٦٨ - عن أنس بن مالكٍ - ﵁ -، قال: أُمِر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. (١)
قوله: (أُمر بلالٌ) هكذا في معظم الرّوايات على البناء للمفعول.
وقد اختلف أهل الحديث وأهل الأصول في اقتضاء هذه الصّيغة للرّفع.
والمختار عند محقّقي الطّائفتين أنّها تقتضيه، لأنّ الظّاهر أنّ المراد بالأمر من له الأمر الشّرعيّ الذي يلزم اتّباعه. وهو الرّسول - ﷺ -، ويؤيّد ذلك هنا من حيث المعنى، أنّ التّقرير في العبادة إنّما يؤخذ عن توقيف فيقوى جانب الرّفع جدًّا.
وقد وقع في رواية روح بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس عند أبي الشيخ " فأَمَرَ بلالًا " بالنّصب، وفاعل أمر هو النّبيّ - ﷺ -، وهو بيّنٌ في سياقه.
وأصرح من ذلك رواية النّسائيّ وغيره عن قتيبة عن عبد الوهّاب عن خالد بلفظ: أنّ النّبيّ - ﷺ - أمر بلالًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٨، ٥٨٠، ٥٨١، ٥٨٢، ٣٢٧٠) ومسلم (٣٧٨) من طريق أيوب وخالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: لَمَّا كثر الناس، قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا فأمر بلالٌ. فذكره
[ ٢ / ١٥٠ ]
قال الحاكم: صرّح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قتيبة.
قلت: ولَم ينفرد به، فقد أخرجه أبو عوانة من طريق مروان المروزيّ عن قتيبة ويحيى بن معينٍ كلاهما عن عبد الوهّاب، وطريق يحيى عند الدّارقطنيّ أيضًا، ولَم ينفرد به عبد الوهّاب.
وقد رواه البلاذريّ من طريق أبي شهاب الحنّاط (١) عن أبي قلابة.
وقضيّة وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النّداء إلى الصّلاة ظاهر في أنّ الآمر بذلك هو النّبيّ - ﷺ - لا غيره. كما استدل به ابن المنذر وابن حبّان.
واستدل بورود الأمر به مَن قال بوجوب الأذان.
وتعقّب: بأنّ الأمر إذا ورد بصفة الأذان لا بنفسه.
وأجيب: بأنّه إذا ثبت الأمر بالصّفة لزم أن يكون الأصل مأمورًا به، قاله ابن دقيق العيد.
وممَن قال بوجوبه مطلقًا الأوزاعيّ وداود وابن المنذر، وهو ظاهر قول مالك في الموطّأ. وحُكي عن محمّد بن الحسن.
وقيل: واجب في الجمعة فقط.
وقيل: فرض كفاية.
والجمهور. على أنّه من السّنن المؤكّدة.
وأخطأ من استدل على عدم وجوبه بالإجماع لِمَا ذكرناه. والله أعلم.
_________________
(١) أي: عن خالد الحذاء عن أبي قلابة.
[ ٢ / ١٥١ ]
قوله: (أن يشفع الأذان) بفتح أوّله وفتح الفاء. أي: يأتي بألفاظه شفعًا. وقد ثبت في حديث لابن عمر مرفوع. أخرجه أبو داود الطّيالسيّ في " مسنده " فقال فيه " مثنى مثنى "، وهو عند أبي داود والنّسائيّ، وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من هذا الوجه، لكن بلفظ " مرّتين مرّتين "
قال الزين بن المنير: وصف الأذان بأنّه شفعٌ يفسّره قوله " مثنى مثنى " أي: مرّتين مرّتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لَم يختلف في أنّ كلمة التّوحيد التي في آخره مفردةٌ فيحمل قوله " مثنى " على ما سواها
قوله: (وأن يوتر الإقامة) وعند ابن حبّان في حديث ابن عمر ولفظه " الأذان مثنى والإقامة واحدة " وروى الدّارقطنيّ وحسّنه في حديث لأبي محذورة " وأمره أن يقيم واحدة واحدة ".
وهذا الحديث حجّة على من زعم: أنّ الإقامة مثنى مثل الأذان.
وأجاب بعض الحنفيّة: بدعوى النّسخ، وأنّ إفراد الإقامة كان أوّلًا، ثمّ نسخ بحديث أبي محذورة، يعني: الذي رواه أصحاب السّنن. وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخّر عن حديث أنس فيكون ناسخًا.
وعورض: بأنّ في بعض طرق حديث أبي محذورة المحسّنة التّربيع والتّرجيع فكان يلزمهم القول به.
وقد أنكر أحمد على من ادّعى النّسخ بحديث أبي محذورة.
[ ٢ / ١٥٢ ]
واحتجّ: بأنّ النّبيّ - ﷺ - رجَّع بعد الفتح إلى المدينة. وأقرّ بلالًا على إفراد الإقامة، وعلَّمه سعدًا القرظ فأذّن به بعده. كما رواه الدّارقطنيّ والحاكم.
وقال ابن عبد البرّ: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أنّ ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربّع التّكبير الأوّل في الأذان، أو ثنّاه، أو رجّع في التّشهّد، أو لَم يرجّع، أو ثنّى الإقامة، أو أفردها كلّها أو إلاَّ " قد قامت الصّلاة " فالجميع جائز.
وعن ابن خزيمة: إن ربّع الأذان ورجّع فيه ثنّى الإقامة، وإلَّا أفردها، وقيل: لَم يقل بهذا التّفصيل أحدٌ قبله. والله أعلم.
وقد احتجّ به مَن قال بإفراد قوله " قد قامت الصّلاة " والحديث حجّة عليه.
فإنّ احتجّ بعمل أهل المدينة، عورض بعمل أهل مكّة، ومعهم الحديث الصّحيح.
فائدةٌ: قيل: الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أنّ الأذان لإعلام الغائبين فيكرّر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنّها للحاضرين، ومن ثَمَّ استحبّ أن يكون الأذان في مكان عالٍ بخلاف الإقامة، وأن يكون الصّوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتّلًا والإقامة مسرّعةً. وكرّر " قد قامت الصّلاة " لأنّها المقصودة من الإقامة بالذّات.
قلت: توجيهه ظاهر.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وأمّا قول الخطّابيّ: لو سوّى بينهما لاشتبه الأمر عند ذلك وصار لأن يفوتَ كثيرًا من النّاس صلاة الجماعة، ففيه نظرٌ، لأنّ الأذان يستحبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع.
وقد تقدّم الكلام على تثنية التّكبير، وتؤخذ حكمة التّرجيع ممّا تقدّم، وإنّما اختصّ بالتّشهّد لأنّه أعظم ألفاظ الأذان، والله أعلم.
تكميلٌ: زاد الشيخان بعد قوله. يوتر الإقامة " إلاَّ الإقامة ".
والمراد بالمنفيّ غير المراد بالمثبت، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصّلاة.
والمراد بالمنفيّ خصوص قوله " قد قامت الصّلاة " كما سيأتي ذلك صريحًا. وحصل من ذلك جناسٌ تامٌّ.
وأخرجه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن أيّوب بسنده متّصلًا بالخبر مفسّرًا. ولفظه: كان بلال يثنّي الأذان ويوتر الإقامة، إلاَّ قوله قد قامت الصّلاة. وأخرجه أبو عوانة في " صحيحه " والسّرّاج في " مسنده "، وكذا هو في مصنّف عبد الرّزّاق، وللإسماعيليّ من هذا الوجه. ويقول: قد قامت الصّلاة مرّتين.
وقد استشكل عدم استثناء التّكبير في الإقامة.
وأجاب بعض الشّافعيّة: بأنّ التّثنية في تكبيرة الإقامة بالنّسبة إلى الأذان إفراد.
قال النّوويّ: ولهذا يستحبّ أن يقول المؤذّن كلّ تكبيرتين بنفسٍ واحدٍ.
[ ٢ / ١٥٤ ]
قلت: وهذا إنّما يتأتّى في أوّل الأذان لا في التّكبير الذي في آخره. وعلى ما قال النّوويّ: ينبغي للمؤذّن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنَفَسٍ.
ويظهر بهذا التّقرير ترجيح قول مَن قال بتربيع التّكبير في أوّله على مَن قال بتثنيته، مع أنّ لفظ " الشّفع " يتناول التّثنية والتّربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك بخلاف ما يوهمه كلام ابن بطّالٍ.
وأمّا الترجيع في التّشهّدين، فالأصحّ في صورته أن يشهد بالوحدانيّة ثنتين، ثمّ بالرّسالة ثنتين، ثمّ يرجع فيشهد كذلك، فهو - وإن كان في العدد مربّعًا - فهو في الصّورة مثنى. والله أعلم.
[ ٢ / ١٥٥ ]