خرج فيهِ ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
[ ٢٤٨ ]
٢٥١ - من رواية: عبد الصمد، عن شعبة، حدثني أبو بكر بن حفص، قالَ: سمعت أبا سلمة يقول: دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة - ﵂ - فسألها أخوها عن غسل رسول الله - ﷺ -، فدعت بإناء نحو من صاع، فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب.
قالَ أبو عبد الله: وقال يزيد بن هارون وبهز والجدي، عن شعبة: قدر الصاع.
هذا الحديث، خرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن شعبة - مختصرًا - وفي حديثه: «قدر صاع» - كما أشار إليه البخاري.
وخرجه مسلم من طريق معاذ العنبري، عن شعبة، وفي حديثه: «قدر
صاع» - أيضًا.
ولفظه: عن أبي سلمة، قالَ: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة، فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا. قالَ:
[ ٢٤٨ ]
وكان أزواج النبي - ﷺ - يأخذن من رءوسهن حتى يكون كالوفرة.
والمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: أن عائشة لما سئلت عن غسل النَّبيّ - ﷺ - دعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت به - وفي رواية: «نحو الصاع» -، وهذا مما يدل على أن تقدير ماء الغسل ليس هوَ على وجه التحديد، بل على التقريب، وقد سبق التنبيه عليهِ.
قالَ القرطبي: ظاهر هذا الحديث أنهما - يعني: أبا سلمة وأخا عائشة - أدركا عملها في رأسها وأعلى جسدها، مما يحل لذي المحرم أن يطلع عليهِ من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أخيها نسبًا، والآخر أخوها من الرضاعة، وتحققا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذَلِكَ لاكتفت بتعليمهما بالقول، ولم تحتج إلى ذَلِكَ الفعل.
قالَ: وإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي - ﷺ - يدل على رؤيته شعرها، وهذا لم يختلف في جوازه لذي المحرم، إلا ما يحكى عن ابن عباس، من كراهة ذَلِكَ. انتهى.
وقوله: «إن أبا سلمة كانَ ابن أخيها نسبًا»، غلط ظاهر؛ لأن أبا سلمة هوَ ابن عبد الرحمان بن أبي بكر هوَ القاسم.
والظاهر: أن أبا سلمة كانَ إذ ذاك صغيرًا دون البلوغ، والآخر كانَ أخاها من الرضاعة.
وقد اختلف العلماء: فيما يباح للمحرم أن ينظره من محارمه من النساء:
هل هوَ ما يظهر غالبًا في البيوت، كالرأس واليدين والذراعيين
[ ٢٤٩ ]
والساقين والوجه والرقبة والشعر؟ أو ما ليس بعورة، وهو الوجه والكفان؟ أو الوجه فقط؟
أو لهُ النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؟
وفي ذَلِكَ خلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره.
وكذلك اختلفوا: في الصبي المميز، إذا كانَ ذا شهوة: هل هوَ من كالمحرم؟
أو كالأجنبي البالغ؟
وفيه روايتان عن أحمد.
وقد روى هذا الحديث ابن وهب، عن أسامة بن زيد، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، قالَ: دخلت على عائشة، فقلت لها: كيف غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة؟ فقالت: أدخل معك يا ابن أخي رجلًا من بني أبي القعيس - من بني أخيها من الرضاعة -، فأخبر أبا سلمة بما تصنع، فأخذت إناء فأكفأته ثلاث مرات على يدها، قبل أن تدخل يدها فيهِ، فقالَ: صبت على يدها من الإناء يا أبا سلمة ثلاث مرات قبل أن تدخل يدها. فقالت: صدق، ثم مضمضت واستنثرت، فقالَ: هي تمضمض وتستنثر. فقالت: صدق، ثم غسلت وجهها ثلاث مرات، ثُمَّ حفنت على رأسها ثلاث حفنات، ثم قالت بيدها في الإناء جميعًا، ثم نضحت على كتفيها ومنكبيها، كل ذَلِكَ تقول إذا أخبر ابن أبي القعيس ما تصنع: صدق.
خرجه بقي بن مخلد وابن جرير الطبري.
وهذا سياق غريب جدًا.
وأسامة بن زيد الليثي، ليس بالقوي.
وهذه الرواية تدل على أن ابن أخيها من الرضاعة اطلع على غسلها، وهذا يتوجه على قول من أباح للمحرم أن ينظر إلى ما عدا ما بين السرة
[ ٢٥٠ ]
والركبة، وهو قول ضعيف شاذ.
ورواية «الصحيحين» تخالف ذَلِكَ، وتدل على أن أبا سلمة وأخا عائشة كانا جميعًا من وراء حجاب.
وروى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل - هوَ: ابن علية -: نا يونس، عن الحسن، قالَ: قالَ: رجل: قلت لعائشة: ما كانَ يقضي عن رسول الله - ﷺ - غسله من الجنابة؟ قالَ: فدعت بإناء؛ حزره صاعًا بصاعكم هذا.
وهذا الإسناد فيهِ انقطاع.
وقوله: «بصاعكم هذا»، ربما أشعر بأنه الصاع الذي زيد فيهِ في زمن بني أمية، كما سبق ذكر ذَلِكَ في «باب: الوضوء بالمد» .
هذا يشهد لحديث مجاهد، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كانَ يغتسل بنحو ثمانية أرطال - وفي رواية: أو تسعة، أو عشرة -، وقد سبق ذكره - أيضًا.
الحديث الثاني:
[ ٢٥١ ]
٢٥٢ - خرجه من رواية: أبي إسحاق: نا أبو جعفر، أنه كانَ عندَ جابر بن
عبد الله، هوَ وأبوه، وعنده قوم، فسألوه عن الغسل، فقالَ: يكفيك صاع.
فقالَ رجل: ما يكفيني. فقالَ جابر: كانَ يكفي من هوَ أوفى منك شعرًا وخيرًا منك. ثم أمنا في ثوب واحد.
[ ٢٥١ ]
«أبو جعفر»، هوَ: محمد بن علي بن حسين.
وأبوه: علي بن حسين زين العابدين.
وفي هذا: دلالة على أن سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي - ﷺ - كما كانَ يطلبه غيرهم، فدل ذَلِكَ كذب ما تزعمه الشيعة، أنهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم، وأنهم مختصون بعلم، يحتاج الناس كلهم إليه، ولا يحتاجون هم إلى أحد، وقد كذبهم في ذَلِكَ جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت - ﵃ -.
وخرج النسائي هذا الحديث، بهذا الإسناد، ولفظه: عن أبي جعفر، قالَ: تمارينا في الغسل عندَ جابر بن عبد الله، فقالَ جابر: يكفي من الغسل من الجنابة صاع من الماء. قلنا: ما يكفي صاع، ولا بد صاعان، فقالَ جابر: قد كانَ يكفي من كانَ خيرًا منكم، وأكثر شعرًا.
ومراده بذلك: رسول الله - ﷺ -.
وقد روي يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قالَ: كانَ النبي - ﷺ - يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وفي رواية لأحمد: قالَ النبي - ﷺ -: «يجزىء من الوضوء المد، ومن الجنابة
الصاع» . فقالَ رجل: ما يكفيني. قالَ: قد كفى من هوَ خير منك وأكثر شعرًا
[رسول الله - ﷺ -] .
[ ٢٥٢ ]
وخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم من رواية حصين، عن سالم، عن جابر - نحوه.
ففي رواية سالم رفع أول الحديث، مع أنه روي أوله موقوفًا - أيضًا - من حديثه، كما في رواية أبي جعفر.
ولعل وقف أوله أشبه، وأما آخره فمرفوع.
وقد قيل: إن هذا الرجل الذي قالَ لجابر: «ما يكفيني» هوَ الحسن بن محمد ابن الحنفية، وهو أول من تكلم بالإرجاء.
وقيل: إنه كانَ يميل إلى بعض مذاهب الإباضية في كثرة ىاستعمال الماء في الطهارة.
والذي في «صحيح مسلم» من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قالَ: كانَ النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقالَ لهُ الحسن بن محمد: إن شعري كثير؟ قالَ جابر. فقلت لهُ: يا بن أخي، كانَ شعر رسول الله - ﷺ - أكثر من شعرك، وأطيب.
فليس في هذه الرواية ذكر الصاع، بل ذكر الثلاث حفنات.
وقد خرجه البخاري من طريق معمر بن سام، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر - بمعناه.
فقد تبين بهذا: أن الذي استقبل الثلاث حثيات في الغسل هوَ محمد بن الحسن ابن الحنيفة، وأما الذي استقبل الصاع، فيحتمل أنه هوَ، وأنه غيره والله أعلم.
[ ٢٥٣ ]
الحديث الثالث:
قالَ البخاري:
[ ٢٥٤ ]
٢٥٣ - نا أبو نعيم: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن
عباس، أن النبي - ﷺ - وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد.
قالَ أبو عبد الله: كانَ ابن عيينة يقول - أخيرًا -: «عن ابن عباس، عن
ميمونة» .
والصحيح: ما روى أبو نعيم.
هذا الذي ذكره البخاري - ﵀ -: أن الصحيح ما رواه أبو نعيم عن ابن عيينة، بإسقاط ميمونة من هذا الإسناد فيهِ نظر، وقد خالفه أكثر الحفاظ في ذَلِكَ.
وخرجه مسلم عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة - جميعًا -، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قالَ: أخبرتني ميمونة، أنها كانت تغتسل هي ورسول الله - ﷺ - في إناء واحد.
وخرجه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان كذلك، وعنده: «من إناء واحد» .
وكذلك رواه الإمامان: الشافعي وأحمد، عن ابن عيينة.
[ ٢٥٤ ]
وذكر الإسماعيلي في «صحيحه» ممن رواه عن ابن عيينة كذلك: المقدمي، وابنا أبي شيبة، وعباس النرسي، وإسحاق الطالقاني، وأبو خيثمة، وسريج بن يونس، وابن منيع، والمخزومي، عبد الجبار، وابن البزاز، وأبوهمام، وأبو موسى الأنصاري، وابن وكيع، والأحمسي.
قالَ: وهكذا يقول ابن مهدي - أيضًا -، عن ابن عيينة.
قالَ: وهذا أولى؛ لأن ابن عباس لا يطلع على النبي - ﷺ - وأهله يغتسلان، فالحديث راجع إلى ميمونة.
وذكر الدارقطني في «العلل»: أن ابن عيينة رواه عن عمرو، وقال فيهِ:
«عن ميمونة»، ولم يذكر أن ابن عيينة اختلف عليهِ في ذَلِكَ.
وهذا كله مما يبين أن رواية أبي نعيم التي صححها البخاري وهم.
وإنما ذكر الدارقطني: أن ابن جريج خالف ابن عيينة، فرواه عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كانَ يغتسل بفضل ميمونة.
قالَ: وقول ابن جريج أشبه.
كذا قالَ؛ وحديث ابن جريج هذا خرجه مسلم من طريقه، قالَ: أخبرني عمرو بن دينار، قالَ: أكثر علمي، والذي يخطر على بالي أن ابا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره: أن النبي - ﷺ - كانَ يغتسل
[ ٢٥٥ ]
بفضل ميمونة.
وهذا لا يرجح على رواية ابن عيينة؛ لأن ذكر أبي الشعثاء في إسناده مشكوك
فيهِ، ولو قدر أنه محفوظ فلفظ الحديث مخالف للفظ حديث ابن عيينة؛ فإن حديث ابن عيينة فيهِ اغتسالهما من إناء واحد، وحديث ابن جريج فيهِ اغتساله - ﷺ - بفضل ميمونة، وهما حديثان مختلفان.
وهذا الحديث لا يدخل في هذا الباب، إنما يدخل في «باب: غسل الرجل مع امرأته»، وقد بوب البخاري على ذَلِكَ فيما سبق، وخرج فيهِ حديث عائشة، وخرج - أيضا - فيهِ حديث عائشة من وجه آخر عنها، يأتي، وحديث أنس.
وخرج حديث أم سلمة في ذَلِكَ في «كتاب: الحيض» .
ولكن حديث عائشة المتقدم، فيهِ أنهما كانا يغتسلان من إناء واحد، من قدح، يقال لهُ: الفرق، وتقدم تفسير «الفرق»، وأنه ستة عشر رطلًا.
وهذا يدل على جواز الزيادة على الصاع في الغسل.
وقد سبق وحه الجمع بين هذا الحديث، وحديث الغسل بالصاع.
[ ٢٥٦ ]
٤ - بَابُ