أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة سيف الْبَحْر، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آحر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ السَّاحِل وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب.
وهُمْ يَتَلقَّوْنَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ وأمِيرُهُمْ أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ ﵁
لَا بُد من تَقْدِير شَيْء قبل هَذَا ليتنظم الْكَلَام، تَقْدِير: بعث النَّبِي ﷺ، بعثًا قبل سَاحل الْبَحْر فَخَرجُوا وهم يتلقون عيرًا، أَي: يرصدون عيرًا، وَهَكَذَا وَقع فِي بعض الرِّوَايَات: وَالْعير، بِكَسْر الْعين: الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة، وأميرهم أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح واسْمه عَامر، وَقيل: عبد الله بن عَامر بن الْجراح بن هِلَال بن أهيب بن ضبة بن الْحَارِث بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة الْقرشِي الفِهري، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، مَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين سنة فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة بالأردن من الشَّام، وَبهَا قَبره، وَصلى عَلَيْهِ معَاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
٤٣٦٠ - ح دّثنا إسْماعيلُ قَالَ حدّثني مالِكٌ عنْ وهْبِ بنِ كَيْسانَ عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله ﵄ أنَّهُ قَالَ بَعَثَ رَسولُ الله ﷺ بَعْثًا قِبَل السَّاحِلِ وأمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ وهُمْ ثَلاثُمائَةٍ فَخرَجْنا وكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فأمَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بأزْوَادِ الجَيْشِ فَجُمِعَ فَكانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ فَكانَ يَقُوتُنا كلَّ يَوْمٍ قَلِيلٌ قَليل حَتَّى فَنِيَ فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنا إلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فَقُلْتُ مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ فَقَالَ لقَدْ وَجَدْنا فَقْدَها حِينَ فَنِيَتْ ثمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى البَحْرِ فإذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِب فأكلَ مِنْها القَوْمُ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أمَرَ أبُو عُبَيْدَةِ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أضْلاَعِهِ فَنُصِبَا ثُمَّ أمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُما فَلَمْ تُصبْهُما. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس. والْحَدِيث مر فِي الشّركَة فِي الطَّعَام فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (قبل السَّاحِل)، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الباه الْمُوَحدَة، أَي: جِهَته، وَذكر ابْن سعد وَغَيره: أَن النَّبِي ﷺ، بَعثهمْ إِلَى حَيّ من جُهَيْنَة بالقبلية، بِفَتْح الْقَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة: مِمَّا يَلِي سَاحل الْبَحْر بَينهم وَبَين الْمَدِينَة خمس لَيَال، وَأَنَّهُمْ انصرفوا وَلم يلْقوا كيدًا، وَأَن ذَلِك كَانَ فِي شهر رَجَب سنة ثَمَان، وَهَذَا لَا يُعَارض مَا فِي (الصَّحِيح) لِأَنَّهُ يُمكن الْجمع بَين كَونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حَيا من جُهَيْنَة. قَوْله: (فخرجنا)، الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى التَّكَلُّم. قَوْله: (فَكَانَ مزودي تمر)، المزود: بِكَسْر الْمِيم، مَا يَجْعَل فِيهِ الزَّاد. قَوْله: (يقوتنا) من قاته يقوته من الثلاثي الْمُجَرّد، ويروى: يقوتنا، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الْوَاو من: التقويت، والقوت مَا يقوم بِهِ بدن الْإِنْسَان. قَوْله: (قَلِيل قَلِيل)، بِدُونِ الْألف على اللُّغَة الربيعية، وَالْمَشْهُور قَلِيلا قَلِيلا، بِالنّصب. قَوْله: (لقد وجدنَا فقدها) أَي: مؤثرًا. قَوْله: (ثمَّ انتهينا إِلَى الْبَحْر)، أَي: إِلَى سَاحل الْبَحْر. قَوْله: (فَإِذا حوت) كلمة: إِذا، للمفاجأة، والحوت، اسْم جنس لجَمِيع السّمك وَقيل هُوَ مَخْصُوص بِمَا عظم مِنْهَا. قَوْله: (مثل الظرب)، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء: وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير، وَوَقع فِي بعض النّسخ بالضاد الْمُعْجَمَة، حَكَاهُ ابْن التِّين، وَالْأول أصوب وَقَالَ الْفراء: هُوَ بِسُكُون الرَّاء إِذا كَانَ منبسطًا لَيْسَ بالعالي، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير: فَوَقع لنا على سَاحل الْبَحْر كَهَيئَةِ الْكَثِيب الضخم فأتيناه فَإِذا هُوَ دَابَّة تدعى العنبر. قَوْله: (بضلعين)، الضلع بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام.
٤٣٦١ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ قَالَ الَّذِي حَفِظْناهُ مِنْ عَمْرِو بن دِينار قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ بَعَثَنَا رسُولُ الله ﷺ ثَلاثَمَائِةِ راكِبٍ أمِيرُنا أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ
[ ١٨ / ١٥ ]
نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ فأقَمْنا بالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ فأصابنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حتَّى أكَلْنا الخَبَطَ فَسُمِّي ذالِكَ الجَيْشُ جَيْشَ الخَبَطِ فألْقَى لَنَا البَحْرُ دَابَّةً يُقالُ لهَا العَنْبَرُ فأكَلْنا مِنْهُ نِصْف شَهْرٍ وادَّهنَّا مِنْ ودَكِهِ حَتَّى ثابَتْ إلَيْنا أجْسامُنا فأخَذَ أبُو عُبَيْدَةَ ضَلعًَا مِنْ أضْلاَعِهِ فَنَصَبَهُ فعمَدَ إلَى أطْوَلِ رجُلٍ معَهُ قَالَ سُفْيانُ مرَّةً ضِلعًا منْ أضْلاَعِهِ فنَصَبَهُ وأخَذَ رَجُلًا وبَعِيرًا فَمَرَّ تَحْتَهُ قَالَ جابرٌ وَكَانَ رجُلٌ مِنَ القَوْمِ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَحَرَ ثَلاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ إنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ وكانَ عَمْروٌ يقُولُ أخْبرَنا أَبُو صالِحٍ أنَّ قَيْسَ بنَ سَعْدٍ قَالَ لأِبِيهِ كُنْتُ فِي الجَيْشِ فَجاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نَحَرْتُ قَالَ ثُمَّ جاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نَحَرْتُ قَالَ ثُمَّ جاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نَحرْتُ ثُمَّ جاعُوا قَالَ انْحَرْ قَالَ نُهِيتُ. .
هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث جَابر. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (ثَلَاثمِائَة رَاكب)، بِالنّصب بدل من قَوْله: بعثنَا. قَوْله: (أميرنا أَبُو عُبَيْدَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا بِدُونِ الْوَاو كَمَا فِي كَلمته: فوه إِلَى فِي. قَوْله: (الْخبط)، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ ورق السّلم، يُقَال: خبطت الشَّجَرَة إِذا ضربتها بالعصا ليسقط من وَرقهَا، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير: وَكُنَّا نضرب بعصينا الْخبط ثمَّ نبله بِالْمَاءِ فنأكله، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يَابسا، وَيرد بِهَذَا مَا قَالَه الدَّاودِيّ: إِنَّه كَانَ رطبا. قَوْله: (نصف شهر)، سَيَأْتِي: ثَمَان عشرَة لَيْلَة، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير: فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شهرا، وَالْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات: أَن الَّذِي قَالَ: ثَمَان عشرَة، ضبط مَا لم يضبطه غَيره، وَأَن من قَالَ: نصف شهر، ألغى الْكسر الزَّائِد وَهُوَ ثَلَاثَة أَيَّام، وَمن قَالَ: شهرا، جبر الْكسر أَو ضم بَقِيَّة الْمدَّة الَّتِي قبل وجدانهم الْحُوت إِلَيْهَا، وَرجح النَّوَوِيّ رِوَايَة أبي الزبير لما فِيهَا من الزِّيَادَة، وَقَالَ ابْن التِّين: إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي البُخَارِيّ وهم. قَوْله: (من ودكه)، بِفَتْح الْوَاو وَالدَّال الْمُهْملَة: وَهُوَ من اللَّحْم والشحم مَا يتحلب مِنْهُ. قَوْله: (فَأخذ أَبُو عُبَيْدَة ضلعًا من أضلاعه) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: من أَعْضَائِهِ، وَالصَّوَاب هُوَ الأول لِأَن سُفْيَان قَالَ مرّة: ضلعًا من أَعْضَائِهِ، فَدلَّ على أَن الرِّوَايَة الأولى: من أضلاعه. قَوْله: (وثابت)، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: رجعت أجسامنا إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من الْقُوَّة وَالسمن. قَوْله: (وَكَانَ رجل من الْقَوْم نحر ثَلَاث جزائر) أَي: عِنْدَمَا جَاعُوا، والجزائر جمع جزور، وَهُوَ الْبَعِير ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى إِلَّا أَن اللَّفْظَة مُؤَنّثَة تَقول: هِيَ الْجَزُور وَإِن أردْت ذكرا. قَوْله: (وَكَانَ عَمْرو)، هُوَ ابْن دِينَار، (وَأَبُو صَالح) ذكْوَان السمان. قَوْله: (أَن قيس بن سعد) إِلَى آخِره، مُرْسل لِأَن عَمْرو بن دِينَار لم يدْرك زمَان تحديث قيس لِأَبِيهِ لكنه فِي (مُسْند الْحميدِي) مَوْصُول أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيقه وَلَفظه: عَن أبي صَالح عَن قيس بن سعد بن عبَادَة، قَالَ: قلت لأبي وَكنت فِي ذَلِك الْجَيْش جَيش الْخبط فَأصَاب النَّاس جوع، قَالَ لي: أنحر! قلت: نحرت. فَذكره. قَوْله: (نهيت)، على صِيغَة الْمَجْهُول والناهي هُوَ أَبُو عُبَيْدَة.
٤٣٦٢ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْ يَى عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أخبْرَني عمْروٌ أنَّهُ سَمِعَ جابِرًا ﵁ يقُولُ غزَوْنا جَيْشَ الخَبَطِ وأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنا جُوعًا شَدِيدًا فألْقَى البَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لمْ نَرَ مِثْلَهُ يقالُ لهُ العَنْبَرُ فأكَلْنا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ فأخَذَ أبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتهُ فأخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ جابِرًا يقُولُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنا المَدينَةَ ذَكَرْنا ذَلِكَ للنبيِّ ﷺ فَقَالَ كُلُوا رِزْقًا أخْرَجَهُ الله أطْعِمُونا إنْ كانَ مَعَكُمْ فآتاهُ بَعْضُهُمْ فأكلَهُ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار الخ.
قَوْله: (أَمر)، بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم الْمَكْسُورَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عِنْد
[ ١٨ / ١٦ ]
مُسلم: وأميرنا أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (فَأَخْبرنِي أَبُو الزبير)، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَأَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم الْمَكِّيّ. قَوْله: (فَأَتَاهُ)، بِالْمدِّ أَي: فَأعْطَاهُ، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن: فآتاه بَعضهم بعضو مِنْهُ فَأَكله، قَالَ عِيَاض: هُوَ الْوَجْه، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من طَرِيق ابْن جريج الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ: فَكَانَ مَعنا فِي شَيْء فَأرْسل بِهِ إِلَيْهِ بعض الْقَوْم فَأكل مِنْهُ. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة أبي حَمْزَة عَن جَابر عَن ابْن عَسَاكِر: فَلَمَّا قدمُوا ذكرُوا لرَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: لَو نعلم أَنا ندركه لم يروح لأحببنا لَو كَانَ عندنَا مِنْهُ فَمَا الْوَجْه بَين هَذِه وَبَين رِوَايَة أبي الزبير؟ قلت: وَجه ذَلِك أَن رِوَايَة أبي حَمْزَة تحمل على أَنه قَالَ ذَلِك ازديادًا مِنْهُ بعد أَن أحضروا لَهُ مِنْهُ، وَكَانَ الَّذِي أحضروه مَعَهم لم يروح فَأكل مِنْهُ.
وَفِي الحَدِيث: أَن ميتَة الْحُوت تُؤْكَل. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْمُوَاسَاة بَين الْجَيْش عِنْد وُقُوع المجاعة. وَفِيه: أَن الِاجْتِمَاع على الطَّعَام يَسْتَدْعِي الْبركَة فِيهِ.