أَوْ يَكْفِيهَا صَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْضِ الضَّفَائِرِ
(قَالَتْ إِنَّ امْرَأَةً مِنَ المسلمين) هذا لفظ بن السَّرْحِ فَلَمْ يُصَرِّحْ مَنْ هِيَ (وَقَالَ زُهَيْرٌ) في
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَقَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَة أَنَّ تَنْقُض شَعْرهَا لِغُسْلِ الْجَنَابَة وَهَذَا اِتِّفَاق مِنْ أَهْل الْعِلْم إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا تَنْقُضهُ وَلَا يُعْلَم لَهُمَا مُوَافِق وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ قَوْله وَقَالَتْ يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ولا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لَقَدْ كُنْت أَغْتَسِل أَنَا وَرَسُول اللَّه ﷺ مِنْ إِنَاء وَاحِد
[ ١ / ٢٩٢ ]
رِوَايَتِهِ (إِنَّهَا) أَيْ أُمَّ سَلَمَةَ فَزُهَيْرٌ صَرَّحَ بِأَنَّ السَّائِلَةَ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ (أَشُدُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ أُحْكِمُ (ضَفْرَ رَأْسِي) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ والمستفيض عند المحدثين والفقهاء
وقال الإمام بن أَبْزَى وَقَوْلُهُمْ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي يَقُولُونَهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَصَوَابُهُ ضَمُّ الضَّادِ وَالْفَاءِ جَمْعُ ضَفِيرَةٍ كَسَفِينَةٍ وَسُفُنٍ وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ لَيْسَ كَمَا زَعَمَهُ بَلِ الصَّوَابُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَلَكِنْ يَتَرَجَّحُ فَتْحُ الضَّادِ وَالْمَعْنَى إِنِّي امْرَأَةٌ أُحْكِمُ فَتْلَ شَعْرِ رَأْسِي (أَنْ تحفني) من الحفن وهو ملأ الْكَفَّيْنِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ أَيْ تَأْخُذِي الْحَفْنَةَ مِنَ الْمَاءِ (عَلَيْهِ ثَلَاثًا) أَيْ عَلَى رَأْسِكِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَهَذَا لَفْظُ بن السَّرْحِ (تَحْثِي عَلَيْهِ) تَحْثِي بِكَسْرِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ أَصْلُهُ تَحْثِوِينَ كَتَضْرِبِينَ أَوْ تَنْصُرِينَ فَحَذَفَ حَرْفَ الْعِلَّةِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهِ أَوْ حَذَفَهُ وَحَذَفَ النُّونَ لِلنَّصْبِ وَهُوَ بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ يُقَالُ حَثَيْتُ وَحَثَوْتُ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْحَثْيَةُ هِيَ الْحَفْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى (ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ أو جلل به بدنه من غير ذلك بِالْيَدِ وَإِمْرَارٍ بِهَا عَلَيْهِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] مَا أَزِيد عَلَى أَنْ أُفْرِغ عَلَى رَأْسِي ثَلَاث إِفْرَاغَات رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا نَقْضِهِ فِي غُسْل الْحَيْض فَالْمَنْصُوص عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْقُضهُ فِيهِ قَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَة تَنْقُض شَعْرهَا مِنْ الْحَيْض قَالَ نَعَمْ قُلْت لَهُ كَيْف تَنْقُضهُ مِنْ الْحَيْض وَلَا تَنْقُضهُ مِنْ الْجَنَابَة فَقَالَ حَدَّثَتْ أَسْمَاء عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ تَنْفُضهُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابه فِي نَصّه هَذَا فَحَمَلَتْهُ طَائِفَة مِنْهُمْ عَلَى الِاسْتِحْبَاب وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَجْرَتْهُ طَائِفَة عَلَى ظَاهِره وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَطَاوُسٍ وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا اِحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيث عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيّ ﷺ عَنْ غُسْل الْمَحِيضِ فَقَالَ تَأْخُذ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرهَا فَتَطَهَّرَ فَتُحْسِن الطَّهُور ثُمَّ تَصُبّ عَلَى رَأْسهَا فَتَدْلُكهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغ شُؤُون رَأْسهَا الْحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ إِفَاضَة الْمَاء كَغُسْلِ الجنابة ولاسيما فَإِنَّ فِي الْحَدِيث نَفْسه وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْل الْجَنَابَة فَقَالَ تَأْخُذ مَاء فَتَطَهَّرَ بِهِ فَتُحْسِن الطَّهُور أَوْ تُبْلِغ الطَّهُور ثُمَّ تَصُبّ عَلَى رَأْسهَا فَتَدْلُكهُ حَتَّى تَبْلُغ شُؤُون رَأْسهَا ثُمَّ تُفِيض عَلَيْهَا الْمَاء فَفَرَّقَ بَيْن غُسْل الْحَيْضِ وَغُسْل الْجَنَابَة فِي هَذَا الْحَدِيث وَجَعَلَ غُسْلَ الْحَيْض آكَد وَلِهَذَا أَمَرَ فِيهِ بِالسِّدْرِ الْمُتَضَمِّن لِنَقْضِهِ وَفِي وُجُوب السِّدْر قَوْلَانِ هُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَفِي حَدِيث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا إِذَا كَانَتْ
[ ١ / ٢٩٣ ]
الْوُضُوءِ إِذَا غَمَسَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ نَوَى الطَّهَارَةَ حَتَّى يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى رِجْلَيْهِ بِذَلِكَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى
وَيَجِيءُ بَيَانُهُ مَبْسُوطًا فِي آخِرِ الْبَابِ
قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي غُسْلِهَا مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ فَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَجِبُ النَّقْضُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيَجِبُ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالنَّقْضِ لِلنَّدْبِ أَوْ يُجَابُ بِأَنَّ شَعْرَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ خَفِيفًا فَعَلِمَ ﷺ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ
وَقِيلَ يَجِبُ النَّقْضُ إِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِنْ وَصَلَ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ أَوْ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَشْدُودًا نُقِضَ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمَاءُ أُصُولَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ بُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ
فَلَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ
وَأَمَّا فِعْلُهُ ﷺ وَإِدْخَالُ أَصَابِعِهِ كَمَا سَلَفَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَفِعْلُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ثُمَّ هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ
هَكَذَا حَاصِلُ مَا فِي الشَّرْحِ الْمَغْرِبِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ فَأَمَرَهَا ﷺ أَنْ تَنْقُضَ رَأْسَهَا وَتُمَشِّطَ وَتَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ بِالْحَجِّ وَهِيَ حِينَئِذٍ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ حَيْضِهَا فَلَيْسَ إِلَّا غُسْلُ تَنْظِيفٍ لَا حَيْضٍ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ أَصْلًا فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي فِي غَايَةِ الرَّكَاكَةِ فَإِنَّ خِفَّةَ شَعْرِ هَذِهِ دُونَ هَذِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] حَائِضًا خُذِي مَاءَك وَسِدْرك وَامْتَشِطِي وَلِلْبُخَارِيِّ اُنْقُضِي رأسك وامتشطي وقد روى بن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أن النبي ﷺ قال لَهَا وَكَانَتْ حَائِضًا اُنْقُضِي شَعْرك وَاغْتَسِلِي وَالْأَصْل نَقْض الشَّعْرِ لِتَيَقُّنِ وُصُول الْمَاء إِلَى مَا تَحْته إِلَّا أَنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْل الْجَنَابَة لِتَكَرُّرِهِ وَوُقُوع الْمَشَقَّة الشَّدِيدَة فِي نَقْضِهِ بِخِلَافِ غُسْل الْحَيْضِ فَإِنَّهُ فِي الشَّهْر أَوْ الأشهر مرة ولهذا أمر فيه بثلاثة أَشْيَاء لَمْ يَأْمُر بِهَا فِي غُسْل الْجَنَابَةِ أَخْذ السِّدْر وَالْفِرْصَة الْمُمَسَّكَة وَنَقْض الشَّعْرِ وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن السِّدْر وَالْمِسْك مُسْتَحَبًّا أَنْ يَكُون النَّقْض كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَمْر بِهِ لَا مُعَارِض لَهُ فَبِأَيِّ شَيْء يَدْفَع وُجُوبه فَإِنْ قِيلَ يَدْفَع وُجُوبه بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي اِمْرَأَةٌ أَشَدّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَة قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسك ثَلَاث حَثَيَات ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاء فَتَطْهُرِينَ وَفِي الصَّحِيح عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أَغْتَسِل أَنَا وَرَسُول اللَّه ﷺ مِنْ إِنَاء وَاحِد وَمَا أَزِيد عَلَى أَنْ أُفْرِغ عَلَى رَأْسِي ثَلَاث إِفْرَاغَات وَفِي حَدِيث أَبِي دَاوُدَ أَنَّ اِمْرَأَة جَاءَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَتْ لَهَا النَّبِيّ ﷺ عَنْ الْغُسْل وَقَالَ فِيهِ وَاغْمِزِي قُرُونك عِنْد كُلّ حَفْنَة وَحَدِيث عَائِشَةَ وَإِنْكَارهَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بن عمرو أمر النساء بنقضهن رؤوسهن دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ قِيلَ لَا حُجَّة فِي شَيْء مِنْ
[ ١ / ٢٩٤ ]
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مَشْدُودٌ وَهَذَا بِخِلَافِهِ وَالْعِبَارَةُ عَنْهُمَا مِنَ الرَّاوِي بِلَفْظِ النَّقْضِ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ
انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السُّبُلِ
قُلْتُ مُدَاوَمَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى فِعْلٍ وَزَجْرُهُ عَلَى تَارِكِهِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٢٥٢] (بِمَعْنَاهُ) أَيْ ذَكَرَ الرَّاوِي بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَزَادَ فِيهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ (وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْغَمْزُ الْعَصْرُ وَالْكَبْسُ بِالْيَدِ أَيِ اكْبِسِي وَاعْصِرِي ضَفَائِرَ شَعْرِكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ مِنَ الْمَاءِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الْغَمْزُ هُوَ التَّحْرِيكُ بِشِدَّةٍ
وَالْقُرُونُ وَاحِدُهَا قَرْنٌ هُوَ شَيْءٌ مَجْمُوعٌ مِنَ الشَّعْرِ مِنْ قَوْلِكَ قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ أَيْ جَمَعْتُهُ مَعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَمْلُ مِنَ الشَّعْرِ إِذَا جُمِعَتْ وَفُتِلَتْ جَاءَتْ عَلَى هَيْئَةِ الْقُرُونِ فَسُمِّيَتْ بها
انتهى
قال بن تَيْمِيَّةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ بَلِّ دَاخِلِ الشعر المسترسل
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] هَذَا أَمَّا حَدِيث سَلَمَةَ فَالصَّحِيح فِيهِ الِاقْتِصَار عَلَى ذِكْر الْجَنَابَة دُون الْحَيْض وَلَيْسَتْ لَفْظَة الْحَيْضَة فِيهِ مَحْفُوظَة فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ راهويه وعمرو الناقد وبن أبي عمر كلهم عن بن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْت يَا رسول الله ﷺ إني اِمْرَأَة أَشَدّ ضَفْر رَأْسِي فَأَنْقُضهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَة فَقَالَ لَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ أَفَأَنْقُضهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَة قَالَ مُسْلِمٌ وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عدي أخبرنا يزيد يعني بن زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَ أَفَأَحُلُّهُ وَأَغْسِلهُ مِنْ الجنابة ولم يذكر الحيضة فقد اتفق بن عُيَيْنَةَ وَرَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَيُّوبَ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْجَنَابَة وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ الثَّوْرِيِّ فَقَالَ يزيد بن هارون عنه كما قال بن عُيَيْنَةَ وَرَوْحٌ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ أَفَأَنْقُضهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَة وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَوْلَى بِالصَّوَابِ فَلَوْ أَنَّ الثَّوْرِيَّ لَمْ يَخْتَلِف عَلَيْهِ لَتَرَجَّحَتْ رِوَايَة بن عُيَيْنَةَ وَرَوْحٍ فَكَيْف وَقَدْ رَوَى عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ مِثْل رِوَايَة الْجَمَاعَة وَمَنْ أَعْطَى النَّظَر حَقّه عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة لَيْسَتْ مَحْفُوظَة فِي الْحَدِيث وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُفْرِغ عَلَى رَأْسهَا ثَلَاث إِفْرَاغَات فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي غُسْل الْجَنَابَةِ كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق حَدِيثهَا فَإِنَّهَا وَصَفَتْ غُسْلهَا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَغْتَسِل مَعَهُ مِنْ الْجَنَابَة الَّتِي يَشْتَرِكَانِ فِيهَا لا من الْحَيْض فَإِنَّ رَسُول اللَّه ﷺ لَمْ يَكُنْ يَغْتَسِل مَعَهَا مِنْ الْحَيْض وَهَذَا بَيِّنٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ وَاغْمِزِي قُرُونك فَإِنَّمَا هُوَ فِي غُسْل الْجَنَابَةِ وَعَنْهُ وَقَعَ السُّؤَال كَمَا هُوَ مُصَرَّح بِهِ فِي الْحَدِيث فَإِنْ
[ ١ / ٢٩٥ ]
[٢٥٣] (كَانَتْ إِحْدَانَا) أَيْ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ (تَعْنِي) أَيْ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا هَكَذَا (بِكَفَّيْهَا جَمِيعًا) وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (وَأَخَذَتْ) أَيْ إِحْدَانَا الْمَاءَ (بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَصَبَّتْهَا) أَيِ الْيَدَ الْمُمْتَلِئَةَ مِنَ الْمَاءِ (عَلَى هَذَا الشِّقِّ) الْأَيْمَنِ مِنَ الرَّأْسِ (وَالْأُخْرَى) أَيِ الْيَدَ الْأُخْرَى (عَلَى الشِّقِّ الْآخَرِ) وَهُوَ الْأَيْسَرُ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لم ينقضن ضفائر رؤوسهن عِنْدَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ
[٢٥٤] (كُنَّا نَغْتَسِلُ وَعَلَيْنَا الضِّمَادُ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ الدَّالُ الْمُهْمَلَةُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ ضَمَّدَ فُلَانٌ رَأْسَهُ تَضْمِيدًا أَيْ شَدَّهُ بِعِصَابَةٍ أَوْ ثَوْبٍ مَا خَلَا الْعِمَامَةَ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَصْلُهُ الشَّدُّ يُقَالُ ضَمَّدَ رَأْسَهُ وَجُرْحَهُ إِذَا شَدَّهُ بِالضِّمَادِ وَهِيَ خِرْقَةٌ يُشَدُّ بِهَا العضو الماءوف ثُمَّ قِيلَ لِوَضْعِ الدَّوَاءِ عَلَى الْجُرْحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَدَّ
انْتَهَى
وَالْمُرَادُ بِالضِّمَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُلَطَّخُ بِهِ الشَّعْرُ مِمَّا يُلَبِّدُهُ وَيُسَكِّنُهُ مِنْ طِيبٍ وَغَيْرِهِ لَا الْخِرْقَةُ التي يشد بها العضو الماءوف والمعنى كنا نلطخ ضفائر رؤوسنا بِالصَّمْغِ وَالطِّيبِ وَالْخِطْمِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ نَغْتَسِلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَا نُلَطِّخُ وَنُضَمِّدُ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ لِعَدَمِ نَقْضِ الضَّفَائِرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى كُنَّا نَغْسِلُ وَنَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي نَغْسِلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ ولا نستعمل بعده ماءا آخَرَ أَيْ نَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي نَغْسِلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ وَنَنْوِي بِهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَلَا نَسْتَعْمِلُ بعده ماءا نخص به الغسل
قاله الحافظ بن الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الآتي من طريق قيس بن وهب من رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ عَنْهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحِلَّاتٌ وَمُحْرِمَاتٌ) مِنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِحْرَامِ وَهُمَا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قِيلَ فَحَدِيث عَائِشَةَ الَّذِي اِسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ لَيْسَ فِيهِ أَمْرهَا بِالْغُسْلِ إِنَّمَا أَمْرهَا بِالِامْتِشَاطِ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ فَذَاكَ غُسْل الْإِحْرَام لَا غُسْل الْحَيْض وَالْمَقْصُود مِنْهُ التَّنْظِيف وَإِزَالَة الْوَسَخ وَلِهَذَا تُؤْمَر بِهِ الْحَائِض حَال حَدَثهَا وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَمَرَ الْحَائِض بِالنَّقْضِ وَجَبَ حَمْله عَلَى الِاسْتِحْبَاب جَمْعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ
[ ١ / ٢٩٦ ]
عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرٌ لِقَوْلِهَا نَحْنُ
وَالْمَعْنَى كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ فِي الْحِلِّ وَعِنْدَ الْإِحْرَامِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ
[٢٥٥] (قَالَ قَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ) أَيْ فِي كِتَابِهِ
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وبن معين ودحيم والبخاري وبن عَدِيٍّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ (وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ) إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ إِنَّمَا عَابُوا عَلَيْهِ أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ
وَالْحَاصِلُ أن بن عَوْفٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَوَّلًا عَنْ صَحِيفَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ بِغَيْرِ سَمَاعٍ وَأَجَازَهُ مِنْهُ ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ وَعَلَى كُلِّ حال فالحديث ليس بمتصل الإسناد لأن بن عَوْفٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا لَمْ يَسْمَعْ من إسماعيل بن عياش (حدثهم) أي جبيرا (جُبَيْرٌ) وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ ثَوْبَانَ (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ (أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَنْشُرْ رَأْسَهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ أَيْ لِيُفَرِّقْ يُقَالُ جَاءَ الْقَوْمُ نَشْرًا أَيْ مُنْتَشِرِينَ مُتَفَرِّقِينَ (حَتَّى يَبْلُغَ) الْمَاءُ (أُصُولَ الشَّعْرِ) وَلَا يَحْصُلُ بُلُوغُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ إِلَّا بِالنَّقْضِ إِنْ كان ضفيرا وإن لم يكن ضفيرا فبالإنتشار وَتَفْرِقَةٍ لِلشَّعْرِ وَهَذَا الْحُكْمُ لِلرِّجَالِ (وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْقُضَهُ) لَا نَافِيَةٌ أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي تَرْكِ نَقْضِ شَعْرِهَا
وَقِيلَ زَائِدَةٌ فَالْمَعْنَى لَا وَاجِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ شَعْرَهَا (لِتَغْرِفْ) أَمْرٌ لِلْمُؤَنَّثِ الْغَائِبِ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ (عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ) جَمْعُ غَرْفَةٍ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرٌ
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء أَحَدهمَا وَالْمَصِير إِلَى التَّرْجِيح فَالْجَوَاب مَا قَوْلكُمْ لَيْسَ فِيهِ أَمْر بِالْغُسْلِ فَفَاسِد فَإِنَّهُ قَالَ خُذِي مَاءَك وَسِدْرك وَهَذَا صَرِيح فِي الْغُسْل وَقَوْله اُنْقُضِي رَأْسك وَامْتَشِطِي أَمْر لَهَا فِي غُسْلهَا بِنَقْضِ رَأْسهَا لَا أَمْر بِمُجَرَّدِ النَّقْض وَالِامْتِشَاط وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ كَانَ فِي غُسْل الْإِحْرَامِ فَصَحِيح وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ غُسْل الْحَيْضِ آكَد الْأَغْسَال وَأَمَرَ فِيهِ النَّبِيّ ﷺ بِمَا لَمْ يَأْمُر بِهِ فِي سِوَاهُ مِنْ زِيَادَة التَّطَهُّر وَالْمُبَالَغَة فِيهِ فَأَمَرَهَا بِنَقْضِهِ وَهُوَ غَيْر رَافِع لِحَدَثِ الْحَيْضِ تَنْبِيه عَلَى وُجُوب نَقْضِهِ إِذَا كَانَ رَافِعًا لِحَدَثِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ يُحْمَل عَلَى الِاسْتِحْبَاب جَمْعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فَهَذَا إِنَّمَا يَكُون عِنْد ثُبُوت تَلِك الزِّيَادَة الَّتِي تَنْفِي النَّقْض لِلْحَيْضِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْر ثَابِتَة وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْفُوظَة
[ ١ / ٢٩٧ ]
لِلْمَرَّةِ مِنْ غَرَفَ إِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِالْكَفِّ قَالَهُ الطِّيبِيُّ
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ غَرْفَةٌ بِفَتْحِ الغين مصدر وبضم الغين المغروف أي ملأ الْكَفِّ وَغُرَفٌ بِالضَّمِّ جَمْعُ غُرْفَةٍ بِالضَّمِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنُ عياش وأبوه وفيهما مقال
انتهى
قال بن الْقَيِّمِ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَهَذَا إِسْنَادٌ شَامِيٌّ وَحَدِيثُهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ صَحِيحٌ
انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَقْضِ الْمَرْأَةِ ضَفْرَ رَأْسِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ لَا يَجِبُ النَّقْضُ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ كِلَيْهِمَا إِذَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهَا ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ وَإِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِلَى جِلْدِ الرَّأْسِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ الْحَدِيثَ وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْهَا وَفِيهِ وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ
وَالْغَمْزُ هُوَ التَّحْرِيكُ بِشِدَّةٍ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إلا بن مَاجَهْ وَفِيهِ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ الْبَشَرَةَ أَوْ أَنْقَى الْبَشَرَةَ وَلِمُسْلِمٍ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ثُمَّ يُشْرِبُهُ الْمَاءَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ وَفِيهِ فَتُدَلِّكُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى دَعْوَاهُمُ
الثَّانِي أَنَّهَا تَنْقُضُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ قَوْلُ إبراهيم النخعي
قال بن الْعَرَبِيِّ وَوَجْهُ قَوْلِهِ وُجُوبُ عُمُومِ الْغُسْلِ وَلَمْ يَرَ مَا وَرَدَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرُّخْصَةِ وَلَوْ رَآهُ مَا تَعَدَّاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
الثَّالِثُ وُجُوبُ النَّقْضِ فِي الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضَتِهَا نَقَضَتْ شَعْرَهَا نَقْضًا وَغَسَلَتْهُ بِخِطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا الْمَاءَ وَعَصَرَتْهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ
قُلْتُ قَالَ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ فِي إِسْنَادِهِ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ الْيَحْمَدِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَهُوَ غَيْرُ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ
وَأَيْضًا إِقْرَانُهُ بِالْغُسْلِ الْخِطْمِيَّ وأشنان يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الْخِطْمِيِّ وَلَا الْأُشْنَانِ انْتَهَى وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا وَكَانَتْ حَائِضًا انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي
رواه الأئمة الستة وهذا
[ ١ / ٢٩٨ ]
لفظ بن مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يارسول اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ
الْحَدِيثَ
قُلْتُ أُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي مَنْدُوبَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْغُسْلِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلصَّلَاةِ وَالنِّزَاعُ فِي غُسْلِ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ
وَقَالَ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ وَاخْتِصَاصُ هَذَا بِالْحَجِّ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا وَلِلْحَجِّ مَدْخَلَةٌ فِي مَزِيدِ التَّصْيِيفِ ثُمَّ اقْتِرَانُهُ بِالِامْتِشَاطِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ انْتَهَى
الرَّابِعُ لَا يَجِبُ النَّقْضُ عَلَى النِّسَاءِ وَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ بَعْضِ شَعْرِهَا الْمَضْفُورِ وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ وَهَذَا الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ هُوَ الْقَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْغُسْلِ يَجِبُ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ مِنْ شَعْرٍ وَبَشَرٍ حَتَّى لَا يَتِمَّ الْغُسْلُ إِنْ بَقِيَ مَوْضِعٌ يَسِيرٌ غَيْرَ مَغْسُولٍ وَهَذَا الْحُكْمُ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لِأَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ لَكِنْ رَخَّصَ الشَّارِعُ لِلنِّسَاءِ في ترك نقض ضفر رؤوسهن يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يارسول اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ
وَكَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن الْحَدِيثَ وَكَذَا حَدِيثُ ثَوْبَانَ الْمُتَقَدِّمُ
وَإِنَّمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنِّسَاءِ لِتَرْدَادِ حَاجَتِهِنَّ وَأَجْلِ مَشَقَّتِهِنَّ فِي نَقْضِ شُعُورِهِنَّ الْمَضْفُورَةِ فَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ مُغَايِرٌ لِلنِّسَاءِ فَإِذَا لا يَبُلَّ الرِّجَالُ جَمِيعَ شُعُورِهِمْ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا لَا يَتِمُّ غُسْلُهُمْ بِخِلَافِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ إِذَا صَبَبْنَ على رؤوسهن ثلاث حثيات ثم غُسْلُهُنَّ وَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ بَعْضِ شُعُورِهِنَّ الْمَضْفُورَةِ
وَأَمَّا الضَّفْرُ لِلرِّجَالِ فَكَانَ أَقَلَّ الْقَلِيلِ وَنَادِرًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِ الصَّحَابَةِ فَلِذَا مَا دَعَتْ حَاجَتُهُمْ لِسُؤَالِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَا اضْطُرُّوا لِإِظْهَارِ مَشَقَّتِهِمْ لَدَيْهِ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَبَقِيَ لَهُمْ حُكْمُ تَعْمِيمِ غَسْلِ الرَّأْسِ عَلَى وُجُوبِهِ الْأَصْلِيِّ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ شَكَلٍ سَأَلْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ فَتُدَلِّكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْصُورٌ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ وَهُوَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ
وَالثَّانِي أَنَّهُ يُحْمَلُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ شَكَلٍ عَلَى الْعَزِيمَةِ فَلَا مُنَافَاةَ وَاللَّهُ تعالى أعلم
والبسط في غاية
[ ١ / ٢٩٩ ]