٤٠ - عن عمران بن حصينٍ - ﵁ -: أنّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا، لَم يُصَلِّ في القوم؟ فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسولَ الله أصابتني جنابةٌ ولا ماء، فقال: عليك بالصّعيد، فإنّه يكفيك. (١)
قوله: (عن عمران بن حصين) (٢) الخزاعي. وقد ثبت عنه، أنه كان يسمع كلام الملائكة.
قوله: (إذا هو برجلٍ) لَم أقف على تسميته، ووقع في شرح العمدة للشّيخ سراج الدّين بن الملقّن ما نصّه: هذا الرّجل هو خلاد بن رافع
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧، ٣٤١) ومسلم (٦٨٢) من طريق أبي رجاء العطاردي عن عمران به. مطوَّلا. واقتصر المصنف على الشاهد.
(٢) يكنى أبا نجيد بنون وجيم مصغرًا، وكان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب رايةِ خزاعة يوم الفتح. قاله ابن البرقي. وقال الطبراني: أسلم قديمًا هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه ثم تحوَّل إلى البصرة إلى أن مات بها. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قدمت البصرة وبها عمران بن حصين، وكان عمر بعثه ليفقه أهلها. وأخرج الطبراني وابن منده بسند صحيح عن ابن سيرين. قال: لَم يكن يُقدّم على عمران أحدٌ من الصحابة ممن نزل البصرة. وقال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة. وروى الدارمي عن مطرف عن عمران بن حصين قال: إني مُحدّثك بحديث إنه كان يُسلَّم عليَّ، وإنّ ابن زياد أمرني فاكتويت. فاحتبس عني حتى ذهب أثر الكي. فذكر الحديث في سُنة الحج. مات سنة ٥٢، وقيل سنة ثلاث. الإصابة (٤/ ٧٠٥)
[ ١ / ٣٣٨ ]
بن مالك الأنصاريّ أخو رفاعة، شهد بدرًا، قال ابن الكلبيّ: وقتل يومئذٍ، وقال غيره: له رواية. وهذا يدلّ على أنّه عاش بعد النّبيّ - ﷺ -.
قلت: أمّا على قول ابن الكلبيّ فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه القصّة لتقدّم وقعة بدر على هذه القصّة بمدّةٍ طويلة بلا خلاف، فكيف يحضر هذه القصّة بعد قتله؟.
وأمّا على قول غير ابن الكلبيّ. فيحتمل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النّبيّ - ﷺ - لاحتمال أن تكون الرّواية عنه منقطعة، أو متّصلة لكن نقلها عنه صحابيّ آخر ونحوه.
وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين مَن قال: إنّه قتل ببدرٍ، إلاَّ أن تجيء رواية عن تابعيّ غير مخضرم، وصرّح فيها بسماعه منه، فحينئذٍ يلزم أن يكون عاش بعد النّبيّ - ﷺ -، لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه القصّة، إلاَّ إن وردت رواية مخصوصة بذلك، ولَم أقف عليها إلى الآن.
قوله: (أصابتني جنابة ولا ماء) بفتح الهمزة، أي: معي أو موجود، وهو أبلغ في إقامة عذره.
وفي هذه القصّة مشروعيّة تيمّم الجنب، وسيأتي القول فيه في الحديث الذي بعده.
وفيها جواز الاجتهاد بحضرة النّبيّ - ﷺ -؛ لأنّ سياق القصّة يدلّ على أنّ التّيمّم كان معلومًا عندهم، لكنّه صريح في الآية عن الحدث الأصغر، بناء على أنّ المراد بالملامسة ما دون الجماع، وأمّا الحدث
[ ١ / ٣٣٩ ]
الأكبر فليست صريحة فيه، فكأنّه كان يعتقد أنّ الجنب لا يتيمّم، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النّبيّ - ﷺ - عن هذا الحكم.
ويحتمل: أنّه كان لا يعلم مشروعيّة التّيمّم أصلًا. فكان حكمه حكم فاقد الطّهورين.
ويؤخذ من هذه القصّة. أنّ للعالم إذا رأى فعلًا محتملًا أن يسأل فاعله عن الحال فيه ليوضّح له وجه الصّواب.
وفيه التّحريض على الصّلاة في الجماعة، وأنّ ترك الشّخص الصّلاة بحضرة المصلين معيبٌ على فاعله بغير عذر. وفيه حسن الملاطفة، والرّفق في الإنكار.
قوله: (عليك بالصّعيد) وفي رواية سلم بن زرير " فأمره أن يتيمّم بالصّعيد " واللام فيه للعهد المذكور في الآية الكريمة.
ويؤخذ منه الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام؛ لأنّه أحاله على الكيفيّة المعلومة من الآية، ولَم يصرّح له بها.
قوله: (يكفيك) دليلٌ على أنّ المتيمّم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء.
ويحتمل: أن يكون المراد بقوله " يكفيك " أي: للأداء، فلا يدلّ على ترك القضاء.
تكميل: أخرج البزار من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا: الصعيد الطيب وضوء المسلم. الحديث. وصحَّحه ابن القطان، لكن قال الدارقطني: إنَّ الصواب
[ ١ / ٣٤٠ ]
إرساله.
وروى أحمد وأصحاب السنن من طريق أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان - وهو بضم الموحدة وسكون الجيم - أبي ذر نحوه، ولفظه: إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لَم يجد الماء عشر سنين. وصحَّحه الترمذي وابن حبان والدارقطني.
وروى سعيد بن منصور عن الحسن قال: التيمم بمنزلة الوضوء، إذا تيممت فأنت على وضوء حتى تحدث. وأخرجه حماد بن سلمة في " مصنفه " عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: تصلِّي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لَم تحدث. وأمَّ ابن عباس وهو متيمم. أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما. وإسناده صحيح.
وأشار البخاري (١) إلى أنَّ التيمم يقوم مقام الوضوء. ولو كانت الطهارة به ضعيفة لَمَا أمَّ ابن عباس وهو متيمم مَن كان متوضئًا. وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور.
وذهب بعضهم - من التابعين وغيرهم - إلى خلاف ذلك.
وحجتهم أنَّ التيمم طهارة ضرورية لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت، ولذلك أعطى النبيُّ - ﷺ - الذي أجنب فلم يصل الإناء من الماء ليغتسل به بعد أن قال له: عليك بالصعيد فإنه يكفيك؛ لأنه
_________________
(١) أي: في ترجمته. فقال في صحيحه (باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء) فذكر أثر ابن عباس والحسن وقول يحيى بن سعيد. ثم أورد حديث الباب.
[ ١ / ٣٤١ ]
وجد الماء فبطل تيممه.
وفي الاستدلال بهذا على عدم جواز أكثر من فريضة بتيمم واحد نظرٌ.
وقد أبيح عند الأكثر بالتيمم الواحد النوافل مع الفريضة، إلاَّ أنَّ مالكًا ﵀ يشترط تقدم الفريضة. وشذَّ شريحٌ القاضي، فقال: لا يصلَّى بالتيمم الواحد أكثر من صلاة واحدة فرضًا كانت أو نفلا.
قال ابن المنذر: إذا صحَّت النوافل بالتيمم الواحد صحَّت الفرائض؛ لأن جميع ما يشترط للفرائض مشترط للنوافل إلا بدليل. انتهى.
وقد اعترف البيهقي بأنه ليس في المسألة حديثٌ صحيحٌ من الطرفين. قال: لكن صحَّ عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة، ولا يُعلم له مخالف من الصحابة.
وتعقب: بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس، أنه لا يجب.
واحتج البخاري لعدم الوجوب بعموم قوله " فإنه يكفيك " أي: ما لَم تحدث أو تجد الماء. وحمله الجمهور على الفريضة التي تيمَّم من أجلها، ويصلي به ما شاء من النوافل، فإذا حضرت فريضة أخرى وجب طلب الماء، فإن لَم يجد تيمم. والله أعلم
[ ١ / ٣٤٢ ]