أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من شهد غَزْوَة بدر مَعَ النَّبِي ﷺ، من الْمُسلمين مُقَاتِلًا للْمُشْرِكين، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب أَفضَلِيَّة من شهد بَدْرًا، لِأَن المُرَاد بَيَان ذَلِك لَا بَيَان مُطلق الْفضل.
٣٩٨٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا مُعاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وحدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسًَا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ أُصِيبَ حارِثَةُ يَوْمَ بَدْر وهْوَ غُلامٌ فَجاءَتْ أُمُّهُ إِلَى النَّبِي ﷺ فقالَتْ يَا رسُولَ الله قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حارِثَةَ مِنِّي فإنْ يَكُنْ فِي الجَنَّةِ أصْبِرْ وأحْتَسِبْ وإنْ تَكُ الأخْرَى تَرَى مَا أصْنَعُ فَقَالَ ويْحَكِ أوَ هَبِلْتِ أوَ جَنَّةٌ واحِدَة هِيَ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وإنَّهُ فِي جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ، بالزاي: الْبَغْدَادِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ بِلَا وَاسِطَة فِي الْجُمُعَة فِي: بَاب إِذا نفر النَّاس، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحَارِث بن أَسمَاء بن خَارِجَة بن حُصَيْن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ، أحد الْأَعْلَام، قَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة مَأْمُون إِمَام، مَاتَ بِالْمصِّيصَةِ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد من حَدِيث قَتَادَة عَن أنس.
قَوْله: (أُصِيب حَارِثَة)، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء والثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن سراقَة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة: الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ أول قَتِيل قتل من الْأَنْصَار ببدر، وَكَانَ خرج نظارًا، وَهُوَ غُلَام، فَرَمَاهُ حبَان بن العرقة بِسَهْم وَهُوَ يشرب من الْحَوْض فَقتله. قَوْله: (أمه) هِيَ: الرّبيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة: بنت النَّضر، عمَّة أنس بن مَالك. قَوْله: (ترى)، ويروى: (تَرَ)، بِالْجَزْمِ وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت﴾ (النِّسَاء: ٧٨) . قرىء بِالرَّفْع، فَقيل: هُوَ على حذف الْفَاء كَأَنَّهُ قيل: فيدرككم. قَوْله: (وَيحك) هُوَ كلمة ترحم وإشفاق، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ توبيخ. قَوْله: (أَو هبلت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، وَالْوَاو مَفْتُوحَة للْعَطْف على مُقَدّر، وَلَقَد غلط صَاحب (التَّوْضِيح) فَقَالَ: أَو هبلت، بِلَفْظ صِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول، فَقيل: صِيغَة الْمَجْهُول رِوَايَة أبي الْحسن، وَصِيغَة الْمَعْلُوم رِوَايَة أبي ذَر من قَوْلهم: هبلته، أَي: ثكلته، وهبله اللَّحْم أَي: غلب عَلَيْهِ، وَقيل:
[ ١٧ / ٩٤ ]
هَذَا اللَّفْظ قد يرد بِمَعْنى الْمَدْح والإعجاب. وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ أجهلت؟ ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يَقع عِنْد أحد من أهل اللُّغَة بِهَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (أوَجنة؟) كَذَلِك الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْوَاو للْعَطْف. قَوْله: (هِيَ)، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: هِيَ جنَّة وَاحِدَة، والهمزة فِيهِ مقدرَة تَقْدِيره: أَهِي جنَّة وَاحِدَة؟ يَعْنِي: لَيست بجنة وَاحِدَة (إِنَّهَا جنان) وَهُوَ جمع تكسير وَيجمع على جنَّات أَيْضا، وَهُوَ جمع قلَّة. قَوْله: (وَإنَّهُ) أَي: وَإِن حَارِثَة (فِي جنَّة الفردوس) وَهُوَ أَوسط الْجنَّة وَأعلاها، وَمِنْه يتفجر أَنهَار الْجنَّة، والفردوس الْبُسْتَان، قَالَ الْفراء: عَرَبِيّ، وَقيل: بِلِسَان الرّوم، وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: الفردوس ربوة الْجنَّة وأوسطها وأفضلها.
٣٩٨٣ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخْبرَنَا عَبْدُ الله بنُ إدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ حُصَيْنَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عنْ عَلِيُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَبا مَرْثدٍ والزُّبَيْرَ وكُلُّنَا فارِسٌ قالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فإنَّ بِهَا امْرَأةً مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتابٌ مِنْ حَاطِبِ بنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلَى الْمُشْرِكِينَ فأدْرَكْنَاهَا تَسيرُ علَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رسُولُ الله ﷺ فَقُلْنَا الْكِتَاب فقالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فأنَخْنَاها فالْتَمَسْنَا فلَمْ نَرَ كِتابًَا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رسُولُ الله ﷺ لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فلَمَّا رأتِ الجِدَّ أهْوَتْ إلَى حُجْزَتِهَا وهْيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فأخْرَجَتْهُ فانْطَلَقْنَا بِهَا إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ عُمَرُ يَا رسُولَ الله قَدْ خَانَ الله ورسُولَهُ والْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلأضْرِبَ عُنُقَهُ فقالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا حَمَلَكَ علَى مَا صَنَعْتَ قَالَ حاطِبٌ وَالله مَا بِي إِلَّا أكُونَ مُؤْمِنًَا بِاللَّه ورَسُولِهِ ﷺ أرَدْتُ أنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ الله بِهَا عَنْ أهْلِي ومالِي ولَيْسَ أحَدٌ مِنْ أصْحَابِكَ إلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ الله بِهِ عنْ أهْلِهِ ومالِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ ولاَ تَقُولُوا لَهُ إلاَّ خَيْرًَا فَقالَ عُمَرُ إنَّهُ قدْ خَانَ الله ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ فدَعْنِي فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقالَ ألَيْسَ مِنْ أهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَعَلَّ الله اطَّلَعَ إلَى أهْلِ بَدْرٍ فَقال اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فقدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الجَنَّةُ أوْ فَقَدْ غَفرْت لَكُمْ فدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَالَ: أَلَيْسَ من أهل بدر؟) إِلَى آخِره، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وَعبد الله بن إِدْرِيس بن يزِيد الأودي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: الْكُوفِي، و: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَبُو الْهُذيْل الْكُوفِي، وَسعد بن عُبَيْدَة مصغر عَبدة أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي السّلمِيّ، ختن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ الَّذِي يروي عَنهُ، واسْمه: عبد الله بن حبيب بن ربيعَة ولحبيب صُحْبَة، وَعلي هُوَ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد، وهم: حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن، وَسعد بن عُبَيْدَة، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الجاسوس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَأَبا مرْثَد) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: واسْمه كناز، بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف النُّون وَفِي آخِره زَاي، أَي: ابْن الْحصين، وَيُقَال: الْحصين الغنوي، قَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي سنة ثِنْتَيْ عشرَة من الْهِجْرَة، زَاد غَيره: بِالشَّام فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَالزُّبَيْر) هُوَ ابْن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد تقدم فِي الْجِهَاد أَنه بعث عَليّ ًا والمقداد وَالزُّبَيْر، وَلَا مُنَافَاة لاحْتِمَال أَنه بعث الْأَرْبَعَة. قَوْله: (تسير)، جملَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: (أدركناها) .
[ ١٧ / ٩٥ ]
قَوْله: (الْكتاب)، بِالنّصب أَي: هَاتِي الْكتاب. أَو أخرجيه. قَوْله: (فأنخناها)، أَي: فأنخناها بَعِيرهَا. قَوْله: (أَو لَنُجَرِّدَنَّكِ) كلمة أَو هُنَا بِمَعْنى إِلَى، نَحْو: لألزمنك أَو تُعْطِينِي حَقي. قَوْله: (أهوت إِلَى حجزَتهَا)، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالزاي، قَالَ ابْن الْأَثِير: أصل الحجزة مَوضِع الْإِزَار، ثمَّ قيل للإزار حجزة للمجاورة. وَقَالَ غَيره: وحجزة الْإِزَار معقده، وحجزة السَّرَاوِيل الَّتِي فِيهَا التكة. واحتجز الرجل بِإِزَارِهِ إِذا شده على وَسطه. قَوْله: (محتجزة) أَي: شَادَّة كساها على وَسطهَا. فَإِن قلت: تقدم فِي الْجِهَاد أَنَّهَا أخرجته من العقاص لَا من الحجزة؟ قلت: الحجزة هِيَ المعقدة مُطلقًا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. قَوْله: (مَا بِي إلاَّ أكون) كلمة: إلاَّ للاستثناء بِكَسْر الْهمزَة وَتَقْدِيره: أَن لَا أكون. قَوْله: (الْقَوْم) أَي: الْمُشْركين. قَوْله: (يَد) أَي: يَد نعْمَة وَيَد منَّة. قَوْله: (لَعَلَّ الله) قَالَ النَّوَوِيّ: معنى الترجي رَاجع إِلَى عمر لِأَن وُقُوعه مُحَقّق عِنْد الرَّسُول. قلت: الترجي فِي كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله للوقوع، وَقد وَقع عِنْد أَحْمد وَأبي دَاوُد وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِالْجَزْمِ، وَلَفظه: إِن الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ: إعملوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم، وَعند أَحْمد بِإِسْنَاد على شَرط مُسلم من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: لن يدْخل النَّار أحد شهد بَدْرًا. قَوْله: (إعملوا مَا شِئْتُم) ظَاهره مُشكل لِأَنَّهُ للْإِبَاحَة وَهُوَ خلاف عقد الشَّرْع. وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِخْبَار عَن الْمَاضِي، أَي: كل عمل كَانَ لكم فَهُوَ مغْفُور، وَيُؤَيِّدهُ أَنه لَو كَانَ لما يسْتَقْبل من الْعَمَل لم يَقع بِلَفْظ الْمَاضِي، ولقال: فسأغفر لكم، ورد بِأَنَّهُ لَو كَانَ للماضي لما حسن الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي قصَّة حَاطِب، لِأَنَّهُ ﷺ خَاطب بِهِ عمر مُنْكرا عَلَيْهِ مَا قَالَ فِي أَمر حَاطِب، وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت بعد بدر بست سِنِين، فَدلَّ على أَن المُرَاد مَا سَيَأْتِي، وَإِنَّمَا أوردهُ بِلَفْظ الْمَاضِي مُبَالغَة فِي تَحْقِيقه، وَقيل: مَعْنَاهُ الغفران لَهُم فِي الْآخِرَة، وإلاَّ فَلَو توجه على أحد مِنْهُم حد مثلا يسْتَوْفى مِنْهُ، ألاَ ترَى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حد قدامَة بن مَظْعُون حِين شرب الْخمر وَهُوَ يدْرِي؟ قَوْله: (أَو فقد غفرت لكم) شكّ من الرَّاوِي.