[ ٢ / ٤١٨ ]
٣٧٣ - حدثنا أحمد بن يونس: ثنا إبراهيم بن سعد: ثنا ابن شهاب، عن
عروة، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي» .
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: قال النبي - ﷺ -: «كنت انظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني» .
هذا الذي علقه عن هشام بن عروة. خرجه مسلم في «صحيحه» من حديث وكيع، عن هشام، ولكن لفظه: أن النبي - ﷺ - كانت له خميصة لها علم، فكان يتشاغل بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم، وأخذ كساء له أنبجانيا.
ورواه أبو معاوية عن هشام - أيضا -، ولفظ حديثه: قالت: كان للنبي - ﷺ - خميصة، فأعطاها أبا جهم، وأخذ أنبجانية له، قالوا: يا رسول
[ ٢ / ٤١٨ ]
الله، أن الخميصة هي خير من الأنبجانية؟ فقال: «إني كنت انظر إلي علمها في الصلاة» .
خرجه الإمام أحمد.
وخرجه أبو داود بمعناه من رواية ابن أبي الزناد، عن هشام.
ورواه مالك، عن هشام، عن أبيه - مرسلا.
وذكر ابن عبد البر: أن الأنبجاني مذكر في رواية الزهري، وإنما أنثه مالك في روايته.
قلت: وكذا في رواية إبراهيم بن سعد التي خرجها البخاري هنا.
قال: وإنما هو كساء أنبجاني، والأنبجاني لا يونث، إلا أن يكون أراد الخميصة أو الشملة.
قال: وقال ثعلب: يقال: أنبجانية - بكسر الباء وفتحها - لكل ما كثف
والتف. قالوا: شاة أنبجانية: أي كثيرة الصوف ملتفة.
قال ابن عبد البر: وقال ابن قتيبة: إنما هو كساء منبجاني - بالميم –؛ لأنه منسوب إلى منبج. قَالَ: وفتحت باؤه في النسب؛ لأنه خرج مخرج منظراني
ومنجراني. قال: وعن ابن قتيبة يقول: جائز أن يقال: أنبجاني كما جاء في الحديث؛ لأن رواته عرب فصحاء، ومن الأنساب ما لا يجري على قياس، وإنما هو مسموع، هذا لو صح أنه منسوب إلى منبج. انتهى.
[ ٢ / ٤١٩ ]
وفي الحديث: دليل على أن نظر المصلي إلى ما يلهيه عن صلاته لا يفسد صلاته، ولا يلزمه إعادتها إذا كان ذلك قليلا، ولهذا قالت عائشة: فنظر إلى أعلامها نظرة.
وأما إذا كثر شغل قلبه عن صلاته، وحدث نفسه بغيرها، فمن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من أوجب عليه الإعادة بذلك.
ثم منهم من علل ذلك: بأن عمل النفس إذا كثر في الصلاة أبطلها، كعمل
البدن. وحكي ذلك عن ابن حامد.
ومنهم من علل: بوجوب الخشوع في الصلاة، فإذا فقد في أكثر الصلاة أبطلها.
وجمهور العلماء: على أنه لا تبطل بذلك الصلاة، وحكاه بعضهم إجماعا، وسيأتي ذكر ذلك في موضع آخر - أن شاء الله تعالى.
واستدل الشافعي بهذا الحديث على أن مجرد الاشتغال عن صلاته بنظر إلى شيء أو فكر فيه، إذا لم يوجب له ذلك الشك في عدد الركعات لا يسجد له للسهو.
وفي الحديث: دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة، ولهذا أخرج النبي - ﷺ - تلك الخميصة عنه بالكلية. فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه.
وقد ذكر مالك في «الموطإ» عن عبد الله بن أبي بكر، أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له، فطار دبسي، فانطلق يتردد يلتمس مخرجها، فلم يجده لالتفاف النخل، فأعجبه ذلك فأتبعه بصره ساعة، ثم
[ ٢ / ٤٢٠ ]
رجع فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فأتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، هو صدقة لله ﷿، فضعه حيث أراك الله.
وذكر مالك - أيضا - عن عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقف في زمن الثمر، والنخل قد ذللت، وهي مطوقة بثمرها، فنظر إلى ذلك فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى الصلاة، فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فأتى عثمان بن عفان - ﵁ -، فذكر ذلك له، فقال له: أنه صدقة، فاجعله في سبيل الخير؛ فباعه عثمان بخمسين ألفا فكان اسم ذلك: المال الخمسين.
و«الخميصة»: كساء رفيع يلبسه أشراف العرب، وقد يكون له علم، وقد لا يكون، وقد يكون أبيض وأحمر وأسود وأصفر. و«الأنبجاني»: كساء غليظ بغير علم: ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره.
وقال الخطابي: الخميصة: كساء أسود، والأنبجانية: كساء له زئبر.
وقال أبو عبيد: الخمائص: ثياب من خز أو صوف معلم، وهي سود، كانت من لباس الناس.
[ ٢ / ٤٢١ ]
وإنما خص بها أبا جهم بن حذيفة؛ لأنه كان أهداها إلى النبي - ﷺ -، فردها إليه، وطلب منه عوضا عنها كساء له غليظا؛ تطييبا لقلبه، حتى لا يحصل له انكسار برد هديته عليه، ولذلك أعلمه بسبب الرد.
وفيه تحذير له من أن يشتغل بها أو بغيرها عن صلاته. هذا هو الذي ذكره ابن عبد البر.
ويدل على ذلك: ما خرجه مالك في «الموطإ» عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة، قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله - ﷺ - خميصة شامية لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: «ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم؛ فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني» .
وخرجه الإمام أحمد من طريق مالك.
ولفظ: «الفتنة» إنما يعرف في هذا الحديث من هذا الوجه، فأما من رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة، - كما علقه البخاري - فغير معروف.
وقد روي عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة هذا الحديث، وفيه: أن النبي - ﷺ - قال: «فإني كنت إذا رأيت علمها ذكرت الدنيا» .
وروي نعيم بن حماد، عن ابن عيينة: أن النبي - ﷺ - لم يكره الخميصة في
نفسها، وإنما أخرجها عن ملكة لما كانت سبب شغله عن صلاته؛ كما اخرج أبو طالحة ماله الذي ألهاه عن صلاته.
وهذا يؤيد ما ذكرناه من قبل.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
واعلم؛ أن الصلاة في الثوب الحسن غير مكروه، إلا أن يخشى منه الإلتهاء عن الصلاة أو حدوث الكبر، وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، يقوم بها الليل، وقد كان النبي - ﷺ - أحيانا يلبس حللا من حلل اليمن، وبرودا حسنة، ولم ينقل عنه أنه كان يتجنب الصلاة فيها، وإنما ترك هذه الخميصة لما وقع له من تلك النظرة إلى علمها، وقد قال الله ﷿: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وقد سبق قول ابن عمر: الله أحق أن يتزين له.
وخرج أبو داود في «مراسيله» من حديث عبيد الله بن عتبة، قال: كان
رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة - مما تعجبه: الثياب النقية الريح الطيبة.
ولم يزل علماء السلف يلبسون الثياب الحسنة، ولا يعدون ذلك كبرًا.
وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حينًا ونعله حسنًا؟ فقال: «ليس ذلك من الكبر، أن الله جميل يحب الجمال» .
وقال جرير بن حازم: رأيت على الحسن طيلسانًا كرديًا حسنًا،
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وخميصة أصبهانية جيدة، ذات أعلام خضر وخمر، أزرتها من إبريسم، وكان يرتدي ببرد له يمان أسود مصلب، وبرد عدني وقباء من برد حبرة، وعمامة سوداء.
وقال حرب: سألت إسحاق عن الصلاة في المنديل، وأريته منديلًا له أعلام خضر وخطوط؟ فقال: جائز.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
١٥ - باب