وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَتَبَتَّلْ؛ أَخْلِصْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَنْكَالًا؛ قُيُودًا. مُنْفَطِرٌ بِهِ: مُثْقَلَةٌ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَثِيبًا مَهِيلًا؛ الرَّمْلُ السَّائِلُ. وَبِيلًا: شَدِيدًا.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ وَالْمُدَّثِّرِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى الْمُزَّمِّلِ وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَفْرَدَ الْمُدَّثِّرَ بَعْدُ بِالتَّرْجَمَةِ. وَالْمُزَّمِّلُ بِالتَّشْدِيدِ أَصْلُهُ الْمُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الزَّايِ، وَقَدْ جَاءَتْ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَلَى الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَتَبَتَّلْ؛ أَخْلِصْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: أَنْكَالًا؛ قُيُودًا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَنْكَالُ وَاحِدُهَا نِكْلٌ بِكَسْرِ النُّونِ؛ وَهُوَ الْقَيْدُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: النِّكْلُ؛ الْغُلُّ.
قَوْلُهُ: (مُنْفَطِرٌ بِهِ: مُثْقَلَةٌ بِهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قَالَ: مُثْقَلَةٌ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: مُثْقَلَةٌ: مُوقَرَةٌ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ: مُنْفَطِرٌ بِهِ؛ تَنْفَطِرُ مِنْ ثِقَلِ رَبِّهَا تَعَالَى. وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ لِلَّهِ، وَيحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَعَادَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا لِأَنَّ مَجَازَ السَّمَاءِ مَجَازُ السَّقْفِ، يُرِيدُ قَوْلَهُ مُنْفَطِرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: شَيْءٌ مُنْفَطِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ الرَّمْلُ السَّائِلُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ
[ ٨ / ٦٧٥ ]
الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَفْظُهُ: الْمَهِيلُ؛ إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ شَيْئًا يَتْبَعُكَ آخِرُهُ، وَالْكَثِيبُ: الرَّمْلُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْكَثِيبُ؛ الرَّمْلُ، وَالْمَهِيلُ: الَّذِي تُحَرِكُ أَسْفَلَهُ فَيَنْهَالُ عَلَيْكَ أَعْلَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِيلًا شَدِيدًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدِ الْمُصَنِّفُ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَقَوْلُهَا فِيهِ: فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِهَا: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا مَالُ أَحَدِكُمْ مَا قَدَّمَ وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ.