[٨٣] وَهُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ أَوِ الْمَالِحُ فَقَطْ وَجَمْعُهُ بُحُورٌ وَأَبْحُرٌ وَبِحَارٌ وَأَشَارَ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄
(وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) أَيِ الْمُغِيرَةُ (سَأَلَ رَجُلٌ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِسُؤْرِ الْمَرْأَة إِلَّا أَنْ تَكُون حَائِضًا أَوْ جُنُبًا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء أَيْضًا فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا الْمَنْع مِنْ الْوُضُوء بِالْمَاءِ الَّذِي تَخْلُو بِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَدْ كَرِهَهُ غَيْر وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَالْقَوْل الثَّانِي يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه عن بن عباس أن رسول الله ﷺ كَانَ يَغْتَسِل بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ وَفِي السُّنَن الأربع عن بن عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ نِسَاء النَّبِيّ ﷺ اِسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَة فَجَاءَ النَّبِيّ ﷺ يَتَوَضَّأ مِنْ فَضْلهَا فَقَالَتْ إِنِّي اِغْتَسَلَتْ مِنْهُ فَقَالَ إِنَّ الْمَاء لَا يُنَجِّسهُ شَيْء وَفِي رِوَايَة لا يجنب
[ ١ / ١٠٥ ]
أَنَّ اسْمَ السَّائِلِ عَبْدُ اللَّهِ الْمُدْلِجِيُّ وَكَذَا ساقه بن بَشْكُوَالَ وَأَوْرَدَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيمَنِ اسْمُهُ عَبْدٌ وَتَبِعَهُ أَبُو مُوسَى فَقَالَ عَبْدٌ أَبُو زَمْعَةَ الْبَلَوِيُّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ
قال بن مَعِينٍ بَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ وَقِيلَ اسْمُهُ عُبَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ
وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ اسْمُهُ الْعَرَكِيُّ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْعَرَكِيُّ وَصْفٌ لَهُ وَهُوَ مَلَّاحُ السَّفِينَةِ
قَالَ أَبُو مُوسَى وأورده بن مَنْدَهْ فِي مَنِ اسْمُهُ عَرَكِيٌّ وَالْعَرَكِيُّ هُوَ الْمَلَّاحُ وَلَيْسَ هُوَ اسْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
قُلْتُ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَلَفْظُهُ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ) الْمِلْحُ وَهُوَ مَالِحٌ وَمُرٌّ وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ زَادَ الْحَاكِمُ نُرِيدُ الصَّيْدَ (بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي نَحْمِلُهُ (عَطِشْنَا) بِكَسْرِ الطَّاءِ لِقِلَّةِ الْمَاءِ وَفَقْدِهِ (أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ) فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ شَكُّوا فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ قُلْنَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ ﷺ لَا تَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وسعيد بن منصور في سننه عن بن عُمَرَ مَرْفُوعًا ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطْهِيرُ به وقد روي موقوفا على بن عُمَرَ بِلَفْظِ مَاءُ الْبَحْرِ لَا يُجْزِئُ مِنْ وُضُوءٍ وَلَا جَنَابَةٍ إِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا ثُمَّ مَاءً ثُمَّ نَارًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أبحر وسبع أنيار
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطْهِيرُ بِهِ وَلَا حُجَّةَ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ إِذَا عَارَضَتِ المرفوع والإجماع وحديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعُ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ضَعَّفُوا إِسْنَادَهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إِنَّمَا تَوَقَّفُوا عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُشْرَبُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ طَبَقُ جَهَنَّمَ وَمَا كَانَ طَبَقَ سُخْطٍ لَا يَكُونُ طَرِيقَ طَهَارَةٍ وَرَحْمَةٍ (هُوَ) أَيِ الْبَحْرُ وَيَحْتَمِلُ فِي إِعْرَابِهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَالطَّهُورُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ خَبَرُهُ مَاؤُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الطَّهُورُ وَمَاؤُهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَالطَّهُورُ مَاؤُهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَالطَّهُورُ خَبَرٌ وَمَاؤُهُ فَاعِلُهُ
قَالَهُ بن دَقِيقِ الْعِيدِ (الطَّهُورُ مَاؤُهُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ هُوَ الْمَصْدَرُ وَاسْمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ أَوِ الطَّاهِرُ المطهر كما في القاموس وههنا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ تَطْهِيرِ مَائِهِ لَا عَنْ طَهَارَتِهِ وَضَمِيرُ مَاؤُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ هُوَ الطَّهُورُ الْبَحْرُ إِذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ لَمَا احْتِيجَ إِلَى قَوْلِهِ مَاؤُهُ إِذْ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمَاءِ طَهُورٌ مَاؤُهُ وَفِي بَعْضِ لَفْظِ الدَّارِمِيِّ فَإِنَّهُ الطَّاهِرُ مَاؤُهُ
[ ١ / ١٠٦ ]
(الْحِلُّ) هُوَ مَصْدَرُ حَلَّ الشَّيْءَ ضِدَّ حَرُمَ وَلَفْظُ الدَّارِمِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ الْحَلَالُ (مَيْتَتُهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ وَلَا يُكْسَرُ مِيمُهُ وَالْحِلُّ عَطْفٌ عَلَى الطَّهُورِ مَاؤُهُ
وَوَجْهُ إِعْرَابِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ طَاهِرٌ وَمُطَهِّرٌ الثَّانِيَةُ أَنَّ جَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ أَيْ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا بِالْبَحْرِ حَلَالٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ قَالُوا مَيْتَاتُ الْبَحْرِ حَلَالٌ وَهِيَ مَا خَلَا السَّمَكَ حَرَامٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الْمُرَادُ بِالْمَيْتَةِ السَّمَكُ كَمَا فِي حَدِيثِ أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّالِثَةُ أَنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَعَلِمَ أَنَّ لِلسَّائِلِ حَاجَةً إِلَى ذِكْرِ مَا يَتَّصِلُ بِمَسْأَلَتِهِ اسْتُحِبَّ تَعْلِيمُهُ إِيَّاهُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ لِتَتْمِيمِ الْفَائِدَةِ وَهِيَ زِيَادَةٌ تَنْفَعُ لِأَهْلِ الصَّيْدِ وَكَأَنَّ السَّائِلَ مِنْهُمْ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى
قال الحافظ بن الْمُلَقِّنِ إِنَّهُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الطَّهَارَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ وَقَوَاعِدَ مُهِمَّةٍ
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ نِصْفُ عِلْمِ الطَّهَارَةِ
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي الصَّحِيحِ لِأَجْلِ اخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي اسْمِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ انْتَهَى