وما ينهي من ذلك
خرج فيه:
[ ٢ / ٤٢٥ ]
٣٧٤ - حديث: عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي - ﷺ -: «أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي» .
«القرام»: قيل: أنه ثوب من صوف، فيه ألوان من العهون، ويتخذ سترا، أو كلة.
وقال الخطابي: هو ستر رقيق. قال: ويشبه أن تكون عائشة سترت به موضعا كان عورة من بيتها؛ لنهي النبي - ﷺ - عن ستر الجدر.
قلت: حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف.
ولكن خرج مسلم من حديث عائشة، أنها أخذت نمطا فسترته على
[ ٢ / ٤٢٥ ]
الباب، فلما قدم النبي - ﷺ - رأى النمط، فعرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه أو قطعه، وقال: «أن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» .
وفي «مسند الإمام أحمد»، عنها في هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - قال لها: «أتسترين الجدر يا عائشة؟» قالت: فطرحته، فقطعته مرفقتين، فقد رأيته متكئا على إحداهما، وفيها صورة.
وخرج مسلم من حديث عائشة، قالت: كان في بيتي ثوب فيه تصاوير، فجعلته إلى سهوة في البيت، وكان رسول الله - ﷺ - يصلي إليه، ثم قال: «يا عائشة أخريه
عني»، فنزعته، فجعلته وسائد.
وفي «الصحيحين»، عنها، قالت: قدم رسول الله - ﷺ - من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله - ﷺ - هتكه، وقال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ﷿» . قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين.
وفي «صحيح مسلم» عنها، قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله - ﷺ -: «حولي هذا؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا» .
فهذه ثلاث علل قد علل بها النبي - ﷺ - كراهة الستر.
ويشهد للتعليل الثالث: حديث سعيد بن جمهان، عن سفينة، أن النبي - ﷺ - جاء إلى بيت فاطمة، فأخذ بعضادتي الباب، وإذا قرام قد ضرب في
[ ٢ / ٤٢٦ ]
ناحية البيت، فلما رآه رسول الله - ﷺ - رجع، فتبعه علي، فقال: ما رجعك يا رسول الله؟ قال: «أنه ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا» .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه.
ويشبه هذا ما خرجه النسائي من حديث ابن عباس، أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتما ولبسه، وقال: «شغلني هذا عنكم اليوم، له نظرة ولكم نظرة»، ثم ألقاه.
وخرج الترمذي في «كتاب العلل» بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر، أن
رسول الله - ﷺ - جعل خاتمه في يمينه، ثم أنه نظر إليه وهو يصلي ويده على فخذه، فنزعه ولم يلبسه.
وقد روي هذا الحديث عن طاوس مرسلا، وفيه: أن هذا الخاتم كان من ذهب.
وهذا إنما كان النبي - ﷺ - يفعله امتثالا لما أمره الله به؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا، فكان يتباعد عنها بكل وجه، ولهذا قال: «مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» .
فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره، فإن ذلك كان هو قرة عينه. فكان تلمح شيء من متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال؛ فإنه
[ ٢ / ٤٢٧ ]
ذلك الصفاء، فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة. وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله: «فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي» .
وفيه: دليل على أن المصلي لا ينبغي أن يترك بين يديه ما يشغله النظر إليه عن صلاته.
وفي «سنن أبي داود»، عن عثمان بن طلحة، أن النبي - ﷺ - قال: «إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين؛ فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» .
وخرجه الإمام أحمد من حديث أم عثمان بنت سفيان، أن النبي - ﷺ - قال له في هذا الحديث: «أنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين» .
والمراد بالقرنين: قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل ﵇؛ فإنه ما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريق البيت في زمن ابن الزبير.
وفي الحديث: دليل على جواز الصلاة في الكعبة.
وقد نص أحمد على كراهة أن يكون في القبلة شيء معلق من مصحف أو غيره.
وروي عن النخعي، قال: كانوا يكرهون ذلك.
وعن مجاهد، قال: لم يكن ابن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه: سيفا ولا مصحفا.
ونص أحمد على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى، وكذا مذهب مالك.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وقد ذكر البخاري تعليقا عن عمر، أنه أمر ببناء المسجد، وقال: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وسيأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى.
ويستدل بحديث عائشة هذا على كراهة الصلاة إلى التصاوير المنصوبة؛ فإن في ذلك مشابهة للنصارى وعباد الأصنام المصلين لها، ولا يترك في المسجد صورة في بناء.
سئل الحسن عن ساجة في المسجد فيها تصاوير؟ قال: انجروه.
وتكره الصلاة في الكنائس التي فيها صور عند كثير من العلماء، وهو مروي عن عمر وابن عباس، وقول مالك وأحمد وغيرهما.
وأما الصلاة في ثوب فيه تصاوير ففيه قولان للعلماء، بناء على أنه: هل يجوز لبس ذلك أم لا؟
فرخص في لبسه جماعة، منهم أحمد في رواية الشالنجي، وكذلك قال أبو
خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي، واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه: «إلا رقما في ثوب» .
وقد خرجه البخاري في «كتاب: اللباس» من حديث أبي طلحة.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وخرجه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب وسهل بن حنيف، عن النبي - ﷺ -.
وكان كثير من السلف يلبس خاتما عليه صورة حيوان منقوشة في فصه.
وقالت طائفة: يكره ذلك، وهو قول مالك والثوري، وطائفة من أصحابنا.
وقالت طائفة: يحرم لبسه، وهو رواية عن أحمد، أختارها القاضي أبو يعلى
وغيره.
وروى وكيع في «كتابه» عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمران بن حطان، عن عائشة، قالت: كان النبي - ﷺ - لا يرى في ثوب تصاوير إلا
نقضه.
وقد خرجه البخاري في «كتابه» هذا عن طريق هشام، عن يحيى، ولفظه: لم يكن النبي - ﷺ - يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه.
وظاهر تبويب البخاري يدل على كراهة الصلاة فيه استدلالا بقوله - ﷺ -: «لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي» . ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضع لا يقع بصره عليه في الصلاة.
وصرح أصحابنا بكراهة استصحابه في الصلاة، وسواء قلنا: يجوز لبسه أو لا.
ومذهب مالك: أنه لا يلبس خاتم فيه تماثيل، ولا يصلى به، ويلبس
[ ٢ / ٤٣٠ ]
ثوب فيه تصاوير.
وأما الصلاة على بساط فيه تصاوير، فرخص فيه أكثر العلماء، ونص عليه أحمد وإسحاق؛ لأنهم أجازوا استعمال ما يوطأ عليه من الصور.
وكره ذلك طائفة قليلة، ومنهم: الجوزجاني، وروى عن الزهري.
وذكر ابن أبي عاصم في «كتاب اللباس» له: «باب: من قال: لا بأس بالصلاة على البساط إذا كان فيه صور: حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم: ثنا روح بن عبادة: ثنا شعبة، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة، قالت: كان النبي - ﷺ - يصلي على الخمرة، وفيها تصاوير» .
وهذا الحديث مخرج في «الصحيحين» من حديث شعبة بدون هذه الزيادة.
وسيأتي بسط هذه المسائل في موضعها من الكتاب - أن شاء الله تعالى.
وقد بوب البخاري في «كتاب: اللباس» على «كراهة الصلاة في التصاوير»، وأعاد فيه حديث عائشة الذي خرجه هاهنا، وظاهر ذلك يدل على أنه يكره الصلاة في ثوب فيه صورة، وعلى بساط عليه صورة؛ فإن ذلك كله يعرض للمصلي في صلاته.
وبوب هناك - أيضا - على الرخصة فيما يوطأ من الصورة، وعلى كراهة ذلك - أيضا -، فأشار إلى الاختلاف فيه.
[ ٢ / ٤٣١ ]
١٦ - باب