١٩ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " (^٢) .
بوب البخاري على أن الفرار (١٩٣ - ب / ف) من الفتن من الدين؛ وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفر بدينه من الفتن؛ لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال دل على أن هذا الفعل من خصال الإسلام والإسلام هو الدين. وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرجه في أول " الجهاد " من رواية الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ: "
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " أنه " قبل كلمة " قال ".
(٢) أشار المصنف - ﵀ - (٥ / ٢٢٠) عند شرحه الحديث رقم (٦٠٩) أنه استوفى الكلام فيما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم: عند شرحه لحديث هذا الباب.
[ ١٠٥ ]
مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " قالوا: ثم من؟ قال: " مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره " (^١) . وليس في هذا الحديث ذكر الفتن. وخرجه أبو داود (^٢)، وعنده: سئل النبي ﷺ: أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ . فذكره. وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشر من الإيمان. وفي " المسند " و" جامع الترمذي "، عن طاوس، عن أم مالك البهزية قالت: قال رسول الله: " خير الناس في الفتنة: رجل معتزل في ماله، يعبد ربه ويؤدي حقه، ورجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله " (^٣) .
وروي عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ. خرجه الحاكم (^٤) . وروي عن طاوس مرسلا. وخرج الحاكم - أيضا - من حديث أبي هريرة مرفوعا: " أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم أنجى الناس منها: صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمها، ورجل من وراء الدروب بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه " (^٥) . وقد وقفه بعضهم.
_________________
(١) (فتح: ٢٧٨٦) .
(٢) (٢٤٨٥) .
(٣) " المسند " (٦ / ٤١٩)، والترمذي (٢١٧٧) .
(٤) (٤ / ٤٤٦، ٤٦٤) .
(٥) الحاكم (٢ / ٩٣) .
[ ١٠٦ ]
فهذه الروايات المقيدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة. وحديث أبي سعيد الذي خرجه البخاري هنا لم يخرجه مسلم. وقد روي عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن، عن أبي سعيد؛ وهو وهم. وروي عن يحيي بن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن نهار العبدي، عن أبي سعيد؛ وذكر " نهار " في إسناده: وهم. قاله الدارقطني (^١) . فقوله ﷺ " يوشك " تقريب منه للفتنة، وقد وقع ذلك في زمن عثمان كما أخبر به ﷺ وهذا من جملة أعلام نبوته ﷺ.
وإنما كان الغنم خير مال المسلم - حينئذ -؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم يأكل من لحومها ونتاجها ويشرب من ألبانها ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره، وهي ترعى الكلأ في الجبال وترد المياه؛ وهذه المنافع والمرافق لا توجد في غير الغنم؛ ولهذا قال: " يتبع بها شعف الجبال " وهي رءوسها وأعاليها؛ فإنها تعصم من لجأ إليها من عدو. و" مواقع القطر " لأنه يجد فيها الكلأ والماء فيشرب منها ويسقي غنمه وترعى غنمه من الكلأ. وفي " مسند البزار "، عن مخول البهزي سمع النبي ﷺ يقول: " سيأتي على الناس زمان فيه غنم بين السجدتين (^٢) تأكل من
_________________
(١) في " علله "، (٤ / ق٢ - ب ٣ - أ) .
(٢) رسمها في " ف " بدون نقط ولعلها هكذا، وفي " مسند أبي يعلي " (٣ / ١٣٨): " المسجدين ".
[ ١٠٧ ]
الشجر وترد الماء، يأكل صاحبها من رسلها ويشرب من ألبانها ويلبس من أشعارها – أو قال من أصوافها _، والفتن ترتكس بين جراثيم العرب " (^١) . وروي هذا المعنى عن عبادة بن الصامت من قوله. وواحد الجراثيم: جرثومة؛ وهي أصل الشيء. وفي هذا دلالة ‘على أن من خرج من الأمصار فإنه يخرج معه بزاد وما يقتات منه.
وقوله: (١٩٤ – أ / ف) " يفر بدينه من الفتن " يعني: يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن؛ فإن من خالط الفتن، وأهل القتال على الملك لم يسلم دينه من الإثم إما بقتل معصوم أو أخذ مال معصوم أو المساعدة على ذلك بقول ونحوه وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر أو معصية حسن الفرار منه. وقد مدح الله من فر بدينه خشية الفتنة عليه فقال – حكاية عن أصحاب الكهف - ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] . وروى عروة، عن كرز الخزاعي قال: سأل رسول الله ﷺ أعرابي: هل لهذا الإسلام من منتهى؟ قال: " من يرد الله به خيرا من عرب أو عجم أدخله عليه " قال: ثم ماذا؟ قال: " تقع فتن كالظلل " قال: كلا يا
_________________
(١) (كشف: (١٣٥٨) مختصرا وليس فيه محل الشاهد، وفي إسناده محمد بن سليمان بن مسمول، قال فيه أبو حاتم: " ليس بالقوي ضعيف الحديث كان الحميدي يتكلم فيه " الجرح " (٧/ ٢٦٧) وقد أخرجه مطولا بمحل الشاهد: أبو يعلى (٣ / ١٣٧) بنفس الإسناد، وأخرجه الطبراني في " الأوسط " (٧٥٤٢) وفيه سليمان الشاذكوني، قال ابن معين في رواية ابن الجنيد: " يكذب ويضع الحديث " أ. هـ.
[ ١٠٨ ]
نبي الله، قال: " بلى، والذي نفسي بيده لتعودون فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض وخير الناس يومئذ: رجل يتقي ربه ويدع الناس من شره " (^١) .
الأساود: جمع أسود، وهو أخبث الحيات وأعظمها.
والصب: جمع صبوب، على أن أصله: صبب كرسول ورسل، ثم خفف كرسل؛ وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ، ويروى " صي " على وزن حبلى "
وفي "الصحيحين " عن حذيفة أن النبي ﷺ ذكر له الفتن فقال له: فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " قال: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " (^٢) . وقد اعتزل جماعة من أصحابه في الفتن في البوادي. وقال الإمام أحمد: إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، فأما إذا لم يكن فتنة فالأمصار خير. فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه، كما في الترمذي و" صحيح الحاكم "، عن أبي هريرة قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينه من ماء عذب فأعجبه طيبه
_________________
(١) أحمد (٣ / ٤٧٧)، وابن حبان (الإحسان: ١٣ / ٢٨٧) .
(٢) (فتح: ٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧) .
[ ١٠٩ ]
وحسنه فقال: لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله ﷺ، فاستأمره فقال: " لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما " (^١) .
وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ وفيه: أن النبي ﷺ قال: " لم أبعث باليهودية ولا النصرانية؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة " (^٢) . وذكر باقيه بمعناه. وخرج داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله! ايذن لي بالسياحة، فقال النبي ﷺ: " إن سياحة أمتي: الجهاد في سبيل الله " (^٣) . وفي " المسند " عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: " عليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام " (^٤) . وفي مراسيل طاوس، عن النبي ﷺ قال: " لا رهبانية في الإسلام ولا سياحة ". وفي المعنى مراسيل أخر متعددة.
قال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيئ ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. والسياحة على هذا الوجه قد (١٩٤ – ب / ف) فعلها طوائف ممن ينسب على عبادة واجتهاد بغير علم، ومنهم من رجع لما عرف ذلك. وقد كان في زمن ابن مسعود من المتعبدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة
_________________
(١) . الترمذي (١٦٥٠)، والحاكم (٢ / ٦٨)، وقال الترمذي: " حديث حسن "
(٢) أحمد (٥ / ٢٦٦) .
(٣) أبو داود (٢٤٨٦) .
(٤) " المسند " (٣ / ٨٢) .
[ ١١٠ ]
وبنوا مسجدا يتعبدون فيه، منهم: عمرو بن هتبة، ومفضل العجلي، فخرج إليهم ابن مسعود وردهم على الكوفة وهدم مسجدهم وقال: إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد أو تكونوا متمسكين بذنب الضلالة. وإسناده هذا صحيح عن الشعبي أنه حكى ذلك. وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلا في فلاة رزقه لا يدري من أين يأتيه فقال له: إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا؛ إنما أمرت بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز، فقبل منه وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كله. خرج حكايته ابن أبي الدنيا. وروي نحو هذه الحكاية – أيضا -، عن أبي غالب صاحب أبي أمامة الباهلي. خرجها حميد بن زنجوية. وكذلك سكنى البوادي لتنمية المواشي والأموال – كما جرى لثعلبة في ماله – فمذموم – أيضا.
وفي " سنن ابن ماجه "، عن أبي هريرة مرفوعا: " ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها (^١) حتى يطبع على قلبه " (^٢) . وخرجه الخلال من حديث جابر بمعناه (^٣) – أيضا.
_________________
(١) " وتجيء الجمعة فلا يشهدها " في " السنن " كررها ثلاثا.
(٢) ابن ماجه (١١٢٧) وسيأتي كلام المصنف على هذا الحديث عند شرحه لترجمة الحديث رقم (٩٠٢) .
(٣) وسيأتي ذكر المصنف له بلفظه والكلام عليه عند شرحه لترجمة الحديث رقم: (٩٠٢) من " كتاب الجمعة " الباب: (١٥) .
[ ١١١ ]
وخرج حميد بن زنجويه من رواية ابن لهيعه: ثنا عمر (^١) مولى غفرة أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاري يقول: قال حارثة بن النعمان: قال رسول الله ﷺ: " يخرج الرجل في حاشية القرية في غنيمة يشهد الصلوات ويؤب إلى أهله إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال: لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى ملأ من هذه، فيرتفع حتى لا يشهد من الصلوات إلا الجمعة حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال: لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كل أمن هذه فيرتفع حتى لا يشهد جمعة ولا يدري متى الجمعة حتى يطبع الله على قلبه ". وخرجه الإمام أحمد بمعناه (^٢) .
وفي " سنن أبي داود " والترمذي وغيرهما، عن أبي هريرة (^٣)، عن النبي ﷺ قال: " من سكن البادية جفا ".
_________________
(١) هكذا في " ف ": عمر " وهو الصواب، وأقحم فوق الراء ما يشتبه بحرف الواو، أو الضمة، والأخيرة ليست من عادته.
(٢) " المسند " (٥ / ٤٣٣ - ٤٣٤) .
(٣) أبو داود (٢٨٦٠)، وقال بمعنى حديث مسدد – يعني حديث ابن عباس الذي قبله – وزاد فيه التنفير من لزوم السلطان وقال المزي في " التحفة " (١١ / ١٠٣): " هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد، وأبي بكر بن داسة، عن أبي داود، ولم يذكر أبو القاسم ". ولم يعز المزي هذا الحديث للترمذي من مسند أبي هريرة، واقتصر على أبي داود، وعزاه للترمذي وأبي داود من مسند ابن عباس. وقال الترمذي عقب حديث ابن عباس (٢٢٥٦): " وفي الباب عن أبي هريرة " ولم يخرجه، فإن لم يكن في بعض نسخ الترمذي – وما أكثرها – فهو وهم. وعزاه المصنف في جزء: " شرح حديث ماذئبان جائعان " (ص: ٤١) بتحقيقنا على أبي داود وأحمد فحسب، ولم يذكر الترمذي، ولعله الصواب. وحديث ابن عباس: اخرجه أبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦)، وذكره البخاري في " الكنى " (ص: ٧٠) – في ترجمة أبي موسى – وأبو نعيم في " الحلية " (٤ / ٧٢) وقال الترمذي عقبة – كما في " التحفة " (٥ / ٢٦٦) و" تفسير ابن كثير " (٤ / ١٤٠): " حسن غريب "، والذي في المطبوع: " حسن صحيح غريب " وأبو موسى راوي الحديث قال ابن القطان مجهول، ونبه الحافظ في " التهذيب " (١ / ٢٦١) و(١٢/ ٢٥٢) على أنه غير أبي موسى إسرائيل بن موسى، وقال: فرق بينهما غير واحد. وحديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (٢٨٦)، وأحمد (٢ / ٣٧١، ٤٤٠) وغيرهما. وفيه اختلاف على أبي هريرة ذكرناه في " أطراف الغرائب " (١٤٢٢) بتحقيقنا. .
[ ١١٢ ]
وقال ابن مسعود في الذي يعود أعرابيا بعد هجرته: إنه ملعون على لسان محمد ﷺ.
وفي " الصحيحين " (^١) أن سلمة بن الأكوع قال: أذن لي رسول الله ﷺ في البدو. وفي رواية للبخاري أن سلمة لما قتل عثمان خرج إلى الربزة فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة (^٢) . وفي " المسند " أن سلمة قدم المدينة فقيل له: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟ فقال: معاذ الله إني في إذن من رسول الله ﷺ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ابدوا يا أسلم، فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب " فقالوا: يا رسول الله! إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا، قال: " أنتم مهاجرون حيث ما كنتم " (^٣) .
وفي الطبراني، عن ابن عمر أنه قيل له: يا أبا عبد الرحمن! قد
_________________
(١) (فتح: ٧٠٨٧)، ومسلم (١٨٦٢) .
(٢) (فتح: ٨٠٨٧) .
(٣) " المسند " (٤ / ٥٥) .
[ ١١٣ ]
أعشبت القفار فلو ابتعت أعنزا فتنزهت تصح، فقال: لم يؤذن لأحد منا في البداء غير أسلم " (^١) . وأسلم: هي: قبيلة سلمة بن الأكوع.
وقد ترخص كثير من الصحابة من المهاجرين وغيرهم في سكنى البادية، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، فإنهما لزما منزلهما بالعقيق فلم يكونا يأتيان المدينة (١٩٥ - أ / ف) في جمع ولا غيرها حتى لحقا بالله ﷿. خرجه بن أبي الدنيا في كتاب " العزلة ". وكان أبو هريرة ينزل بالشجرة وهي ذو الحليفة. وفي " صحيح البخاري "، عن عطاء قال: ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة بثبير فقالت لنا: انقطعت الهجرة منذ (^٢) فتح الله على نبيه ﷺ مكة (^٣) . وفي رواية له: قال: فسألنا عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه على الله ورسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء؛ ولكن جهاد ونية " (^٤) . وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو، لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح.
_________________
(١) " الأوسط " (٧٥٣٣)، وتفرد به أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، قال فيه أبن معين في رواية الدري (٣ / ٣٦٦): " ليس بشيء " ومسلم بن جرهد الراوي عن ابن عمر لم نجد من ترجمه، ولم يرو عن ابن عمر حديثا غير هذا كما نص عليه الطبراني.
(٢) في الرواية: " مذ ".
(٣) (فتح: ٣٠٨٠) .
(٤) فتح: ٣٩٠٠) .
[ ١١٤ ]
وكان أنس بن مالك يسكن بقصره خارج البصرة، وكان ربما شهد الجمعة وربما لم يشهدها. وقد نص أحمد على كراهة المقام بقرية لا يقام فيها الجمعة وإن أقيمت فيها الجماعة. وقد يحمل ذلك على من كان بمصر جامع يجمع فيه، ثم تركه وأقام بمكان لا جمعة فيه. وفي كلامه إيماء إليه - أيضا. وقد يحمل كلامه على كراهة التنزيه دون التحريم. فأما المقام بقرية لا جمعة فيها ولا جماعة فمكروه.
وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن أبي طلحة: أين ينزل؟ فقال: بقرية دون حمص، فقال له: إن رسول الله ﷺ قال: " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن ولا يقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإن الذئب يأكل القاصية ". خرجه النسائي (^١) . وغيره وخرجه أحمد وأبو داود مختصرا (^٢) . وفي رواية لأحمد: " فعليك بالمدائن ويحك يا معدان " (^٣) . وفي " المسند " - أيضا -، عن معاذ، عن النبي ﷺ قال: " إن الشيطان
_________________
(١) في " المجتبى " (٢ / ١٠٦ - ١٠٧) .
(٢) أحمد (٥/ ١٩٦)، (٦/ ٤٤٦) وابو داود (٥٤٧) .
(٣) " المسند " (٦ / ٤٤٥ - ٤٤٦) .
[ ١١٥ ]
ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية؛ فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد " (^١) . فنهى عن سكنى الشعاب - وهي البوادي - وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامة الناس ومساجدهم وجماعتهم. وقد روي عن قتادة أنه فسر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضلة المخالفة لطريق الهدي المستقيم. خرجه أبو موسى المديني عنه بإسناده. وفي هذا بعد؛ وإنما فسر بهذا المعنى قول النبي ﷺ: " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (^٢) .؛ فإن الأوزاعي فسره بالبدعة يخرج إليها الرجل من الجماعة. فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه: فقد ورد فيه رخصة: ففي " سنن أبي داود " عن المقدام بن شريح، عن أبيه أنه قال أنه سأل عائشة: هل كان النبي ﷺ يبدو؟ فقالت: نعم إلى هذه التلاع، ولقد بدا مرة فأتى بناقة مخرمة فقال: " اركبيها يا عائشة وارفقي؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع منه إلا شانه " (^٣) .
وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله (^٤) .
_________________
(١) " المسند " (٥ / ٢٣٢ - ٢٣٣، ٢٤٣) .
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: أبو داود (٤٧٥٨) .
(٣) أبو داود (٢٤٧٨، ٤٨٠٨) .
(٤) مسلم (٢٥٩٤) .
[ ١١٦ ]
وورد النهي عنه؛ ففي " المسند " عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال " هلاك أمتي في اللبن " قيل: يا رسول الله! ما اللبن؟ قال: تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع وتبدون " (^١) . وفي إسناده: ابن لهيعة. وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها وهي مدة طويلة يدعون فيها الجمع والجماعات.
وعن أبي عبد الله الجدلي قال: فضل أهل الأمصار على (١٩٥ - ب / ف) أهل (^٢) القرى كفضل الرجال على النساء، وفضل أهل القرى على أهل الكفور (^٣) كفضل الأحياء على الأموات، وسكان الكفور كسكان القبور، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب. خرجه حميد بن زنجويه، وروى في إسناده عن مكحول معنى أوله.
ونص أحمد - في رواية مهنا - على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنزها لما به من ترك الجماعة؛ إلا أن يخرج لعلة، يعني: إنه إذا خرج تداويا لعله به جاز، كما أذن النبي ﷺ للعرنيين لما اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها (^٤) .
قال أبو بكر الأثرم: النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية
_________________
(١) " المسند " (٤ / ١٥٥) بلفظ " هلاك أمتي بالكتاب واللبن ".
(٢) كلمة " أهل " مكررة في " ف ".
(٣) كتب فوقها في " ف ": " الكفور جمع كفر وهو ما بعد من لأرض عن الناس ولا يمر به أحد ".
(٤) إشارة إلى حديث البخاري (فتح: ٤١٩٢) .
[ ١١٧ ]
والإقامة بها، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز. انتهى.
وقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن. قال الجريري: كان الناس يبدون ها هنا في الثمار - ثمار قصيرة -، وذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره. وكان علقمة يتبدا إلى ظهر النجف (^١) . وقال النخعي: كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية. يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي. وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة.
فروى أبو نعيم بإسناده، عن أبي حرملة قال: اشتكى سعيد بن المسيب عينه فقيل له: يا أبا محمد! لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة ووجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة (^٢)؟ وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن؛ لكنه حد القليل باليوم ونحوه؛ وفيه نظر.
وفي " مراسيل أبي داود " من رواية معمر، عن موسى بن شيبة قال: قال رسول الله ﷺ: " من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية " (^٣) .
_________________
(١) ابن أبي شيبة في " مصنفه " (١٢ / ٣٣٥) .
(٢) " الحلية " (٢ / ١٦٢) .
(٣) " مراسيل أبي داود " ٠ ص / ٢٣٥) .
[ ١١٨ ]
وروى حميد بن زنجوية بإسناده، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم قال: بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلة كتب عليها الجفا. وعن معاوية بن قرة قال: البداوة شهران فما زاد فهو تعرب (^١) .
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢ / ٣٣٦)، وفيه كلمة " حرب " مكان كلمة " تعرب ".
[ ١١٩ ]
فصل
قال البخاري:
[ ١٢٠ ]
١٨ - باب (^١)
من قال: إن الإيمان هو العمل؛ لقول الله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . وقال عدة من أهل العلم في قوله ﷿ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢]: عن قول لا إله إلا الله. وقال ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] .
ثم خرج حديث:
_________________
(١) سقط من " ف " الباب (١٧) .
[ ١٢٠ ]
٢٦ - أبي هريرة أن النبي (^١) ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ قال: " إيمان بالله ورسوله " قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله " قيل: ثم ماذا؟ قال: " حج مبرور ".
مقصود البخاري بهذا الباب: أن الإيمان كله عمل؛ مناقضة لقول من قال: إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية؛ فإن الإيمان أصله تصديق بالقلب، وقد سبق ما قرره البخاري أن تصديق القلب كسب له وعمل، ويتبع هذا التصديق قول اللسان.
ومقصود البخاري هاهنا: أن يسمى عملا - أيضا -،، أما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل، ولا حاجة إلى تقرير
_________________
(١) في " اليونينية ": " رسول الله ".
[ ١٢٠ ]
ذلك؛ فإنه لا يخالف فيه أحد، فصار الإيمان كله – على ما قرره – عملا.
والمقصود بهذا الباب: تقرير أن قول اللسان: عمله؛ واستدل لذلك بقوله تعالى ﴿وَتِلْك َ (^١) الْجَنَّةُ الَّتِي (١٩٦ - أ / ف) أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وقوله ﴿﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] . ومعلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان، وبها يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة – كما سبق ذكره. وفي " المسند "، عن معاذ بن جبل مرفوعا: " مفتاح الجنة: لا إله إلا الله " (^٢) . وحكى البخاري عن عدة من أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢]: عن قول لا إله إلا الله؛ ففسروا العمل بقول كلمة التوحيد.
وممن روي عنه هذا التفسير: ابن عمر، ومجاهد (^٣) . ورواه ليث بن أبي سليم، عن بشير بن نهيك، عن أنس موقوفا (^٤) . روي عنه مرفوعا – أيضا – خرجه الترمذي وغربه (^٥) .
_________________
(١) كتبها في " ف ": " تلكم " وأصلحها.
(٢) " المسند " (٥ / ٢٤٢) .
(٣) أخرج أثر ابن عمر ومجاهد: ابن جرير الطبري في " تفسيره " (١٤/٤٦) .
(٤) رواه ابن جرير في " تفسيره " (١٤/ ٤٦) .
(٥) الترمذي (٣١٢٦)، وأخرجه مرفوعا – أيضا – ابن جرير في " تفسيره " (١٤/ ٤٦) .
[ ١٢١ ]
وقال الدارقطني: ليث غير قوي، ورفعه غير صحيح (^١) . وقد خالف في ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا وغيرهم كأبي عبد الله بن بطة، وحملوا العمل في هذه الآيات على أعمال الجوارح؛ واستدلوا بذلك على دخول الأعمال في الإيمان.
وأما حديث أبي هريرة: فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل لأنه جعله أفضل الأعمال، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما؛ ولهذا ورد في حديث: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " (^٢) وفي رواية ذكر الإيمان بالله ورسوله " بدل الشهادتين "؛ فدل على أن المراد بهما واحد؛ ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان " الجهاد " ثم " الحج "، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما، فإذا سمى الشهادتين عملا دل على أن قول اللسان عمل.
وقد كان طائفة من المرجئة يقولون: الإيمان قول وعمل – موافقة لأهل الحديث -، ثم يفسرون العمل بالقول ويقولون: هو عمل اللسان. وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول عن شبابه بن سوار وأنكره عليه وقال: هو أخبث قول ما سمعت أن أحدا قال به ولا بلغني. يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف (^٣) .
_________________
(١) الدارقطني في " علله " (٤ /ق ٣٣ - ب) .
(٢) سبق وهو حديث رقم (٨) .
(٣) " السنة " للخلال (٩٨٢)، وذكره ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (٧ / ٢٥٥)، وابن حجر في " تهذيبه " (٤/ ٣٠٢) .
[ ١٢٢ ]
لعل مراده إنكار تفسير قول أهل السنة: الإيمان قول وعمل بهذا التفسير؛ فإنه بدعة وفيه عي وتكرير؛ إذ العمل على هذا القول بعينه، ولا يكون مراده إنكار أن القول يسمى عملا.
ولكن روي عنه ما يدل على إنكار دخول الأقوال في اسم الأعمال، فإنه قال في رواية أبي طالب – في رجل طلق امرأته واحدة ونوى ثلاثا، قال بعضهم: له نيته، ويحتج بقوله: " الأعمال بالنيات " قال أحمد: ما يشبه هذا بالعمل؛ إنما هذا لفظ كلام المرجئة يقولون: القول هو عمل. لا يحكم عليه بالنية ولا هو من العمل. وهذا ظاهر في إنكار تسمية القول عملا بكل حال وأنه لا يدخل تحت قوله " الأعمال بالنيات ". وكذلك ذكر أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب " السنة ". وهذا على إطلاقه لا يصح؛ فإن كنايات الطلاق كلها أقوال ويعتبر لها النية، وكذلك ألفاظ الإيمان والنذور أقوال ويعتبر لها النية وألفاظ عقود البيع (١٩٦ - ب /ف) والنكاح وغيرهما أقوال ويؤثر فيها النية عند أحمد، كما تؤثر النية [في] (^١) بطلان نكاح التحليل وعقود التحليل على الربا. وقد نص أحمد على أن من أعتق أمته وجعل عتقها صداقها أنه يعتبر له النية، فإن أراد نكاحها بذلك وعتقها انعقدا بهذا القول. وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفرا.
_________________
(١) كلمة " في " ليست " ف " وهي لازمة في السياق.
[ ١٢٣ ]
وهذا كله يدل على أن الأقوال تدخل في الأعمال ويعتبر لها النية. ومسألة الطلاق المذكورة فيها عن أحمد روايتان – أيضا.
وقد خرج أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الطلاق " له بدخول القول في العمل، وأن الأقوال تدخل في قوله ﷺ " الأعمال بالنيات "
وأبو عبيد محله من معرفة لغة العرب المحل الذي لا يجهله عالم. وقد اختلف الناس لو حلف لا يعمل عملا أو لا يفعل فعلا فقال قولا هل يحنث أم لا؟ وكذا لو حلف ليفعلن أو ليعملن هل يبر بالقول أم لا؟
وقد حكى القاضي أبو يعلي في ذلك اختلافا بين الفقهاء، وذكر هو في كتاب " الأيمان " له أنه لا يبر ولا يحنث بذلك. وأخذه من رواية أبي طالب، عن أحمد – التي سبق ذكرها – واستدل له بأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف، والقول لا يسمى عملا في العرف؛ ولهذا يعطف القول على العمل كثيرا فيدل على تغايرهما عرفا واستعمالا.
ومن الناس من قال: القول يدخل في مسمى الفعل ولا يدخل في مسمى العمل. وهو الذب ذكره ابن الخشاب النحوي (^١) وغيره.
وقد ورد تسمية القول فعلا في القرآن في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] .
_________________
(١) ترجمة السيوطي في " بغية الوعاة " (٢/ ٢٩) .
[ ١٢٤ ]
فصل
قال البخاري:
[ ١٢٥ ]
١٩ - باب
إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله ﷿ ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] . فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله (^١) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقوله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (^٢) [آل عمران: ٨٥] .
معنى هذا الكلام: أن الإسلام يطلق باعتبارين:
أحدهما: باعتبار الإسلام الحقيقي وهو دين الإسلام الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ وقال ﴿﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .
والثاني: باعتبار الاستسلام ظاهرا مع عدم إسلام الباطن إذا وقع خوفا كإسلام المنافقين، واستدل بقوله تعالى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وحمله عل الاستسلام خوفا وتقية.
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " جل ذكره ".
(٢) مابين المعقوفين ليس في " اليونينية "، وهو ثابت في بعض نسخ الصحيح، وإليه أشار في " اليونينية ".
[ ١٢٥ ]
وهذا مروي عن طائفة من السلف، منهم مجاهد، وابن زيد، ومقاتل بن حيان وغيرهم (^١) . وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي (^٢) – كما رجحه البخاري -؛ لأنهما لا يفارقان بين الإسلام والإيمان، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر. وهو اختيار ابن عبد البر، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود.
وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية (١٩٧ – أ / ف) على الفرق بينهما ويقول: نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام كما نفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي. وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس، وقتادة، والنخعي، وروي عن ابن زيد معناه – أيضا -، وهو قول الزهري، وحماد بن زيد، وأحمد، ورجحه ابن جرير وغيره (^٣) .
واستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان. وكذا قال قتادة في هذه الآية قال: " قولوا أسلمنا ": شهادة أن لا إله إلا الله، وهو دين الله، والإسلام درجة الإيمان تحقيق في القلب ووالهجرة في الإيمان درجة، والجهاد درجة، والقتل في سبيل الله درجة.
_________________
(١) راجع " تفسير الطبري " (٢٦/ ٩٠) .
(٢) " تعظيم قدر الصلاة " (٢/ ٥١٠) .
(٣) راجع " تفسير الطبري " (٢٦/ ٩٠)، و" تفسير ابن كثير " (٧ / ٣٦٧) و" والدر المنثور " (٦ /١٠٠) .
[ ١٢٦ ]
خرجه ابن أبي حاتم.
فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم، ويدل عليه: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] .
واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما. فقالت طائفة: الإسلام: كلمة الشهادتين، والإيمان العمل. وهذا مروي عن الزهري (^١) وابن أبي ذئب (^٢)، وهو رواية عن أحمد (^٣)، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه. ويشبه هذا: قول ابن زيد في تفسير هذه الآية قال: لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم فرد الله عليهم وقال: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فقال: الإسلام إقرار، والإيمان تصديق (^٤) . وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث. وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد وقال: الصحيح: أن مذهبه: أن الإسلام قول وعمل ورواية واحدة؛ ولكن لا يدخل كل الأعمال في الإسلام كما يدخل في الإيمان، وذكر أن
_________________
(١) " تعظيم قدر الصلاة " (٢/ ٥٠٧) .
(٢) " السنة " للخلال (١٠٧٦) .
(٣) راجع " المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة " (١ / ١٠٨)
(٤) انظر تفسير الطبري (٢٦/ ٩٠) .
[ ١٢٧ ]
المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام. كذا قال، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا. والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا. وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة.
هذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار، وطعن فيه (^١)، وروي عن حماد ابن زيد نحو هذا – أيضا. وحكى رواية عن أحمد – أيضا -؛ فإنه قال في رواية الشالنجي (^٢) في مرتكب الكبائر: يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام. ونقل حنبل عن أحمد معناه (^٣) . وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره، وهي اختيار أبي عبد الله بن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب. وقالت طائفة: الفرق بين الإسلام والإيمان: أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب فهو علم القلب وعمله، والإسلام: الخضوع والاستسلام والانقياد؛ فهو عمل القلب والجوارح.
_________________
(١) " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٧٥) .
(٢) هو: إسماعيل بن سعيد، مترجم في " طبقات الحنابلة " (١/١٠٤) .
(٣) " السنة " للخلال (١٠٨٠) .
[ ١٢٨ ]
وهذا قول كثير من العلماء، وقد حكاه أبو الفضيل التميمي عن أصحاب أحمد، وهو قول طوائف من المتكلمين (١٩٧ - ب/ ف)؛ لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام.
وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها الإسلام – كما سبق – فلهذا قال كثير من العلماء: إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ.
وبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن السلام والإيمان ففرق النبي ﷺ بينهما وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي ﷺ الإيمان المنفرد بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل. وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه (^١)، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص والله أعلم.
والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن: الحسن، وابن سيرين، وشريك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيي بن معين، ومؤمل ابن إهاب، وحكى عن مالك - أيضا -، وقد سبق حكايته عن قتادة، وداود بن أبي هند، والزهري، وابن أبي ذئب، وحماد بن زيد، وأحمد (^٢)، وأبي خيثمة وكذلك (^٣) حكاه أبو بكر بن السمعاني عن أهل
_________________
(١) انظره في " تعظيم قدر الصلاة "، (٢/ ٥٢٨) .
(٢) راجع معظم هذه الأقوال في " السنة " للخلال (١٠٧٣ – ١٠٨٣)، و" تعظيم قدر الصلاة" (٢ / ٥٠٦ - ٥١٧) .
(٣) في " ف ": " فكذلك "، وما أثبتناه موافق للسياق.
[ ١٢٩ ]
السنة والجماعة جملة.
فحكاية ابن نصر (^١) وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد؛ بل قد قيل: إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق، والله أعلم.
وخرج البخاري في هذا الباب حديث:
_________________
(١) تعظيم قدر الصلاة "، (٢/ ٥٣١) .
[ ١٣٠ ]
٢٧ - الزهري، عن (^١) عامر بن سعد، عن أبيه أن النبي ﷺ أعطى رهطا وسعد جالس فترك رسول الله ﷺ رجلا هو أعجبهم إلي فقلت: ما لك يا رسول الله (^٢) عن فلان؟ ! فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: " أو مسلما " فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه (^٣) فقلت يا رسول الله (^٤) ! مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا، قال (^٥): " أو مسلما " فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ثم قال: " يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيره أعجب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار "
خرجه من طريق شعيب، عن الزهري ثم قال: رواه يونس وصالح وابن معمر وابن أخي الزهري، عن الزهري (^٦) .
وقد رواه ابن أبي ذئب - أيضا -، عن الزهري كذلك.
_________________
(١) في " اليونينية ": " أخبرني ".
(٢) في " اليونينية ": " يا رسول الله مالك ".
(٣) زاد في " اليونينية ": " فعدت لمقالتي ".
(٤) " يا رسول الله " ليس في " اليونينية ".
(٥) في " اليونينية ": " فقال ".
(٦) راجع " أطراف الغرائب ": (٥٠١) بتحقيقنا، وقال هناك: " صحيح من حديث معمر، عن الزهري، وغريب من حديث المعتمر، عن عبد الرزاق، عنه، تفرد به: صالح بن حاتم ابن وردان ". أ. هـ.
[ ١٣٠ ]
ورواه العباس الخلال (^١)، عن الوليد بن مسلم، عن ابن وهب. ورشدين بن سعد، عن يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبيه، عن النبي ﷺ، وأخطئا في ذلك. نقله ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه (^٢) . فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقا، وأن الرسول ﷺ نفى عنه الإيمان وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي، وهو – أيضا – قول محمد بن نصر المروزي (^٣) . وهذا غاية البعد، وآخر الحديث يرد على ذلك، وهو: قول النبي ﷺ: " إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه " فإن هذا يدل على أن النبي ﷺ وكله إلى إيمانه كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم ويمنع المهاجرين والأنصار.
وزعم علي بن المديني في كتاب " العلل " له أن هذا باب المزاح من النبي ﷺ؛ فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا، فأوهم سعدا أنه ليس بمؤمن؛ بل مسلم وهما بمعنى واحد كما يقول (١٩٨ - أ/ ف) لرجل يمازحه وهو يدعى أنه أخ لرجل فيقول: إنما أنت ابن أبيه أو ابن أمه، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد. وهذا تعسف شديد.
والظاهر – والله أعلم – أن النبي ﷺ زجر سعدا عن الشهادة بالإيمان؛
_________________
(١) هو العباس بن الوليد بن صبح، له ترجمة في " تاريخ دمشق " لابن عساكر.
(٢) في " علله ": (٢ / ١٥٥) .
(٣) " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥١٠) .
[ ١٣١ ]
لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال: " إن كنت مادحا لا محالة فقل: أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا " (^١)، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه كما في " المسند " عن أنس مرفوعا: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " (^٢) .
ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن، وقالوا: هو صفة مدح، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها؛ وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره، فأما حديث: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ": فقد خرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعا (^٣) . وقال أحمد: هو حديث منكر، ودراج له مناكير (^٤)، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه فرق بين الإسلام والإيمان.
_________________
(١) البخاري (فتح: ٢٦٦٢) .
(٢) " المسند " (٣ / ١٣٤)، من طريق علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس، وعلي فيه توثيق وقال البخاري في " التاريخ ": " فيه نظر ". وليس من أصحاب قتادة، وقتادة مدلس، وقد عنعن.
(٣) . " المسند " (٣ / ٦٨، ٧٦)، والترمذي (٣٠٩٣)، وابن ماجه (٨٠٢) وابن عدي في " الكامل " (٣/ ١١٤) . وأحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها ضعف. قاله أحمد.
(٤) " العلل ومعرفة الرجال " (٣ / ١١٦) ولدراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد غرائب، انظر بعضها في " أطراف الغرائب " ٠ ٤٨٨١ - ٤٨٨٣) بتحقيقنا، و" الكامل " لابن عدي (٣ / ١١٣) وإنكار الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – لهذا الحديث مع إخراجه له في " المسند " يدل على أن مجرد إخراج الحديث في مصنف لم يشترط صاحبه الصحة لا يعني رضى الإمام عنه.
[ ١٣٢ ]
وأما على قول الأكثرين بالتفريق بينهما: فإنما ينبغي أن يذكر في هذا الباب قوله ﷿ ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] فإن الجمهور على أنه أراد استسلام الخلق كلهم له وخضوعهم فأما المؤمن فيستسلم ويخضع طوعا، وأما الكافر فإنه يضطر إلى الاستسلام عند الشدائد ونزول البلاء به كرها ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلك كله كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن.
والحديث الذي يطابق الباب على اختيار المفرقين بين الإسلام والإيمان: قول النبي ﷺ في ذكر قرينه من الجن: " ولكن الله أعانني عليه فأسلم " (^١) . وقد روي بضم الميم وفتحها؛ فمن رواه بضمها قال: المراد: أي أنا أسلم من شره، ومن رواه بفتحها، فمنهم من فسره بأنه أسلم من كفره فصار مسلما. وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرجها البزار في " مسنده " (^٢) بإسناد فيه ضعف.
ومنهم من فسره بأنه استسلم وخضع وانقاد كرها، وهو تفسير ابن عيينه وغيره، فيطابق على هذا ترجمة الباب، والله أعلم
_________________
(١) مسلم (٢٨١٥) .
(٢) (كشف: ٢٤٣٨ – ٢٤٣٩)، و" التاريخ " للبخاري (٤/ ٢٣٩) .
[ ١٣٣ ]
٢٠ - فصل (^١)
قال البخاري:
قال عمار: ثلاث من جمعهن جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
هذا الأثر معروف من رواية أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمار، رواه عنه الثوري وشعبة وإسرائيل وغيرهم.
وروي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق مرفوعا. خرجه البزار وغيره (^٢)، ورفعه وهم، قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وتردد أبو حاتم هل الخطأ منسوب فيه إلى عبد الرزاق أو معمر (^٣)، ومعمر ليس بالحافظ لحديث العراقيين كما ذكر ابن معين وغيره (^٤) . وقد روي مرفوعا من وجهين آخرين ولا يثبت واحد منهما (^٥) . وإنما ذكر البخاري قول عمار في باب " إفشاء السلام من الإسلام " لأنه لا يفرق بين الإسلام والإيمان - كما تقدم.
_________________
(١) باب " إفشاء السلام من الإسلام ".
(٢) " البحر الزخار " (٤ / ٢٣٢) من طريق الحسن بن عبد الله الكوفي. وابن الأعرابي من طريق محمد بن الصباح الصغاني (٤ / ٧٠) والبغوي في " شرح السنة " من طريق أحمد بن كعب الواسطي (فتح: ١ / ٨٢) ثلاثتهم عن عبد الرزاق به مرفوعا. وأوقفه عنه الدبري كما في " المصنف " (١٠ / ٣٨٦) وأحمد بن منصور الرمادي كما في " التغليق " (٢ / ٣٨) وذكر أن من رفعه روى عن عبد الرزاق بآخره
(٣) " علل الرازي " (٢ / ١٤٥) .
(٤) " شرح علل الترمذي " للمصنف (٢ / ٧٧٤) .
(٥) " تغليق التعليق " (٢ / ٤٠) .
[ ١٣٤ ]
ثم خرج البخاري حديث:
[ ١٣٥ ]
٢٨ - عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي (^١) ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: " أن (^٢) تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ".
وقد خرجه - فيما مضى - وبوب عليه باب " إطعام الطعام من الإسلام " (^٣) وقول عمار فيه زيادة على هذا الحديث بذكر الإنصاف من النفس، وهو من أعز الخصال، ومعناه: (١٩٨ - ب / ف) أن يعرف الإنسان الحق على نفسه ويوفيه من غير طلب.
وفيه - أيضا -: زيادة الإنفاق من الإقتار؛ ويشهد لفضله: قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾ [الحشر: ٩] وقوله ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وفي " المسند " من حديث علي ابن أبي طالب أن ثلاثة تصدقوا: رجل كان له ألف درهم فتصدق بمائة، وآخر كان له مائة فتصدق بعشرة، وآخر كان له عشرة فتصدق بدرهم، فقال النبي ﷺ " أنتم في الأجر سواء " (^٤) .
يعني أن كلا منهم تصدق بعشر ماله، فاعتبر الباقي بعد الصدقة؛ فمن تصدق بدرهم وبقي له بعده كثير ليس كمن تصدق بدرهم وبقي له بعده درهم آخر أو درهمان.
_________________
(١) في " اليونينية ": " أن رجلا سأل رسول الله ".
(٢) " أن " ليست في " اليونينية "..
(٣) الباب رقم: (٦)، والحديث رقم: (١٢) .
(٤) " المسند " (١ / ٩٦، ١١٤ - ١١٥) .
[ ١٣٥ ]
وروى مسدد: حدثنا أبو قدامة ثنا صفوان ابن عيسى: ثنا محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " سبق درهم مائة ألف درهم " قالوا: يا رسول الله! وكيف يسبق درهم مائة ألف درهم؟ قال: " رجل له درهمان فأخذ أجودهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخرج منه عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها " (^١) .
_________________
(١) . النسائي في " الكبرى " (٢ / ٣٢)، ورواه أيضا عن الليث بن سعد، عن ابن عجلان، من سعيد المقبري والقعقاع بن حكيم، عن أبي هريرة، ويشبه أن يكون القول قول الليث، والقعقاع لم يلق أبا هريرة أشار إليه البخاري في " التاريخ " (٧ / ١٨٨) ونص عليه المزي في " التهذيب " (٢٣ / ٦٢٣) وحديث ابن عجلان، عن المقبري، تكلم فيه القطان كما في شرح علل الترمذي (٢ / ٦٧٠)
[ ١٣٦ ]
٢١ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " كفران العشير ".
(٢) مسلم (٩٠٧) .
[ ١٣٧ ]
٢٩ - مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال (^١): " أريت النار فرأيت (^٢) أكثر أهلها النساء بكفرهن " قيل أيكفرون (^٣)؟ قال: " يكفرن العشير ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط "
وقال البخاري: كفر دون كفر (^٤) . والكفر قد يطلق ويراد به الكفر الذي لا ينقل عن الملة مثل كفران العشير ونحوه عند إطلاق الكفر (^٥) .
فأما إن ورد الكفر مقيدا بشيء فلا إشكال في ذلك كقوله تعالى ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل: ١١٢] . وإنما المراد هاهنا: أنه قد يرد إطلاق الكفر ثم يفسر بكفر غير ناقل عن الملة، وهذا كما قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [المائدة: ٤٤] قال: ليس بالكفر الذي
_________________
(١) " قال " ليست في " اليونينية ".
(٢) كلمة " فرأيت " ليست في " اليونينية " ونبه عليها القسطلاني وغيره.
(٣) في " اليونينية ": " أيكفرون بالله ".
(٤) جعل المصنف قول البخاري عقب الحديث، وهو في " اليونينية " وغيرها في ترجمة الباب قبل الحديث، وصنع مثله في الحديث رقم (٤٠) .
(٥) وقد أحال هذا الباب من " كتاب الإيمان " عند شرحه لحديث (١٠٣٨) .
[ ١٣٧ ]
تذهبون إليه؛ إنه ليس بكفر ينقل عن الملة ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ كفر دون كفر. خرجه الحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد.
وعنه في هذه الآية قال: هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وكذا قال عطاء وغيره: كفر دون كفر. وقال النخعي: الكفران كفران: كفر بالله وكفر بالمنعم (^٢) . واستدل البخاري لذلك بحديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا، وهو قطعة من حديث طويل خرجه في " أبواب الكسوف " (^٣)، فإنه النبي ﷺ أطلق على النساء الكفر فسئل عنه فسره بكفر العشير.
وحديث أبي سعيد (^٤) في هذا المعنى يشبه حديث ابن عباس. وقد خرج هذا المعنى من حديث ابن عمر، وأبي هريرة – أيضا – وفي المعنى – أيضا - حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " وقد خرجه البخاري (^٥) في موضع آخر. وكذلك قوله ﷺ: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب
_________________
(١) في " المستدرك " (٢ / ٣١٣) .
(٢) انظر هذه الأقوال في " تفسير ابن كثير " (٣ / ١١١) .
(٣) (فتح: ١٠٥٢) .
(٤) سيأتي برقم (٣٠٤) .
(٥) أخرجه مسلم برقم (١٣٢/ ٧٩، ٨٠) .
[ ١٣٨ ]
بعض (^١) . وقوله من قال لأخيه: ياكافر، فقد باء بها أحدهما " (^٢) . وللعلماء في هذه الأحاديث وما أشبهها مسالك متعددة: منهم: من حملها على من فعل ذلك مستحلا لذلك.
وقد حمل مالك حديث: " من قال لأخيه: يا كافر " على الحرورية المعتقدين لكفر المسلمين بالذنوب. نقله عنه أشهب (^٣) وكذلك حمل (١٩٩ – أ / ف) إسحاق بن راهوية حديث " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر " (^٤) على المستحل لذلك. نقله عنه حرب وإسحاق الكوسج. ومنهم من يحملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة – كما تقدم عن ابن عباس وعطاء. ونقل إسماعيل الشالنجي عن أحمد – وذكر له قول ابن عباس المتقدم وسأله: ما هذا الكفر؟ - قال أحمد: هو كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف (^٥) فيه.
قال محمد بن نصر المروزي (^٦):. واختلف من قال من أهل الحديث أن مرتكب الكبائر مسلم وليس بمؤمن هل يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة كما قال عطاء: كفر دون كفر، وقال ابن عباس وطاوس: كفر لا ينقل عن الملة (^٧)؟ على قولين لهم.
_________________
(١) (فتح: (٤٨) .
(٢) البخاري (فتح: ١٢١)، ومسلم (٦٥) .
(٣) (فتح: ٦١٠٣)، ومسلم (٦٠) .
(٤) " التمهيد " (١٧ / ١٥) .
(٥) أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥) .
(٦) في " ف ": " تختلف " كذا، والموافق للسياق ما أثبتناه. .
(٧) " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٢٧) .
[ ١٣٩ ]
قال: وهما مذهبان في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أهل الحديث. قلت: قد أنكر أحمد في رواية المروذي ما روي عن عبد الله بن عمرو أن شارب الخمر يسمى كافرا ولم يثبته عنه؛ مع أنه قد روي عنه من وجوه كثيرة وبعضها إسناده حسن، وروي عنه مرفوعا (^١) .
وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جواز إطلاق كفر النعمة على أهل الكبائر، ونصب الخلاف في ذلك مع الزيدية من الشيعة، والإباضية من الخوارج. ورواية إسماعيل الشالنجي عن أحمد قد توافق ذلك. فمن هنا حكى محمد بن نصر عن أحمد في ذلك مذهبين (^٢) .
والذي ذكره القاضي أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبو يعلى عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة، وقد حكاه عن أحمد (^٣) .
وقد روي عن جابر بن عبد الله أنه سئل: هل كنتم تسمون شيئا من الذنوب: الكفر أو الشرك؟ قال: معاذ الله؛ ولكنا نقول مذنبين. خرجه محمد بن نصر (^٤) وغيره. وكان عمار ينهى أن يقال لأهل الشام الذين قاتلوهم بصفين: كفروا
_________________
(١) سبق وهو في " المستدرك " (٢ / ٣١٣) .
(٢) أخرجه النسائي في " المجتبى " (٨ / ٣١٦) .
(٣) " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٢٧) .
(٤) راجع " تعظيم قدر الصلاة " (٢/ ٥٢٦ – ٥٢٧)، تعظيم قدر الصلاة (٢ / ٨٧٥ – ٨٧٦) .
[ ١٤٠ ]
وقال: قولوا فسقوا. قولوا ظلموا. وهذا قول ابن مبارك وغيره من الأئمة. وقد ذكر بعض الناس أن الإيمان قسمان:
أحدهما: إيمان بالله، وهو الإقرار والتصديق به.
والثاني: إيمان لله، وهو الطاعة والانقياد لأوامره.
فنقيض الإيمان الأول: الكفر، ونقيض الإيمان الثاني: الفسق؛ وقد يسمى كفرا؛ ولكن لا ينقل عن الملة.
وقد وردت نصوص اختلف العلماء في حملها عل الكفر الناقل عن الملة أو على غيره مثل الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة، وتردد إسحاق بن راهوية فيما ورد في إتيان المرأة في دبرها أنه كفر هل هو مخرج عن الدين بالكلية أم لا؟
ومن العلماء من يتوقى الكلام في هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة.
وحكاه ابن حامد في رواية عن أحمد، ذكر صالح بن أحمد وأبو الحارث أن أحمد سئل عن حديث أبي بكر الصديق " كفر بالله تبري من نسب وإن دق، وكفر بالله ادعاء إلى نسب لا يعلم " (^١) قال أحدهما: قال
_________________
(١) أخرجه البزار في " البحر الزخار " (١ / ١٣٩، ١٦٨ – ١٦٩) وقال: " وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا عن أبي بكر، عنه " وقال في موضع آخر: " فتركناه لذلك إذ لم يصح عندنا عن رسول الله ﷺ. وذكره الدارقطني في " العلل " (١ / ٢٥٤ - ٢٥٥)، (٢٦١، ٢٦٣) وقال: " والموقوف أشبه بالصواب ". وقال في موضع آخر (١ / ٢٦٣): " والصواب قول من رواه عن الأعمش موقوفا " وأخرجه الخطيب في " التاريخ " (٣ / ١٤٤)
[ ١٤١ ]
أحمد: قد روي هذا عن أبي بكر، والله أعلم، وقال الآخر: قال ما أعلم، قد كتبناها هكذا. قال أبو الحارث: قيل لأحمد: حديث أبي هريرة " من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر " (^١) فقال: قد روي هذا. ولم يزد على هذا الكلام. وكذا قال الزهري لما سئل عن قول النبي ﷺ: ليس منا من لطم الخدود " وما أشبهه من الحديث فقال: من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم (^٢) .
ونقل عبدوس بن (١٩٩ – ب / ف) مالك العطار أنه ذكر هذه الأحاديث التي ورد فيها لفظ الكفر فقال: نسلمها وإن لم نعرف تفسيرها ولا نتكلم فيه ولا نفسرها إلا بما جاءت (^٣) .
ومنهم من فرق بين إطلاق لفظ الكفر فجوزه في جميع أنواع الكفر سواء كان ناقلا عن الملة أو لم يكن وبين إطلاق اسم الكافر، فمنعه إلا في الكفر الناقل عن الملة؛ لأن اسم الفاعل لا يشتق من الفعل الكامل، ولذلك قال في اسم المؤمن: لا يقال إلا للكامل الإيمان، فلا يستحقه من كان مرتكبا للكبائر حال ارتكابه وإن كان يقال: قد آمن، ومعه إيمانه. وهذا اختيار ابن قتيبة. وقريب منه: قول من قال: إن أهل الكتاب يقال: إنهم أشركوا وفيهم شرك كما قال تعالى ﴿سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: ٣١] ولا
_________________
(١) وراجع " أطراف الغرائب " (٥١٠٧) بتحقيقنا.
(٢) " تعظيم قدر الصلاة " (١ / ٤٨٧)، و" السير " (٥ / ٣٤٦) .
(٣) " طبقات الحنابلة " (١ / ٢٤٥) .
[ ١٤٢ ]
يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق؛ بل يفرق بينهم وبين المشركين كما في قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِين﴾ [البينة: ١] فلا يدخل الكتابية في قوله تعالى ﴿َ وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره. وكذلك كره أكثر السلف أن يقول الإنسان: أنا مؤمن، حتى يقول: إن شاء الله، وأباحوا أن يقول: آمنت بالله.
وهذا القول حسن، لولا ما تأوله ابن عباس وغيره في قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [المائدة: ٤٤]، والله أعلم.
[ ١٤٣ ]
٢٣ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) ترجم البخاري له بـ " باب ظلم دون ظلم ". وقد سقط قبل هذا الباب بابان (٢٢): " المعاصي من أمر الجاهلية "، وباب: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ الآية، وعليه فقد سقط حديث (٣٠ و٣١)
(٢) (١٢٤) .
[ ١٤٤ ]
٣٢ - ابن مسعود قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله ﷺ: أينا لم يظلم نفسه (^١)، فأنزل الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
معنى هذا: أن الظلم يختلف: فيه ظلم، ينقل عن الملة كقوله تعالى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم ذلك: أن يوضع المخلوق في مقام الخالق ويجعل شريكا له في الربوبية وفي الإلهية سبحانه وتعالى عما يشركون. وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يراد به الكفار كقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢]، وقوله ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيل﴾
_________________
(١) كلمة " نفسه " ليست في " اليونينية "، وذكرها القسطلاني، وأشار العيني (١ / ٢٤٦) إلى أنها في بعض النسخ.
[ ١٤٤ ]
الآيات [الشورى: ٤٤] ومثل هذا كثير.
ويراد بالظلم: ما لا ينقل عن الملة، كقوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات﴾ [فاطر: ٣٢] وقوله ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
وحديث ابن مسعود هذا صريح في أن المراد بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ أن الظلم هو الشرك، وجاء في بعض رواياته زيادة: قال " إنما هو الشرك " (^١) .
وروى حمادة بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ، فدخل ذات يوم فقرأ فأتى على هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ إلى آخر الآية فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى أبي ابن كعب فقال: يا أبا المنذر! أتيت قبل على هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ وقد ترى أنا نظلم ونفعل، فقال: يا أمير المؤمنين! إن هذا ليس بذلك، يقول الله تعالى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . -، إنما ذلك الشرك. خرجه محمد بن نصر المروزي (^٢) . وخرجه - أيضا - من طريق حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر أتى على هذه الآية، فذكره (^٣) . وحماد بن سلمه مقدم على حماد بن زيد في علي بن زيد خاصة (^٤) .
_________________
(١) (فتح: ٣٤٢٩) .
(٢) " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٢٤ - ٥٢٥) .
(٣) . " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٢٥)
(٤) وراجع ما نقله المصنف - ﵀ - في " شرح العلل " (١ / ٤١٤)، (٢ / ٦٩٠، ٧٨١) .
[ ١٤٥ ]
وروي - أيضا - بإسناده، عن سفيان، عن (٢٠٠ - أ/ف) ابن جريج، عن عطاء قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسق (^١) .
يعني: أن الفسق قد يكون ناقلا عن الملة كما قال في حق إبليس ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه﴾ [الكهف: ٥٠] وقال ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
وقد لا يكون الفسق ناقلا عن الملة كقوله تعالى ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله في الذين يرمون المحصنات ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج﴾ [البقرة: ١٩٧]، وفسرت الصحابة الفسوق في الحج بالمعاصي كلها، ومنهم من خصها بما ينهى عنه في الإحرام خاصة. وكذلك الشرك: منه ما ينقل عن الملة، واستعماله في ذلك كثير في الكتاب والسنة. ومنه: ما لا ينقل، كما جاء في الحديث: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ِ (^٢)، وفي الحديث: " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل " (^٣)، وسمي الرياء: شركا.
_________________
(١) " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٢٢) .
(٢) أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث ابن عمر.
(٣) أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (١ / ٦٠)، وأبو نعيم في " الحلية " (٧ / ١١٢) من حديث أبي بكر الصديق.
[ ١٤٦ ]
وتأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون﴾ [يوسف: ١٠٦] قال: إن أحدهم يشرك حتى يشرك بكلبه: لولا الكلب لسرقنا الليلة، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
وقد روي أنها نزلت في الرياء في العمل. وقيل للحسن: يشرك بالله؟ قال: لا؛ ولكن أشرك بذلك العمل عملا يريد به الله والناس، فذلك يرد عليه.
[ ١٤٧ ]
٢٩ - فصل (^١)
خرج الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة وعن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الأديان أحب على الله؟ قال:: الحنيفية السمحة " (^٢) . وخرجه الطبراني ولفظه: أي الإسلام أفضل؟ (^٣) . وخرجه البزار في " مسنده ولفظه: أي الإسلام - أو أي الإيمان - أفضل؟ (^٤) . وهذا الإسناد ليس على شرط البخاري؛ لأنه لا يحتج بابن إسحاق ولا بروايات داود بن الحصين، عن عكرمة فإنها مناكير عند ابن المديني، والبخاري لا يخالف في ذلك وإن كان قد خرج لهما منفردين.
وخرج البزار هذا الحديث من وجه آخر؛ لكن إسناده لا يصح (^٥) .
_________________
(١) كذا وهو ليس بابا من " أبواب الإيمان " عند البخاري، وليس من عادته في شرحه، وهو شرح لبعض ترجمة الباب (٢٩) من كتاب الإيمان باب " الدين يسر " وبذلك يكون قد سقط عدة أبواب وهي: -
(٢) باب: (٢٤) " علامة المنافق " وفيه حديثان: (٣٣، ٣٤) .
(٣) باب: (٢٥) " قيام ليلة القدر من الإيمان " وفيه حديث: (٣٥) .
(٤) باب: (٢٦) " الجهاد من الإيمان " وفيه حديث: (٣٦) .
(٥) باب: (٢٧) " تطوع قيام رمضان من الإيمان " وفيه حديث: (٣٧) . باب: (٢٨) " صوم رمضان احتسابا من الإيمان " وفيه حديث: (٣٨) . وأخيرا بعض شرحه على ترجمة الباب الذي نحن بصدده - كما نبهنا عليه سلفا.
(٦) " المسند " (١ / ٢٣٦) .
(٧) " المعجم الكبير " (١١ / ٢٢٧)، و" الأوسط " (١٠٠٦) .
(٨) البزار (كشف: / ١ / ٥٨) .
(٩) البزار (كشف: ١ / ٥٨ - ٥٩) .
[ ١٤٨ ]
وخرجه الطبراني من وجه ثالث، ولا يصح إسناده - أيضا (^١) .
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال لهم يوم زفن (^٢) الحبشة في المسجد: " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني أرسلت بحنيفية سمحة " (^٣) .
وخرج - أيضا - من رواية معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ أنه قال: " إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة " (^٤) . إسناده ضعيف.
وخرج البخاري من حديث:
_________________
(١) الطبراني في " الكبير (١١ / ٢٢٧) .
(٢) كتب فوقها في " ف " علامة تعليق وقال في الهامش: " أي لعبوا ورقصوا ".
(٣) " المسند " (٦ / ١١٦، ٢٣٣) .
(٤) " المسند " (٥ / ٢٦٦) وسبق أن تكلمنا على هذا الإسناد (ص ١٠٣) .
[ ١٤٩ ]
٣٩ - معن بن محمد الغفاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ".
وهذا الحديث تفرد به البخاري، وتفرد بالتخريج لمعن الغفاري. ومعنى الحديث: النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة مالا يحتمله إلا بكلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله ﷺ " لن يشاد الدين أحد إلا غلبه " يعني: أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة فمن شاد الدين غلبه وقطعه (^١) .
_________________
(١) أحال المصنف (ص ١٦٥) تحت شرحه للحديث رقم: (٤٣) إلى شرحه على هذا الحديث. وقد تكلم هناك بما يفيد في هذا الباب.
[ ١٤٩ ]
وفي " مسند الإمام أحمد " (٢٠٠ - ب / ف) عن محجن بن الأدرع قال: أقبلت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي قال: " أتقوله صادقا "؟ قلت: يا نبي الله! هذا فلان وهذا من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة، قال: " لا تسمعه فتهلكه – مرتين أو ثلاث – إنكم أمة أريد بكم اليسر" (^١) . وفي رواية له: " إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره " (^٢) . وفي رواية له – أيضا – قال: " إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة ". وخرجه حميد بن زنجويه وزاد: " اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، الغدوة والروحة وشيء من الدلجة " وخرجه ابن مردويه وعنده: قال: " إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بها العسر " (^٣) .
وفي " المسند " –أيضا -، عن بريدة قال: خرجت فإذا رسول الله ﷺ يمشي فلحقته فإذا بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود فقال لي: " أتراه يرائي؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: فترك يده من يدي ثم جمع بين يديه يصوبهما ويرفعهما ويقول " عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا؛ فإنه من يشاد (^٤) هذا الدين يغلبه " (^٥) .
_________________
(١) " المسند " (٥ / ٣٢) .
(٢) " المسند " (٤ / ٣٣٨) .
(٣) أشار لذلك السيوطي في " الدر المنثور " (١ / ١٩٢) .
(٤) في " ف ": " يشاذ " بالذال المعجمة.
(٥) " المسند " (٥ / ٣٥٠، ٣٦١) .
[ ١٥٠ ]
وفي " المسند " – أيضا -، عن عاصم بن هلال، عن غاضرة بن عروة الفقيمي، عن أبيه: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ " إن دين الله في يسر " – قالها ثلاثا (^١) . وفي المعنى أحاديث أخر. وقوله ﷺ: سددوا وقاربوا وأبشروا ". التسديد: هو إصابة الغرض المقصود، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض المرمى إليه ولم يخطه. والمقاربة: أن يقارب الغرض وإن لم يصبه؛ لكن يكون مجتهدا على الإصابة فيصيب تارة ويقارب تارة أخرى، أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة كما قال تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وقال النبي ﷺ: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (^٢) .
وفي " المسند " و" سنن أبي داود "، عن الحكم بن حزن الكلفي أنه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: " أيها الناس! إنكم لن تطيقوا – أو لن تفعلوا – كل ما أمرتكم؛ ولكن سددوا وأبشروا " (^٣) . وقيل: أراد التسديد: العمل بالسداد – وهو القصد والتوسط في العبادة – فلا يقصر فيما أمر به وولا يتحمل منها مالا يطيقه.
قال النضر بن شميل: السداد: القصد في الدين والسبيل، وكذلك
_________________
(١) " المسند " (٥ / ٦٩) .
(٢) متق عليه من حديث أبي هريرة (فتح: ٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٦) .
(٣) " المسند " (٤ / ٢١٢)، وأبو داود (١٠٩٦) .
[ ١٥١ ]
المقاربة المراد بهما: التوسط بين التفريط والإفراط، فهما كلمتان بمعنى واحد.
وقيل: بل المراد بالتسديد: التوسط في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات والمندوبات، وبالمقاربة: الاقتصار على الواجبات. وقيل فيهما غير ذلك. وقوله " أبشروا " يعني: أن من قصد المراد فليبشر. وخرج البخاري في موضع آخر من " صحيحه " من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " سددوا وقاربوا وأبشروا " (^١) . وقوله" واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل والسير إلى الله، وهي / أول النهار وآخره، وآخر الليل. فالغدوة: أول النهار، والروحة آخره، والدلجة: سير آخر الليل.
وفي " سنن أبي داود " عن النبي ﷺ قال: " إذا سافرتم فعليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل " (^٢) . فسير آخر الليل محمود في سير الدنيا بالأبدان وفي سير القلوب إلى الله بالأعمال.
وخرج البخاري (٢٠١ – أ / ف هذا الحديث في أواخر كتابه، وزاد فيه: " والقصد القصد تبلغوا " (^٣)، يعني أن من دام على سيره إلى الله في
_________________
(١) (فتح: ٦٤٦٧) .
(٢) أبو داود (٢٥٧١) .
(٣) (فتح: ٦٤٦٣) .
[ ١٥٢ ]
هذه الأوقات الثلاثة مع الاقتصاد بلغ، ومن لم يقتصد؛ بل بالغ واجتهد فربما انقطع في الطريق ولم يبلغ.
وقد جاء في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: " إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله؛ فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى " (^١) .
والمنبت: هو المنقطع في سفره قبل وصوله، فلا سفر قطع ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك؛ بل هو كالمنقطع في المفاوز، فهو إلى الهلاك أقرب، ولو أنه رفق براحلته واقتصد في سيره عليها لقطعت به سفره وبلغ إلى المنزل.
كما قال الحسن: نفوسكم مطاياكم؛ فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم ﷿، والله أعلم
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في " الزهد " (ص: ٤٦٩)، والبيهقي (٣ / ١٩) . .
[ ١٥٣ ]
٣١ - فصل (^١)
خرج البخاري من حديث:
_________________
(١) باب " حسن إسلام المرء ". وتأخر عن الترتيب: الباب (٣٠)، فجاء بعد الباب (٣٣) ..
[ ١٥٤ ]
٤١ - زيد بن أسلم، عن (^١) عطاء بن يسار، عن أبي (^٢) سعيد الخدري (^٣) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها (^٤)، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها؛ إلا أن يتجاوز الله عنها "
وخرج البخاري – أيضا – من حديث:
_________________
(١) في " اليونينية ": " أن " بدلا من: " عن ".
(٢) قوله: عن أبي " جاءت في " اليونينية ": " أخبره أن أبا ".
(٣) زاد في " اليونينية " في هذا الموضع: " أخبره ".
(٤) في " اليونينية ": " زلفها " وأشار القسطلاني إلى أنها في بعض النسخ.
[ ١٥٤ ]
٤٢ - همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي (^١) ﷺ قال " إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها ".
إحسان الإسلام تفسر بمعنيين: أحدهما: بإكمال واجتناب محرماته. ومنه الحديث المشهور المروي في " السنن": " من حسن إسلام المرء
_________________
(١) قوله: " عن النبي " جاءت في " اليونينية ": قال: قال رسول الله ".
[ ١٥٤ ]
تركه ما لا يعنيه (^١) فكمال حسن إسلامه – حينئذ – بترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه. ومنه حديث ابن مسعود الذي خرجاه في" الصحيحين " أن النبي ﷺ سئل: أنؤاخذ بأعمالنا في الجاهلية؟ فقال: " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" (^٢) . فإن المراد بإحسانه في الإسلام: فعل واجباته والانتهاء عن محرماته، وبالإساءة في الإسلام: ارتكاب بعض محظوراته التي كانت ترتكب في الجاهلية.
وفي حديث ابن مسعود هذا حديث أبي سعيد – الذي علقه البخاري هنا في أول الباب (^٣) – دليل على أن الإسلام إنما يكفر ما كان قبله من الكفر ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهلية إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها، فإنه إذا أصر عليها في الإسلام لم يكن تائبا منها فلا يكفر عنه بدون التوبة منها.
وقد ذكر ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا كأبي بكر بن عبد العزيز ابن جعفر وغيره، وهو قول طوائف من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وهو اختيار الحليمي.
_________________
(١) الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وراجع " علل ابن أبي حاتم " (٢/ ١٣٢)، " وعلل الدارقطني) (٨ / ٢٥ – ٢٨) وقد تكلم المصنف عليه بتوسع في بيان أن الصواب فيه الإرسال، في كتابه الحفيل " جامع العلوم والحكم " (١ / ٢٨٥) – طبعتنا.
(٢) (فتح: ٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠) .
(٣) قال: قال مالك، عن زيد.
[ ١٥٥ ]
ثم وجدته منصوصا عن الإمام أحمد؛ فنقل الميموني في " مسائله " عن أحمد قال: بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول: لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، والنبي النبي ﷺ يقول في غير حديث: " إنه يؤاخذ "، يعني: حديث شقيق، عن ابن مسعود: أزاد (^١) " إذا أحسنت في الإسلام ". انتهى
وكذلك حكى الجوزجاني عن أهل الرأي أنهم قالوا: إن من أسلم وهو مصر على الكبائر، كفر (٢٠١ – ب / ف) الإسلام كبائره كلها، ثم أنكر عليهم وجعله من جملة أقوال المرجئة. وخالف في ذلك آخرون، وقالوا: بل يغفر له في الإسلام كل ما سبق منه في الجاهلية من كفر وذنب وإن أصر عليها في الإسلام. وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم كابن حامد والقاضي وغيرهما واستدلوا بقول النبي ﷺ " الإسلام يهدم ما كان قبله ". خرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص (^٢) .
وأجاب الأولون عنه: بأن المراد أنه يهدم ما كان قبله مما ينافيه الإسلام من كفر وشرك ولواحق ذلك مما يكون الإسلام توبة منه وإقلاعا عنه جميعا بينه وبين الحديثين المتقدمين. واستدلوا بقوله تعالى ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
_________________
(١) في " ف " كأنها بالراء المهملة، ولعل ما أثبتناه أولى.
(٢) مسلم (١٢١) .
[ ١٥٦ ]
وأجاب الأولون بأن المراد: يغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه. وتأول بعض أهل القول الثاني حديث ابن مسعود على أن إساءته في الإسلام ارتداده عنه إلى الكفر، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني. ومنهم من حمله على إسلام المنافق. وهذا بعيد جدا. ومتى ارتد عن الإسلام أو كان منافقا فلم يبق معه الإسلام حتى يسيء فيه. والاختلاف في هذه المسألة مبني على أصول:
أحدها: قول جمهور أهل السنة والجماعة، والخلاف فيه عن الإمام احمد لا يثبت. وقد تأول ما روي عنه في ذلك المحققون من أصحابه كابن شاقلا والقاضي في كتاب " المعتمد " وابن عقيل في " فصوله ". وأما المعتزلة: فخالفوا في ذلك، وقال من قال منهم كالجبائي (^١) بناء على هذا: إن الكافر لا يصح إسلامه مع إصراره على كبيرة كان عليها في حال كفره. وهذا قول باطل لم يوافقهم عليه أحد من العلماء.
_________________
(١) هو أبو علي بن محمد بن عبد الوهاب البصري، مات بالبصرة سنة ثلاث وثلاثمائة، وكان من شيوخ المعتزلة، ترجم له الذهبي في " السير " (١٤ / ١٨٣ – ١٨٤) .
[ ١٥٧ ]
الأصل الثاني: أن التوبة هل من شرط صحتها إصلاح العمل بعدها أم لا؟ وفي ذلك اختلاف بين العلماء، وقد ذكره ابن حامد من أصحابنا وأشار إلى بناء الخلاف في هذه المسألة على ذلك، والصحيح عنده وعند كثير من العلماء: أن ذلك ليس بشرط.
والأصل الثالث: أن بعض الذنوب قد يعفى عنها بشرط اجتناب غيرها، فإن لم يحصل الشرط لم يحصل ما علق به. وهذا مأخذ أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا، وجعل من هذا الباب أن الصغائر إنما تكفر باجتناب الكبائر، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت المؤاخذة بالصغائر والكبائر. وهذا فيه خلاف يذكر في موضع آخر إن شاء الله. وجعل منه أن النظرة الأولى يعفى عنها بشرط عدم المعاودة، فإن أعاد النظرة أخذ بالأولى والثانية.
والأصل الرابع: أن التوبة من الذنب هي الندم عليه بشرط الإقلاع عنه والعزم على عدم العود إليه، فالكافر إذا أسلم وهو مصر على ذنب آخر صحت توبته مما تاب منه وهو الكفر دون الذنب الذي لم يتب منه؛ بل هو مصر عليه.
وخرج النسائي حديث مالك الذي علقه البخاري هنا، وزاد في أوله: " كتب الله كل حسنة كان أزلفها " (^١) .
_________________
(١) النسائي في " المجتبى " (٨ / ١٠٥، ١٠٦)، وفي " الكبرى " (٦ / ٥٣٠) .
[ ١٥٨ ]
وهذا يشبه قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام لما قال له: أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية، هل لي منها من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ " أسلمت على ما أسلفت من خير " خرجه مسلم (^١) .
وكلاهما يدل على أن الكافر إذا عمل حسنة في حال كفره ثم أسلم فإنه يثاب عليها ويكون إسلامه المتأخر كافيا له في حصول الثواب على حسناته السابقة منه قبل إسلامه (٢٠٢ - أ / ف) .
ورجح هذا القول ابن بطال والقرظي وغيرهما. وهو مقتضى قول من قال: إنه يعاقب بما أصر عليه من سيئاته إذا أسلم – كما سبق وحكى مثله عن إبراهيم الحربي. ويدل عليه - أيضا -: أن عائشة لما سألت النبي ﷺ عن ابن جدعان وما كان يصنعه من المعروف هل ينفعه ذلك؟ فقال: " إنه لم يقل يوما قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " (^٢) . وهذا يدل على أنه لو قال ذلك يوما من الدهر – ولو قبل موته بلحظة لنفعه ذلك. ومما يستدل به – أيضا -: قول النبي ﷺ في مؤمن أهل الكتاب إذا أسلم: " إنه يؤتى أجره مرتين (^٣)؛ مع أنه لو وافى على عمله بكتابه الأول لكان حابطا، وهذا هو اللائق بكرم الله وجوده وفضله.
_________________
(١) (١٢٣) .
(٢) ́المسند " (٦ / ١٢٠) .
(٣) (فتح: ٩٧) ومسلم (١٥٤)، من حديث أبو موسى.
[ ١٥٩ ]
وخالف في ذلك طوائف من المتكلمين وغيرهم وقالوا: الأعمال في حال الكفر حابطة لا ثواب لها بكل حال، وتأولوا هذه النصوص الصحيحة بتأويلات مستكرهة مستبعدة، ولذلك (^١) من كان له عمل صالح فعمل سيئة أحبطته ثم تاب؛ فإنه يعود إليه ثواب ما حبط من عمله بالسيئات.
وقد ورد في هذا آثار عن السلف، قال ابن مسعود: عبد الله رجل سبعين سنة ثم أصاب فاحشة فأحبط الله عمله، ثم أصابته زمانه وأقعد فرأى رجلا يتصدق على مساكين فجاء إليه فأخذ منه رغيفا فتصدق به على مسكين فغفر الله له ورد عليه عمل سبعين سنة. خرجه ابن المبارك في كتاب: البر والصلة "
بل عود العمل هاهنا بالتوبة أولى؛ لأن العمل الأول كان مقبولا، وإنما طرأ عليه ما يحبطه بخلاف عمل الكافر قبل إسلامه. ومن كان مسلما وعمل صالحا في إسلامه ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام، ففي حبوط عمله الأول بالردة خلاف مشهور، ولا يبعد أن يقال: إنه إليه بإسلامه الثاني على تقدير حبوطه، والله أعلم.
وقد وردت نصوص أخر تدل على أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه فإنه تبدل سيئاته في حال كفره حسنات، وهذا أبلغ مما قبله، ويدل على أن التائب من ذنب تبدل سيئاته قبل التوبة بالتوبة حسنات كما دلت عليه الآية في سورة الفرقان، وفي ذلك كلام يطول ذكره هاهنا.
_________________
(١) كذا في " ف "، ولعل الصواب: " وكذلك ".
[ ١٦٠ ]
ولا يستبعد إثابة المسلم في الآخرة بما عمل قبل إسلامه من الحسنات؛ فإنه لابد أن يثاب عليها في الدنيا. وفي إثابته عليها في الآخرة بتحقيق العذاب نزاع مشهور. فإذا لم يكن بد من إثابته فلا يستنكر أن يثاب عليها بعد إسلامه في الآخرة؛ لأن المانع من إثابته عليها في الآخرة هو الكفر، وقد زال. وقد يستدل (^١) لهذا – أيضا – بقول الله ﷿ في قصة أسارى بدر ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى (^٢) إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] وقد كان العباس بن عبد المطلب – وهو من جملة هؤلاء الأسارى – يقول: أما أنا فقد آتاني الله خيرا مما أخذ مني ووعدني المغفرة (^٣) . فهذه الآية تدل على أن الكافر إذا أصيب بمصيبة في حال كفره ثم أسلم فإنه يثاب على مصيبته، فلأن يثاب على ما سلف منه من أعماله الصالحة أولى؛ فإن المصائب يثاب على الصبر عليها والرضى بها، وأما نفس المصيبة (٢٠٢ – ب / ف) فقد قيل: إنه يثاب عليها، وقيل: إنه لا يثاب عليها؛ وإنما يكفر عنه ذنوبه. وهذا هو المنقول عن كثير من الصحابة.
والمعنى الثاني – مما يفسر به إحسان الإسلام -: أن تقع طاعات المسلم
_________________
(١) في " ف" بالمثناه الفوقية والموافق للسياق ما أثبتناه.
(٢) وهي قراءة أبي عمرو، وانفرد بها دون السبعة. قال أبو عطية في " تفسيره " (٨ / ١١٧) .
(٣) أخرج هذا الأثر: ابن جرير في " تفسيره " (١٠ / ٣٥)
[ ١٦١ ]
على أكمل وجوهها وأتمها بحيث يستحضر العامل في حال عمله قرب الله منه واطلاعه عليه فيعمل له على المراقبة والمشاهدة لربه بقلبه. وهذا هو الذي فسر النبي ﷺ به الإحسان في حديث سؤال جبريل ﵇.
وقد دل حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة المذكوران على أن مضاعفة الحسنات للمسلم بحسب حسن إسلامه.
وخرج ابن أبي حاتم (^١) من رواية عطية العوفي، عن ابن عمر قال: نزلت ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] في الأعراب فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن! فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر ثم تلا قوله ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] . ويشهد لهذا المعنى: ما ذكره الله ﷿ في حق أزواج نبيه فقال ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة﴾ إلى قوله ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٠ – ٣٢] فدل على أن من عظمت منزلته ودرجته عند الله فإن عمله يضاعف له أجره.
وقد تأول بعض السلف من بني هاشم دخول آل النبي ﷺ في هذا المعنى لدخول أزواجه؛ فلذلك (^٢) من حسن إسلامه بتحقيق إيمانه وعمله
_________________
(١) راجع " الدر المنثور " فقد عزاه إليه (٣ / ٦٤) .
(٢) كذا في " ف "، ولعل الصواب: " وكذلك ".
[ ١٦٢ ]
الصالح فإنه يضاعف له أجر عمله بحسب حسن إسلامه وتحقيق إيمانه وتقواه والله أعلم.
ويشهد لذلك: أن الله ضاعف لهذه الأمة لكونها خير أمة أخرجت للناس أجرها مرتين، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] .
وفي الحديث الصحيح: " إن أهل التوراة عملوا إلى نصف النهار على قيراط قيراط، وعمل أهل الإنجيل إلى العصر على قيراط قيراط، وعملتم أنتم من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا؟ ! فقال الله: هل ظلمتكم من أجوركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء (^١) .
وأما من أحسن عمله وأتقنه وعمله على الحضور والمراقبة، فلا ريب أنه يتضاعف بذلك أجره وثوابه في هذا العمل بخصوصه على من عمل ذلك العمل بعينه على وجه السهو والغفلة. ولهذا روي في حديث عمار المرفوع: " إن الرجل ينصرف من صلاته وما كتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى بلغ العشر (^٢)؛ فليس ثواب من كتب له عشر عمله كثواب من كتب له نصف ولا ثواب من كتب له نصف عمله كثواب من كتب له عمله كله، والله أعلم
_________________
(١) (فتح: ٥٥٧) .
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤ / ٣٢١)، وأبو داود (٧٩٦)، وغيرهما؛ وهذا الحديث اختلف فيه اختلافا كثيرا على عمار، انظره في ترجمة عمار من " التاريخ الكبير " (٧ / ٢٥ - ٢٦)، والبزار في " مسنده " (٤ / ٢٥١ - ٢٥٢)، والبيهقي (٢ / ٢٨١)، وذكر ابن المديني طرفا من هذا الخلاف – نقله عن المزي في " تهذيبه " … (١٥ / ٣٩٣)، ويروي عن أبي هريرة وهو أحد أوجه الخلاف فيه.
[ ١٦٣ ]
٣٢ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) هو باب " أحب الدين على الله أدومه ".
(٢) (٧٨٥ / ٢٢١) .
[ ١٦٤ ]
٤٣ - عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة فقال: " من هذه " فقالت (^١): فلانة – تذكر من صلاتها – فقال (^٢): " مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا ". وكان أحب الدين إليه: مادام عليه صاحبه.
وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها: الحولاء بنت تويت (^٣) (٢٠٣ – أ / ف) وأن عائشة قالت عنها: زعموا أنها لا تنام الليل " (^٤) . وقول النبي ﷺ " مه " زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل وأمر لها بالكف عما قالته في حقها؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها؛ حيث كانت المرأة حاضرة، ويحتمل – وهو الأظهر وعليه يدل سياق الحديث – أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف
_________________
(١) في " اليونينية ": قالت " وكذا في " إرشاد الساري " ولم يحك غيرها القسطلاني.
(٢) في " اليونينية ": " قال " ولم ينبه القسطلاني على غيرها.
(٣) وضبط " تويت " بمثناتين فوق أوله وآخره، الأولى مضمومة، وهي الحولاء بنت تويت بن حبيب، صحابية، راجع " الإكمال " (١ / ٣٧٥)، و" توضيح المشتبه "، (١ / ٦٧٣) .
(٤) مسلم (٧٨٥ / ٢٢٠) .
[ ١٦٤ ]
للشرع ينهى عن ذكره على وجه التمدح به والثناء به على فاعله، وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله ﷺ: " الدين يسر " (^١) .
فإن المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه، وأن أحب العمل إلى الله مادام صاحبه عليه وإن قل. وقد روي ذلك في حديث آخر. وكذلك كان حال النبي ﷺ كان عمله ديمة، وكان إذا عمل عملا أثبته. وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه، كما قال لعبد الله بن عمرو " لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل " (^٢) . وقوله " إن الله لا يمل حتى تملوا " (^٣) . وفي رواية: " لا يسأم حتى تسأموا " (^٤) . الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم.
كما قال الحسن: إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء فتقول له الملائكة: ما شأنك يا فلان؟ فيقول: إن
_________________
(١) سبق (ص ١٤٩) تحت حديث (٣٩) .
(٢) مسلم (١١٥٩ / ١٨٥) .
(٣) مسلم (٧٨٥/ ٢٢١) .
(٤) مسلم (٧٨٥ / ٢٢٠) .
[ ١٦٥ ]
صاحبي فتر، قال الحسن: أمدوهم – رحمكم الله – بالنفقة. وأيضا – فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه.
وقد صح هذا المعنى في الدعاء وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي، فيدع الدعاء، فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب وإن قطعه واستحسر منع إجابته وسمي هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته، كما قال تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له. هذا أظهر ماقيل في هذا. ويشهد له: أنه قد روي من حديث عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: " اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل ". خرجه بقي بن مخلد؛ وفي إسناده: موسى بن عبيدة. وقد قيل: إن " حتى " هاهنا بمعنى واو العطف؛ ولكن لا يصح دعوى كون " حتى " عاطفة؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل، هذا هو المعروف عند النحويين، وخالف فيه بعضهم. وقيل: إن " حتى " فيه بمعنى " حين "، وهذا غير معروف. وزعم ابن قتيبة أن المعنى: " لا يمل إذا مللتم "، وزعم أن هذا
[ ١٦٦ ]
الاستعمال معروف في كلام العرب، وقد يقال: إن " حتى " بمعنى لام التعليل، وأن المراد أن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل. وفيه بعد – أيضا. ولو كان كذلك لقال: حتى لا تملوا، ويكون التعليل – حينئذ – بإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا (٢٠٣ – ب / ف) لمدوامتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم.
وقد يقال: إنما يدل هذا الكلام عل نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية. ومن يقول: إنه لا مفهوم لها فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية. ومن يقول ذلك بالمفهوم فإنه يقول: متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام. وقد دلت الأدلة عل انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى، ومن جملة ذلك: لحوق السآمة والملل له.
ولكن بعض (^١) أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق؛ بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما يعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره. فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) اشتبهت في " ف " بـ " نقض ".
[ ١٦٧ ]
فصل (^١)
قال البخاري:
_________________
(١) جمع هنا بين كلمة " فصل " و" باب " وذكر ترجمة الباب كاملة وقد نبهنا على ذلك في أوائل " كتاب الإيمان ".
[ ١٦٨ ]
٣٣ - باب
زيادة الإيمان ونقصانه. وقول الله تعالى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص.
استدل البخاري على زيادة الإيمان ونقصانه بقول الله ﷿ ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ وفي زيادة الهدى إيمان آخر كقوله تعالى ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ويفسر هذا الهدى بما في القلوب من الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك.
ويفسر بزيادة ما يترتب على ذلك من الأعمال الصالحة، إما القائمة بالقلوب كالخشية لله ومحبته ورجائه والرضا بقضائه والتوكل عليه ونحو ذلك، أو المفعولة بالجوارح كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، وكل ذلك داخل في مسمى الإيمان عند السلف وأهل الحديث ومن وافقهم - كما سبق ذكره.
واستدل - أيضا - بقوله تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]
[ ١٦٨ ]
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] وقوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] . ويفسر الإيمان في هذه الآيات بمثل ما فسر به الهدى في الآيات المتقدمة. واستدل – أيضا – بقول الله ﷿ ﴿﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فدل على أن الدين ذو أجزاء يكمل بكمالها وينقص بفوات بعضها، وهذه الآية نزلت في آخر حياة النبي ﷺ في حجة الوداع، وقد قيل: إنه لم ينزل بعدها حلال ولا حرام – كما قال السدي (^١) وغيره
وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: بعث الله نبيه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل الله لهم دينهم فقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (^٢) [المائدة: ٣] .
ومعلوم أن النبي ﷺ وأصحابه لم يحجوا حجة الفرض إلا ذلك العام، فلما حجوا حجة الإسلام كمل لهم الدين بتكميلهم أركان
_________________
(١) ذكره ابن جرير في " تفسيره " (٦ / ٥١) .
(٢) راجع " صحيفته " عن ابن عباس (ص: ١٧٠)، والطبري في " تفسيره " (٦ / ٥٢)، ورواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس متكلم فيها؛ فإنه لم يسمع عن ابن عباس، قاله أبو حاتم.
[ ١٦٩ ]
الإسلام – حينئذ – ولم يكن الدين قبل ذلك ناقصا كنقص من ترك شيئا من واجبات دينه؛ بل كان الدين في كل زمان كاملا بالنسبة إلى ذلك الزمان بما فيه من الشرائع والأحكام ما لم يكن قبل ذلك، كما يقال: إن شريعة الإسلام أكمل من شريعة موسى وعيسى، وإن القرآن أكمل من التوراة (٢٠٤ – أ / ف) والإنجيل، وهذا كما سمى النبي ﷺ النساء ناقصات دين وفسر نقصان دينهن بترك الصلاة والصيام في زمن حيضهن مع أنها قائمة في تلك الحال بما وجب عليها من غير الصلاة؛ ولكن نقصان دينها بالنسبة إلى من هي طاهرة تصلي وتصوم. وهذا مبني على أن الدين هو الإسلام بكماله – كما تقدم ذكره – والبخاري عنده أن الإسلام والإيمان واحد – كما تقدم ذكره.
وقد احتج سفيان بن عيينة وأبو عبيد وغيرهما بهذه الآية على تفاضل الإيمان (^١)، قال أبو عبيد: قد أخبر الله أنه أكمل الدين في حجة الوداع في آخر الإسلام، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة في أول نزول الوحي، قال: وقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال: الإيمان ليس هو مجموع الدين؛ ولكن الدين ثلاثة أجزاء، فالإيمان جزء، والفرائض جزء، والنوافل جزء. قال أبو عبيد: وهذا غير ما نطق به الكتاب؛ فإن الله أخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين. انتهى.
فالمرجئة عندنهم: الإيمان: التصديق، ولا يدخل فيه الأعمال، وأما
_________________
(١) راجع " مراسيل " ابنه (ص ١٤٠)، ورواية معاوية بن صالح عنه لا يعتمد عليها. راجع " الصحيفة " (ص: ٤٤) .
[ ١٧٠ ]
الدين: فأكثرهم أدخل الأعمال في مسماه، وبعضهم خالف في ذلك – أيضا -، والآية نص في رد ذلك، والله أعلم.
ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين: أحدهما: حديث:
[ ١٧١ ]
٤٤ - هشام الدستوائي: ثنا قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه (^١) وزن برة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ".
خرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام به، ثم قال: قال أبان: ثنا قتادة: ثنا أنس، عن النبي ﷺ " من إيمان " مكان " خير " (^٢) ففي هذه الرواية التي ذكرها تعليقا صريحا بتفاوت الإيمان الذي في القلوب – وأيضا – فيها التصريح بسماع قتادة له من أنس، فزال ما كان يتوهم من تدليس قتادة. وقد خرج البخاري هذه اللفظة في حديث أنس في أواخر كتابه مسنده من رواية معبد بن هلال العنزي، عن أنس (^٣) . وخرج حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في هذا المعنى – فبما تقدم من كتابه (^٤) – باختلاف لفظ الخير والإيمان كاختلاف حديث أنس.
_________________
(١) حدث هنا سقط في متن الحديث وهو في " اليونينية ": " وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه ".
(٢) في " اليونينية ": " من خير " ووضع فوق قوله " من " رمز (ص) وهو للأصيلي، وكذا نبه القسطلاني وقال: وللأصيلي: " من خير "..
(٣) (فتح: (٧٥١) .
(٤) حديث (٢٢) .
[ ١٧١ ]
والحديث نص في تفاوت الإيمان الذي في القلوب، وقد سبق القول في تفاوت المعرفة وتفاضلها – فيما تقدم (^١) .
الحديث الثاني الذي خرجه في هذا الباب: حديث:
_________________
(١) (ص ١٠ – ١١) عند شرحه لترجمة الباب لأول من " كتاب الإيمان " عند شرحه لقول البخاري: ويزيد وينقص ".
[ ١٧٢ ]
٤٥ - طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة يوم الجمعة.
وقد خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (^١) من وجه آخر عن عمر، وزاد فيه أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
وخرج الترمذي، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة (^٢) . (٢٠٤ – ب / ف)
فهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا؛ إنما تكون بالشرع والاتباع، فهذه الآية لما تضمنت
_________________
(١) (٦ / ٥٣ – ٥٤) .
(٢) الترمذي (٣٠٤٤) .
[ ١٧٢ ]
إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين:
أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة.
والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: أنه يوم الحج الأكبر.
وقد جاء تسمية عيدا من حديث مرفوع خرجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب " (^١) .
وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم. هذا قول جمهور العلماء.
وقال عطاء: إنما هي أعياد لأهل الموسم، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها. وقول الجمهور أصح.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، والنسائي في " المجتبى " (٥ / ٢٥٢)، والترمذي (٧٧٣) .
[ ١٧٣ ]
ولكن الأيام التي يحدث فيها حوادث من نعم الله على عباده لو صامها بعض الناس شكرا من غير اتخاذها عيدا كان حسنا استدلالا بصيام النبي ﷺ عاشوراء لما أخبره اليهود بصيام موسى له شكرا، وبقول النبي ﷺ لما سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: " ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه " (^١) .
فأما الأعياد التي يجتمع عليه الناس فلا يتجاوز بها شرعه الله لرسوله وشرعه الرسول لأمته. والأعياد: هي مواسم الفرح والسرور؛ وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته، كما قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] فشرع لهم عيدين في سنة وعيدا في كل أسبوع، فأما عيدا السنة:
فأحدهما: تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار، فشرع لهم عيدا بعد إكمال صيامهم وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد (^٢) شكرا لذلك.
والعيد الثاني: أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه، فجعل الله عقب ذلك عيدا؛ بل هو العيد الأكبر، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ويقضوا فيه
_________________
(١) مسلم (١١٦٢ / ١٩٨)، وأشار البخاري في " التاريخ " (٥ / ١٩٨) إلى انقطاعه.
(٢) تشتبه في " ف " بـ " العبد " والصواب ما أثبتناه.
[ ١٧٤ ]
تفثهم ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت العتيق ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة، لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام، بخلاف الصيام ويكون شكر (^١) عند أهل الأمصار: الصلاة والنحر، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر؛ ولهذا أمر الله نبيه ﷺ أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر كما شرع ذلك لإبراهيم خليله ﵇ عند أمره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم.
وأما (٢٠٥ ٠ أ / ف) عيد الأسبوع: فهو يوم الجمعة، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها – وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق وفيه خلق آدم وأدخل الجنة – عيدا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة، وشرع لهم الخطبة تذكيرا بنعم الله عليهم وحثا لهم على شكرها، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام. وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر. خرجه الإمام أحمد في " مسنده " (^٢)، وقال مجاهد وغيره. وروي أنه حج المساكين (^٣)، وروي عن علي أنه يوم نسك المسلمين. وقال ابن المسيب: الجمعة أحب إلي من حج التطوع.
_________________
(١) كذا في " ف "، ولعل الصواب: " شكره ".
(٢) (٣ / ٤٣٠) عن أبي لبابة.
(٣) انظر " الضعيفة " للألباني (١٩١) .
[ ١٧٥ ]
وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي؛ فالمبكر في أول ساعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشا، ثم كالمهدي دجاجة. ثم كالمهدي بيضة. ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة. وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيهما وأنه يتجلى فيهم لأهل الجنة عموما يشارك الرجال فيها النساء. فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا والآخرة عموما.
وأما خواص المؤمنين: فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين. وروي عن الحرم (^١): كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد. ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيا. وقد خرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا (^٢) .
ولهذا المعنى – والله أعلم – لما ذكر النبي ﷺ الرؤية في حديث جرير ابن عبد الله البجلي (^٣) أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فإن هذين الوقتين وقت رؤية خواص أهل الجنة ربهم، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتها وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله
_________________
(١) كذا.
(٢) الترمذي (٣٣٣٠)، واستغرب رفعه، وانظر " علل الدارقطني " (٤ / ق ٦٣ – أ، ب) .
(٣) البخاري (فتح: ٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) .
[ ١٧٦ ]
في الجنة في وقتهما.
فتبين بهذا: أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام؛ فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج؛ فأما الزكاة: فليس لها زمان معين تكمل فيه، وأما الشهادتان: فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما. وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة، والله أعلم.
[ ١٧٧ ]
٣٠ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " الصلاة من الإيمان "، كما سينبه المصنف - ﵀ - بعد الحديث وقد ذكر المصنف هذا الباب متأخرا عن مكانه بعد باب (٣٣) .
(٢) (٥٢٥) .
[ ١٧٨ ]
٤٠ - أبي إسحاق، عن البراء أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده – أو قال: أخواله – من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه (^١) أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود (^٢) أعجبهم إذ كان يصلي (٢٠٥ – ب / ف) قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهته قبل البيت أنكروا ذلك. قال زهير: ثنا أبو إسحاق، عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ [البقرة: ١٤٣] ْ قال البخاري: يعني صلاتكم (^٣) .
_________________
(١) زاد في " اليونينية " كلمة: " صلى " ولم ينبه القسطلاني، ولا الحافظ، ولا العيني على سقوطها من إحدى النسخ.
(٢) زاد في " اليونينية " كلمة " قد " وهي كالتي قبلها.
(٣) قول البخاري يعد الحديث حقه أن يكون قبل الحديث مع الترجمة كما في " اليونينية " وغيرها، وصنع مثله في الحديث رقم (٢٩) .
[ ١٧٨ ]
وبوب على هذا الحديث: باب " الصلاة من الإيمان " (^١) . والأنصار للنبي ﷺ فيهم نسب؛ فإنهم أجداده وأخواله من جهة جد أبيه هاشم بن عبد مناف؛ فإنه تزوج بالمدينة امرأة من بني عدي بن النجار يقال لها سلمى، فولدت له ابنه عبد المطلب وفي رأسه شيبة فسمي شيبة، وذكر ابن قتيبة أن اسمه عامر.
والصحيح أن اسمه شيبة؛ وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب بن عبد مناف قدم به من المدينة على مكة فقالت قريش: هذا عبد المطلب. فقال: ويحكم؛ إنما هو ابن أخي شيبة بن عمرو، وهاشم اسمه عمرو. ففي حديث البراء هذا: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة نزل على أجداده – أو قال: أخواله – من الأنصار، وظاهره يدل على أنه نزل على بني النجار؛ لأنهم هم أخواله وأجداده؛ وإنما أراد البراء جنس الأنصار دون خصوص بني النجار. وقد خرج البخاري في كتاب "الصلاة " (^٢) و" أبواب الهجرة " (^٣) من حديث أنس أن النبي ﷺ لما قدم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملإ بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وذكر الحديث.
_________________
(١) وسيأتي (٣ / ٨٨) الإحالة إلى هذا الباب تحت حديث (٣٩٩) في كتاب الصلاة.
(٢) برقم: (٤٢٨) .
(٣) (فتح: ٣٩٣٢) .
[ ١٧٩ ]
وخرج – أيضا – معنى ذلك من حديث الزهري، عن عروة بن الزبير. وأما ما ذكر البراء في حديثه أن النبي ﷺ صلى بالمدينة قبل بيت المقدس ست عشر أو سبعة عشر شهرا (^١): فهذا شك منه في مقدار المدة. وروي عن ابن عباس أن مدة صلاته بالمدينة غلي بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا. خرجه أبو داود (^٢) . وخرج – أيضا – من حديث معاذ أن مدة ذلك كان ثلاثة عشر شهرا (^٣) .
وروي كثير بن عبد الله المزني – وهو ضعيف -، عن أبيه، عن جده عمرو بن عوف قال: كنا مع رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سبعة شهرا (^٤) . وقال سعيد بن المسيب: صلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس تسعة
_________________
(١) في " ف ": " شهر " وما أثبتناه هو الصواب.
(٢) لم نجده في المطبوع من " سنن أبي داود " بعد بحث في مظانه وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢ / ١٣)، وعزاه غير واحد – كابن كثير، والحافظ وغيرهما – للإمام أحمد قي " المسند " (١ / ٣٢٥) وهو في " صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " (ص: ٨٩ - ٩٠) .
(٣) أبو داود (٥٠٧) .
(٤) أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (١ / ٢٤٢) والبزار " كشف " (١ / ٢١٠)، والطبراني في " الكبير" (١٧ / ١٢) .
[ ١٨٠ ]
عشر شهرا، ثم حولت القبلة بعد ذلك قبل المسجد الحرام قبل بدر بشهرين. ورواه بعضهم عن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص. والحفاظ يرون أنه لا يصح ذكر سعد بن أبي وقاص فيه (^١) . وقيل عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث: ستة عشر شهرا (^٢) . وكذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة ابن زيد وغيرهم أن مدة صلاته إلى بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا. وقال الواقدي: الثبت عندنا أن القبلة حولت إلى الكعبة يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشرة شهرا (^٣) . وعن السدي: أن ذلك كان على رأس ثمانية عشر شهرا (^٤) . وقيل: كان بعد خمسة عشر شهرا ونصف. ولا خلاف أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة؛ لكن اختلفوا (٢٠٦ – أ / ف) في أي شهر كان؟ فقيل: في رجب – كما تقدم. وحكي ذلك عن الجمهور (^٥)، منهم ابن إسحاق (^٦) . وقيل في يوم الثلاثاء نصف شعبان.
_________________
(١) راجع " علل الدارقطني " (٤ / ٣٦٥) .
(٢) راجع " تفسير الطبري " (٢ / ١٣) .
(٣) راجع " تاريخ الطبري " (٢ / ٤١٦) .
(٤) راجع " سيرة ابن هشام " (٢ / ٢٤٣) .
(٥) " الطبقات الكبرى " لابن سعد (١ / ٢٤٢) .
(٦) راجع " سيرة ابن هشام " (٢ / ٢٤٣) .
[ ١٨١ ]
وحكي عن قتادة، واختاره محمد بن حبيب الهاشمي وغيره وقيل: بل كان في جمادي الأول (^١) . وحكي عن إبراهيم الحربي، ورواه الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك.
وقوله " وكان يعجبه " يعني: النبي ﷺ – " أن تكون قبلته قبل البيت " – يعني الكعبة – هذا يشهد له قول الله تعالى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
وروى معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة – وكان أكثر أهلها اليهود – أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآية (^٢) [البقرة: ١٤٤]
قال مجاهد: إنما كان يجب أن يحول إلى الكعبة؛ لأن يهود قالوا: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا (^٣)؟ ! . وقال ابن زيد: لما نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]
_________________
(١) راجع " المنتظم " لابن الجوزي (٣ / ٩٣) .
(٢) راجع " صحيفة علي بن أبي طلحة " عنه (ص: ٩٠)، وقد سبق (ص ١٦٩) الكلام عليها وأنها متكلم فيها.
(٣) أخرجها ابن جرير في " تفسيره "، (٢ / ١٣) .
[ ١٨٢ ]
قال رسول الله ﷺ: " هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله – لبيت المقدس – لو أنا استقبلناه " فاستقبله النبي ﷺ ستة عشر شهرا، فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبي ﷺ ورفع وجهه إلى السماء، فنزلت هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ (^١) . ويشهد لهذا: ما في حديث البراء: " وكانت اليهود قد أعجبتهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب – يعني من غير اليهود، وهم النصارى – فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ".
وقد اختلف الناس هل كان النبي ﷺ بمكة قبل هجرته يصلي إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة؟ . فروى عن ابن عباس: إنه كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه. خرجه الإمام أحمد (^٢) . وقال ابن جريج: صلى أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلت الأنصار قبل قدومه ﷺ إلى بيت المقدس ثلاث حجج وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى البيت الحرام. وقال قتادة: صلت الأنصار قبل قدومه ﷺ المدينة نحو بيت المقدس حولين.
_________________
(١) أخرجها ابن جرير في " تفسيره "، (٢ / ١٣) .
(٢) في " مسنده "، (١ / ٣٢٥) .
[ ١٨٣ ]
واستدل من قال: إنما صلى النبي ﷺ إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا فدل على أنه لم يصل إليه غير هذه المدة (^١) . لكن يقال: إنه إنما أراد بعد الهجرة. ويدل عليه – أيضا -: أن جبريل صلى بالنبي ﷺ أول ما فرضت الصلاة عند باب البيت، والمصلي عند باب البيت لا يستقبل بيت المقدس إلا أن ينحرف عن الكعبة بالكلية ويجعلها عن شماله. ولم ينقل هذا أحد [] (^٢) . وهؤلاء منهم من قال: ذلك كان باجتهاد منه لا بوحي – كما تقدم عن ابن زيد. وكذا قال أبو العالية: إنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب. وفي " صحيح الحاكم " (^٣)
عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسول الله ﷺ (٢٠٦ – ب /ف) فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق فقال الله تعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] يعنون: بيت المقدس، فنسخها الله وصرفه إلى البيت العتيق.
وقال: صحيح على شرطهما. وليس كما قال؛ فإن عطاء هذا هو الخراساني، ولم يلق ابن عباس؛
_________________
(١) الكلام هكذا لا يستقيم ولعل هناك سقطا، ولم نستطع تقديره.
(٢) بياض بقدر كلمتين.
(٣) (٢ / ٢٦٧ – ٢٦٨) ..
[ ١٨٤ ]
كذا وقع مصرحا بنسبته في كتاب " الناسخ والمنسوخ " لأبي عبيد، ولابن أبي داود وغيرهما. وقول البراء " وكان أول صلاة صلاها العصر " يعني إلي الكعبة بعد الهجرة. وقد روي عن عمارة بن أوس – وكان قد صلى القبلتين – قال: كنا في إحدى صلاتي العشي ونحن نصلي على بيت المقدس وقد قضينا بعض الصلاة إذ نادى مناد بالباب: إن القبلة قد حولت، فأشهد على إمامنا أنه تحرف. خرجه الأثرم وغيره (^١) .
وخرج الأثرم وابن أبي حاتم من حديث تويلة بنت أسلم قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثه فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو البيت الحرام (^٢) .
وقد روي أن هذه الصلاة كانت صلاة الفجر؛ ففي " الصحيحين " عن ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم على الشام فاستداروا إلى الكعبة (^٣) .
_________________
(١) راجع " الإصابة " (٤ / ٥٧٧) .
(٢) أخرج هذا الحديث الطبراني في " الكبير " (٢٤ / ٢٠٧) مع اختلاف في اللفظ. راجع " الإصابة " (٧ / ٥٤٦)
(٣) (فتح: ٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦) .
[ ١٨٥ ]
وخرج مسلم معناه من حديث أنس – أيضا (^١) . وقد قيل في الجمع بين هذه الأحاديث: إن التحويل كان في صلاة العصر ولم يبلغ أهل قباء إلا في صلاة الصبح. وفيه نظر. وقيل: إن تلك الصلاة كانت الظهر. وقد خرجه النسائي في " تفسيره " من حديث أبي سعيد بن المعلى، عن النبي ﷺ (^٢) . وروي عن مجاهد. وحديث البراء يدل على أن النبي ﷺ صلى صلاة العصر كلها إلى الكعبة وأن الذين صلوا إلى بيت المقدس ثم استداروا إلى الكعبة هم قوم كانوا في مسجد لهم وراء إمام لهم.
وفي حديث ابن عمر: أنهم أهل مسجد قباء، وفي حديث تويلة: مسجد بني حارثة. وقد روي أن النبي ﷺ ومن صلى معه هم الذين استداروا في صلاتهم وأن الكعبة حولت في أثناء صلاتهم. وقد روي نحوه عن مجاهد وغيره. وقد ذكر ابن سعد في كتابه قال: يقال: إن رسول الله ﷺ صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد
_________________
(١) مسلم (٥٢٧) .
(٢) النسائي في " الكبرى " (٦ / ٢٩١) .
[ ١٨٦ ]
الحرام واستدار إليه ودار معه المسلمون (^١) . ويقال: بل زار رسول الله ﷺ أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت لهم طعاما وكانت الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ركعتين، ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمي المسجد القبلتين (^٢) .
وحكي عن الواقدي أنه قال: هذا الثبت عندنا. وروى أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن رويبة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي حين صرفت القبلة فدار النبي ﷺ ودرنا معه في ركعتين. خرجه ابن أبي داود. وأبو مالك: ضعيف جدا. والصواب: رواية قيس بن الربيع، عن زياد بن (٢٠٧ – أ / ف) علاقة عن عمارة بن أوس، وقد سبق لفظه (^٣) .
وروى عثمان بن سعد قال: ثنا أنس بن مالك قال: انصرف رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس وهو يصلي الظهر وانصرف بوجهه إلى القبلة. خرجه البزار (^٤) . وغيره. وعثمان هذا متكلم فيه (^٥) . وخرج الطبراني من رواية عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس.
_________________
(١) " الطبقات الكبرى " لابن سعد (١ / ٢٤١ - ٢٤٢) .
(٢) ابن سعد (١/ ٢٤٢)
(٣) (ص ١٨٥)
(٤) كشف (١ / ٢١٢) .
(٥) راجع " الجرح " (٦ / ١٥٣)
[ ١٨٧ ]
قال: صرف النبي ﷺ عن القبلة وهم في الصلاة فانحرفوا في ركوعهم (^١) .
وعمارة ليس بالقوي (^٢) . وخالف حماد بن سلمة؛ فروى عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآية [البقرة: ١٤٤] فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا – كما هم – نحو القبلة. خرجه مسلم (^٣) وهذا هو الصحيح.
فإن كان التحويل قد وقع في أثناء الصلاة وقد بنى النبي ﷺ على ما مضى من صلاته إلى بيت المقدس استدل بذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي (^٤) في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه وبنى على ما مضى من صلاته. فيدخل في ذلك الأمة إذا عتقت في صلاتها وهي مكشوفة الرأس والسترة قريبة، والمتيمم إذا وجد الماء في صلاته قريبا وقدر على الطهارة به، والمرض إذا صلى بعض صلاته قاعدا ثم قدر على القيام.
وإن كان التحويل وقع قبل صلاة النبي ﷺ بأصحابه؛ ولكن لم يبلغ غيرهم إلا في أثناء صلاتهم فبنوا، استدل به على أن من دخل في صلاته باجتهاد سائغ إلى جهة ثم تبين له الخطأ في أثناء الصلاة أنه ينتقل
_________________
(١) الطبراني في " الصغير " (٣٩٨) .
(٢) رجع " الجرح " (٦ / ٣٦٥ – ٣٦٦)، والكامل " (٥/ ٨٠) .
(٣) (٥٢٧) .
(٤) في " ف ": " للمصلي " وما أثبتناه موافق للسياق.
[ ١٨٨ ]
ويبني. ويستدل به على أن حكم الخطاب لا يتعلق بالمكلف قبل بلوغه إياه، ويستدل به – على التقديرين – على قبول خبر الواحد الثقة في أمور الديانات مع إمكان السماع من الرسول ﷺ بغير واسطة، فمع تعذر ذلك أولى وأحرى. وما يقال من أن هذا يلزم منه نسخ المتواتر – وهو الصلاة إلى بيت المقدس – بخبر الواحد، فالتحقيق في جوابه: أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن؛ فنداء صحابي في الطرق والأسواق بحيث يسمعه المسلمون كلهم بالمدينة ورسول الله ﷺ بها موجود لا يتداخل من سمعه شك فيه أنه صادق فيما يقوله وينادي به، والله أعلم.
وقول البراء: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم يدر ما يقول فيهم فأنزل لله ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]: فهذا خرجه مسلم من طريق إسرائيل (^١)، عن أبي إسحاق، عن البراء – أيضا.
ورواه شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفا في قوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ قال: صلاتكم إلى بيت المقدس (^٢) .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث سماك عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما وجه النبي ﷺ على الكعبة قالوا: يا رسول الله! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون على بيت
_________________
(١) عند مسلم (٥٢٥) من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق.
(٢) أخرجه الطبري في " تفسيره " (٢ / ١١) .
[ ١٨٩ ]
المقدس؟ فأنزل الله ﷿ ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ الآية (^١) . قال عبيد الله بن موسى: هذا الحديث يخبرك أن الصلاة من الإيمان. وهذا هو الذي بوب عليه البخاري في هذا الموضع؛ ولأجله ساق حديث البراء فيه. وكذلك استدل ابن عيينه وغيره من العلماء على أن الصلاة من الإيمان (^٢) . وممن روي عنه أنه فسر هذه الآية بالصلاة إلى بيت المقدس: ابن عباس – من رواية العوفي -، عنه، وسعيد بن المسيب، وابن زيد، والسدي، وغيرهم (^٣) .
وقال قتادة، والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية لما (٢٠٧ – ب / ف) قال قوم من المسلمين: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ (^٤) . وهذا يدل على أن المراد بها الصلاة – أيضا _؛ لأنها هي التي تختص بالقبلة من بين الأعمال. ولم يذكر أكثر المفسرين في هذا خلافا وأن المراد بالإيمان هاهنا الصلاة؛ فإنها علم الإيمان وأعظم خصاله البدنية. وروى ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة – أو
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده "، (١ / ٣٤٧)، وأبو داود (٤٦٨٠)، والترمذي (٢٩٦٤)، ورواية سماك، عن عكرمة مشهورة بالإضطراب. .
(٢) راجع " تعظيم قدر الصلاة " (١ / ٣٤٤) .
(٣) ابن جرير (٢/ ١١ - ١٢)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (١ / ٣٤١ – ٣٤٤) .
(٤) أخرجهما ابن جرير في " تفسيره " (٢ / ١١ –١٢) .
[ ١٩٠ ]
سعيد بن جبير -؛ عن ابن عباس ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ قال: أي القبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى الآخرة أي: ليعطينكم أجرهما جميعا، إن الله بالناس لرءوف رحيم (^١) .
وعن الحسن في هذه الآية قال: ما كان الله ليضيع محمدا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف؛ إن الله بالناس لرءوف رحيم. وهذا القول يدل على أن المراد بالإيمان التصديق مع الانقياد والاتباع المتعلق بالقبلتين معا فيدخل في ذلك الصلاة – أيضا.
_________________
(١) محمد بن أبي أحمد: مجهول.
[ ١٩١ ]
فصل (^١)
قال البخاري:
_________________
(١) هكذا في " ف " كتب: " فصل " وبعده: " قال البخاري "،: وبعده " باب ".
[ ١٩٢ ]
٣٦ - باب (^١)
خوف المؤمن (^٢) أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التميمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق. وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [آل عمران: ١٣٥] .
مراد البخاري بهذا الباب: الرد عل المرجئة بأن المؤمن يقطع لنفسه بكمال الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وأنه لا يخاف على نفسه النفاق العملي مادام مؤمنا. فذكر عن إبراهيم التيمي أنه قال: ما عرضت قولي على عملي إلا
_________________
(١) سقط قبل هذا الباب بابان: باب (٣٤) " الزكاة في الإسلام "، وباب (٣٥) " اتباع الجنائز من الإيمان " وفيهما حديثان (٤٦، ٤٧) .
(٢) سقط بعد كلمة " المؤمن " حرف " من " ولم ينبه القسطلاني في " إرشاد الساري " على سقوطها؛ بينما وضع عليها في " اليونينية " علامة تفيد أنها غير موجودة عند ابن عساكر و" عط " وهي من الرموز التي لم يتبين صاحبها، راجع لذلك مقدمة طبعة الشعب. وقال العيني في " العمدة " (١ / ٣١٤): " وليس في بعض النسخ كلمة " من ".
[ ١٩٢ ]
خشيت أن أكون مكذبا. وهذا معروف عنه، وخرجه جعفر الفريابي بإسناد صحيح عنه ولفظه: " ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون كذابا " (^١) .
ومعناه: أن المؤمن يصف الإيمان بقوله، وعمله نقص عن وصفه، فيخشى على نفسه أن يكون عمله مكذبا لقوله، كما روي عن حذيفة أنه قال: المنافق: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وعن عمر قال: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: وكيف يكون المنافق عليما؟ قال: يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال بالمنكر (^٢) . وقال الجعد أبو عثمان: قلت لأبي رجاء العطاردي: هل أدركت من أدركت من أصحاب النبي ﷺ يخشون النفاق قال: نعم، إني أدركت بحمد الله منهم صدرا حسنا، نعم شديدا نعم شديدا (^٣) . وكان قد أدرك عمر.
وممن كان يتعوذ من النفاق من الصحابة: حذيفة، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري (^٤) . وأما التابعون: فكثير، قال ابن سيرين: ما علي شيء أخوف من هذه
_________________
(١) " صفة المنافق " للفريابي (ص: ١٢٩)، و" الزهد " لأحمد (ص: ٤٢٧)، و" التاريخ الكبير " للبخاري (١ / ٣٣٤ - ٣٣٥) .
(٢) انظر " صفة المنافق " للفريابي (ص: ٦٨) .
(٣) اخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٢ / ٣٠٧)، والفريابي في " صفة المنافق " (ص: ١١٨) .
(٤) راجع " صفة المنافق " فقد أخرج هذه الآثار (ص: ١١٣ – ١٢٢) .
[ ١٩٣ ]
الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨] . وقال أيوب: كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي. وقال معاوية بن قرة: كان عمر يخشاه وآمنه أنا (^١)؟ . وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدا. وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم. قال زيد بن الزرقاء، عن سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث:
نقول الإيمان قول وعمل، وهو يقولون: الإيمان قول ولا عمل
ونقول: الإيمان يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص.
ونحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق (^٢) .
وقال أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي: قد خاف عمر على نفسه النفاق (٢٠٨ – أ / ف) قال (^٣): فقلت للأوزاعي: إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حين سأل حذيفة؛ لكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قول أهل البدع.
وقال الإمام أحمد – في رواية هانيء وسئل: ما يقول فيمن لا
_________________
(١) أخرجه الفريابي في " صفة المنافق "، (ص: ١٢٠) .
(٢) أخرجه الفريابي في " صفة المنافق (ص: ١٢٧) .
(٣) كلمة " قال " تكررت في " ف ".
[ ١٩٤ ]
يخاف النفاق على نفسه؟، - فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ (^١) .
وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره أن النفاق أصغر وأكبر؛ فالنفاق الأصغر: هو نفاق العمل وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم؛ وهو باب النفاق الأكبر، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر: في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية، كما قال تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقال ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّة [الأنعام: ١١٠] .
والأثر الذي ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة: هو معروف عنه من رواية الصلت بن دينار عنه (^٢) . وفي الصلت ضعف. وفي بعض الروايات: عنه، عن ابن أبي مليكة قال: أدركت زيادة على خمسمائة من أصحاب رسول الله ﷺ ما مات أحد منهم إلا وهو يخاف النفاق على نفسه. وأما الأثر الذي ذكره عن الحسن: فقال: ويذكر عن الحسن قال: ما خاف إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق، فهذا مشهور عن الحسن، صحيح عنه. والعجب من قوله في هذا: ويذكر، وفي قوله في الذي قبله: وقال
_________________
(١) مسائل ابن هانيء " (٢ / ١٧٦) .
(٢) أخرجه البخاري في " تاريخه الكبير " (٥ / ١٣٧) من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، به.
[ ١٩٥ ]
ابن أبي مليكة – جزما (^١) .
قال الإمام أحمد في كتاب " الإيمان " له: حدثنا مؤمل قال: سمعت حماد بن زيد قال: ثنا أيوب قال: سمعت الحسن يقول: والله ما أصبح على وجه الأرض مؤمن ولا أمسى على وجهها مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما أمن النفاق إلا منافق.
حدثنا روح بن عبادة قال: ثنا هشام قال: سمعت الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا يخاف النفاق ولا أمنه إلا منافق. وروى جعفر الفريابي في كتاب " صفة المنافق " من حديث جعفر بن سليمان، عن معلى بن زياد قال: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. قال: وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق (^٢) .
وعن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: إن القوم لما رأوا هذا
_________________
(١) . قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١ / ١١١): " وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ ﵀، وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد؛ بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى به – أيضا – لما علم من الخلاف في ذلك، فهنا كذلك " أ. هـ وقال القسطلاني في " إرشاد الساري " (١ / ١٣٦) " وأتى بـ " يذكر " الدالة على التمريض نع صحة هذا الأثر؛ لأن عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى؛ لا أنه ضعيف " أ. هـ
(٢) أخرجه الفريابي في " صفة المنافق " (ص: ١٢١) .
[ ١٩٦ ]
النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هم غير النفاق (^١) .
والروايات في هذا المعنى عن الحسن كثيرة. وقول البخاري بعد ذلك: " وما يحذر من الإصرار عل النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [آل عمران: ١٣٥]: فمراده أن الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة يخشى منها أن يعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكلية وبالوصول إلى النفاق الخالص وإلى سوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك، كما يقال: إن المعاصي بريد الكفر.
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال ك " ويل لأقماع القول ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ".
وأقماع القول: الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه.
وقد وصف الله أهل النار بالإصرار على الكبائر فقال وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] والمراد بالحنث: الذنب الموقع في الحنث وهو الإثم. وتبويب البخاري لهذا الباب يناسب (٢٠٨ – ب / ف) أن يذكر فيه حبوط الأعمال الصالحة ببعض الذنوب كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ١١٩) .
(٢) (٢ / ١٦٥، ٢١٩)، وأخرجه – أيضا – البخاري في " الأدب " (٣٨٠)، والخطيب في " التاريخ "، (٨ / ٢٦٥ – ٢٦٦) .
[ ١٩٧ ]
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] قال الإمام أحمد حدثنا الحسن بن موسى قال: ثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ما يرى هؤلاء أن أعمالا تحبط أعمالا، والله ﷿ يقول ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . ومما يدل على هذا – أيضا – قول الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٤]، وقال ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَاب﴾ الآية [البقرة: ٢٦٦] . وفي صحيح البخاري " أن عمر سأل الناس عنها فقالوا: الله أعلم فقال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، قال عمر: لأي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني (^١) يعمل بطاعة الله ثم يبعث الله إليه الشيطان فيعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله.
وقال عطاء الخراساني: هو الرجل يختم له بشرك أو عمل كبيرة فيحبط عمله كله. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " من ترك صلاة العصر حبط عمله " (^٢) . وفي " الصحيح " – أيضا – أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان
_________________
(١) في " ف ": " يعني "، والمثبت من البخاري (فتح: (٤٥٣٨)
(٢) (فتح: ٥٥٣) .
[ ١٩٨ ]
فقال الله: " من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، قد غفرت لفلان وأحبطت عملك " (^١) . وقالت عائشة: أبلغي زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب.
وهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات، ثم تعود بالتوبة منها.
وخرج ابن أبي حاتم في " تفسيره " من رواية أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل صالح، فأنزل الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ [محمد: ٣٣] فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال ْ (^٢) .
وبإسناده، عن الحسن في قوله ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ قال: بالمعاصي. وعن معمر، عن الزهري في قوله تعالى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ قال الكبائر. وبإسناده، عن قتادة في هذه الآية قال: من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سيء فليفعل ولا قوة إلا بالله؛ فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال: خواتيمها (^٣) .
_________________
(١) مسلم (٢٦٢١) .
(٢) راجع " الدر المنثور " (٦ / ٦٧) فقد عزاه إليه.
(٣) أخرجه ابن جرير في " تفسيره "، (٢٦/ ٣٩) .
[ ١٩٩ ]
وعن السدي قال في هذه الآية يقول: لا تعصوا الرسول ﷺ فيما يأمركم به من القتال فتبطل حسناتكم. وعن مقاتل بن حيان قال: بلغنا أنها نزلت فشقت على أصحاب النبي ﷺ وهم يؤمئذ يرون أنه ليس شيء من حسناتهم إلا هي مقبولة، فلمت نزلت هذه الآية قال أبو بكر: ما هذا الذي يبطل أعمالنا. فبلغني – والله أعلم – أنهم ذكروا الكبائر التي وجبت لأهلها النار حتى جاءت الآية الأخرى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه شيءِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، فقال ابن عمر: لما كانت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك ورددنا إلى الله ﷿، وكنا نخاف على من ركب الكبائر والفواحش أنها تهلكه (^١) .
والآثار عن السلف في حبوط الأعمال بالكبيرة كثيرة جدا يطول استقصاؤها. حتى قال حذيفة قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة. وخرجه البزار عنه مرفوعا (^٢) . (٢٠٩ - أ / ف) . وعن عطاء قال: إن الرجل ليتكلم في غضبه بكلمة يهدم بها عمل ستين سنة أو سبعين سنة. وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد، عنه: ما يؤمن أحدكم أن ينظر النظرة فيحبط عمله. وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارج والمعتزلة خاصة، فقد أبطل فيما قال ولم يقف عل أقوال السلف الصالح في ذلك. نعم المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمان وخلدوا بها في
_________________
(١) راجع تفسير ابن كثير " (٧ / ٣٠٥) .
(٢) " البحر الزخار " (٧ / ٣٣١) .
[ ٢٠٠ ]
النار. وهذا هو القول الباطل الذي تفردوا به في ذلك. ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين:
أحدهما: حديث:
[ ٢٠١ ]
٤٨ - شعبة، عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ".
فهذا الحديث رد به أبو وائل على المرجئة الذين لا يدخون الأعمال في الإيمان؛ فإن الحديث يدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وهو قتال المسلمين، فدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وبعضها يسمى إيمانا. وقد اتهم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث. وأما أبو وائل فليس بمتهم؛ بل هو الثقة العدل المأمون، وقد رواه معه عن ابن مسعود – أيضا -: أبو عمر الشيباني، وأبو الأحوص (^١) وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود (^٢)؛ لكن فيهم من وقفه. ورواه – أيضا – عن النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص (^٣)، وغيره. ومثل هذا الحديث: قول النبي ﷺ: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب
_________________
(١) ذكره الدارقطني في " علله " من طريق أبي ألأحوص، عن عبد الله (٥ / ٣٢٤ – ٣٢٥) وقال: " والموقوف عن أبي الأحوص أصح " ومن طريق أبي عمرو الشيباني سعد بن أياس، عنه (٥ / ٣٣٥) وقال: " ورفعه صحيح ".
(٢) الترمذي (٢٦٣٤)، والنسائي (٧ / ١٢١)، ورواية عبد الرحمن، عن أبيه تكلموا في اتصالها. .
(٣) النسائي في " المجتبى "، (٧ / ١٢١) وفي إسناده اختلاف. انظره مع ترجيح الصواب فيه عند البخاري في " التاريخ " (١ / ٨٨ – ٨٩)، والدار القطني في " العلل " (٤ / ٣٥٧ – ٣٥٨) وراجع " التحفة " (٣ / ٣٠٦) مع " النكت الظراف ".
[ ٢٠١ ]
بعضكم رقاب بعض " (^١) . وقد سبق القول في تسمية بعض الأعمال كفرا وإيمانا مستوفى في مواضع.
قال أبو الفرج زين الدين بن رجب. وقد ظهر لي في القرآن شاهد لتسمية القتال كفرا، وهو قوله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفدُوهُم ْ (^٢) وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٥] .
والمعنى: أن الله حرم على أهل الكتاب أن يقتل بعضهم بعضا أو يخرج بعضهم بعضا من داره، كان اليهود حلفاء الأوس والخزرج بالمدينة، فكان إذا وقع بين الأوس أوالخزرج وبين اليهود قتال ساعد كل فريق من اليهود بحلافه من الأوس والخزرج على أعدائهم فقتلوهم معهم وأخرجوهم معهم من ديارهم بعد أن حرم عليهم ذلك في كتابهم وأقروا به وشهدوا به، ثم بعد أن يوسر أولئك اليهود يفدوهم هؤلاء الذين قاتلوهم امتثالا لما أمروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم، فسمى الله ﷿ فعلهم للافتداء لإخوانهم إيمانا بالكتاب وسمى قتلهم وإخراجهم من ديارهم كفرا بالكتاب؛ فدلت هذه الآية عل أن القتال والإخراج من الديار إذا كان محرما يسمى كفرا، وعل أن فعل بعض
_________________
(١) أخرجه البخاري (فتح: ١٢١)، ومسلم (٦٥) .
(٢) كذا، وهي قراءة، وعند حفص وغيره: " تفادوهم ".
[ ٢٠٢ ]
الطاعات يسمى إيمانا؛ لأنه سمى افتداءهم للأسارى إيمانا؛ وهذا حسن جدا، ولم أر أحدا من المفسرين تعرض له، ولله الحمد والمنة.
الحديث الثاني:
[ ٢٠٣ ]
٤٩ - عبادة بن الصامت أن النبي (^١) ﷺ خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: " إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان (٢٠٩ – ب /ف) فرفعت فعسى (^٢) أن يكون خيرا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس ".
_________________
(١) في " اليونينية ": " رسول الله ".
(٢) في " اليونينية ": " وعسى ".
[ ٢٠٣ ]
٥٠ - إنما خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب لذكر التلاحي.
والتلاحي: قد فسر بالسباب، وفسر بالاختصام والمماراة من دون سباب. ويؤيد هذا: أنه جاء في رواية في " صحيح مسلم ": " فجاء رجلان يحتقان " (^١) – أي: يطلب كل واحد منهما حقه من الآخر ويخاصمه في ذلك. فمن فسره بالسباب احتمل عنده إدخال البخاري للحديث في هذا الباب أن السباب تعجل عقوبته حتى يحرم المسلمون بسببه معرفة بعض ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم. وإنما رجا النبي ﷺ أن يكون ذلك خيرا؛ لأن إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله، أو أوتاره في طلبها، فيكون سببا لشدة الاجتهاد وكثرته.
_________________
(١) مسلم (١١٦٧ / ٢١٧) .
[ ٢٠٣ ]
ولكن بيان الليلة ومعرفتهم إياها بعينها له مزية على إبهامها، فرفع ذلك بسبب التلاحي؛ فدل هذا الحديث على أن الذنوب قد تكون سببا لخفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدين.
وقال ابن سيرين: ما اختلف في الأهل (^١) حتى قتل عثمان. فكلما أحدث الناس ذنوبا أوجب ذلك خفاء بعض أمور دينهم عليهم، وقد يكون في خفائه رخصة لمن ارتكبه وهو غير عالم بالنهي عنه، إذ لو علمه ثم ارتكبه لاستحق العقوبة.
ومن فسر التلاحي بالاختصام قال: مراد البخاري بإدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن التلاحي من غير سباب ليس بفسوق ولا يترتب عليه حكم الفسوق؛ لأنه كان سببا لما هو خير للمسلمين. وهذا هو الذي أشار إليه الإسماعيلي؛ وفيه نظر، والله أعلم. ويحتمل أن يكون مراد البخاري: أن السباب ليس بمخرج عن الإسلام من كونه فسوقا؛ ولهذا قال في الحديث: " فتلاحى رجلان من المسلمين "، فسماههما مسلمين مع تلاحيهما.
وفي " مسند البزار " من حديث معاذ عن النبي ﷺ أنه قال: " إن أول شيء نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان: شرب الخمر، وملاحاة الرجال " (^٢) . وفي إسناده عمروبن واقد الشامي وهو ضعيف جدا.
_________________
(١) كذا، ولعله " الأهلة "
(٢) " كشف " (٣ / ٣٥١)، والطبراني في " الكبير " (٢٠ / ٨٣)
[ ٢٠٤ ]
وإنما حرمت الخمر بعد الهجرة بمدة. ولكن رواه الأوزاعي، عن عروة بن رويم مرسلا. خرجه أبو داود في " مراسيله" (^١) .
_________________
(١) (ص: ٣٤٤) .
[ ٢٠٥ ]
فصل (^١)
قال البخاري:
_________________
(١) كتب في " ف " كلمة " فصل " واتبعها: " قال البخاري ": " باب "
[ ٢٠٦ ]
٣٧ - باب
سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي ﷺ له ثم قال: " جاء جبريل (^١) يعلمكم دينكم "، فجعل ذلك كله دينا، وما بين النبي ﷺ لوفد عبد القيس من الإيمان. وقول الله تعالى ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه﴾ ُ.
تبويب البخاري هاهنا واستدلاله وتقريره يدل عل أنه يرى أن مسمى الإيمان والإسلام واحد؛ فإنه قرر النبي ﷺ أجاب جبريل عن سؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلم الساعة، ثم قال: " هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم " فجعله كله دينا، والدين هو الإسلام لقوله تعالى ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه﴾ [آل عمران: ٨٥] وكذلك قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وأكد ذلك بأن في حديث وفد عبد القيس أنهم سألوا النبي ﷺ عن الإيمان فأجابهم بما أجاب به جبريل عن سؤاله عن الإسلام (^٢)؛ فدل على أن الإسلام والإيمان واحد.
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " ﵇ "، وكذا القسطلاني في " إرشاد الساري " ولم ينبه على سقوطها في إحدى النسخ.
(٢) (فتح: ٥٣) .
[ ٢٠٦ ]
وهذا قول محمد بن نصر المروزي (^١) (٢١٠ - أ / ف) وابن عبد البر وغيرهما.
وأما من فرق بين الإسلام والإيمان – وهم أكثر العلماء من السلف ومن بعدهم – حتى قيل: إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف فأظهر الأجوبة عما ذكره البخاري: أن الإسلام والإيمان تختلف دلالته بالإفراد والاقتران؛ فإن أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وفلذلك فسر النبي ﷺ الإيمان المسئول عنه مفردا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث جبريل الذي قرن فيه الإسلام بالإيمان. وإن اقترنا كان هذا له معنى وهذا له معنى. وبكل حال: فالأعمال داخلة في مسمى الإيمان، لا يختلفون في ذلك. وممن ذكر هذا التفصيل: الخطابي (^٢)، وأبو بكر الإسماعيلي، وحكاه الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة، وحكى أبو بكر ابن السمعاني عن أهل السنة والجماعة التفريق بين الإسلام والإيمان وممن روي عنه التفريق بينهما من السلف: الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر محمد بن علي، والزهري، وحماد بن زيد، وشريك، وابن أبي ذئب، وابن مهدي، وأحمد، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وغيرهم – على اختلاف بينهم في صفة التفريق.
_________________
(١) في " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٣١) .
(٢) راجع " أعلام الحديث " (١ / ١٤٢ – ١٤٥) .
[ ٢٠٧ ]
وروي التسوية بينهما عن الثوري من وجه فيه نظر. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مستوفى بما فيه كفاية، والله أعلم.
ثم خرج البخاري حديث (^١):
_________________
(١) الحديث الآتي أشار إليه المصنف تحت ترجمة الباب: (٢٩) الحديث (١٠٣٩) .
[ ٢٠٨ ]
٥٠ - أبي زرعة ‘ عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: كان يوما بارزا (^١) للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث " قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان " قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قال: متى الساعة؟ قال: " ما المسئول عنها (^٢) بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله " ثم تلا النبي ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَام﴾ ِ (^٣) الآية [لقمان: ٣٤] ثم أدبر فقال " ردوه " فلم يروا شيئا فقال ": " هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم.
" قال البخاري (^٤): جعل ذلك كله من الإيمان. فمراده بهذا الكلام: أن النبي ﷺ سمى جميع ما ذكره في هذا
_________________
(١) في " اليونينية ": " قال: كان النبي ﷺ بارزا يوما ".
(٢) في " ف ": " منها "، والمثبت من " اليونينية ".
(٣) قوله: " الغيث ويعلم ما في الأرحام " ليس في " اليونينية "، و" ينزل " عند الأصلي وحده. وانظر شرح هذه الكلمة (ص ٢١٥) .
(٤) في " اليونينية ": " أبو عبد الله ".
[ ٢٠٨ ]
السؤال دينا، والدين هو الإسلام، كما أخبر الله بذلك. وقد أجاب وفد عبد القيس عن سؤالهم عن الإيمان بما أجاب به جبريل عن سؤال عن الإسلام؛ فدل علي أن الإيمان هو الإسلام وأنه يدخل في مسماه ما يدخل في مسمى الإسلام. هذا تقرير ما ذكره البخاري هاهنا.
وأما المفرقون بين الإسلام والإيمان: فقد تقدم أن المختار عندهم في ذلك: أن الإسلام والإيمان إذا قرن بينهما كان لكل منهما معنى فإذا أفرد أحدهما دخل فيه ما يدخل في الآخر. والتحقيق في التفريق بينهما عند اقترانهما: ما دل عليه هذا الحديث المذكور هاهنا؛ وهو أن الإيمان هو الاعتقادات القائمة بالقلوب، وأصله: الإيمان بالأصول الخمسة التي ذكرها الله في قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُول ُ (٢١٠ – ب / ف) بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فذكر الله في هذه الآية الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والمصير إليه – وهو اليوم الآخر – وهو الذي ذكره النبي ﷺ لجبريل ﵇ في سؤاله عن الإيمان المقرون بالإسلام وفي بعض ألفاظه زيادة ونقص. وفي رواية البخاري هذه ذكر الإيمان بلقاء الله والإيمان بالبعث.
[ ٢٠٩ ]
فأما الإيمان بالبعث: فهو الإيمان بأن الله يبعث من في القبور. والإيمان بلقاء الله معناه: الإيمان بوقوف العباد بين يدي الله ﷿ للمحاسبة بأعمالهم والجزاء بها. وخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ولفظه: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " (^١) . وخرجه ابن حبان، وزاد فيه: " وتؤمن بالجنة والنار والميزان " (^٢) . وأما الإسلام المقرون بالإيمان: ففسره بالأعمال الظاهرة من الأقوال والأعمال وهي: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان. وزاد مسلم في رواية من حديث عمر: " وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". وزاد ابن حبان: " وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء ". وفي رواية البخاري هذه: " أن تعبد الله ولا تشرك به ". والمراد: الإقرار بتوحيده باللسان. وقد يراد به مع ذلك: فعل جميع أنواع العبادات بالجوارح.
_________________
(١) مسلم (٨) .
(٢) " الإحسان " (١ / ٣٩٧) .
[ ٢١٠ ]
وأما الإحسان: ففسره بنفوذ (^١) . البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان ومراتبه. ويتفاوت المؤمنون والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتا كثيرا بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك هاهنا بقوله: " أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قيل: المراد: أن نهاية مقام الإحسان: أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه فيكون مستحضرا ببصيرته وفكرته لهذا المقام فإن عجز عنه وشق عليه انتقل إلى مقام آخر وهو أن يعبد الله على أن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته ولا يخفى عليه شيء من أمره.
وقد وصى النبي ﷺ طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم: ابن عمر، وأبو ذر، ووصى معاذا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من أهله (^٢) . قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. فهذان مقامان: أحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله فيراقبه في حركاته وسكناته وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
_________________
(١) في " ف " بالدال المهملة والصواب ما أثبتناه..
(٢) وانظر (ص ١٠٣) تحت الحديث (٢٤) ..
[ ٢١١ ]
والثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين. وحديث حارثه هو من هذا المعنى؛ فإنه قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وإلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال النبي ﷺ: " عرفت فالزم: عبد نور الله الإيمان في قلبه ". وهو حديث مرسل، وقد روي مسندا (٢١١ - أ / ف) بإسناد ضعيف (^١) . وكذلك قول ابن عمر لعروة لما خطب إليه ابنته في الطواف فلم يرد عليه ثم لقيه فاعتذر إليه وقال: كنا في الطواف تتخايل الله بين أعيننا.
ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله: ما أنا مطلع على
_________________
(١) قال المصنف في كتابه " جامع العلوم والحكم " (١/ ١٠٥ – ١٠٦) طبعتنا – على هذا الحديث: " قد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلا، والمرسل أصح " أ. هـ وأخرج هذا الحديث موصولا: الطبراني في " الكبير " (٣ / ٢٦٦)، والبيهقي في " الشعب ": (٧ / ٢٦٣) . وأخرجه ابن المبارك في " الزهد " (ص: ١٠٦) والبيهقي في " الشعب " (٧ / ٣٦٣) من طريق جعفر بن برقان، وابن المبارك من طريق صالح بن مسمار وقال عنه ابن حبان في " الثقات " (٦ / ٤٦٥): " يروي المراسيل " – كلاهما – عن النبي ﷺ، وقال البيهقي: " هذا منقطع " وقال ابن المبارك عقيب هذا الحديث: " ولا أعلم صالح بن مسمار أسند إلا حديثا واحدا " ورواه ابن حبان في " المجروحين " (١ / ١٥٠) موصولا؛ ولا يصح وروي نحوه من حديث أنس، تفرد به: يوسف بن عطية الصفار، أخرجه البيهقي في " الشعب " (٧ / ٣٦٢)، والعقيلي في " الضعفاء " (٤ / ٤٥٥) وقال بعده: " ليس هذا الحديث إسناد يثبت " أ. هـ، والبزار (كشف: ١ / ٢٦)، وقال بعده: " تفرد به: يوسف، وهو لين الحديث " أ. هـ، وراجع " أطراف الغرائب " (٧١٤، ٧٦٤، ٨٥٧) بتحقيقنا. .
[ ٢١٢ ]
أحبائي إذا جهنم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري.
وبهذا فسر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ [الروم: ٢٧] ومثله قوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ توقَدُ (^١) مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [النور: ٣٥]، قال ابن كعب وغيره من السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. ٌفمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان فعرف ربه وأنس به في خلوته وتنعم بذكره ومناجاته ودعائه حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك؟! بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقيل لآخر: أما تستوحش؟! قال: كيف استوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني (^٢)؟
_________________
(١) كذا بالمثناة الفوقية، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن: بفتح التاء والواو وشد القاف وضم الدال – أي: الزجاجة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر، عن عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى: " توقد " – بضم التاء – أي: الزجاجة، وقرأ عاصم: " يوقد ". أهـ من " المحرر الوجيز " لابن عطية (١١ / ٣٠٦) .
(٢) هو قول محمد بن النضر، أخرجه البيهقي في " الشعب " (١ / ٤٥٨) ..
[ ٢١٣ ]
وقيل لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قال: ويستوحش مع الله أحد؟ ! وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك فلا أنس. وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه (^١) .
وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك (^٢) . وقال ذو النون: علامة المحبين لله: أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلب حب الله أنس بالله؛ لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا غيره. وقوله ﷺ " اعبد الله كأنك تراه " إشارة إلى أن العابد يتخيل ذلك في عبادته، لا أنه يراه حقيقة لا ببصره ولا بقلبه. وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانا كما تراه الأبصار في الآخرة – كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفية – فهو زعم باطل؛ فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة كأبي ذر وابن عباس وغيرهما، وروي عن عائشة – أيضا – أنه حصل للنبي ﷺ مرتين. وروي في ذلك أحاديث مرفوعة – أيضا.
وكذا قال جماعة من التابعين: إنه يراه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد ووعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم التيمي وغيرهم.
_________________
(١) " الحلية (٨ / ١٠٨) .
(٢) " الحلية (٨ / ٣٦٠) .
[ ٢١٤ ]
فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم لم يكن في تخصيص النبي ﷺ بذلك مزية له لا سيما وإنما قالوا: إنها حصلت له مرتين؛ فإن هؤلاء الصوفية يزعمون أن رؤية القلب تصير حالا ومقاما دائما أو غالبا لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء، ويتفرع على ذلك أنواع من الضلالات والمحالات والجهالات، والله يهدي من يشاء إلى سراط مستقيم.
فهذه المقامات الثلاث " الإسلام والإيمان والإحسان يشملها اسم الدين، فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار وإن دخلها بذنوبه، ومن استقام (٢١١ – ب / ف) على الإحسان إلى الموت وصل على الله ﷿، وقال تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] وقد فسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله. خرجه مسلم من حديث صهيب (^١) .
وأما قول جبريل: " أخبرني عن الساعة " فقال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " فمعناه: إن الناس كلهم في وقت الساعة سواء، وكلهم غير عالمين به على الحقيقة؛ ولهذا قال: " في خمس لا يعلمهن إلا الله " ثم تلا ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] وهذه مفاتيح الغيب الذي لا يعلمها إلا الله. وقد جاء عن ابن مسعود أن نبينا أوتي علم كل شيء سوى هذه
_________________
(١) مسلم (١٨١)، وانظر " الكامل " (٢ / ٢٦٠) لابن عدي، و" التتبع " (ص: ٢١٠) للدار قطني، وراجع " جامع العلوم والحكم " (١ / ١٠٣ – ١٠٤) طبعتنا.
[ ٢١٥ ]
الخمس (^١) .
وروي ذلك مرفوعا من حديث ابن عمر (^٢) . وكلاهما في " مسند الإمام أحمد ". وذكر عند عمرو بن العاص العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكره بعض من حضره فقال عمرو:: إنما الغيب خمس، ثم تلا هذه الآية قال: وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله قوم. خرجه حميد بن زنجوية.
وقد زعم بعضهم – كالقرطبي (^٣) – أن هذه الخمس لا سبيل لمخلوق على علم بها قاطع، وأما الظن بشيء منها بأمارة قد يخطيء ويصيب فليس ذلك بممتنع ولا نفيه مراد من هذه النصوص. وقوله: " وسأخبرك عن أشراطها " لما كان العلم بوقت الساعة المسئول عنه غير ممكن انتقل منه إلى ذكر أشراطها وهي علامتها الدالة على اقترانها، وهذا كما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ فقال: " ما أعددت لها؟ " فأعرض عن الجواب عن الساعة إلى ذكر الاستعداد لها؛ لأنه هو المأمور به وهو الذي يعني السائل وغيره وينبغي الاهتمام به. وأما جبريل: فالظاهر – والله أعلم – أنه أراد بسؤاله عن الساعة إظهار انفراد الله بعلمها دون خلقه حتى ينقطع السؤال عنها، فقد كان النبي ﷺ كثيرا يسأل عنها حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا
_________________
(١) " المسند " (١ / ٣٨٦) .
(٢) " المسند " (٢ / ٨٥ – ٨٦) .
(٣) راجع " التفسير " (٤ / ٢٤٣٨) .
[ ٢١٦ ]
فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤] ونزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
وفي رواية عمر بن الخطاب لهذا الحديث: إن جبريل قال للنبي ﷺ " أخبرني عن أمارتها "، وقد ذكر لها النبي ﷺ في هذا الحديث علامتين:
إحداهما: أن تلد الأمة ربها، والمقصود بالرب: السيد. واختلف في معنى ذلك، فقيل: المراد أن يكثر فتوح البلاد الكفر والسبي فيكثر السراري فتلد الإماء الأولاد من سادتهن، وولد السيد بمنزلة السيد فتصير الأمة ولدت ربها بهذا الاعتبار. ومن هؤلاء من قال: أريد أن الملوك يتخذون السراري فتلد الإماء الملوك وهم كالأرباب للناس. ومنهم من قال: إن العجم تلد العرب، والعرب كالأرباب للعجم قاله وكيع بن الجراح. وعلى هذا القول قد استدل بالحديث من يرى بيع أمهات الأولاد ومن يمنعه.
أما من يرى بيعهن: فاستدل بقوله: " تلد الأمة ربها " على أن ولد أم الولد رب لها فيدل على أن أمه رقيقة تنتقل إلى ملكه بوفاة أبيه فيرثها فتعتق عليه فيكون حينئذ ربها حقيقة وتكون قبل انتقالها إلى ولدها رقيقة حكمها كأحكام الفيء (^١) من البيع وغيره، ولولا ذلك لم تورث.
_________________
(١) في " ف " " تشبه " بـ " الغبن " والله اعلم.
[ ٢١٧ ]
ومن منع بيعهن: قال: قد جعل ولد الأمة ربها، وهذا يدل على أنه ربها (٢١٢ - أ / ف) بكل حال سواء مات الأب أو كان حيا، فيدل على أن عتقها مضاف إلى الولد فكان الولد هو الذي أعتق أمه حيث كان هو سبب عتقها، كما روي أن النبي ﷺ قال في مارية لما ولدت إبراهيم " أعتقها ولدها " (^١) وممن استدل بهذا على منع بيعهن: الإمام أحمد. وقيل: المراد بقوله " تلد الأمة ربها " كثرة الفتوح في بلاد الكفار، وجلب الرقيق حتى تجلب المرأة من بلد الكفر صغيرة فتعتق في بلد الإسلام، ثم تجلب أمها بعدها فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بكونها أمها، وقد وقع ذلك في الإسلام. وهذا القول مثل الذي قبله في أن أشراط الساعة كثرة الفتوح وجلب الرقيق من بلاد الكفر.
وقيل: المراد بقوله" أن تلد الأمة ربها " أن يكثر العقوق من الأولاد حتى يعامل الولد أمه معاملة أمته بالسب والإهانة، ويشهد لهذا: أنه جاء
_________________
(١) هذا الحديث اخرجه ابن ماجه (٢٥١٦)، من طريق: الحسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس به مرفوعا. وأورد البخاري هذا الحديث في ترجمة الحسين من " التاريخ " (٢ / ٣٨٨) وقال: " ولم يصح " وأعقبه بأن فتيا ابن عباس على خلاف هذا. واستنكره ابن عدي – أيضا – بإيراده هذا الحديث الضعيف في ترجمة الحسين من " الكامل " (٢ / ٣٥٠) وضعف ابن عبد البر في " التمهيد " (٣ / ١٣٨) الأحاديث في هذا المعنى. وأعل البيهقي في " السنن " (١٠ / ٣٤٦) حديث ابن عباس، وجعل الصواب فيه من قول عمر. وانظر " أطراف الغرائب " (٢٥٨٠) بتحقيقنا. .
[ ٢١٨ ]
في رواية " أن تلد المرأة ربها " فلم يخص بالأمة.
وقيل: المراد بقوله " أن تلد الأمة ربها " أن يكثر الجهل ويقل العلم حتى تباع أمهات الأولاد ولهن أولاد فربما تداولها أيدي الملاك وتطاولت المدد حتى يشتريها بعض أولادها ويستخدمها جاهلا بأنها أمه، وفي هذا القول نظر وبعد. وعلى هذا القول والذي قبله: فالذي من أشراط الساعة هو كثرة الجهل وقلة العلم وفساد الأعمال بظهور العقوق والاستهانة بببيع ما لا يجوز بيعه.
وقيل: بل أراد بولادة الأمة ربها أنه يكثر عدول الناس عند النكاح إلى التسري فقط، والله أعلم.
والعلامة الثانية: أن يتطاول رعاة الإبل البهم في البنيان. والبهم هما بضم الباء، وهو جمع بهيم، ثم قيل: إن المراد به المجهول الذي لا يعرف. قاله الخطابي (^١) . فعلى هذا تكون الرواية " البهم " – بضم الميم – صفة الرعاة.
وقيل: بل المراد به: الذي لاشيء لهم، كما قال: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة بهما ". وقيل: إن " البهم " – بكسر الميم – صفة للإبل، وأن الإبل هي السود وتطاولهم في البنيان: هو بمصيرهم مملوكا ذا ثروة وأموال.
_________________
(١) " أعلام الحديث " (١ / ١٨٢) .
[ ٢١٩ ]
وفي رواية أن النبي ﷺ سئل عنهم فقال: " هم العريب " (^١) . وهذا وقع في زمن بني أمية حيث كانوا يستعملون الأعراب الحفاة على الناس ويستعينون بهم على أعمالهم، ثم لما انتقل الملك عن العرب إلى غيرهم انتقل إلى من كان ببلاده كذلك. وفي هذا إشاره إلى أن من أشراط الساعة فساد ولاة الأمور بجهلهم وجفائهم، ويشهد لهذا: الحديث الآخر: " إذا وكل الأمر على غير أهله فانتظر الساعة " (^٢) . والتطاول في البنيان من أشراط الساعة – أيضا.
وقد خرج البخاري (^٣) . ومسلم من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان "، وقد كان بناء النبي ﷺ للمساجد والبيوت قصيرا.
وقد روي عن الحسن قال: لما بنى النبي ﷺ المسجد قال: " ابنوه عريشا كعريش موسى " قيل للحسين: وما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العريش – يعني السقف (^٤) . وعن الحسن قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان
_________________
(١) أخرجه محمد بن نصر في " تعظيم قدر الصلاة " (١ / ٣٧٥) . وعنده: " العرب " بدلا من " العريب "
(٢) أخرجه البخاري (فتح: ٥٩، ٦٤٩٦) من حديث أبي هريرة. .
(٣) (فتح: ٧١٢١)، وليس عند مسلم، لذلك أشار إليه في " جامع العلوم والحكم " (١ / ١٢١) – طبعتنا - أنه في البخاري فقط. .
(٤) أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " (٢ / ٥٤١، ٥٤٢)، ومن طريقه ابن كثير في " البداية " (٣ / ٢١٥)، وقال: " هذا مرسل ".
[ ٢٢٠ ]
فأتناول سقفها بيدي. وروي عن (٢١٢ - ب / ف) عن عمر أنه كتب إلى أهل البصرة ينهاهم أن لا يرفع أحد بناءه فوق سبع أذرع (^١) .
قال عمار بن أبي عمار: إذا رفع الرجل بناءه فوق سبع أذرع ناداه مناد: يا أفسق الفاسقين! إلى أين؟ ! وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا: " كل بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثر من هذا فهو وبال (^٢) . وفي " سنن أبي داود " عنه أن النبي ﷺ رأى قبة مشرفة فقال: " ما هذه؟ " فقالوا " لفلان، فجاء صاحبها فسلم على النبي ﷺ فأعرض عنه فعل ذلك مرارا حتى هدمها الرجل (^٣) .
وفي " سنن ابن ماجه " عن ابن عباس مرفوعا: " أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها والنصارى بيعها (^٤) . فهذا الحديث قد اشتمل على أصول الدين ومهماته وقواعده ويدخل فيه الإعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة، فجميع علوم الشريعة ترجع إليه من أصول الإيمان والإعتقادات ومن شرائع الإسلام العملية بالقلوب
_________________
(١) وأحال المصنف (٣ / ٣٢٣) عند شرحه للحديث) (٤٥٠) على هذا الموضع. .
(٢) الطبراني في " أوسطه " (٣٠٨١) .
(٣) أبو داود (٥٢٣٧)، وانظر الخلاف في إسناده عند البخاري في " التاريخ " (١ / ٨٧)، و" علل الرازي " (٢ / ١٠٢)، و" شعب الإيمان " للبيهقي (٧ / ٣٩٠ - ٣٩١) .
(٤) ابن ماجه (٧٤٠) .
[ ٢٢١ ]
والجوارح ومن علوم الإحسان ونفوذ البصائر في الملكوت. وقد قيل: إنه يصلح أن يسمى " أم السنة " لرجوعها كلها إليه كما تسمى الفاتحة " أم الكتاب " و" أم القرآن " لمرجعه إليها (^١) .
ثم خرج البخاري بعد هذا: حديث (^٢):
_________________
(١) راجع شرحه علل هذا الحديث في " جامع العلوم والحكم " وهو الحديث الثاني فقد ذكر أشياء لم يذكرها هاهنا، ولكل شرح مزية.
(٢) هذا الحديث تحت باب (٣٨) .
[ ٢٢٢ ]
٥١ - ابن عباس: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتد أحد منهم لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حيت تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.
ومقصود بإيراد هذه الجملة من حديث هرقل: أن الإيمان يزيد حتى يتم، وأن الدين هو الإيمان؛ فإنه سأله: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ ثم أجاب بأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.
والبشاشة: الفرح والاستبشار، ومنه حديث: " لا يوطن أحد المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به كما يتبشش أهل الغائب بغائبهم " (^١) . فدل على أن الإسلام والدين واحد؛ ولك لم يرد بزيادة الإيمان هنا إلا زيادة أهله، وبتمامه قوة أهله وتمكنهم من إظهاره والدعوة إليه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٣٣٤)، والإمام أحمد (٢ / ٣٢٨، ٤٥٣) وغيرهما وفيه اختلاف سندا ومتنا على سعيد المقبري، وقد سود الحافظ الدارقطني في " علله " (٣ب / ق ٦٣ - أ، ب) الخلاف في إسناده فانظره.
[ ٢٢٢ ]
وكلام هرقل - وإن كان لا يحتج به في مثل هذه المسائل العظيمة من أصول الديانات التي وقع الاضطراب فيها - فإن ابن عباس روى هذا الكلام مقررا له مستحسنا وتلقاه عنه التابعون، وعن التابعين أتباعهم كالزهري. فالاستدلال إنما بتداول الصحابة ومن بعدهم لهذا الكلام وروايته واستحسانه، والله ﷾ أعلم.
[ ٢٢٣ ]
٣٩ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب (٣٩) " فضل من استبرأ لدينه "، وقد ذكر المصنف اسم الباب في أثناء الشرح.
(٢) مسلم (١٥٩٩) .
[ ٢٢٤ ]
٥١ - النعمان بن بشير قال (^١): سمعت النبي ﷺ يقول: " الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (^٢) كالراعي (^٣) يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (^٤)، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله (^٥) محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب "
هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها وقد قيل: إنه ثلث العلم أو ربعه.
_________________
(١) في " اليونينية ": " يقول ".
(٢) قوله: " وقع في الحرام " ليس في " اليونينية "، وراجع كلام الحافظ في " الفتح " (١ / ١٢٨)، والعيني في " العمدة " (١ / ٣٤٦) .
(٣) في اليونينية ": " كراعي "، وراجع كلام الحافظ في " الفتح " (١ / ١٢٨) .
(٤) في " اليونينية ": " أن يوقعه " ولم يشر القسطلاني في " إرشاد الساري " على وجود خلاف في النسخ.
(٥) زاد في " اليونينية ": " في أرضه " وهي في رواية غير المستملي، قاله القسطلاني في " إرشاد الساري "، وأشار إليها المصنف في أثناء شرح الحديث.
[ ٢٢٤ ]
وهو حديث (٢١٣ - أ / ف) صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص والمعنى واحد أو متقارب.
وقد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس (^١)؛ وحديث النعمان أصح أحاديث الباب.
ومعنى الحديث: أن الله أنزل كتابه وبين فيه حلاله وحرامه وبين النبي ﷺ لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل والتحريم، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه فصار الحلال والحرام على قسمين:
أحدهما: ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ولا يكاد إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام؛ فهذا هو الحلال البين والحرام البين. ومنه: ما تحليله وتحريمه لعينه كالطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والخبائث من ذلك
_________________
(١) حديث ابن عمر: خرجه الطبراني في " الأوسط " (٢٨٦٨) وفي ط الصغير " (١ / ٥١) وانظر " العلل " للرازي (٢/ ١٣٢، ١٤٢)، و" الضعفاء " للعقيلي (٢ / ٢٥٢) . وحديث عمار بن ياسر: أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١٧٣٥)، وأبو نعيم في " الحلية " (٩ / ٢٣٦)، والعقيلي في " الضعفاء " (٤ / ١٦١) . وحديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠ / ٣٣٣) وحديث جابر: أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٩ / ٧٠) وحديث ابن مسعود: لم نجده.
[ ٢٢٥ ]
كله ومنه: ما تحليله وتحريمه من جهة كسبه كالبيع والنكاح والهبة والهدية وكالربا والقمار والزنا والسرقة والغصب والخيانة وغير ذلك.
القسم الثاني: ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة؛ لخفاء دلالة النص عليه ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال أو من الحرام؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم؛ بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم
أما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه فهو مشتبه عليه؛ فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حله وحرمه واجتنبه فقد استبرأ لدينه وعرضه، بمعنى أنه طلب لهما البراءة مما يشينهما، وهذا معنى الحديث الآخر: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (^١) . وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى، كما في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس (^٢) . وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها م الحرام وبعدها عنه. وقد يقع
_________________
(١) راجع " علل ابن أبي حاتم " (٢ / ١٣٧) من حديث ابن عمر، وقال الخليلي في " الإرشاد " (١ / ٤١٦ - ٤١٧): " الصحيح فيه عن ابن عمر قوله ". و" الكامل " لابن عدي (١/ ٢٠٣) من حديث أنس، والحديث عند الترمذي، والحاكم، وابن حبان.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥) من حديث عطية الساعدي، قال الحافظ في " الإصابة" (٥ / ٢٧٦): " ذكره بعضهم في الصحابة، وهو غلط " أ. هـ.
[ ٢٢٦ ]
الاشتباه في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حله وحرمته، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا؟ وما يشك في زوال ملكه عنه. وهذا قد يرجع فيه إلى الأصل فيبني عليه، وقد يرجع في كثير منه إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ويقع التردد عند تساوي الأمرين. وقد يقع الاشتباه لاختلاط الحلال بالحرام في الأطعمة والأشربة من المائعات (^١) . وغيرها من المكيلات، والموزونات والنقود.
فكل هذه الأنواع من كان عنده فيها علم يدله على حكم الله ورسوله فيها فتبعه فهو المصيب، ومن اشتبهت عليه فإن اتقاها واجتنبها فقد فعل الأولى واستبرأ لدينه وعرضه فسلم من تبعتها في الدنيا والآخرة، ومن اشتبهت عليه فلم يتقها؛ بل وقع فيها فمثله كمثل راع يرعى حول الحمى فإنه يوشك أن يواقعه. وفي رواية: " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ".
ومعنى هذا: أن من وقع في الشبهات كان جديرا بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة (٢١٣ - ب / ف) فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛ ولهذا جاء في رواية: " ومن خالط الريبة يوشك أن يجسر " (^٢) يعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه.
ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزا من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال
_________________
(١) في " ف " تشتبه بـ " المانعات " والموافق للسياق ما أثبتناه.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٢٩)، والنسائي في " المجتبى " (٧ / ٢٤١ - ٢٤٢)، (٨ / ٣٢٧) .
[ ٢٢٧ ]
ولم يتعدوه، وأما من وقع في المشتبه فإنه لا يبقى له إلا الوقوع في الحرام المحض فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر. وقوله: " ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه "، وفي رواية: " ألا وإن حمى الله محارمه " (^١): ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ويمنع الناس من الدخول إليه، فمن تباعد عنه فقد توقى سخط الملك وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى؛ وفي هذا دليل على سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات كما يحرم الخلوة بالأجنبية وكما يحرم شرب قليل ما يسكر كثيره وكما ينهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خشية الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وكما يمنع من تحرك القبلة شهوته في صيامه من القبلة، وكما يؤمر من يباشر امرأته في حال حيضها أن يباشرها من فوق إزار ما بين سرتها وركبتها، وكما يضمن من سيب دابته نهارا بقرب زرع غيره فتفسده، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم فصاد فيه فإنه يضمن في الصورتين على الأصح.
وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها. وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير
_________________
(١) راجع التعليق على الحديث في بدايته في الفرق بينها وبين " اليونينية ".
[ ٢٢٨ ]
إلى ما أداه إليه اجتهادة وطلبه.
ثم ذكر النبي ﷺ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح فلم تنبعث إلى طاعة الله واجتناب سخطه فقنعت بالحلال عن الحرام. وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها وانبعث في معاصي الله ﷿ وما فيه سخطه ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق، فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه.
والقلب الفاسد: هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس؛ فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه.
وقد بوب البخاري على هذا (٢١٤ - أ / ف) الحديث: باب " فضل من استبرأ لدينه ". والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن من اتقى الأمور
[ ٢٢٩ ]
المشتبهة عليه التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام؟ فإنه مستبرىء لدينه بمعنى: أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه؛ ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرض دينه للدنس والشين والقدح، فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيا نزها بريا، وتارة يكون دنسا متلوثا. والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة، وتارة بالرقة والضعف، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن وتارة بأنه غير حسن، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى.
هذا كله إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخص شخص، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسه من حيث هو هو (^١) فإنه يوصف بالنزاهة. قال أبو هريرة: الإيمان نزه، فإن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان. خرجه الإمام أحمد في كتاب " الإيمان "
ومن كلام يحيى بن معاذ: الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك (^٢) .
_________________
(١) كتب في " ف " فوق " هو " الثانية علامة " صح "، حتى يدفع إيهام التكرار.
(٢) إلى هن انتهى ما بأيدينا من كتاب الإيمان، وراجع شرح المصنف على هذا الحديث في كتابه " جامع العلوم والحكم" الحديث السادس، فقد تكلم في شرحه بما لا يدع لمتعقب كلاما، فجزاه الله خير الجزاء.
[ ٢٣٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
قالَ البخاري - رحمه الله تعالى -: