خرج فيهِ ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
[ ٢٥٧ ]
٢٥٤ - من رواية: أبي إسحاق: حدثني سليمان بن صرد، قالَ: حدثني جبير بن مطعم، قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا» - وأشار بيديه كلتيهما.
وخرجه مسلم، ولفظه: تماروا في الغسل عندَ رسول الله - ﷺ -، فقالَ بعض القوم: أما أنا، فإني أغسل كذا وكذا، فقالَ رسول الله - ﷺ -: «أما أنا، فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف» .
وفي لفظ آخر - خرجه الإمام أحمد -: فقالَ رسول الله - ﷺ -: «أما أنا، فآخذ ملء كفي من الماء ثلاثًا، فأصب على رأسي، ثم أفيض بعد على سائر جسدي» .
وقد أسقط بعضهم من إسناد هذا الحديث: «جبير بن مطعم»، وجعله من مسند سليمان بن صرد.
وزاد بعضهم في إسناده: «نافع بن جبير بن مطعم»، بين سليمان وجبير.
وكلاهما وهم -: ذكره الدارقطني وغيره.
[ ٢٥٧ ]
الحديث الثاني:
[ ٢٥٨ ]
٢٥٥ - من طريق: شعبة، عن مخول بن راشد، عن محمد بن علي، عن جابر، قالَ: كانَ النبي - ﷺ - يفرغ على رأسه ثلاثًا.
الحديث الثالث:
قالَ البخاري:
[ ٢٥٨ ]
٢٥٦ - نا أبو نعيم: نا معمر بن يحيى بن سام: حدثني أبو جعفر: قالَ لي جابر: أتاني ابن عمك - يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية -، قالَ: كيف الغسل من
الجنابة؟ فقلت: كانَ النبي - ﷺ - يأخذ ثلاث أكف، فيفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده، فقالَ لي الحسن: إني رجل كثير الشعر، فقلت: كانَ النبي - ﷺ - أكثر منك شعرًا.
وقد خرجه مسلم من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، بمعناه، وقد تقدم لفظه.
وخرج مسلم - أيضًا - من حديث أبي سفيان، عن جابر، أن وفد ثقيف سألوا النبي - ﷺ - فقالوا: إن أرضنا أرض باردة، فكيف بالغسل؟ فقالَ: «أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا» .
وقد سبق عن النبي - ﷺ -، أنه كانَ يصب على رأسه ثلاثًا، من حديث عائشة وميمونة - أيضًا.
[ ٢٥٨ ]
وقد روي، أنه - ﷺ - كانَ يبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم ألأيسر.
خرجه البخاري من حديث القاسم، عن عائشة، قالَت: كانَ النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقالَ بهما على وسط رأسه.
وخرجه مسلم، وعنده: فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقالَ بهما على رأسه.
والظاهر: - والله أعلم -: أنه كانَ يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى.
وقد زعم بعضهم، أنه لم يكنَ يعم رأسه بكل مرة، بل كانَ يفرغ واحدة على شقه الأيمن، وواحدة على شقه الأيسر، ويجعل الثالثة للوسط من غير تعميم للرأس بكل واحدة.
هكذا ذكره القرطبي وغيره ممن لا يستحب التثليث في الغسل، وهو خلاف الظاهر.
وقد روي من حديث عمر - مرفوعًا -، أنه يدلك رأسه في كل مرة، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقد ذكره البخاري فيما بعد: «باب: من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل» .
وخرج فيهِ حديث صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: كنا إذا
[ ٢٥٩ ]
أصاب أحدنا جنابة أخذت بيدها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر.
وخرجه أبو داود، ولفظه: كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة أخذت ثلاث حفنات هكذا - تعني: بكفيها جميعًا -، فصب على رأسها، وأخذت بيد واحدة فتصبها على هذا الشق، والأخرى على الشق الآخر.
وظاهر هذا: أن المرأة يستحب لها بعد أن تصب على رأسها ثلاثًا أن تأخذ حفنة بيدها، فتصبها على شق رأسها الأيمن، ثم تأخذ حفنة أخرى فتصبها على شقه الأيسر، فيصير على رأسها خمس حفنات.
وقد روي هذا صريحًا عن عائشة من وجه آخر، من رواية صدقة بن سعيد الحنفي: نا جميع بن عمير - أحد بني تيم الله بن ثعلبة -، قالَ: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة، فسألتها إحداهما: كيف كنتم تصنعون عندَ الغسل؟ فقالت عائشة: كانَ رسول الله - ﷺ - يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤسنا خمسًا من أجل الضفر.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
وجميع، قالَ البخاري: فيهِ نظر. [و] قالَ أبو حاتم الرازي: هوَ من عتق الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه
[ ٢٦٠ ]
لا يتابعه عليهِ أحد.
وذكره ابن حبان في «كتاب الثقات»، ثم ذكره في «كتاب الضعفاء»، ونسبه إلى الكذب.
وصدقة بن سعيد، قالَ البخاري: عنده عجائب. وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الساجي:
ليس بشيء. وذكره ابن حبان في «الثقات» .
وقد تابعه العلاء بن صالح، فرواه عن جميع، ولكن قالَ: جميع بن كثير، عن عائشة، فوقفه ولم يرفعه.
خرجه عنه أبو نعيم الفضل بن دكين في «كتاب الصلاة» .
وقال الدارقطني: المرفوع أشبه.
وقد روي ما يخالف هذا، وأن المرأة تفرغ على رأسها ثلاثًا من غير زيادة:
ففي «صحيح مسلم»، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقالَ: «لا، إنما يكفيك ن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضن عليك الماء فتطهرين» .
وفيه - أيضًا -، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قالَ: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن! أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟!
لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث
[ ٢٦١ ]
إفراغات.
وخرجه النسائي، وعنده: فأفيض على رأسي ثلاث إفراغات، ولا أنقض لي شعرًا.
وفي «سنن أبي داود»، عن ثوبان، أنهم استفتوا النبي - ﷺ - عن الغسل من الجنابة، فقالَ: «أما الرجل فلينشر رأسه، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها» .
وأكثر العلماء على أن المرأة لا تنقض رأسها لغسلها من الجنابة، وروي عن طائفة يسيرة، أنها تنقضه، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، والنخعي، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وهذا إذا وصل الماء إلى بواطن الشعر، فإن لم يصل إلى دواخله بدون النقض ففي وجوب نقضه؛ لغسل باطن الشعر قولان:
أحدهما: أنه واجب، وهو قول حماد ومالك والشافعي وأكثر أصحابنا، وهو رواية عن أبي حنيفة.
وروي عن ابن عباس، قالَ: لو اغتسل إنسان من الجنابة، فبقيت شعرة لم يصبها الماء، لم يزل جنبًا حتى يصيبها الماء.
خرجه أبو نعيم الفضل: ثنا مندل، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد ابن جبير، عنه.
ومندل، فيهِ ضعف.
والثاني: لا يجب، وحكي عن مالك، وأبي حنيفة، والخرقي من أصحابنا، ورجحه صاحب «المغني» منهم.
وهؤلاء حعلوا الشعر كالمنفصل
[ ٢٦٢ ]
عن البدن، ولم يوجبوا سوى إيصال الماء إلى بشرة الرأس خاصة.
وفرقت طائفة بين الرجال والنساء، فأوجبوا النقض على الرجل دون المرأة؛ لحديث ثوبان -: حكاه القرطبي وغيره.
وهذا هوَ الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وأن الرجل يجب عليهِ نقض شعره بخلاف المرأة.
لكن قالوا: إن كانَ شعر المرأة غير مضفور وجب غسله، كما يجب غسل شعر لحية الرجل.
ونقل مهنا، أحمد، أن المرأة في غسل الجنابة كالرجل.
وظاهر هذا: يدل على أن حكمهما في نقض الشعر سواء، وفي عدد حثيات المرأة على رأسها كالرجال سواء، لا تزيد على ثلاث.
[ ٢٦٣ ]
٥ - بَابُ