة: أَنه يَوْم الْقِيَامَة عِنْد بَاب الْجنَّة من داخلها، وَفِي بَعْضهَا: أَنه ركن لبابها، ذكره ابْن سَلام فِي (تَفْسِيره) وَفِي (الْمسند) من حَدِيث أبي عِيسَى بن جُبَير مَرْفُوعا: أحد جبل يحبنا ونحبه، وَكَانَ على بَاب الْجنَّة، وَقَالَ السُّهيْلي: وَيُقَال لأحد ذُو عينين، وعينان تَثْنِيَة عين، جبل بِأحد وَهُوَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْلِيس، عَلَيْهِ اللَّعْنَة، وَيَوْم أحد، وَقَالَ: إِن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ، قد قتل، وَبِه أَقَامَ رَسُول الله، ﷺ الرُّمَاة يَوْم أحد.
[ ١٧ / ١٣٨ ]
وقَوْلِ الله ﷿ ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِنْ أهْلِكَ تُبَوِّىءُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتَالِ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمرَان: ١٢١) . وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلاَ تَهِنُوا ولاَ تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلُونَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ولِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ولِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمَ الله الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (آل عمرَان: ١٣٩، ١٤٣) . وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صدَقَكُمُ الله وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ تَسْتَأصِلُونَهُمْ قَتْلًا بإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عفَا عَنْكُمْ وَالله ذُو فَضْلٍ علَى الْمُؤْمِنينَ﴾ (آل عمرَان: ١٥٢) . وقَوْلِهِ تعَالَى ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أمْوَاتًَا﴾ (١٦٩) . الْآيَة.
هَذِه الْآيَات كلهَا فِي سُورَة آل عمرَان، وَكلهَا تتَعَلَّق بوقعة أحد، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: أنزل الله فِي شَأْن أحد سِتِّينَ آي من آل عمرَان، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الْمسور بن مخرمَة، قَالَ: قلت لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَخْبرنِي عَن قصتكم يَوْم أحد قَالَ: إقرأ الْعشْرين وَمِائَة من آل عمرَان تجدها: ﴿وَإِذا غَدَوْت من أهلك تبوىء الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ (آل عمرَان: ١٢١) . إِلَى قَوْله: ﴿أَمَنَة نعاسًا﴾ (آل عمرَان: ١٥٤) .
قَوْله: (وَقَول الله ﷿)، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: غَزْوَة أحد. قَوْله: (وَإِذ غَدَوْت) تَقْدِيره: أذكر يَا مُحَمَّد حِين غَدَوْت، أَي حِين خرجت أول النَّهَار من حجرَة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَاخْتلف فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي عَنى الله بِهِ؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُور: المُرَاد بِهِ يَوْم أحد، قَالَه ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَغير وَاحِد، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: المُرَاد بذلك يَوْم الْأَحْزَاب، رَوَاهُ ابْن جرير وَهُوَ غَرِيب لَا يعول عَلَيْهِ، وَقيل: يَوْم بدر، وَهُوَ أَيْضا لَا يعول عَلَيْهِ، وَكَانَت وقْعَة أحد يَوْم السبت من شَوَّال سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، وَقَالَ قَتَادَة: لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال، وَقَالَ عِكْرِمَة: يَوْم السبت النّصْف من شَوَّال، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَت إِقَامَة رَسُول الله، ﷺ بعد قدومه من غَزْوَة الْفَرْع من نَجْرَان جُمَادَى الْآخِرَة ورجبًا وَشَعْبَان وَشهر رَمَضَان، وغزوة قُرَيْش وغزوة أحد فِي شَوَّال سنة ثَلَاث، وَقَالَ البلاذري: لتسْع خلون من شَوَّال، وَقَالَ مَالك: كَانَت الْوَقْعَة أول النَّهَار وَهِي الَّتِي أنزل الله فِيهَا: ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوىء الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ (آل عمرَان: ١٢١) . الْآيَات. قَوْله: (تبوىء الْمُؤمنِينَ) أَي: تنزلهم (مقاعد) أَي: منَازِل، وتجعلهم ميمنة وميسرة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مقاعد أَي مَوَاطِن ومواقف، وقرىء: مقاعدًا، بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (لِلْقِتَالِ) أَي: لأجل الْقِتَال مَعَ الْمُشْركين من قُرَيْش وَغَيرهم، وَكَانُوا قَرِيبا من ثَلَاثَة آلَاف ونزلوا قَرِيبا من أحد تِلْقَاء الْمَدِينَة، وَكَانَ قائدهم أَبَا سُفْيَان وَمَعَهُ زَوجته هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة، وَكَانَ خَالِد بن الْوَلِيد على ميمنة خيلهم، وَعِكْرِمَة بن أبي جهل على ميسرتهم، وَقَالَ ابْن سعد: وَجعلُوا على الْخَيل صَفْوَان بن أُميَّة، وَقيل: عَمْرو بن الْعَاصِ، وعَلى الرُّمَاة عبد الله بن أبي ربيعَة، وَكَانُوا مائَة وَفِيهِمْ سَبْعمِائة ذِرَاع، والظعن خَمْسَة عشر، وَقَالَ ابْن هِشَام: لما خرج رَسُول الله، ﷺ والمسلمون يَوْم أحد اسْتعْمل على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم على الصَّلَاة بِالنَّاسِ، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: كَانُوا ألف رجل، فَلَمَّا نزل ﷺ بِأحد رَجَعَ عَنهُ عبد الله بن أبي بن سلول فِي ثَلَاثمِائَة، فَبَقيَ رَسُول الله، ﷺ فِي سَبْعمِائة، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد أهل الْمَغَازِي قَالَ وَالْمَشْهُور عَن الزُّهْرِيّ أَنهم بقوا فِي أَرْبَعمِائَة مقَاتل وَلم يكن مَعَهم فرس وَاحِد، وَكَانَ مَعَ الْمُشْركين مائَة فرس. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ مَعَ رَسُول الله، ﷺ فرسَان: فرس لَهُ ﷺ وَفرس لأبي بردة، وأمَّر رَسُول الله، ﷺ على الرُّمَاة عبد الله بن جُبَير أَخا بني عَمْرو بن عَوْف، وهم خَمْسُونَ رجلا، وَقَالَ: لَا يقاتلن أحد حَتَّى نأمره بِالْقِتَالِ، ثمَّ جرى مَا ذكره أهل السّير. قَوْله: (وَالله سميع عليم) أَي: سميع بِمَا تَقولُونَ، عليم بضمائركم. قَوْله: (وَقَوله جلّ ذكره)، بِالْجَرِّ أَيْضا عطفا على: قَول الله ﷿، قَوْله: (وَلَا تهنوا) أَي:
[ ١٧ / ١٣٩ ]
لَا تضعفوا بِسَبَب مَا جرى، وَهَذَا تَسْلِيَة من الله لرَسُوله وَلِلْمُؤْمنِينَ عَمَّا أَصَابَهُم يَوْم أحد، وأصل: لَا تهنوا: توهنوا، حذفت الْوَاو طردًا للباب لِأَنَّهَا حذفت فِي: يهن، أَصله يوهن، لوُقُوع الْوَاو بَين الْيَاء والكسرة، والوهن الضعْف، يُقَال: وَهن يهن، بِالْكَسْرِ فِي الْمُضَارع، وَيسْتَعْمل: وَهن لَازِما ومتعديًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهن الْعظم مني﴾ (مَرْيَم: ٤) . وَفِي الحَدِيث: (وهنتهم حمى يثرب)، وَقَالَ الْفراء: يُقَال: وهنه الله وأوهنه، زَاد غَيره: ووهنه. قَوْله: (وَلَا تحزنوا) أَي: على ظُهُور أعدائكم وَمَا فاتكم من الْغَنِيمَة، وَكَانَ قد قتل يَوْمئِذٍ خَمْسَة من الْمُهَاجِرين، وهم: حَمْزَة، وَمصْعَب بن عُمَيْر صَاحب راية النَّبِي ﷺ، وَعبد الله بن جحش ابْن عمَّة النَّبِي ﷺ، وَعُثْمَان بن شماس، وَسعد مولى ابْن عتبَة، وَمن الْأَنْصَار سَبْعُونَ رجلا. قَوْله: (وَأَنْتُم الأعلون) وَهُوَ جمع: أَعلَى، أَي: بِالْحجَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَلكم الْغَلَبَة فِيمَا بعد. قَوْله: (إِن كُنْتُم مُؤمنين) أَي: إِذا كُنْتُم، وَقيل: إِذْ دمتم، على الْإِيمَان فِي الْمُسْتَقْبل. قَوْله: (إِن يمسكم قرح) الْآيَة، قَالَ رَاشد بن سعد: انْصَرف النَّبِي ﷺ، يَوْم أحد كئيبًا، وَجعلت الْمَرْأَة تجىء بابنها وأبيها وَزوجهَا مقتولين، فَقَالَ، ﷺ: أهكذا تفعل برسولك؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَيُقَال: أقبل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْمئِذٍ وَفِيه نَيف وَسِتُّونَ جِرَاحَة من طعنة وضربة ورمية، فَجعل، ﷺ، يمسحها بِيَدِهِ وَهِي تلتئم بِإِذن الله كَأَن لم تكن. قَوْله: (إِن يمسسكم)، من الْمس وَهُوَ الْإِصَابَة، والقرح بِالْفَتْح: الْجراح، واحدتها: قرحَة، وبالضم اسْم الْجراح، وبفتح الرَّاء مصدر: قرح يقرح، وَقَالَ الْكسَائي: الْقرح، بِالْفَتْح وَالضَّم وَاحِد، أَي: الْجراح، وَقَالَ الْفراء: هُوَ بِالْفَتْح مصدر قُرْحَته فَهُوَ نفس الْجراح، وبالضم الْأَلَم، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء، بِضَم الْقَاف وَالرَّاء على الِاتِّبَاع، وَالْمعْنَى وَالله أعلم: لَا تحزنوا إِن أَصَابَكُم جرح يَوْم أحد، فقد أصَاب الْمُشْركين مثله يَوْم بدر، وَمَعَ هَذَا إِن قَتْلَاكُمْ فِي الْجنَّة وقتلاهم فِي النَّار. قَوْله: (وَتلك الْأَيَّام)، تِلْكَ مُبْتَدأ، وَالْأَيَّام خَبره، ونداولها فِي مَوضِع الْحَال، وَالْعَامِل فِيهَا معنى الْإِشَارَة، وَيجوز أَن يكون الْأَيَّام بَدَلا أَو عطف بَيَان، ونداولها الْخَبَر، وَالْمعْنَى: لَا تهنوا فالحرب سِجَال، وَأَنا أداول الْأَيَّام بَين النَّاس، فأديل الْكَافِر من الْمُؤمن تَغْلِيظًا للمحنة والابتلاء، وَلَو كَانَت الْغَلَبَة للْمُؤْمِنين لصاروا كالمضطرين، وَيُقَال: نديل عَلَيْكُم الْأَعْدَاء تَارَة وَإِن كَانَت الْعَاقِبَة لكم لما لنا فِي ذَلِك من الحكم، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ (آل عمرَان: ١٤٠) . قَالَ ابْن عَبَّاس فِي مثل هَذَا: لنرى من يصبر على مناجزة الْأَعْدَاء. قَوْله: (ويتخذ مِنْكُم)، أَي: وليتخذ مِنْكُم شُهَدَاء، يَعْنِي: نكرم نَاسا مِنْكُم بِالشَّهَادَةِ، يَعْنِي المستشهدين يَوْم أحد، وليتخذ مِنْكُم من يصلح للشَّهَادَة على الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ ابْن جريج: كَانَ الْمُسلمُونَ يَقُولُونَ: رَبنَا أرنا يَوْمًا كَيَوْم بدر نلتمس فِيهِ الشَّهَادَة، فَاتخذ الله مِنْهُم شُهَدَاء يَوْم أحد. قَوْله: (وَالله لَا يحب الظَّالِمين)، أَي: الْمُشْركين. قَوْله: (وليمحص الله الَّذين آمنُوا)، مَعْطُوف على قَوْله: (وليعلم الله) والتمحيص الطهير والتصفية، وَقيل: التمحيص الِابْتِلَاء والاختبار، وَالْمعْنَى: ليكفِّر الله عَن الْمُؤمنِينَ ذنوبهم إِن كَانَت لَهُم ذنُوب، وليرفع لَهُم دَرَجَات بِحَسب مَا أصيبوا بِهِ. قَوْله: (ويمحق الْكَافرين)، أَي: يُهْلِكهُمْ، وَقيل: ينقصهم ويقللهم، يُقَال: محق الله الشَّيْء وامتحق وانمحق. قَوْله: (أم حسبتم) كلمة: أم، مُنْقَطِعَة، وَمعنى الْهمزَة فِيهَا الْإِنْكَار، وَالْمعْنَى: أحسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلم تبتلوا بِالْقِتَالِ والشدائد كَمَا دخل الَّذين قتلوا وثبتوا على ألم الْجراح؟ قَوْله: (وَلما يعلم الله)، كلمة: لما، بِمَعْنى: لم إلاَّ أَن فِيهِ ضربا من التوقع، فَدلَّ على نفي الْجِهَاد فِيمَا مضى، وعَلى توقعه فِيمَا يسْتَقْبل. قَوْله: (وَيعلم الصابرين)، قَالَ الزّجاج: الْوَاو، هُنَا بِمَعْنى: حَتَّى، أَي: حَتَّى يعلم صبرهم. وَقَرَأَ الْحسن بِكَسْر الْمِيم عطفا على الأول، وَمِنْهُم من قَرَأَ بِالضَّمِّ على تَقْدِير: وَهُوَ يعلم، وَحَاصِل الْمَعْنى: لَا يحصل لكم دُخُول الْجنَّة حَتَّى تبتلوا وَيرى الله مِنْكُم الْمُجَاهدين فِي سَبيله وَالصَّابِرِينَ على مقارعة الْأَعْدَاء. قَوْله: (وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت)، قَالَ ابْن عَبَّاس: لما أخبر الله تَعَالَى، على لِسَان نبيه، ﷺ، مَا فعل بشهدائهم يَوْم بدر من الْكَرَامَة رَغِبُوا فِي ذَلِك، فَأَرَاهُم يَوْم أحد فَلم يَلْبَثُوا أَن انْهَزمُوا، فَنزلت هَذِه الْآيَة أَي: ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ (آل عمرَان: ١٤٣) . أَي: الْقِتَال من قبل أَن تلقوهُ يَوْم أحد فقد رَأَيْتُمُوهُ يَوْمئِذٍ وَأَنْتُم تنْظرُون، يَعْنِي الْمَوْت فِي لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرِّجَال لِلْقِتَالِ فَكيف انْهَزَمْتُمْ؟ فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ تمني الشَّهَادَة وَفِيه غَلَبَة الْكفَّار على الْمُسلمين؟ قلت: لِأَن غَرَض المتمني لَيْسَ إلاّ
[ ١٧ / ١٤٠ ]
َ حُصُول الشَّهَادَة مَعَ قطع النّظر عَن غَلَبَة الْكفَّار، وَإِن كَانَ متضمنًا لَهَا. قَوْله: (وَلَقَد صدقكُم الله وعده)، قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب: لما رَجَعَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه من أحد إِلَى الْمَدِينَة، قَالَ قوم مِنْهُم: من أَيْن أَصَابَنَا هَذَا وَقد وعدنا الله النَّصْر؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وعدهم الله النَّصْر بِأحد فَلَمَّا طلبُوا الْغَنِيمَة هزموا. قَوْله: (إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ)، أَي: حِين تقتلونهم قتلا ذريعًا بِإِذْنِهِ، أَي: بأَمْره وتيسيره، وَيُقَال: سنة حسوس إِذا أَتَت على كل شَيْء، وجراد محسوس إِذا قَتله الْبرد. قَوْله: (حَتَّى إِذا فشلتم) أَي: جبنتم وضعفتم، يُقَال: فشل الرجل يفشل فَهُوَ فشيل، وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير أَي: حَتَّى إِذا تنازعتم وعصيتم فشلتم، وَقيل: حَتَّى بِمَعْنى إِلَى، وَحِينَئِذٍ لَا جَوَاب، أَي: صدقكُم الله وعده إِلَى أَن فشلتم وتنازعتم، أَي: اختلفتم وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْأَمر لما انهزم الْمُشْركُونَ، قَالَ بعض الرمات الَّذين كَانُوا عِنْد المركز: مَا مقامنا هُنَا؟ قد انهزم الْقَوْم. وَقَالَ بَعضهم: لَا تجاوزوا أَمر رَسُول الله، ﷺ فَثَبت عبد الله بن جُبَير أَمِير الرُّمَاة فِي نفر يسير دون الْعشْرَة، وَانْطَلق الْبَاقُونَ ينتهبون، فَلَمَّا نظر خَالِد بن الْوَلِيد وَعِكْرِمَة ابْن أبي جهل ذَلِك، حملُوا على الرُّمَاة فَقتلُوا عبد الله وَأَصْحَابه، وَأَقْبلُوا على الْمُسلمين. قَوْله: (عصيتم) أَي: بترك المركز. قَوْله: (من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون) من النَّصْر وَالظفر بهم. قَوْله: (مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا) أَي: الْغَنِيمَة، ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة، وهم الَّذين ثبتوا فِي المركز. قَوْله: (ثمَّ صرفكم عَنْهُم) أَي: ردكم عَن الْمُشْركين بهزيمتكم، وردهم عَلَيْكُم ليختبركم ويمنحكم. قَوْله: (وَلَقَد عَفا عَنْكُم) أَي: عَن ذنبكم بعصيان رَسُول الله، ﷺ والانهزام، وَقَالَ ابْن جريج: وَلَقَد عَفا عَنْكُم بِأَن لم يستأصلكم، وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، رَوَاهُ ابْن جرير. قَوْله: (وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ) قيل: إِذا عَفا عَنْهُم، وَقيل: إِذا لم يقتلُوا جَمِيعًا. قَوْله: (وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا) الْآيَة نزلت فِي شُهَدَاء أحد، وروى مُسلم من طَرِيق مَسْرُوق، قَالَ: سَأَلنَا عبد الله بن مَسْعُود عَن هَؤُلَاءِ الْآيَات، قَالَ: إِنَّا قد سَأَلنَا عَنْهَا، فَقيل لنا: إِنَّه لما أُصِيب إخْوَانكُمْ بِأحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها الحَدِيث، وَعَن ابْن عَبَّاس فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد أَنه قَالَ: لما أُصِيب إِخْوَاننَا بِأحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتأوي إِلَى قناديل من ذهب معلقَة فِي ظلّ الْعَرْش، فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ، قَالُوا: من يبلغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنا فِي الْجنَّة نرْزق، لِئَلَّا يَزْهَدُوا عَن الْقِتَال؟ فَقَالَ الله تَعَالَى: أَنا أبلغهم عَنْكُم، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَقيل: نزلت فِي شُهَدَاء بدر، وَقيل: فِي شُهَدَاء بِئْر مَعُونَة، وَقيل غير ذَلِك، وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ: الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء، يخرج عَلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة بكرَة وعشيًا. وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره): وَكَانَ الشُّهَدَاء أَقسَام، مِنْهُم من تسرح أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة، وَمِنْهُم من يكون على هَذَا النَّهر بِبَاب الْجنَّة، وَقد يحْتَمل أَن يَنْتَهِي سيرهم إِلَى هَذَا النَّهر فيجتمعون هُنَالك ويُغدى عَلَيْهِم رزقهم هُنَاكَ وَيرَاح، وَالله أعلم.
٤٠٤١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى أخبرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ هاذا جبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأسِ فرَسِهِ علَيْهِ أدَاةُ الحَرْبِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩٩٥) .
هَذَا الحَدِيث غير وَاقع فِي مَحَله هُنَا لِأَنَّهُ تقدم فِي: بَاب شُهُود الْمَلَائِكَة بَدْرًا بِسَنَدِهِ وَمَتنه، وَفِيه قَالَ: وَلِهَذَا لم يذكرهُ هُنَا أَبُو ذَر وَلَا غَيره من متقني رُوَاة البُخَارِيّ، وَلَا استخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نعيم، وَلم يَقع هَذَا إلاَّ فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت والأصيلي وَهُوَ وهم، وَعبد الْوَهَّاب هُوَ الثَّقَفِيّ، وخَالِد هُوَ الْحذاء.
٤٠٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أخْبَرَنا زَكَرِيَّاءُ بنُ عَدِيٍّ أخبرَنا بنُ المُبارَكِ عنْ حَيْوَةَ عنْ يَزِيدَ بنَ أبِي حَبيبٍ عنْ أبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ قَالَ صَلَّى رسولُ الله، ﷺ علَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمانِ سِنينَ كالمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ والأمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ المِنْبَرَ فَقَالَ إنِّي بَيْنَ
[ ١٧ / ١٤١ ]
أيْدِيكُمْ فَرَطٌ وَأَنا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ وإنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ وإنِّي لأنْظُرُ إلَيْهِ مِنْ مَقامِي هذَا وإنِّي لَسْتُ أخْشَى عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا ولاكِنِّي أخْشَى علَيْكُمُ الدُّنْيَا أنْ تَنافَسُوها قَالَ فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتها إِلَى رسُولِ الله ﷺ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ من جملَة أُمُور غَزْوَة أحد، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى كَانَ يُقَال لَهُ: صَاعِقَة، وزَكَرِيا بن عدي أَبُو يحيى الْكُوفِي، وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وحيوة هُوَ ابْن شُرَيْح الْحَضْرَمِيّ الْكِنْدِيّ الْمصْرِيّ أَبُو زرْعَة، مَاتَ سنة تسع خمسين وَمِائَة، وَيزِيد بن أبي حبيب واسْمه سُوَيْد، ويكنى يزِيد بِأبي رَجَاء الْمصْرِيّ، وَأَبُو الْخَيْر اسْمه مرْثَد بن عبد الله.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الصَّلَاة على الشَّهِيد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَمَا قَول الشَّافِعِيَّة حَيْثُ لَا يصلونَ عَلَيْهِ؟ أَي: على الشَّهِيد؟ قلت: تقدم أَيْضا ثمَّة أَنه لم يصلّ على أهل أحد، فَلَا بُد من التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن تحمل الصَّلَاة على الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَي: دَعَا لَهُم بِدُعَاء الْمَيِّت. انْتهى. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَتْ عَنهُ أَشْيَاء، فَكيف تحمل الصَّلَاة على الْمَعْنى اللّغَوِيّ وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر: أَن النَّبِي ﷺ خرج يَوْمًا فصلى على شُهَدَاء أحد صلَاته على الْمَيِّت، ثمَّ انْصَرف؟ وَيَقُول الْحَنَفِيَّة: جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَعقبَة بن عَامر وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ والمزني وَأحمد فِي رِوَايَة، واختارها الْخلال.
٤٠٤٣ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوساى عنْ إسرائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَقينا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وأجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًَا مِنَ الرُّمَاةِ وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الله وَقَالَ لاَ تَبْرَحُوا إنْ رأيْتُمونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلاَ تَبْرَحُوا وإنِ رَأيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا علَيْنَا فَلاَ تُعِينُونَا فلَمَّا لَقِينا هَرَبُوا حتَّى رأيْتُ النِّساءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الجَبَلِ رفَعْنَ عنْ سُوقِهِنَّ قدْ بَدَتْ خَلاَخِلُهُنَّ فأخَذُوا يَقُولُونَ الْغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ فَقالَ عَبْدُ الله بنُ جُبَيْرٍ عَهِدَ إليَّ النَّبِيُّ ﷺ أنْ لاَ تَبْرَحُوا فأبَوْا فلَمَّا أبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ فأصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا وأشْرَفَ أبُو سُفْيَانَ فَقال أفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ فَقال لاَ تُجِيبُوهُ فَقَالَ أفِي القَوْمِ ابنُ أبِي قُحَافَةَ قَالَ لاَ تُجِيبُوهُ فَقَالَ أفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ فَقَالَ إنَّ هؤُلاءِ قُتِلُوا فلَوْ كانُوا أحْيَاءً لأجَابُوا فلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ الله أبْقَى الله عَلَيْكَ مَا يُحْزِنُكَ: قَالَ أبُو سُفْيَانَ أُعْلُ هُبَلْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أجِيبُوهُ قالُوا قالُوا مَا نَقُولُ؟ قَالَ قوُلُوا الله أعلَى وأجَلَّ. قالَ أبُو سُفْيانُ: لَنَا العزَّى ولاَ عُزَّىَ لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أجِيبُوهُ قالُوا مَا نقُولُ قَالَ قُولُوا الله مَوْلانَا ولاَ مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ أبُو سُفيانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ وتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا ولَمْ تَسُؤنِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (يَوْمئِذٍ) أَي: يَوْم أحد. قَوْله: (من الرُّمَاة) بِضَم الرَّاء جمع رامٍ. وَفِي حَدِيث زُهَيْر: وَكَانُوا خمسين رجلا. قَوْله: (وَأمر)، بتَشْديد الْمِيم من التأمير. قَوْله: (عبد الله)، هُوَ ابْن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن النُّعْمَان بن أُميَّة بن امرىء الْقَيْس، اسْمه البرك بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ، شهد الْعقبَة ثمَّ شهد بَدْرًا، وَقتل يَوْم أحد شَهِيدا، قَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم لَهُ رِوَايَة عَن النَّبِي ﷺ، وَهُوَ
[ ١٧ / ١٤٢ ]
أَخُو خَوات بن جُبَير بن النُّعْمَان لِأَبِيهِ وَأمه. قَوْله: (إِن ظهرنا) أَي: غلبناهم. قَوْله: (وَإِن رأيتموهم ظَهَرُوا علينا) وَفِي رِوَايَة زُهَيْر: وَإِن رَأَيْتُمُونَا تخطفنا الطير، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم أَن النَّبِي ﷺ، أقامهم فِي مَوضِع، ثمَّ قَالَ لَهُم: إحموا ظُهُورنَا، فَإِن رَأَيْتُمُونَا نقْتل فَلَا تنصرونا، وَإِن رَأَيْتُمُونَا قد غنمنا فَلَا تشركونا. قَوْله: (يشتددن)، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعدهَا دَال مَكْسُورَة ثمَّ أُخْرَى سَاكِنة أَي: يسرعن الْمَشْي، يُقَال: اشْتَدَّ فِي مَشْيه إِذا أسْرع، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة زُهَيْر: وَله رِوَايَة أُخْرَى هُنَا: يسندن، بِضَم أَوله وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا نون مَكْسُورَة ودال مُهْملَة، أَي: يصعدن، يُقَال: أسْند فِي الْجَبَل يسند إِذا صعد، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: يشددن، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الدَّال الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للقابسي فِي الْجِهَاد: يسندن، وَكَذَا لِابْنِ السكن فِيهِ، وَفِي الْفَضَائِل وَعند الْأصيلِيّ والنسفي: يشدن بِمُعْجَمَة ودال وَاحِدَة، وَفِي أبي دَاوُد: يصعدن. قَوْله: (رفعن عَن سوقهن) ويروى: يرفعن، والسوق جمع: سَاق، وَذَلِكَ ليعينهن ذَلِك على سرعَة الهروب. قَوْله: (قد بَدَت) أَي: ظَهرت (خلاخلهن) وَهُوَ جمع خلخال، كَمَا أَن الخلاخيل جمع خلخال وهما بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (الْغَنِيمَة) بِالنّصب أَي: خُذُوا الْغَنِيمَة، وَقد ظهر أصحابكم فَمَا تنتظرون؟ وَفِي رِوَايَة زُهَيْر: فَقَالَ عبد الله: أنسيتم مَا قَالَ لكم رَسُول الله، ﷺ؟ قَالُوا: وَالله لنأتين النَّاس فلنصيبن من الْغَنِيمَة. قَوْله: (فَلَمَّا أَبَوا صرف وُجُوههم) أَي: تحيروا فَلم يدروا أَن يذهبون وَأَيْنَ يتوجهون. قَوْله: (فأصيب سَبْعُونَ قَتِيلا) وَلم يكن فِي عَهده، ﷺ، ملحمة هِيَ أَشد وَلَا أَكثر قَتْلَى من أحد. قَوْله: (وأشرف أَبُو سُفْيَان) أَي: اطلع أَبُو سُفْيَان بن حَرْب رَئِيس الْمُشْركين يَوْمئِذٍ. قَوْله: (أَفِي الْقَوْم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام للاستعلام. قَوْله: (أبقى الله عَلَيْك مَا يحزنك) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي وَالنُّون: من الْحزن ويروى: مَا يخزيك، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الزَّاي من: الخزي. قَوْله: (أعل هُبل) أعل أَمر من علا يَعْلُو، و: هُبل، بِضَم الْهَاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْم صنم كَانَ فِي الْكَعْبَة وَهُوَ منادًى حذف مِنْهُ حرف النداء أَي: يَا هُبل، قَالَ ابْن إِسْحَاق: مَعْنَاهُ ظهر دينك، وَقَالَ السُّهيْلي: مَعْنَاهُ زد علوا، وَفِي (التَّوْضِيح): أَي: ليرتفع أَمرك ويعز دينك فقد غلبت. قلت: كل هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَلَكِن فِي الْوَاقِع يرجع مَعْنَاهُ إِلَى مَعْنَاهُ إِلَى هَذِه الْمعَانِي، قَالَ الْكرْمَانِي: مَا معنى أعل وَلَا علو فِي هُبل، ثمَّ أجَاب بقوله: هُوَ بِمَعْنى العلى، أَو المُرَاد أَعلَى من كل شَيْء. انْتهى. قلت: ظن أَنه أَعلَى هُبل، على وزن أفعل التَّفْضِيل، فَلذَلِك سَأَلَ بِمَا سَأَلَ وَأجَاب بِمَا أجَاب وَهُوَ واهم فِي هَذَا، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (الْعُزَّى) وَهُوَ تَأْنِيث الْأَعَز بالزاي، وَهُوَ اسْم صنم لقريش، وَيُقَال: الْعُزَّى سَمُرَة كَانَت غطفان يعبدونها وبنوا عَلَيْهَا بَيْتا وَأَقَامُوا لَهَا سدنة، فَبعث إِلَيْهَا رَسُول الله، ﷺ، خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فهدم الْبَيْت وأحرق السمرَة، وَهُوَ يَقُول:
(يَا عزى كُفْرَانك لَا سُبْحَانَكَ إِنِّي رَأَيْت الله قد أَهَانَك)
قَوْله: (الله مَوْلَانَا وَلَا مولى لكم) أَي: الله ناصرنا وَلَا نَاصِر لكم. قَوْله: (يَوْم بِيَوْم بدر) أَي: هَذَا يَوْم بِمُقَابلَة يَوْم بدر، لِأَن فِي بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ، وَفِي أحد قتلوا سبعين من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (وَالْحَرب سِجَال) يَعْنِي: ساجلة يَعْنِي: متداولة يَوْم لنا وَيَوْم علينا. قَوْله: (وتجدون) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وستجدون. قَوْله: (مثلَة) بِضَم الْمِيم على وزن: فعلة، من مثل إِذا قطع وجذع كَمَا فعلوا بِحَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: حَدثنِي صَالح بن كيسَان، قَالَ: خرجت هِنْد والنسوة مَعهَا يمثلن بالقتلى يجذعن الآذان والأنوف حَتَّى اتَّخذت هِنْد من ذَلِك خدمًا وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها أَي: اللَّاتِي كن عَلَيْهَا لوحشي جَزَاء لَهُ على قتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبقرت عَن كبد حَمْزَة، فلاكتها فَلم تستطع أَن تسيغها، فلفظتها. قَوْله: (لم آمُر بهَا) أَي: بالمثلة، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق! وَالله مَا رضيت وَمَا سخطت وَمَا نهيت وَمَا أمرت، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: وَلم يكن ذَلِك عَن رَأس سراتتا، ثمَّ أَدْرَكته حمية الْجَاهِلِيَّة، أما أَنه إِذْ كَانَ لم يكرههُ. قَوْله: (وَلم تسؤني) أَي: وَالْحَال أَن الْمثلَة الَّتِي فَعَلُوهَا لم تسؤني، وَإِن كنت مَا أمرت.
٤٠٤٤ - أخْبَرَنِي عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وعَنْ جابِرٍ قَالَ اصْطَبَحَ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ
[ ١٧ / ١٤٣ ]
ناسٌ ثُمَّ قُتِلُوا شُهدَاءَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨١٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله فِي: بَاب فضل قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا﴾ (آل عمرَان: ١٦٩) . قَوْله: (اصطبح الْخمر) أَي: شربه صَبُوحًا. والْحَدِيث دلّ على أَن تَحْرِيم الْخمر إِنَّمَا كَانَ بعد أحد.
٤٠٤٥ - حدَّثنا عَبْدَانُ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ أخْبرَنَا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ إبْرَاهِيمَ أنَّ عَبْدَ الرَّحمانِ بنَ عَوْفٍ أتِيَ بِطَعامٍ وكانَ صَائِمًَا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وهْوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إنْ غُطِّيَ رأسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ وإنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَتْ رأسُهُ وأُرَاهُ قَالَ وقُتِلَ حَمْزَةُ وهْوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أوْ قالَ أُعْطِينا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وقَدْ خَشِينَا أَن تَكُونَ حسَناتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جعَلَ يَبْكِي حتَّى تَرَكَ الطَّعامَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قتل مُصعب بن عُمَيْر) . وَفِي قَوْله: (وَقتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) . وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا لم يُوجد إلاَّ ثوب وَاحِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله إِلَخ. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (بِطَعَام) وَفِي رِوَايَة نَوْفَل بن إِيَاس: كَانَ خبْزًا وَلَحْمًا، أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) وَذكر أَبُو عمر أَن ذَلِك كَانَ فِي مرض مَوته. قَوْله: (وَهُوَ خير مني) لَعَلَّه قَالَ ذَلِك تواضعًا، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك قبل اسْتِقْرَار الْأَمر من تَفْضِيل الْعشْرَة على غَيرهم. قَوْله: (ثمَّ بسط لنا) أَشَارَ بذلك إِلَى مَا حصل من الفتوحات والغنائم. قَوْله: (حَتَّى ترك الطَّعَام) وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَأَحْسبهُ لم يَأْكُلهُ.
٤٠٣٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍ وسَمِعَ جابِرَ بنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أرَأيْتَ إنْ قُتِلْتُ فأيْنَ أنَا قَالَ فِي الجَنَّةِ فألْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ قاتَلَ حتَّى قُتِلَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن عَمْرو وسُويد بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور.
قَوْله: (قَالَ رجل) زعم ابْن بشكوال أَنه عُمَيْر بن الْحمام، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم، قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَيْضا: إِنَّه عُمَيْر بن الْحمام بن الجموح بن زيد الْأنْصَارِيّ، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة عُمَيْر بن الْحمام سَوَاء، وَهُوَ قد تبع فِي ذَلِك صَاحب (التَّلْوِيح)، وَقيل: وَقع التَّصْرِيح فِي حَدِيث أنس بِأَن ذَلِك كَانَ يَوْم بدر، وَهنا التَّصْرِيح بِأَنَّهُ يَوْم أحد، فَالظَّاهِر أَنَّهُمَا قضيتان وقعتا لِرجلَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب.
٤٠٤٧ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ شَقِيقٍ عنْ خَبَّابٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ هاجَرْنَا معَ رَسُولِ الله ﷺ نَبْتغِي وجْهَ الله فوَجَبَ أجْرُنَا علَى الله ومِنَّا مَنْ مَضَى أوْ ذَهَبَ لَمْ يأكُلْ مِنْ أجْرِهِ شَيْئًَا كانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَتْرُكَ إلاَّ نَمِرَةً كُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رأسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ وإذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلاَهُ خَرَجَ رَأسُهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ غَطوا بِهَا رأسَهُ واجْعَلوا علَى رِجْلِهِ الإذْخِرَ أوْ قالَ ألْقُوا علَى رِجْلهِ الإذْخِرَ ومِنَّا مَنْ قَدْ
[ ١٧ / ١٤٤ ]
أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدِبُهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ مِنْهُم مُصعب بن عُمَيْر) الخ، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة وخباب هُوَ ابْن الْأَرَت، والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا لم يجد كفنًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش إِلَخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يهدبها) من هدب الثَّمَرَة إِذا اجتناها واخترف مِنْهَا.
٤٠٤٨ - أخْبَرَنَا حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ حدَّثنَا مُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ حدَّثنَا حُمَيْدٌ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ عَمَّهُ غابَ عنْ بَدْرٍ فَقَالَ غِبْتُ عنْ أوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ لَئِنْ أشْهَدَنِي الله معَ النَّبِيِّ ﷺ لَيَرَيَنَّ الله مَا آجِدُّ فلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ فهُزِمَ النَّاسُ فَقال اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صنَعَ هؤُلاءِ يَعْنِي المُسْلِمِينَ وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ المُشْرِكُونَ فتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ فَقال أيْنَ يَا سَعْدُ إنِّي أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ فمَضَى فَقُتِلَ فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشامَةٍ أوْ بِبنَانِهِ وبِهِ بِضْعٌ وثَمَانُونَ مَنْ طَعْنَةٍ وضَرْبَةٍ ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٠٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحسان بن حسان، وَيُقَال لَهُ: حسان بن أبي عباد أَو عَليّ الْبَصْرِيّ سكن مَكَّة وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ القدماء، روى عَنهُ هُنَا وَفِي الْعمرَة، وَمَات سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَمُحَمّد بن طَلْحَة بن مصرف على وزن اسْم الْفَاعِل من التصريف الْهَمدَانِي اليامي، وَحميد هُوَ الطَّوِيل.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٣) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أَن عَمه) وَهُوَ أنس بن النَّضر بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، قَوْله: (عَن بدر) أَي: عَن غَزْوَة بدر. قَوْله: (عَن أول قتال النَّبِي ﷺ) أَرَادَ بِهِ: أول القتالات الْعَظِيمَة وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ أول الْغَزَوَات. قَوْله: (ليرين الله) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالرَّاء وَالْيَاء أَيْضا وَتَشْديد النُّون، وَهُوَ فعل مضارع مُؤَكد بِاللَّامِ وَالنُّون الثَّقِيلَة، وَلَفْظَة: الله، بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (مَا أجد) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وَتَشْديد الدَّال. قَالَ بَعضهم: هُوَ من الرباعي، يُقَال: أجد فِي الشَّيْء يجد إِذا بَالغ فِيهِ. قلت: قَوْله: من الرباعي، لَيْسَ باصطلاح أهل الصّرْف، بل هُوَ مضاعف من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَهُوَ هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْجِيم، يُقَال: جد يجد إِذا اجْتهد فِي الْأَمر، وَأما أجد، فَإِنَّمَا يُقَال لمن سَار فِي أَرض مستوية، وَلَا معنى لَهُ هَهُنَا. قَالَ: وَضَبطه بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وَتَخْفِيف الدَّال من: الوجد، أَي: مَا ألْقى من الشدَّة فِي الْقِتَال. قَوْله: (فَهزمَ النَّاس) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَقَالَ: أَيْن يَا سعد) ويروى: أَي سعد، يَعْنِي: يَا سعد. قَوْله: (إِنِّي أجد ريح الْجنَّة) كِنَايَة عَن شدَّة قِتَاله فِي ذَلِك الْيَوْم الْمُؤَدِّي إِلَى استشهاده الْمُؤَدِّي إِلَى الْجنَّة. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك على الْحَقِيقَة بِأَن يكون شم رَائِحَة طيبَة زَائِدَة عَمَّا كَانَ يعهده، فَعرف أَنَّهَا ريح الْجنَّة، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (دون أحد) أَي: عِنْد أحد. قَوْله: (فَمضى) قيل: فِيهِ حدف أَي: فَمضى إِلَى الْقِتَال وَقَاتل قتالًا شَدِيدا. قَوْله: (بشامة) وَهِي الْخَال. قَوْله: (أَو ببنانه) شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ بنان الْأصْبع وَهُوَ الْمَشْهُور، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس عِنْد مُسلم. قَوْله: (وَبِه) أَي: وبأنس بن النَّضر، والواوان فِي: وضربته ورميته، للتنويع والتقسيم يدل عَلَيْهِ رِوَايَة عبد الْأَعْلَى بِلَفْظ: ضَرْبَة بِالسَّيْفِ أَو طعنة بِالرُّمْحِ أَو رمية بِالسَّهْمِ، وَلَيْسَت كلمة: أَو، للشَّكّ.
٤٠٤٩ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سعْدٍ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ أخْبرَنِي خارِجَةُ بنُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ فقَدْتُ آيَةً مِنَ الأحْزَابِ حِينَ نسَخْنَا الْمُصْحَفَ كُنْتُ أسْمَعُ رسُولَ الله ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فالْتَمَسْنَاهَا فوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بنِ ثابِتٍ الأنْصَارِيِّ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا
[ ١٧ / ١٤٥ ]
الله علَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٣) . فألْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي المُصْحَفِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِي هَذِه الْآيَة: ﴿وَمِنْهُم من قضى نحبه﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٣) ٠ إِنَّمَا قضوه فِي أحد مِنْهُم أنس بن النَّضر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق، ونزولها فِي أنس بن النَّضر ونظائره من شُهَدَاء أحد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَابْن شها هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وخارجة ضد الدَّاخِلَة ابْن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك النجاري الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٣) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فالتمسناها)، أَي: طلبناها. قَوْله: (مَعَ خُزَيْمَة)، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الزَّاي. قَوْله: (مَا عَاهَدُوا الله)، المعاهدة كَانَت لَيْلَة الْعقبَة على الْإِسْلَام والنصرة، وَقيل: على أَن لَا يَفروا، لأَنهم كَانُوا لم يشْهدُوا بَدْرًا. قَوْله: (نحبه) النحب الْحَاجة، أَي: سهم من قضى عَهده وَحَاجته (وَمِنْهُم من ينْتَظر) أَن يَقْضِيه بِقِتَال وَصدق لِقَاء، وَقيل: من مضى نَذره، وأصل النحب النّذر فاستعير مَكَان الْأَجَل، لِأَنَّهُ وَقع بالنحب، وَكَانَ هُوَ سَببا لَهُ وَكَانَ رجال حلفوا بعد بدر: لَئِن لقوا الْعَدو ليقاتلن حَتَّى يستشهدوا، فَفَعَلُوا فَقتل بَعضهم وَبَعْضهمْ ينْتَظر ذَلِك، وَآخر الْآيَة: ﴿وَمَا بدلُوا تبديلًا﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٣) . أَي: مَا غيروا الْعَهْد الَّذِي عَاهَدُوا رَبهم عَلَيْهِ من الصَّبْر وَعدم الْفِرَار. قَوْله: (فألحقناها فِي سورتها) أَي: فألحقنا الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي سورتها وَهِي الْأَحْزَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إِلْحَاق الْآيَة بالمصحف بقول وَاحِد أَو اثْنَيْنِ، وَشرط كَونه قُرْآنًا التَّوَاتُر؟ قلت: كَانَ متواترًا عِنْدهم، وَإِنَّمَا فقدوا مكتوبيتها فَمَا وجدهَا مَكْتُوبَة إلاَّ عِنْده، وَفِيه أَن الْآيَات كَانَ لَهَا فِي حَيَاة رَسُول الله، ﷺ، مقامات مَخْصُوصَة من السُّور.
٤٠٥٠ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عنْ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وكانَ أصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ وفِرْقَةً تَقُولُ لاَ نُقَاتِلُهُمْ فنَزَلَتْ: ﴿فَما لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَالله أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (النِّسَاء: ٨٨) . وَقَالَ إنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبثَ الفِضِّةِ. (انْظُر الحَدِيث ١٨٨٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة هُوَ الخطمي، صَحَابِيّ صَغِير. والْحَدِيث مر فِي فضل الْمَدِينَة فِي: بَاب الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة إِلَخ.
قَوْله: (رَجَعَ نَاس) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن أبي بن سلول، وَمن مَعَه فَإِنَّهُ رَجَعَ بِثلث النَّاس، وَقد مر بَيَانه هُنَاكَ وَعَن قريب أَيْضا. قَوْله: (وَكَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ، فرْقَتَيْن) يَعْنِي: فِي الحكم فِيمَن انْصَرف مَعَ عبد الله بن أبي. قَوْله: (فَنزلت) أَي: هَذِه الْآيَة: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين﴾ الْآيَة، هَذَا هُوَ الْأَصَح فِي سَبَب نُزُولهَا، وَقيل: سَبَب نُزُولهَا فِي الَّذين تشاتموا حِين قَالَ عبد الله بن أبي لرَسُول الله ﷺ،: لَا تؤذينا برائحة حِمَارك، وَقَالَ زيد بن أسلم عَن ابْن أسعد بن معَاذ أَنَّهَا نزلت فِي، تَقول الْأَوْس والخزرج فِي شَأْن عبد الله بن أبي حِين استعذر مِنْهُ رَسُول الله، ﷺ، على الْمِنْبَر فِي قَضِيَّة الْإِفْك، وَهَذَا غَرِيب. قَوْله: (وَالله أركسهم) أَي: ردهم وأوقعهم فِي الْخَطَأ، قَالَ ابْن عَبَّاس: أركسهم أَي: أوقعهم، وَقَالَ قَتَادَة: أهلكهم. قَوْله: (بِمَا كسبوا) أَي: بِسَبَب عصيانهم ومخالفتهم الرَّسُول وأتباعهم الْبَاطِل. قَوْله: (إِنَّهَا)، أَي: الْمَدِينَة، وَهُوَ حَدِيث آخر جَمعهمَا الرَّاوِي، وَقد مر فِي الْحَج قَوْله: (تَنْفِي) المُرَاد من النَّفْي الْإِظْهَار والتمييز، من الذُّنُوب أَصْحَابهَا. قَوْله: (خبث الْفضة) الْخبث بِفتْحَتَيْنِ: مَا تلقيه النَّار من وسخ الْفضة والنحاس وَغَيرهمَا إِذا أذيبت.