وَقَالَ قَتَادَةُ: حَرْدٍ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَافَتُونَ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنا لَضَالُّونَ؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالصَّرِيمِ؛ كالصُّبْحُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ. وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمَشْهُورُ فِي ن أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاءُ، وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْحُوتُ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ وَالْحُوتَ، قَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ قَرَأَ: ن وَالْقَلَمِ. فَالنُّونُ: الْحُوتُ، وَالْقَلَمُ: الْقَلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: حَرْدٍ؛ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الِاجْتِهَادُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: كَانَتِ الْجَنَّةُ لِشَيْخٍ، وَكَانَ يُمْسِكُ قُوتَهُ سَنَةً وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، وَكَانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالُوا: لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ يَقُولُ: عَلَى جِدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ؛ قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَى فَاقَةٍ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ كَانَتْ لِأَبِيهِمْ جَنَّةٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ قَالَ: أَمْرٌ مُجْتَمِعٌ. وَقَدْ قِيلَ فِي حَرْدٍ إِنَّهَا اسْمُ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِيهِ أَقْوَالًا أُخْرَى: الْقَصْدُ وَالْمَنْعُ وَالْغَضَبُ وَالْحِقْدُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَافَتُونَ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيِّ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا، وَثَبَتَ
_________________
(١) بياض بأصله
[ ٨ / ٦٦١ ]
لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾: أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَخْطَأْنَا الطَّرِيقَ، مَا هَذِهِ جَنَّتُنَا.
(تَنْبِيهٌ):
زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ: ضَلَلْنَا؛ بِغَيْرِ أَلِفٍ، تَقُولُ: ضَلَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلْتَهُ فِي مَكَانٍ ثُمَّ لَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ، وَأَضْلَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا ضَيَّعْتَهُ، انْتَهَى. وَالَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ صَحِيحُ الْمَعْنَى، عَمِلْنَا عَمَلَ مَنْ ضَيَّعَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ أَوَّلِ أَضْلَلْنَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالصَّرِيمِ؛ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ النَّهَارُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ الْمُسْوَدُّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ الرَّمْلَةُ تَنْصَرِمُ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ فَيُقَالُ: صَرِيمَةٌ، وَصَرِيمَةُ أَمْرِكَ قَطْعُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ) هُوَ مَحْصُلُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾؛ كَأَنَّهَا قَدْ صُرِمَتْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّرِيمَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعَانٍ يَرْجِعُ جَمِيعُهَا إِلَى انْفِصَالِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: صَرِيمٌ؛ بِمَعْنَى مَصْرُومٌ.
(تَكْمِيلٌ): قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: أَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: هِيَ - يَعْنِي الْجَنَّةَ الْمَذْكُورَةَ - أَرْضٌ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا: صِرْفَانُ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَنْعَاءَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ.
قَوْلُهُ: ﴿تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي الْمُسْتَخْرَجِ لِأَبِي نُعَيْمٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى تَلِينُ فَيَلِينُونَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ.
قَوْلُهُ: (مَكْظُومٌ وَكَظِيمٌ: مَغْمُومٌ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَرَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مِنَ الْغَمِّ مِثْلُ كَظِيمٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿مَكْظُومٌ﴾ قَالَ: مَغْمُومٌ.