٥٨ - ولمسلمٍ عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا صلاة بحضرة طعامٍ، ولا وهو يدافعه الأخبثان. (٢)
وعن ابن عمر نحوه. (٣)
قوله: (إذا أقيمت الصّلاة) قال ابن دقيق العيد: الألف واللام في " الصّلاة " لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهيّة، بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله " فابدءوا بالعشاء ".
ويترجّح حمله على المغرب، لقوله في الرّواية الأخرى " فابدءوا به قبل أن تصلّوا المغرب " (٤) والحديث يفسّر بعضه بعضًا، وفي رواية
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٠، ٥١٤٨) ومسلم (٥٥٨) من طرق عن هشام بن عروة عن عائشة به.
(٢) أخرجه مسلم (٥٦٠) من طريق عبد الله بن أبي عتيق عن عائشة به. وفيه قصّة.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٢، ٥١٤٧) ومسلم (٥٥٩) من طريق نافع عن ابن عمر. وسيأتي لفظه إن شاء الله في الشرح.
(٤) أخرجه البخاري (٦٧٢) من طريق الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا قُدِّم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلُّوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم. قال ابن حجر في " الفتح " (٢/ ١٦٠): زاد ابن حبان والطبراني في " الأوسط " من رواية موسى بن أَعين عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب " وأحدكم صائم ". وقد أخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن عمرو بدون هذه الزيادة. وذكَرَ الطبراني أنَّ موسى بن أعْيَن تفرد بها. انتهى. وموسى ثقة متفقٌ عليه. انتهى كلام ابن حجر.
[ ٢ / ٥٦ ]
صحيحة " إذا وضع العشاء وأحدكم صائم " انتهى.
وقال الفاكهانيّ: ينبغي حمله على العموم نظرًا إلى العلة وهي التّشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذِكر المغرب لا يقتضي حصرًا فيها لأنّ الجائع غير الصّائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصّائم. انتهى.
وحملُه على العموم إنّما هو بالنّطر إلى المعنى إلحاقًا للجائع بالصّائم وللغداء بالعشاء، لا بالنّظر إلى اللفظ الوارد.
قوله: (وحضر العشاء) كذا رواه سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة. أخرجه البخاري، وقال بعده: قال يحيى بن سعيد ووهيبٌ عن هشيمٍ: إذا وضع.
وقد أخرجه السّرّاج من طريق يحيى بن سعيد الأمويّ عن هشام بن عروة أيضًا، لكنّ لفظه " إذا حضر ". ورواية وهيب وصلها الإسماعيليّ، ورواية يحيى بن سعيد. وصلها البخاري، وأخرجه مسلم من رواية ابن نمير وحفص ووكيع بلفظ " إذا حضر " ووافق كلًا جماعةٌ من الرّواة عن هشام، لكنّ الذين رووه بلفظ " إذا وضع " كما قال الإسماعيليّ أكثر.
والفرق بين اللفظين. أنّ الحضور أعمّ من الوضع، فيحمل قوله " حضر " أي: بين يديه لتأتلف الرّوايات لاتّحاد المخرج، ويؤيّده
[ ٢ / ٥٧ ]
حديث أنس في البخاري بلفظ " إذا قدّم العشاء " ولمسلمٍ " إذا قرّب العشاء " وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنّه لَم يقرّب للأكل كما لو لَم يقرّب.
قوله: (فابدءوا بالعشاء) حمل الجمهور هذا الأمر على النّدب.
ثمّ اختلفوا:
فمنهم: من قيّده بمن كان محتاجًا إلى الأكل، وهو المشهور عند الشّافعيّة، وزاد الغزاليّ: ما إذا خشي فساد المأكول.
ومنهم: من لَم يقيّده، وهو قول الثّوريّ وأحمد وإسحاق، وعليه يدلّ فعل ابن عمر الآتي.
وأفرط ابن حزمٍ. فقال: تبطل الصّلاة.
ومنهم: من اختار البداءة بالصّلاة إلاَّ إن كان الطّعام خفيفًا، نقله ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل. قالوا: يبدأ بالصّلاة إن لَم يكن متعلق النّفس بالأكل، أو كان متعلقًا به، لكن لا يعجله عن صلاته، فإن كان يعجله عن صلاته بدأ بالطّعام واستحبّت له الإعادة.
قوله: (وعن ابن عمر نحوه.) ولفظه عندهما مرفوعًا " إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه "، زاد البخاري: وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام.
وقوله: " إذا وضع عشاء أحدكم " هذا أخصّ من الرّواية الماضية
[ ٢ / ٥٨ ]
حيث قال " إذا وضع العشاء " فيُحمل العَشاء في تلك الرّواية على عشاء من يريد الصّلاة، فلو وضع عشاء غيره لَم يدخل في ذلك.
ويحتمل: أن يقال بالنّظر إلى المعنى: لو كان جائعًا واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولًا يزيل شغل باله ليدخل في الصّلاة وقلبه فارغٌ.
ويؤيّد هذا الاحتمال. عموم قوله في رواية مسلم من طريق أخرى عن عائشة: لا صلاة بحضرة طعامٍ. الحديث، وقول أبي الدّرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ. (١)
قوله: (ولا يعجل) أي: أحدكم المذكور أوّلًا.
وقال الطّيبيّ: أفرد قوله " يعجل " نظرًا إلى لفظ أحدٍ، وجمع قوله " فابدءوا " نظرًا إلى لفظ كم، وقال: والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدءوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتّى يفرغ معكم منه. انتهى.
قوله: (وكان ابن عمر) هو موصول عطفًا على المرفوع، وقد رواه السّرّاج من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع، فذكر المرفوع، ثمّ قال: قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عشاؤه وسمع الإقامة وقراءة الإمام لَم يقم حتّى يفرغ.
ورواه ابن حبّان من طريق ابن جريجٍ عن نافع، أنّ ابن عمر كان
_________________
(١) ذكره البخاري معلَّقًا في " باب إذا حضر الطعام، وإقيمت الصلاة " قال الحافظ في " الفتح " (٢/ ٤٢٠): وصله ابن المبارك في " كتاب الزهد ". وأخرجه محمد بن نصر المروزي في " كتاب تعظيم قدر الصلاة " من طريقه.
[ ٢ / ٥٩ ]
يُصلِّي المغرب إذا غابت الشّمس، وكان أحيانًا يلقاه وهو صائم، فيقدّم له عشاؤه، وقد نودي للصّلاة، ثمّ تقام وهو يسمع فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتّى يقضي عشاءه، ثمّ يخرج فيصلي " انتهى.
وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك.
قوله: (وإنّه يسمع) في رواية الكشميهنيّ " وإنّه ليسمع " بزيادة لام التّأكيد في أوّله.
قال النّوويّ: في هذه الأحاديث كراهة الصّلاة بحضرة الطّعام الذي يريد أكله، لِمَا فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه ممّا يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعةٌ، فإن ضاق صلَّى على حاله محافظةً على حرمة الوقت ولا يجوز التّأخير، وحكى المتولي وجهًا أنّه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت، لأنّ مقصود الصّلاة الخشوع فلا يفوته. انتهى.
وهذا إنّما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثمّ فيه نظرٌ، لأنّ المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفّهما، وخروج الوقت أشدّ من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلَّى لمحافظة الوقت صحّت مع الكراهة، وتستحبّ الإعادة عند الجمهور.
وادّعى ابن حزمٍ: أنّ في الحديث دلالةً على امتداد الوقت في حقّ من وضع له الطّعام ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حقّ النّائم والنّاسي.
[ ٢ / ٦٠ ]
واستدل النّوويّ وغيره بحديث أنس على امتداد وقت المغرب.
واعترضه ابن دقيق العيد: بأنّه إن أريد بذلك التّوسعة إلى غروب الشّفق ففيه نظرٌ، وإن أريد به مطلق التّوسعة فمسلمٌ، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإنّ بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدّرًا بزمنٍ يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيماتٍ يكسر بها سَورة الجوع.
واستدل به القرطبيّ، على أنّ شهود صلاة الجماعة ليس بواجبٍ، لأنّ ظاهره أنّه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصّلاة في الجماعة.
وفيه نظرٌ، لأنّ بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبّان جعل حضور الطّعام عذرًا في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذٍ على إسقاط الوجوب مطلقًا.
وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصّلاة على فضيلة أوّل الوقت.
واستدل بعض الشّافعيّة والحنابلة بقوله " فابدءوا " على تخصيص ذلك بمن لَم يشرع في الأكل، وأمّا من شرع ثمّ أقيمت الصّلاة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصّلاة.
قال النّوويّ: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك، وهو الصّواب.
وتعقّب: بأنّ صنيع ابن عمر اختيار له، وإلا فالنّظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه، لأنّه يكون قد أخذ من الطّعام ما دفع شغل البال به.
ويؤيّد ذلك حديث عمرو بن أُميَّة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل
[ ٢ / ٦١ ]
ذراعًا يحتز منها، فدعي إلى الصلاة، فقام، فطرح السكين، فصلَّى ولَم يتوضأ. (١)
وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة وابن عبّاس، أنّهما كانا يأكلان طعامًا - وفي التّنّور شواءٌ - فأراد المؤذّن أن يقيم، فقال له ابن عبّاس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيءٌ. وفي رواية ابن أبي شيبة " لئلا يعرض لنا في صلاتنا ".
وله عن الحسن بن عليّ قال: العشاء قبل الصّلاة يذهب النّفس اللوّامة.
وفي هذا كلّه إشارة إلى أنّ العلة في ذلك تشوّف النّفس إلى الطّعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا ولا يتقيّد بكلٍّ ولا بعضٍ.
ويستثنى من ذلك الصّائم فلا تكره صلاته بحضرة الطّعام، إذ الممتنع بالشّرع لا يشغل العاقل نفسه به، لكن إذا غلب استحبّ له التّحوّل من ذلك المكان.
فائدتان:
الأولى: قال ابن الجوزيّ: ظنّ قومٌ أنّ هذا من باب تقديم حقّ العبد على حقّ الله، وليس كذلك، وإنّما هو صيانةً لحقّ الحقّ ليدخل الخلق في عبادته بقلوبٍ مقبلةٍ. ثمّ إنّ طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٨) ومسلم (٣٥٥).
[ ٢ / ٦٢ ]
يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا.
الثّانية: ما يقع في بعض كتب الفقه " إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء " لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كذا في شرح التّرمذيّ لشيخنا أبي الفضل.
لكن رأيت بخطّ الحافظ قطب الدّين، أنّ ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل - وهو ابن عليّة - عن ابن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن رافع عن أمّ سلمة مرفوعًا " إذا حضر العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء ".
فإن كان ضبطه فذاك، وإلاَّ فقد رواه أحمد في " مسنده " عن إسماعيل بلفظ " وحضرت الصّلاة " ثمّ راجعت مصنّف ابن أبي شيبة فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد، والله أعلم.
تكميلٌ: روى البيهقيّ بإسنادٍ صحيحٍ عن مجاهدٍ قال: كان ابن الزّبير إذا قام في الصّلاة كأنّه عودٌ، وحدّث أنّ أبا بكر الصّدّيق كان كذلك. قال: وكان يقال: ذاك الخشوع في الصّلاة.
والخشوع تارةً يكون من فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسّكون، وقيل: لا بدّ من اعتبارهما. حكاه الفخر الرّازيّ في " تفسيره ".
وقال غيره: هو معنىً يقوم بالنّفس يظهر عنه سكونٌ في الأطراف
[ ٢ / ٦٣ ]
يلائم مقصود العبادة. ويدلّ على أنّه من عمل القلب حديث (١) عليّ: الخشوع في القلب. أخرجه الحاكم. وأمّا حديث " لو خشع هذا خشعت جوارحه " (٢) ففيه إشارةٌ إلى أنّ الظّاهر عنوان الباطن.
واستدلّ بحديث أنس عند البخاري، أنَّ النّبىّ - ﷺ - قال: أقيموا الرّكوع والسّجود، فوالله إنّى لأراكم من بعدى، وربّما قال: من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم. على أنّ الخشوع لا يجب إذ لَم يأمرهم بالإعادة.
وفيه نظرٌ. نعم. في حديث أبي هريرة عند مسلم: صلَّى رسول الله - ﷺ - يومًا ثمّ انصرف، فقال: يا فلان ألا تحسن صلاتك. وله في روايةٍ أخرى " أتمّوا الرّكوع والسّجود " وفي أخرى " أقيموا الصّفوف " وفي أخرى " لا تسبقوني بالرّكوع ولا بالسّجود ".
وعند أحمد " صلَّى بنا الظّهر وفي مؤخّر الصّفوف رجلٌ فأساء
_________________
(١) قوله (حديث) تجوّز من الشارح يُوهم أنه مرفوع، وليس كذلك بل هو من قول عليٍّ - ﵁ - موقوفًا. كما في المصادر التي أخرجت قوله - ﵁ -.
(٢) أخرجه الحكيم الترمذي عن أبي هريرة كما في الجامع للسيوطي (١٦٩٤٥)، أنَّ النبي - ﷺ - رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال. فذكره. وفي سنده عمرو بن سليمان النخعي. متفق على ضعفه. والمشهور أنه عن سعيد بن المسيب. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٦) وابن المبارك في " الزهد " (١١٨٨) وابن نصر في " تعظيم قدر الصلاة " (١٥١) عن معمر عن رجلٍ عن ابن المسيب .. وسمَّاه عبد الرزاق في " المصنف " (٢/ ٢٦٦) فقال: عن معمر عن أبان به. ورواه عبد الرزاق أيضًا (٢/ ٢٦٦) عن الثوري عن رجلٍ قال: رآني ابن المسيب. فذكره.
[ ٢ / ٦٤ ]
الصّلاة. وعنده من حديث أبي سعيد الخدريّ، أنّ بعض الصّحابة تعمّد المسابقة لينظر هل يعلم به رسول الله - ﷺ - أو لا؟، فلمّا قضى الصّلاة نهاه عن ذلك.
واختلاف هذه الأسباب يدلّ على أنّ جميع ذلك صدر من جماعةٍ في صلاةٍ واحدةٍ أو في صلوات.
وقد حكى النّوويّ الإجماع على أنّ الخشوع ليس بواجب.
ولا يرِدُ عليه قول القاضي حسين: إنّ مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حدٍّ يذهب معه الخشوع أبطلت الصّلاة، وقاله أيضًا أبو زيد المروزيّ، لجواز أن يكون بعد الإجماع السّابق، أو المراد بالإجماع أنّه لَم يصرّح أحدٌ بوجوبه، وكلاهما في أمرٍ يحصل من مجموع المدافعة وترك الخشوع.
وفيه تعقّبٌ على من نسب إلى القاضي وأبي زيد أنّهما قالا: إنّ الخشوع شرط في صحّة الصّلاة، وقد حكاه المحبّ الطّبريّ، وقال: هو محمولٌ على أن يحصل في الصّلاة في الجملة لا في جميعها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضًا.
وأمّا قول ابن بطّالٍ: فإن قال قائل فإنّ الخشوع فرضٌ في الصّلاة، قيل له بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيّته يريد بذلك وجه الله - ﷿ - ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر.
فحاصل كلامه: أنّ القدر المذكور هو الّذي يجب من الخشوع، وما زاد على ذلك فلا.
[ ٢ / ٦٥ ]
وأنكر ابن المنير إطلاق الفرضيّة. وقال: الصّواب أنّ عدم الخشوع تابعٌ لِمَا يظهر عنه من الآثار وهو أمرٌ متفاوتٌ، فإن أثّر نقصًا في الواجبات كان حرامًا، وكان الخشوع واجبًا، وإلِّا فلا.
قوله: (ولمسلم عن عائشة لا صلاة بحضرة طعام) تقدمت مباحثه في الحديث قبله
وقوله: (ولا وهو يدافعه الأخبثان) (١)
_________________
(١) لَم أر كلامًا لابن حجر عن هذه العبارة لتفرّد مسلم بهذه الرواية دون البخاري. قال ابن الملقّن ﵀ في كتابه (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) (٢/ ٣٠١): الكلامُ عليه من وجوه. أحدها: (الأخبثان): الغائط والبول، وقد ورد مصرحًا به في بعض الأحاديث. ثانيها: تقدم الكلام في الحديث قبله على حكم الصلاة بحضرة الطعام. ثالثها: اختلف العلماء كما قال صاحب القبس: في عِلَّة النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين. فقيل: علته عدم الخشوع والإقبال على أفعال الصلاة. وقيل: علته أنه انصبَّ للخروج، فإذا حقنه فكأنه حبسه في ثوبه. وقيل: إذا حَقَنَه كأنه نقض طهارته فيكون مصليًا بغير طهارة. وهذا بعيد كما قاله الشيخ تقي الدين: لأنه إحداث سبب آخر في النواقض من غير دليل صريح فيه، فإن استند في ذلك إلى هذا الحديث فليس بصريح فيما ذكره، وإنما غايته أن يكون مناسبًا أو محتملًا. رابعها: ظاهر الحديث أنَّ المعتبر مدافعة الأخبثين معًا لا أحدهما، وليس كذلك بل كلُّ واحدٍ منهما مُستقل بالكراهة لحديث عبدالله بن أرقم: أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة " رواه مالك وغيره، وإن كان الغائط لا ينفك عن البول غالبًا، فإنه قد لا يدافعه معه لحقنه. قال الشيخ تقي الدين: ومدافعة الأخبثين. إما أن تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو =
[ ٢ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا، فإن أدَّت امتنع الدخول، فإن دخل واختلاّ فسدت، وإن لَم يؤد إلى ذلك، فالمشهور فيه الكراهة. ونقل عن مالك: أنَّ ذلك مؤثّر في الصلاة بشرط شغله عنها، وأنه قال: يعيد في الوقت وبعده، وتأوَّله بعض أصحابه على أنه شغله حتى إنه لا يدري كيف صلَّى فهو الذي يعيد قبل وبعد، وإلاّ فإن كان خفيفاُ فهو الذي يعيد في الوقت. قال القاضي عياض: وكلهم مجمعون على أنه إن بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا يجوز له الدخول فيها، وأنه يقطع الصلاة وإنْ أصابه ذلك فيها، قال: وهذا الذي قدمناه في التأويل. وكلام القاضي فيه بعض احتمال. والتحقيق: ما أشرنا إليه أولًا، لأنه إن منع من ركن أو شرط امتنع الدخول، وفسدت باختلالهما، وإلاّ فهو مكروه إن نُظر إلى المعنى، أو ممتنع إن نُظر إلى ظاهر النهي فلا يقتضي ذلك الإعادة على مذهب الشافعي. وأما ما ذكره من التأويل: في أنه لا يدري كيف صلَّى، وما قاله القاضي: إن بلغ به ما لا يعقل صلاته، فإن أريد بذلك الشكَّ في شيء من الأركان فحكمه حكم من شك في ذلك بغير هذا السبب - وهو البناء على اليقين - وإن أريد به أنه يذهب خشوعه بالكلية فحكمه حكم من صلَّى بغير خشوع، ومذهب جمهور الأمة أنَّ ذلك لا يبطل الصلاة. قلت: ولأَصحابنا وجه ببطلانها، وحكاه أبو عبد الله بن خفيف قولًا عن الشافعي، أفاده عنه ابن العطار، ثم استغربه جدّا. وهو كما ذكر. ثم بحث الشيخ تقي الدين مع القاضي في قوله: لا يضبط حدودها بذلك أيضًا. قال: وهذا الذي ذكرناه إنما هو بالنسبة إلى اعادة الصلاة، وأما بالنسبة إلى جواز الدخول فيها فقد يقال: إنه لا يجوز له أن يدخل في صلاةٍ لا يتمكن فيها ذكر إقامة أركانها وشرائطها. فتلخص أنَّ لمدافع الأخبثين أربعة أحوال. الحالة الأولى: أن يكون بحيث لا يعقل بسببهما الصلاة وضبط حدودها، فلا تحل له الصلاة ولا الدخول فيها إجماعًا. الحالة الثانية: أن يكون بحيث يعقلها مع ذهاب خشوعه بالكلية. الحالة الثالثة: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركنٍ أو شرطٍ. الحالة الرابعة: أن يكون بحيث يؤدي إلى الشك في شيء من الأركان، وقد عرفت =
[ ٢ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حكم ذلك. خامسها: يُلحق بالأخبثين ما في معناهما مما يشغل القلب، ويذهب كمال الخشوع كما ألحق بقوله - ﷺ -: لا يقضي القاضي وهو غضبان " ما في معناه من الجوع المؤلم، والعطش الشديد، والغم، والفرح، ونحو ذلك. سادسها: هذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم إذا صلَّى كذلك، وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل أو تطهَّر خرج الوقت. صلَّى على حالته محافظةً على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها. وفي وجهٍ شاذٍ: أنه لا يُصلِّي بحاله، بل يأكل ويتوضأ وإن خرج الوقت، لأن مقصودها الخشوع فلا يفوت، وإذا صلَّى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه، وصلاته صحيحة عند الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا يجب، خلافًا لأهل الظاهر كما سبق عنهم في حضرة الطعام أيضًا. سابعها: لو لَم يحضره الطعام، ونفسه تتوق إليه فالحكم فيه كما لو حضره، لوجود المعنى وهو ترك الخشوع. قال الشيخ تقي الدين: والتحقيق أنَّ الطعام إذا لَم يحضر، فإن تيسر حضوره عن قرب فلا يبعد أن يكون كالحاضره، والاَّ فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر؛ فإنَّ حضور الطعام يوجب زيادة تشوق وتطلّع إليه، وهذه الزيادة يمكن أن يكون اعتبرها الشارع في تقديم الطعام على الصلاة، فلا ينبغي أن يلحق بها ما لا يساويها للقاعدة الأصولية. أنَّ محلَّ النص إذا اشتمل على وصفٍ يمكن أن يكون معتبرًا لَم يلغ. انتهى
[ ٢ / ٦٨ ]