في غُسلٍ واحِدٍ
خرج فيهِ حديثين:
أحدهما:
[ ٢٩٧ ]
٢٦٧ - من رواية: شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قالَ: ذكرته لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمان، كنت أطيب رسول الله - ﷺ -، فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا، ينضخ طيبًا.
الذي ذكر لعائشة، هوَ: أن ابن عمر كره الطيب عندَ الإحرام، فردت مقالته بهذه الرواية.
قالَ الإسماعيلي في «صحيحه»: قول عائشة: «يطوف على
نسائه»، ينظر: هل أردت به الجماع، أو تجديد العهد بهن للخروج، وذلك أنه لو كانَ معنى الطواف عليهن للوقاع لاحتاج إلى الغسل، ولا يكاد الطيب يبقى بعد إنقاء الغسل، لا سيما وهي تقول: «ينضخ طيبًا»، بالحاء أو الخاء، وهو بالخاء معجمة أشبه؛ لأنه أخف من النضح، كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء من الطيب. انتهى ما ذكره.
وما ذكره من احتمال طوافه عليهن للتوديع فبعيد جدًا، أو غير صحيح؛ فإن عائشة إنما أخبرت عن حجة الوداع، وقد جاء مصرحًا عنها في رواية خرجها مسلم، أنها طيبته في حجة الوداع،
[ ٢٩٧ ]
وحجة الوداع كانَ أزواجه كلهن معه
فيها، فلم يكن يحتاج إلى وداعهن.
ووجه استدلال البخاري بالحديث على أن تكرار الجماع بغسل واحد:
أن النبي - ﷺ - لو اغتسل من كل واحدة من نسائه لكان قد اغتسل تسع مرات، فيبعد حينئذ أن يبقى للطيب أثر، فلما أخبرت أنه أصبح ينضخ طيبًا، استدل بذلك على أنه اكتفى بغسل واحد.
واستبعاد الإسماعيلي بقاء أثر الطيب بعد الغسل الواحد ليس بشيء، فقد اخبرت عائشة أنها نظرت إلى الطيب في مفرق رسول الله - ﷺ - وهو محرم بعد ثلاث.
وفي رواية، عنها: في رأسه ولحيته.
وقد كانَ - ﷺ - يوضأ في هذه المدة، بل كانت عادته الوضوء لكل صلاة، ومع هذا فلم يذهب اثره من شعره، وهذا يدل على أنه كانَ طيبًا كثيرًا لهُ جرم يبقى مدة.
الحديث الثاني:
[ ٢٩٨ ]
٢٦٨ - من رواية: هشام، عن قتادة: ثنا أنس بن مالك، قالَ: كانَ النبي - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة.
قلت لأنس: أو كانَ يطيقه؟ قالَ: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين.
وقال سعيد، عن قتادة: إن أنسًا حدثهم: تسع نسوة.
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن أنسًا ذكر أن النبي - ﷺ - كانَ يدور على إحدى عشرة امرأة في ساعة واحدة من الليل والنهار، وهذا
[ ٢٩٨ ]
يدل على أنه لم يغتسل عندَ كل واحدة؛ فإن الساعة الواحدة لا تتسع للوطء إحدى عشرة مرة، مع غسل إحدى عشرة مرة.
وقد ذكر البخاري اختلاف هشام وسعيد بن أبي عروبة على قتادة في عدد النسوة: فذكر هشام: أنهن إحدي عشرة، وذكر سعيد: أنهن تسع.
وحديث سعيد، قد خرجه البخاري - فيما بعد -، وسيأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى.
وقد روى هذا الحديث معمر، عن قتادة، وذكر فيهِ: أن ذلك كانَ بغسل واحد.
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، من رواية سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي - ﷺ - كانَ يطوف على نسائه في غسل واحد.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وإنما لم يخرج البخاري هذا؛ لأن رواية معمر، عن قتادة ليست بالقوية.
قالَ ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قالَ معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد.
قالَ الدارقطني في «العلل»: معمر سيء الحفظ لحديث قتادة.
وقد روى هذا الحديث ابن عيينة، عن معمر، عن ثابت، عن
[ ٢٩٩ ]
أنس، وهو وهم.
ورواه مصعب بن المقدام، عن الثوري، عن معمر، عن حميد، عن أنس.
خرجه الطبراني.
وهو وهم.
ورواه ضمرة، عن الثوري، عن معمر، عن حميد، عن أنس.
وأخطأ في قوله: «عن حميد» -: قاله أبو زرعة.
وقد توبع عليهِ معمر من وجوه غير قوية:
فرويناه من طريق سفيان، عن محمد بن حجادة، عن قتادة، عن أنس.
ورواه مسلمة بن علي الخشني - وهو ضعيف -، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قالَ: ربما طاف النبي - ﷺ - في الليلة الواحدة على ثنتي عشرة امرأة، لا يمس في ذَلِكَ شيئًا من الماء.
ورواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أنس، قالَ: وضعت للنبي - ﷺ - غسلًا، فاغتسل من جميع نسائه في الليلة.
خرجه ابن ماجه.
ونقل الترمذي في «كتاب العلل»، عن البخاري، أنه ضعفه من أجل صالح.
وخرجه أبو داود والنسائي، من رواية إسماعيل بن علية: نا
[ ٣٠٠ ]
حميد عن أنس، أن النبي - ﷺ - طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد.
وخرجه مسلم في «صحيحه»، من رواية مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، أن النبي - ﷺ - كانَ يطوف على نسائه بغسل واحد.
وتابعه بقية بن الوليد، فرواه، عن شعبة - أيضًا.
خرجه من طريقه الإمام أحمد.
ولم يرض البخاري هذا الحديث، من أجل مسكن بن بكير؛ فإنه ليس بذاك.
قالَ الأثرم: قلت لأحمد: نظرت في حديث مسكين، عن شعبة، فإذا فيها خطأ. قالَ: أحمد من أين كانَ يضبط هوَ عن شعبة؟!
قالَ البرديجي: لا يلتفت إلى رواية الفرد عن شعبة، ممن ليس لهُ حفظ ولا تقدم في الحديث من أهل الإتقان.
وقد روي الأمر بالوضوء للمعاودة من رواية عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - قالَ: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ» .
خرجه مسلم.
وفي رواية: «فليتوضأ بينهما وضوءًا» .
وخرجه ابن خريمة والحاكم في «صحيحيهما»، بزيادة في آخره،
[ ٣٠١ ]
وهي: «فإنه أنشط للعود» .
وخرجه ابن خزيمة - أيضًا - بلفظ آخر، وهو: «إذا أراد أحدكم أن يعود فليتوضأ وضوءه للصلاة» - يعني: الذي يجامع، ثم يعود قبل أن يغتسل.
وفي إسناده بعض اختلاف.
وقال الشافعي: روي فيهِ حديث، وإن كانَ مما لا يثبت مثله.
واستحب أكثر العلماء الوضوء للمعاودة، وهو مروي عن عمر وغيره، وليس بواجب عندَ الأكثرين، وأوجبه قليل من أهل الظاهر ونحوهم.
ومن العلماء من أنكر الوضوء، وحمل الوضوء في هذا الحديث على التنظيف وغسل الفرج.
وقد قالَ إسحاق: غسل الفرج لابد منه.
والأكثرون على أن المعاودة من غير وضوء لا تكره، وهو قول الحسن ومالك وأحمد وإسحاق.
وقد روي الاغتسال للمعاودة من حديث أبي رافع، أن النبي - ﷺ - طاف على نسائه جميعًا في يوم واحد، واغتسل عندَ كل واحدة منهن غسلًا.
فقلت: يا رسول الله - ﷺ -، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قالَ: «إن هذا أزكى واطهر
[ ٣٠٢ ]
وأطيب» .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وفي إسناده بعض من لا يعرف حاله.
قالَ أبو داود: حديث أنس أصح من هذا.
يعني: حديثه في الغسل الواحد.
وفي هذا الباب أحاديث أخر، أسانيدها ضعيفة.
[ ٣٠٣ ]
١٣ - بَابُ