أو خاف العطش تيمم
ويذكر: أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم، وتلا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فلم يعنف،
حديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود من رواية يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي انس، عن عبد الرحمان بن جبير، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن اغتسلت أن اهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب!» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فضحك رسول الله - ﷺ -، ولم يقل شيئا.
وخرجه - أيضا - من طريق عمرو بن الحارث وغيره، عن يزيد بن أبي الحبيب، عن عمران، عن عبد الرحمان بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية - فذكر الحديث بنحوه، وقال فيه: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم -
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وذكر باقيه بنحوه، ولم يذكر التيمم.
وفي هذه الرواية زيادة: «أبي قيس» في إسناده، وظاهرها الإرسال.
وخرجه الإمام أحمد والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، وليس كما قال، وقال أحمد: ليس إسناده بمتصل.
وروى أبو إسحاق الفزاري في «كتاب السير» عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: بعث النبي - ﷺ - بعثا وامر عليهم عمرو بن العاص، فلما اقبلوا سألهم عنه، فأثنوا خيرا، إلا أنه صلى بنا جنبا، فسأله، فقال: أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فتبسم النبي - ﷺ -.
وهذا مرسل.
وقد ذكره أبو داود في «سننه» تعليقا مختصرا، وذكر فيه: أنه تيمم.
وأكثر العلماء: على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم
ويصلي، جنبا كان أو محدثا.
واختلفوا هل يعيد، أم لا؟
فمنهم من قال: لا إعادة عليه، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والحسن بن صالح، وأحمد في رواية.
ومنهم من قال: عليه الإعادة بكل حال سواء كان مسافرا أو حاضرا، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد.
ومنهم من قال: أن كان مسافرا لم يعد، وإن كان حاضرا أعاد، وهو قول آخر للشافعي، ورواية عن أحمد، وقول أبي يوسف ومحمد.
وحكى ابن عبد البر عن أبي يوسف وزفر: أنه لا يجوز للمريض في
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الحضر التيمم بحال.
وذكر أبو بكر الخلال من أصحابنا: أنه لا يجوز التيمم في الحضر لشدة البرد، وهو مخالف لنص أحمد وسائر أصحابه.
وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن وعطاء: أنه إذا وجد الماء اغتسل به وأن
مات؛ لأنه واجد للماء، إنما أمر بالتيمم من لم يجد الماء.
ونقل أبو إسحاق الفزاري في «كتاب السير» عن سفيان نحو ذلك، وانه لا يتيمم لمجرد خوف البرد، وإنما يتيمم لمرض مخوف، أو لعدم الماء.
وينبغي أن يحمل كلام هؤلاء على ما إذا لم يخش الموت، بل أمكنه استعمال الماء المسخن وإن حصل له به بعض الضرر. وقد روي هذا المعنى صريحا عن الحسن
- أيضا -، وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم، وحكوا أن سفيان ذكر أن الناس اجمعوا على ذلك.
وقد سبق الكلام في تفسير الآية، وان الله تعالى أذن في التيمم للمريض وللمسافر ولمن لم يجد الماء من أهل الأحداث مطلقا، فمن لم يجد الماء فالرخصة له محققة.
وأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم، فإن وجدت الحقيقة فيهما جاز التيمم، فالمرض مظنة لخشية التضرر باستعمال الماء، والسفر مظنة لعدم الماء، فإن وجد في المرض خشية التضرر وفي السفر عدم الماء جاز التيمم، وإلا فلا.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وأما من قال من الظاهرية ونحوهم: أن مطلق المرض يبيح التيمم سواء تضرر باستعمال الماء أو لم يتضرر، فقوله ساقط يخالف الإجماع قبله، وكان يلزمه أن يبيح التيمم في السفر مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده.
وقول البخاري: «إذا خاف على نفسه المرض أو الموت» يشير إلى الرخصة في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرض، ولا يشترط خوف الموت خاصة، وهذا ظاهر مذهب أحمد، واحد قولي الشافعي.
والقول الثاني: لا يجوز التيمم إلا إذا خاف التلف، إما تلف النفس أو تلف عضو منه، وحكي رواية عن أحمد، وفي صحتها عنه نظر.
والحنيفية السمحة أوسع من ذلك، وخوف الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته أو التلف، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم.
ولو كان في الغزو وهو يجد الماء لكنه يخشى على نفسه من العدو أن اشتغل بالطهارة، ففيه عن أحمد روايتان:
إحداهما: يتيمم ويصلي، اختارها أبو بكر عبد العزيز.
والثانية: يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء، كما أخر النبي - ﷺ - الصلوات يوم الخندق.
ولو احتاجت المرآة إلى الوضوء وكان الماء عنده فساق تخاف منهم على نفسها، فقال أحمد: لا يلزمها الوضوء. وتوقف مرة في ذلك.
[ ٢ / ٢٨١ ]
وأما إذا خاف العطش على نفسه، فإنه يحبس الماء ويتيمم، وقد سبق قول علي وابن عباس في ذلك، وحكاية أحمد له عن عدة من الصحابة. وقد ذكر ابن المنذر أنه إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم، وسمى منهم جماعة كثيرة.
وقد سال قوم النبي - ﷺ -، فقالوا: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال لهم النبي - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» .
وسؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه، وأقرهم - ﷺ - على ذلك، ولم يردهم عن اعتقادهم.
خرج البخاري في هذا الباب حديث عمار من رواية أبي موسى الأشعري، عنه، فقال:
[ ٢ / ٢٨٢ ]
٣٤٥ - ثنا بشر بن خالد: ثنا محمد - هو: غندر -، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل: قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: إذا لم تجد الماء لا تصلي؟ قال عبد الله: لو رخصت لهم في هذا، كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا - يعني: تيمم - وصلى. قال: قلت فأين قول عمار لعمر؟ قال: إني لم أرى عمر قنع بقول عمار.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
٣٤٦ - حدثنا عمر بن حفص: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: سمعت
[ ٢ / ٢٨٢ ]
شقيق ابن سلمة قال: كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيت يا أبا
عبد الرحمان، إذا أجنب الرجل فلم يجد ماء كيف يصنع؟ فقال عبد الله: لا يصلي حتّى يجد الماء. فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قَالَ له النَّبيّ - ﷺ -: «كان يكفيك»؟ قال: ألم تر عمر لم يقنع منه بذلك؟ فقال أبو موسى: دعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول. فقال: لو أنا رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم. فقلت لشقيق: فإنما كره
عبد الله لهذا؟ قال: نعم.
كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان: أن التيمم إنما يجوز عن الحدث الأصغر، وأما عن الجنابة فلا يجوز، وقالا: لا يصلي الجنب حتى يجد الماء ولو عدمه شهرا.
وروي ذلك عن طائفة من أصحاب ابن مسعود وأتباعهم كالأسود وأبي عطية والنخعي.
وقد روي عن عمر وابن مسعود أنهما رجعا عن ذلك، ووافقا بقية الصحابة، فإن عمر وكل الأمر في ذلك إلى عمار، وقال له: نوليك ما توليت، وابن مسعود رجع عن قوله في التيمم -: قاله الضحاك، واتبعت الأمة في ذلك قول الصحابة دون عمر وابن مسعود. وقد خالفهما علي وعمار وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبد الله وابن عباس.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وقد صح عن النبي - ﷺ - أمر الجنب إذا لم يجد الماء بأن يتيمم ويصلي، في
حديث عمران بن حصين المتقدم، وحديث عمار، وروي - أيضا - من حديث أبي ذر وغيره.
وشبهة المانعين: أن الله تعالى قال: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، وقال: ﴿) وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]- يعني به:
الغسل -، ثم ذكر التيمم عند فقد الماء بعد ذكره الأحداث الناقضة للوضوء، فدل على أنه إنما رخص في التيمم عند عدم الماء لمن وجدت منه هذه الأحداث، وبقي الجنب مأمورا بالغسل بكل حال.
وهذا مردود؛ لوجهين:
أحدهما: أن آية الوضوء افتتحت بذكر الوضوء، ثم بغسل الجنابة، ثم أمر بعد ذلك بالتيمم عند عدم الماء، فعاد إلى الحدثين معا، وان قيل: أنه يعود إلى أحدهما، فعوده إلى غسل الجنابة أولى؛ لأنه أقربهما، فأما عوده إلى أبعدهما وهو - وضوء الصلاة - فممتنع.
وأما آية سورة النساء، فليس فيها سوى ذكر الجنابة، وليس للوضوء فيها ذكر، فكيف يعود التيمم إلى غير مذكور فيها، ولا يعود إلى المذكور؟
والثاني: أن كلتا الآيتين: أمر الله بالتيمم من جاء من الغائط، ولمس النساء أو لم يجد الماء، ولمس النساء إما أن يراد به الجماع خاصة، كما قاله ابن عباس وغيره، أو أنه يدخل فيه الجماع وما دونه من الملامسة لشهوة، كما يقوله غيره، فأما أن يخص به ما دون الجماع ففيه بعد.
ولما أورد أبو موسى على ابن مسعود الآية تحير ولم يدر ما يقول، وهذا يدل على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وفي أمر النبي - ﷺ - الجنب العادم للماء أن يتيمم ويصلي دليل على أنه - ﷺ - فهم دخول الجنب في الآية، وليس بعد هذا شيء.
ورد ابن مسعود تيمم الجنب؛ لأنه ذريعة إلى التيمم عند البرد لم يوافق عليه؛ لان النصوص لا ترد بسد الذرائع، وأيضا، فيقال: أن كان البرد يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق.
وقد روى شعبة، أن مخارقا حدثهم، عن طارق، أن رجلا أجنب فلم يصل، فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال له: «أصبت» . وأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فأتاه - ﷺ -، فقال له نحوا مما قال للآخر - يعني: «أصبت» .
خرجه النسائي، وهو مرسل.
وقد يحمل هذا على أن الأول سأله قبل نزول آية التيمم، والآخر سأله بعد
نزولها.
وروى أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن أبزى، عن أبيه، أن عمارا قال لعمر: أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في سرية فأجنبنا ولم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت بالتراب وصليت، فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - ذكرنا ذلك له، فقال «أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة، وأما أنت يا عمار
[ ٢ / ٢٨٥ ]
فلم يكن لك أن تتمعك كما تتمعك الدابة، إنما كان يجزيك» - وضر ب رسول الله - ﷺ - بيده إلى الأرض إلى التراب، ثُمَّ قَالَ -: «هكذا»، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل، وليس فيه الذراعان.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
٨ - باب
التيمم ضربة
[ ٢ / ٢٨٧ ]
٣٤٧ - حدثنا محمد بن سلام: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كنت جالسا مع عبد الله أبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا، أما كان يتيمم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم. فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر بن الخطاب: بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا» وضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه. قال عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟
زاد يعلي، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كنت مع عبد الله
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وأبي موسى، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: أن رسول الله - ﷺ - بعثني أنا وأنت، فأجنبت فتمعكت بالصعيد، فأتينا رسول الله - ﷺ - فأخبرناه فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، ومسح وجهه وكفيه واحدة؟
محمد بن سلام، هو: البيكندي، وقد اختلفوا في ضبط «سلام»: هل هو بالتخفيف أو بالتشديد؟ والتخفيف أكثر فيه واشهر، ولأبي محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزء منفرد.
ثم ظهر لي أن التشديد فيه أصح، فإن الذين رجحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رويت عن محمد بن سلام، أنه قال: أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام، وقد أفردت لذلك جزءا، وذكرت فيه أن هذه الحكاية لا تصح، وفي إسنادها متهم
بالكذب.
وقد خرج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير كلهم، عن أبي معاوية بهذا الإسناد والمتن، إلا أن لفظه: فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وخرجه - أيضا - من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، ولفظ حديثه: فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا»، وضرب بيديه إلى الأرض، فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه.
وخرج القاضي إسماعيل المالكي حديث أبي معاوية، عن ابن نمير، عنه، ولفظه: فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح يمينك على شمالك وشمالك على يمينك، ثم تمسح وجهك» .
وخرج حديث عبد الواحد بن زياد، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عنه، ولفظ حديثه: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا»، وضرب بكفيه إلى الأرض مرة واحدة، ثم مسح إحداهما بالأخرى، ومسح وجهه.
وأما رواية يعلى، عن الأعمش التي علقها البخاري، فخرجها الإمام أحمد في «المسند» عن يعلى - وهو: ابن عبيد الطنافسي - كذلك.
وروى الإمام أحمد - أيضا - عن عفان: ثنا عبد الواحد، عن الأعمش بهذا الحديث، وفيه: وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة.
قال عفان: وأنكره يحيى بن سعيد، فسألت حفص بن غياث، فقال: كان الأعمش يحدثنا به
[ ٢ / ٢٨٩ ]
عن سلمة بن كهيل، وذكر: أبا وائل.
وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم: أن كان ما روى أبو معاوية حقا: روى عن الأعمش، عن شقيق القصة. فقال - أيضا -: ضربة للوجه والكفين، وتابعه عبد الواحد.
قال أبو عبد الله - يعني: أحمد -: فهذان جميعا قد اتفقا عليه، يقولان: ضربة للوجه والكفين.
وإنما أنكر يحيى بن سعيد هذه اللفظة، وتوقف فيها الإمام أحمد لان شعبة وحفص بن غياث وابن عيينة وغيرهم رووه: عن الأعمش، ولم يذكروا الضربة الواحدة، ولا صفة التيمم في حديثه عن شقيق، عن أبي موسى، كما ساق ذلك البخاري في الباب الماضي.
ثم ذكر أحمد أن أبا معاوية وعبد الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة، فزالت نكارة التفرد، وقد تبين أن يعلى تابعهما - أيضا.
وقد كان الأعمش يروي هذا الحديث عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار على اختلاف عليه في إسناده، وذكر فيه: صفة التيمم بضربة واحدة، ولكنه ذكر أنه زاد على مسح الكفين بعض الذراعين، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم في «باب: التيمم للوجه والكفين»، وذكرنا أن سلمة بن كهيل شك في الزيادة على الكفين، وانه رواه عنه سفيان وشعبة والأعمش مع اختلاف عليهم في بعض الإسناد والمتن، فربما علل ذكر الضربة الواحدة بأنه كان عند الأعمش، عن سلمة بن كهيل، وحمل عليه حديث أبي وائل، كما قد يفهم ذلك من قول حفص بن غياث الذي ذكره عنه عفان،
[ ٢ / ٢٩٠ ]
إلا أن الأئمة اعتمدوا على رواية أبي معاوية وعبد الواحد ويعلى، عن الأعمش، عن شقيق وحده للضربة الواحدة، وأبو معاوية مقدم في حديث الأعمش، يرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه.
وقد رويت الضربة الواحدة عن عمار من طريق قتادة، عن عزرة، عن ابن
أبزى، عن أبيه، عن عمار - أيضا -، وقد تقدم ذكره - أيضا. وحديث شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن أبزى المتفق على تخريجه في «الصحيحين» كما تقدم يدل عليه - أيضا.
وقد اتفق الأئمة على صحة حديث عمار، وتلقيه بالقبول.
قال إسحاق بن هانئ: سئل أحمد عن التيمم؟ قال: ضربة واحدة للوجه والكفين، قيل له: ليس في قلبك شيء من حديث عمار؟ قَالَ: لا.
وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية:
أحدهما: ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين، فإنه قال: «ثم مسح وجهه»، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه.
وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية، ولفظ حديثه: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا» وضرب بيديه على الأرض
[ ٢ / ٢٩١ ]
ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله، على كفيه ووجهه.
وخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري، عن أبي معاوية، ولفظه: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا» فضرب بيده على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه.
فاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه، وعطفه: هل هو بالواو، أو بلفظ: «ثم»؟
وقد قال الإمام أحمد في رواية بن عَبدةَ: رواية أبي معاوية، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط.
والثاني: أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود: إنما كرهتم هذا لهذا، فقال ابن مسعود: نعم. وقد صرح بهذا في رواية أبي داود، عن الأنباري المشار إليها، وإنما روى أصحاب الأعمش، منهم: حفص بن غياث، ويعلى بن عبيد، وعبد الواحد بن زياد أن السائل هو الأعمش، والمسئول هو شقيق أبو وائل.
وقد ذكرنا فيما تقدم مسح الوجه واليدين في التيمم، وهل الممسوح الكفان خاصة، أم الكفان والذراعان إلى المرفقين، أم إلى المناكب والآباط؟
[ ٢ / ٢٩٢ ]
والكلام هنا في عدد الضرب الممسوح به:
فمن قَالَ: إنه يمسح الوجه والكفين، قال أكثرهم: يمسح ذلك بضربة واحدة اتباعا لحديث عمار، وهذا هو المروري عن علي وعمار وابن عباس، وعن الشعبي وعطاء ويحيى بن كثير وقتادة وعكرمة ومكحول والأوزاعي، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وداود - وهو قول عامة أهل الحديث -: قاله الخطابي وغيره.
وقال ابن المنذر: بهذا نقول؛ للثابت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين» .
وحكى عن طائفة منهم أنه يمسح وجهه بضربة، وكفيه إلى الرسغين بضربة
أخرى. قال ابن المنذر: يروي هذا عن علي، وحكاه غيره عن عطاء والنخعي والأوزاعي في رواية عنهما، والشافعي في القديم.
ونقل حرب، عن إسحاق: أن هذا هو المستحب، ويجزئ ضربة واحدة. وروي حرب بإسناده، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين.
وبإسناده: عن عطاء والاوزاعي مثله.
وأما من قال: أن التيمم يبلغ إلى المرفقين، فأكثرهم قالوا: يتيمم بضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، هذا هو الصحيح عن ابن عمر وعن جابر بن عبد الله، وهو قول أكثر العلماء القائلين بذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم.
واختلفوا: هل ذلك على الوجوب، أم على الاستحباب؟
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فقالت طائفة: هو على الوجوب، لا يجزئ دونه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في ظاهر مذهبه، ورواية عن مالك.
وقالت طائفة: بل هو على الاستحباب، ويجزئ ضربتان: إحداهما للوجه والأخرى للكفين، وهو رواية عن مالك، واختاره القاضي أبو يعلي من أصحابنا، غير أن المجزئ عنده ضربة واحد للوجه والكفين، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد. وأنكر الخلال والأكثرون ثبوتها عنه.
وقال الخلال: إنما أجاز ذلك أحمد لمن تأول الأحاديث بفعلة، إلا أن الأحاديث في ذلك عنه ضعاف جدًا في الضربتين.
وأجاز إسحاق أن يتيمم بضربتين: ضربة للوجه وضربة إلى المرفقين، إذا كان يرى الاقتصار على الكفين جائزًا، فإن اعتقد أنه لا يجزئ فقد أخطأ.
وهذا يدل على أن الخلاف في الإجزاء عنده غير سائغ.
وقال طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي: الواجب عنده إيصال التراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين، سواء حصل ذلك بضربة أو ضربتين، ولا يجب عنده تعدد الضرب، وخالفهم غيرهم من أصحاب الشافعي في ذلك.
وروى داود بن أبي هند، عن الشعبي، قَالَ: التيمم ضربة للوجه واليدين إلى المرفقين.
خرجه حرب الكرماني.
وروى ابن إسحاق، عن نافع، قال: رايت ابن عمر يضرب بيده في الأرض،
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فيمسح بها وجهه، ثم يضرب يده فيمسح بها ذراعيه.
وعن ابن عون، قال: قلت للحسن: ارني كيف التيمم؟ فضرب بيديه على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بكفيه الأرض، ثم مسح بهما على ذراعيه.
وعن داود، عن الشعبي، قال: التيمم ضربة للوجه والذراعين.
خرج ذلك كله القاضي إسماعيل المالكي.
وكذلك وصف سفيان الثوري التيمم.
وظاهر هذا يدل على الكفين لا يمسحان بانفرادهما، بل يكفي ما أصابهما عند ضربهما بالأرض، فإنه لا بد أن يتطاير الغبار على ظاهرهما وباطنهما.
وقد قال عكرمة في المتيمم: يضرب بكفيه على الأرض فيحركها ثم يمسح بوجهه وكفيه.
وهذا يرجع إلى أنه لا يجب الترتيب كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى.
وحكي عن ابن سيرين، أنه تيمم بثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة
للكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين.
وحكي عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي، أنه يتيمم بضربتين، يمسح بكل ضربة وجهه ويديه إلى المرفقين.
قال ابن عبد البر: ما علمت أحدًا من أهل العلم قال ذلك غيرهما.
وللشافعية وجه ضعيف. أنه يستحب ضربة للوجه وضربتان لليدين، لكل يد ضربة، ولهم وجه ضعيف - أيضا -، أنه يشرع تكرار المسح في التيمم كالوضوء.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وقال حرب: ثنا محمود بن خالد: ثنا الوليد بن مسلم، قال: قلت لأبي عمرو الأوزاعي: صف التيمم؟ فوضع كفيه على الأرض وضعا رفيقا، ثم رفعهما، ثم أمر إحداهما على الأخرى مسحا رفيقا، ثم أمر بهما على وجهه، ثم على كفيه.
قال: وثنا المسيب بن واضح: ثنا أبو إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سألت الشعبي عن التيمم؟ فضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه وكفيه.
وظاهر هذا يقتضي أنه يمسح أولا إحدى كفيه بالأخرى، ثم يمسح وجهه، ثم يمسح كفيه.
وفي بعض ألفاظ حديث عمار المذكورة في هذا الباب ما قد يشعر بهذا القول، ولا يبقى حينئذ إشكال في رواية أبي معاوية، عن الأعمش؛ لأنه يكون قد مسح كفيه مرة قبل وجهه ومرة بعده، وهذا غريب جدا، وعند التأمل لا يدل حديث عمار على ذلك؛ فإن لفظ رواية البخاري أنه مسح بالضربة ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه، وهذا إنما يدل على أنه مسح ظهر كفه ببطن الأخرى.
وفي رواية مسلم: «مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه»، فهذه تدل على أنه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما.
وفي رواية أبي داود والنسائي: «أنه مسح بشماله على يمينه وبيمينه على
شماله»، وهذا يدل على أنه مسح كل واحدة بالأخرى.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
والمنصوص عن أحمد، وهو مذهب الشافعي وغيره، أنه يجب الترتيب في التيمم كما يجب في الوضوء، فيمسح وجهه أولا، ثم يمسح كفيه.
ومن أصحابنا المتأخرين من قال: لا يجب الترتيب في التيمم خاصة؛ لأنهم قالوا في صفة التيمم: أنه يمسح وجهه بباطن أصابعه وظاهر كفيه براحتيه، ويدلك كل راحة بالأخرى ويخلل الأصابع. قالوا: فيقع مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه، وهذا يخل بالترتيب.
وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي وأبي بكر وغيرهما.
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم؟ فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض ضربة واحدة. وقال: هكذا.
وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع ومن كلام من قال من السلف: أن التيمم ضربة للوجه والكفين.
وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل.
وهذا ضعيف؛ لان التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثا، وهذا لم يرفع الحدث على ظاهر المذهب.
وعلى الوجه الثاني: أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل، فالمستعمل هو ما علق بالوجه أو تناثر منه، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما
[ ٢ / ٢٩٧ ]
يبقى في الإناء بعد الاستعمال منه، وليس بمستعمل، ويجوز التيمم به، صرح به طائفة من أصحابنا والشافعية.
ونقل حرب، عن إسحاق، أنه وصف لهم التيمم، فضرب بيديه، ثم نفخهما، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيده الثانية ولم ينفخهما، ثم مسح ظهور الكفين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى، ولم يذكر أنه مسح بطون كفيه اكتفاء بمرور التراب عليهما بالضرب بهما على الأرض، وهذا في التيمم بالضربتين ظاهر، ولا يتأتى مثله في الضربة الواحدة؛ لأنه يخل بالترتيب.
وقد صرح العراقيون من أصحاب الشافعي: بأنه يسقط فرض الراحتين وما بين الأصابع حين يضرب اليدين على التراب، ثم أوردوا على ذلك أنه لو سقط فرضهما بذلك لصار التراب الذي عليهما مستعملا، فكيف يجوز مسح الذراعين به ولا يجوز نقل الماء الذي غسل به أحدى اليدين إلى الأخرى، إلا على وجه ضعيف لهم؟
وأجابوا عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أن اليدين كعضو واحد، ولا يصير التراب والماء مستعملا إلا
بانفصاله، ولم ينفصل التراب، بخلاف الماء فإنه ينفصل فيصير مستعملا.
والثاني: أن هذا يحتاج إليه في التيمم لضرورة، حيث لم يمكن أن ييمم الذراع بكفها، فافتقر إلى الكف الأخرى فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه، وعلى قول هؤلاء لا يجب بعد ذلك مسح إحدى الراحتين بالأخرى،
[ ٢ / ٢٩٨ ]
بل هو مستحب.
ومن أصحابهم من حكى في وجوبه وجهين. وقال البغوي منهم: أن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسح الراحتين حصل له؛ وإلا فلا. وهذا يدل على أنه لا يحصل بضربهما بالأرض.
ومن أعيان أصحابنا المتأخرين من حكى قولا لم يسم قائله، ورجحه في التيمم بضربة واحدة: أنه يمسح بباطن يديه وجهه، ثم يمسح بهما ظاهر كفيه خاصة. قال: لان باطنهما يصيبه التراب حين يضرب بهما الأرض وحين يمسح بهما الوجه وظهر
الكفين، فلو مسح إحداهما بالأخرى لتكرر مسحهما ثلاث مرات، وتكرار مسح التيمم غير مشروع بخلاف الوضوء، وهو - أيضا - ينافي أن يكون التيمم بضربة واحدة.
وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن تكرار المسح بتراب ضربة واحدة لا تتعدد به الضربات كتكرار مسح الرأس بماء واحد؛ فإنه لا يكون تكرارا، وقد سبق ذلك في الوضوء، وإنما لم يشرع تكرار التيمم إذا وقع الأول موقعه، وما أصاب باطن الكفين من التراب قبل مسح الوجه غير معتد به عند من يوجب الترتيب، فلا يكون ذلك تكرارا - أيضا.
وقد تقدم أن حديث عمار يدل على أن النبي - ﷺ - مسح بعد الضرب ظاهر كفيه وباطنهما.
وإنما يجب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر. فأما الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي:
[ ٢ / ٢٩٩ ]
أحدهما: أنه واجب - أيضا -؛ لأن صفة التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغسل والوضوء، وأيضا؛ فإن البدن كله في غسل الجنابة كالعضو الواحد، وفي التيمم عضوان متغايران، فيلزم الترتيب بينهما كأعضاء الوضوء.
والثاني: لا يجب؛ لأن التيمم عن الجنابة يلتحق بالغسل ولا ترتيب فيه، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في توجيه رواية أبي معاوية، عن الأعمش التي خرجها البخاري بتقديم الكفين على الوجه؛ لأن النبي - ﷺ - إنما علم عمارا ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة.
وقد حكى بعضهم عن الأعمش: أنه كان يذهب إلى تقديم مسح الكفين على الوجه في التيمم مطلقا، فإن صح هذا عنه دل على أن ما روى عنه أبو معاوية محفوظ عن الأعمش، وان أبا معاوية حَفِظَ عنه ولم يهم فيه، كما قاله الإمام أحمد. والله أعلم.
ويحتمل أن الأعمش فسر هذا التفسير من عنده كما فسره شعبة - أيضا - من عنده كذلك بتقديم دلك اليدين على الوجه، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبة والأعمش؛ فإن كثيرا منهم لم يكن يفرق بين مدلول العطف بـ «ثُمَّ» وبالواو. والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٣٠٠ ]