قال أبو عبد الله:
ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش، عن النبي - ﷺ -: «الفخذ عورة» .
وقال أنس: حسر النبي - ﷺ - عن فخذه.
وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم.
وقال أبو موسى: غطى النبي - ﷺ - ركبتيه حين دخل عثمان.
وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي.
أشار البخاري - ﵀ - في هذا الباب إلى اختلاف العلماء في أن الفخذ: هل هي عورة، أم ليست بعورة؟ وأشار إلى أطراف كثير من الأحاديث التي يستدل بها على وجوب ستر الفخذ، وعدم وجوبه، ذكر ذلك تعليقا، ولم يسند غير حديث أنس المستدل به على أن الفخذ لا يجب سترها وليست عورة، وذكر أنه أسند من حديث جرهد - يعني: أصح إسنادا -؛ وان حديث جرهد أحوط؛ لما في الأخذ به من الخروج من اختلاف العلماء.
فأما الأحاديث التي علقها في أن الفخذ عورة، فثلاثة: حديث ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
فحديث ابن عباس: من رواية أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: مر النبي - ﷺ - على رجل وفخذه خارجة، فقال: «غط فخذك؛ فإن فخذ الرَّجُلُ من عورته» .
خرجه الإمام أحمد.
وخرجه الترمذي - مختصرا -، ولفظه: «الفخذ عورة»، وقال: حديث
حسن. انتهى.
وأبو يحيى القتات، اسمه: عبد الرحمان بن دينار، ضعفه أحمد ويحيى والأكثرون.
وقد قيل: أن حبيب بن أبي ثابت تابعه على هذا الحديث، ولا يصح ذلك.
وحديث جرهد: من رواية مالك، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، عن أبيه، قال: كان جرهد من أصحاب الصفة، قال: جلس رسول الله - ﷺ - عندنا وفخذي منكشفة، فقال: «أما علمت أن الفخذ عورة؟» .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وكذا خرجه مالك في «الموطإ»، ورواه بعضهم، عن مالك، فقال: عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، عن أبيه، عن جده.
وخرجه الترمذي من طريق ابن عيينة، عن أبي النضر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن جده جرهد، قال: مر النبي - ﷺ - بجرهد في المسجد
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وقد انكشف فخذه، فقال: «إن الفخذ عورة» .
وقال هذا حديث حسن، وما أرى إسناده بمتصل - يشير إلى أن زرعة لم يسمع من جده.
وقول ابن عيينة: زرعة بن مسلم بن جرهد وهم منه -: قال البخاري في «تاريخه»، وإنما هو: زرعة بن عبد الرحمان، وهو ثقة؛ وثقه النسائي وغيره.
وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية معمر، عن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن جرهد، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال له: «غط فخذك؛ فإنها من العورة» .
وقال: حديث حسن.
وفي إسناده اختلاف كثير على أبي الزناد، قد ذكره الدارقطني.
واختلف عليه في تسمية شيخه: فقيل: هو زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد. وقيل: زرعة بن جرهد. وقيل: عبد الرحمان بن جرهد. وقيل: جرهد بن جرهد.
وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، قال: «الفخذ عورة» .
وقال: حسن غريب. انتهى.
وابن عقيل، مختلف في أمره، والأسانيد قبله لا تخلو من انقطاع.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وحديث محمد بن جحش: من رواية العلا بن عبد الرحمان، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش - ختن النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ -، أنه مر بمعمر وهو بفناء المسجد، محتبيا كاشفا عن طرف فخذه، فقال له النبي - ﷺ - «خمر فخذك يا معمر؛ فإن الفخذ عورة» .
خرجه الإمام أحمد.
وأبو كثير هذا، لا يعرف إلا في هذا الإسناد.
وفي الباب - أيضا -: عن علي، من طريق ابن جريج، عن حبيب بن ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» .
خرجه أبو داود وابن ماجه.
وقال أبو داود: فيه نكارة.
وله علتان:
إحداهما: أن ابن جريج لم يسمعه من حبيب، ومن قال فيه: «عن ابن جريج: أخبرني حبيب» فقد وهم -: قال بن المديني.
وفي رواية أبي داود «عن ابن جريج، قال: أخبرت عن حبيب»، وهو الصحيح.
قال ابن المديني: رايته في كتب ابن جريج: اخبرني إسماعيل بن مسلم، عن حبيب -: نقله عنه يعقوب بن شيبة.
ونقل ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه، قال: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب، إنما من حديث عمرو بن خالد الواسطي، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب.
العلة الثانية: أن حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم
[ ٢ / ٤٠٧ ]
بالسماع منه -: قاله أبو حاتم الرازي والدارقطني.
وقال ابن المديني: لا تصح عندي روايته عنه.
وأما أحاديث الرخصة: فحديث أنس في حسر الإزار، قد أسنده في هذا الباب.
وحديث أبي موسى، قد خرجه البخاري في «المناقب» من «كتابه» هذا، ولفظه: أن النبي - ﷺ - كان قاعدا في مكان فيه ماء، قد انكشف عن ركبتيه - أو
ركبته -، فلما دخل عثمان غطاها.
وهذا إنما فيه أن الركبة ليست عورة، وليس فيه ذكر الفخذ.
وخرجه - أيضا - من وجه آخر، عن أبي موسى، أن النبي - ﷺ - دخل بئر أريس، وجلس على القف، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر.
وهذا لا دلالة فيه بحال.
وقد خرجه الطبراني من حديث الدراوردي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن النبي - ﷺ - دلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذيه، وذكر أن أبا بكر وعمر وعثمان جلسوا معه، وفعلوا كفعله، وكشفوا عن أفخاذهم.
وهذا الإسناد وهم، إنما رواه شريك، عن ابن المسيب، عن ابن موسى باللفظ الذكور قبله، كذلك هو مخرج في (الصحيحين) من رواية شريك.
وحديث زيد ابن ثابت: قد خرجه البخاري في «التفسير» بتمامه،
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وفيه دليل على أنه يجوز مس فخذ غيره من وراء حائل، ولو كان عورة لم يجز مسه من وراء حائل ولا غيره كالفرجين، وقد خرج أبو داود حديث زيد بن ثابت من طريق آخر، بسياق مخالف لسياق البخاري، وفيه: أن زيد قال: كنت أكتب إلى جنب النبي - ﷺ -، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله - ﷺ - على فخذي، فما وجدت ثقل شئ أثقل من فخذ رسول الله - وذكر الحديث.
وهذه الرواية تدل على أن ذلك لم يكن عن اختيار من النبي - ﷺ -، وإنما كان في حال غشيه عند نزول الوحي عليه.
وقد خرج البخاري في هذا الباب.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٣٧١ - من حديث: عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله - ﷺ -، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله - ﷺ -، ثم حسر الإزار عن
[ ٢ / ٤٠٩ ]
فخذه، حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله - ﷺ - ـ
وذكر بقية الحديث في فتح خيبر، وقصة صفية، وعتقها، وتزويجها، والدخول عليها ووليمتها، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى.
ومراد البخاري بهذا: الاستدلال به على أن الفخذ ليست عورة، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن ركبة أنس مست فخذ النبي - ﷺ -، ولم ينكر ذلك، وهذا يدل على أن الفخذ لا ينكر مسها، ولو كانت عورة لم يجز ذلك.
والثاني: حسر الإزار عن فخذ نبي الله - ﷺ - حتى نظر أنس إلى بياض فخذ النبي - ﷺ -، وسواء كان ذلك عن قصد من النبي - ﷺ - وتعمد له - عَلَى رِوَايَة من رواه: «حسر الإزار»، - بنصب الراء -، أو كَانَ من شدة الجري عَن غير وتعمد – عَلَى رِوَايَة من رواه: «حُسِر الإزار»، بضم الراء – فإن النَّبيّ - ﷺ - استدام ذَلِكَ، ولم يرد الإزار
عليه؛ فإنه لو فعل لنقله أنس.
وأيضا، فقد تقدم حديث جابر، أن النبي - ﷺ - من بعد ما شد عليه إزاره حين كان ينقل حجارة الكعبة لم تر له عورة بعدها.
وروي عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت منه ذلك - ﷺ -.
وقد خرجه الإمام أحمد.
[ ٢ / ٤١٠ ]
ولو كان الفخذ عورة لصان الله نبيه عن أن يطلع عليه أحد.
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه - أو ساقيه -، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر - وذكرت الحديث.
وهذه الرواية ليس فيها جزم بكشف الفخذ، بل وقع التردد من الراوي: هل كشف فخذيه أو ساقيه؟ فلا يستدل بذلك.
ووقع الحديث في «مسند الإمام أحمد» وغيره، وفيه: «أنه كان كاشفا عن فخذه»، من غير شك، وفي ألفاظ الحديث اضطراب.
واختلف العلماء في الفخذ: هل هي عورة، أم لا؟
فقال أكثرهم: هي عورة، روي ذلك عن عطاء، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه.
وقالت طائفة: ليست الفخذ عورة، وهو قول ابن أبي ذئب، وداود، وابن جرير والطبري، وأبي سعيد الإصطخري من الشافعية، وحكاه بعضهم رواية عن مالك، وهو رواية عن أحمد رجحها طائفة من متأخري أصحابه، وحكاه بعضهم عن عطاء، وفي صحته نظر.
[ ٢ / ٤١١ ]
وحكي عن طائفة: أن الفخذ في المساجد عورة، وفي الحمام ونحوه مما جرت العادة بكشفها فيه ليست عورة، وحكي عن عطاء والأوزاعي، ورجحه ابن قتيبة
وهذا كله في حكم النظر إليها.
فأما الصلاة: فمن متأخري أصحابنا من أنكر أن يكون في صحة الصلاة مع كشفها عن أحمد خلاف، قال: لأن أحمد لا يصحح الصلاة مع كشف المنكبين، فالفخذ أولى.
قال: ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف؛ فإن الصلاة مأمور فيها بأخذ الزينة، فلا يكتفى فيها بستر العورة.
والمنصوص عن أحمد يخالف هذا:
قال مهنا: سألت أحمد عن رجل صلى في ثوب ليس بصفيق؟ قال: أن بدت عورته يعيد، وإن كان الفخذ فلا. قلت لأحمد: وما العورة؟ قالَ: الفرج والدبر.
وقد حكى المهلب بن أبي صفرة المالكي في «شرح البخاري»: الإجماع على أن من صلى مكشوف الفخذ لا يعيد صلاته. وهو خطأ.
[ ٢ / ٤١٢ ]
١٣ - باب