الْمَذْكُورُ إِبَاحَتُهُ وَهُوَ الْوُضُوءُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَهَذَا النَّهْيُ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ سَابِقًا
(عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ الْبَصْرِيُّ الْفَقِيهُ عَنْ أَبِي هريرة وأبي بكرة وعنه بن سيرين وبن أبي وحشية وثقه العجلي
قال بن سِيرِينَ هُوَ أَفْقَهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْحِمْيَرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى حِمْيَرَ بْنِ سَبَأٍ (لَقِيتُ رَجُلًا) وَدَعْوَى الْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ إِبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ وَقَدْ صَرَّحَ التَّابِعِيُّ بِأَنَّهُ لَقِيَهُ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ (قَالَ) الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (بِفَضْلِ الرَّجُلِ) أَيْ بِالْمَاءِ الَّذِي يَفْضُلُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْغُسْلِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَغْتَسِلَ مَعَهُ بِفَضْلِهِ وَلَا بَعْدَ غُسْلِهِ بِفَضْلِهِ (بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ) أَيْ بِالْمَاءِ الَّذِي يَفْضُلُ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ غُسْلِهَا أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهَا فِي الْغُسْلِ فَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَهَا بِفَضْلِهَا وَلَا بعد غسلها
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أَبِي حَاجِبٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ وَحَدِيث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ فِي هَذَا الْبَاب الصَّحِيح هُوَ مَوْقُوف وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأ تَمَّ كَلَامه وَقَالَ أَبُو عَبِيدٍ فِي كِتَاب الطَّهُور حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ أَنَّهُ قَالَ أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخ يَعْنِي نَفْسه فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى نَبِيّكُمْ ﷺ وَأَكَلَ مَعَهُ قَالَ عَاصِمٌ فَسَمِعْته يَقُول لَا بَأْس بِأَنْ يَغْتَسِل الرَّجُل وَالْمَرْأَة مِنْ الْجَنَابَة مِنْ الْإِنَاء الْوَاحِد فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبهُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَعَلَّ بَعْض الرُّوَاة ظَنَّ أَنَّ قَوْله فَسَمِعْته يَقُول مِنْ كَلَام عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ فَوَهَمَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْل عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَحْكِيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حدثنا حَجَّاجٌ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ مُهَاجِرٍ أَبِي الْحَسَنِ
[ ١ / ١٠٣ ]
بِفَضْلِهَا (وَلْيَغْتَرِفَا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ لِيَأْخُذِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ غَرْفَةً غَرْفَةً مِنَ الْمَاءِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِمَا مِنْهُ (جَمِيعًا) أَيْ يَكُونُ اغْتِرَافُهُمَا جَمِيعًا لَا باختلاف أيديهما فيه واحد بَعْدَ وَاحِدٍ
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ تَطْهِيرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ مَمْنُوعٌ سَوَاءٌ يَتَطَهَّرَانِ مَعًا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كُلٌّ مِنْهُمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ أو واحد بَعْدَ وَاحِدٍ كَذَلِكَ لَكِنْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّطْهِيرُ مِنَ الْفَضْلِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَتَطَهَّرَا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَيَكُونُ اغْتِرَافُهُمَا جَمِيعًا لا باختلاف أيديهما فيه واحد بَعْدَ وَاحِدٍ هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ تَبْوِيبِ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ ﵁
قَالَ الْإِمَامُ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٨٢] (وَهُوَ الْأَقْرَعُ) أَيْ عَمْرٌو وَالِدُ الْحَكَمِ هُوَ الْأَقْرَعُ (بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ) بِفَتْحِ الطَّاءِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِمٍ أَبُو حَاجِبٍ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ وَلَا أَرَاهُ يَصِحُّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو
انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ خَبَرُ الْأَقْرَعِ فِي النَّهْيِ لَا يَصِحُّ
وَاعْلَمْ أَنَّ تَطْهِيرَ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَتَطْهِيرَهَا بِفَضْلِهِ فِيهِ مَذَاهِبُ الْأَوَّلُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الْآخَرِ شَرَعَا جَمِيعًا أَوْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالثَّانِي كَرَاهَةُ تَطْهِيرِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ وَالثَّالِثُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا اغْتَرَفَا جَمِيعًا وَالرَّابِعُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ مَا لَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا وَالرَّجُلُ جُنُبًا وَالْخَامِسُ جَوَازُ تَطْهِيرِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ طَهُورِ الرَّجُلِ وَكَرَاهَةُ الْعَكْسِ وَالسَّادِسُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا شَرَعَا جَمِيعًا لِلتَّطْهِيرِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ اغْتَرَفَا جَمِيعًا أَوْ لَمْ يَغْتَرِفَا كَذَلِكَ وَلِكُلِّ قَائِلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ
_________________
(١) [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ حَدَّثَنِي كُلْثُومُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْحَرْثِ قَالَ تَوَضَّأَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَهِيَ عَمَّته قَالَ فَأَرَدْت أَنْ أَتَوَضَّأ بِفَضْلِ وُضُوئِهَا فَجَذَبَتْ الْإِنَاء وَنَهَتْنِي وَأَمَرَتْنِي أَنْ أُهْرِيقَهَ قَالَ فَأَهْرَقَتْهُ وَقَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ شُرَيْكٍ عن مهاجر الصائغ عن بن لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَفَعَلَتْ بِهِ مِثْل ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسٍ وَجُوَيْرِيَةُ وَأُمُّ سلمة وخالفهم في ذلك بن عباس وبن عُمَر قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَدِينِيِّ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سُؤْر الْمَرْأَة فَقَالَ هِيَ أَلْطَف بَنَانًا وَأَطْيَب رِيحًا حَدَّثْنَا
[ ١ / ١٠٤ ]
بِهِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْأُوَلِ لِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَطْهِيرُهُ ﷺ مَعَ أَزْوَاجِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَعْمِلُ فَضْلَ صَاحِبِهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ اغْتَسَلَ بِفَضْلِ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ وَجَمَعَ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّهْيِ فَقَالَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ كَانَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ النَّهْيِ وَهُوَ حَدِيثُ الْأَقْرَعِ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ التَّطْهِيرِ بِفَضْلِ مَا تَسْتَعْمِلُهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ مَا سَالَ وَفَضَلَ عَنْ أَعْضَائِهَا عِنْدَ التَّطْهِيرِ دُونَ الْفَضْلِ الَّذِي يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الإيجاب وكان بن عُمَرَ ﵁ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ فَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَتْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا فَإِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْإِبَاحَةِ أَجْوَدُ مِنْ إِسْنَادِ خَبَرِ النَّهْيِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ فَضْلِ أَعْضَائِهَا وَهُوَ الْمُتَسَاقِطُ مِنْهَا وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ أَحْمَدَ إِنَّ الْأَحَادِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُضْطَرِبَةٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْجَوَازُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ أَوْ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ