٢٩ - عن أنس بن مالكٍ - ﵁ -، قال: جاء أعرابيٌّ، فبال في طائفة المسجد، فزجره النّاس، فنهاهم النّبيّ - ﷺ -، فلمّا قضى بوله، أمر النّبيّ - ﷺ - بذَنُوبٍ من ماءٍ، فأُهْرِيق عليه. (١)
قوله: (أعرابي) الأعرابيّ واحد الأعراب، وهم من سكن البادية عربًا كانوا أو عجمًا، وللبخاري من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة، أنّ أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه النّاس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماءٍ، أو سجلًا من ماءٍ، فإنّما بعثتم ميسّرين ولَم تبعثوا معسّرين.
زاد ابن عيينة عند التّرمذيّ وغيره في أوّله " أنّه صلَّى ثمّ قال: اللهمّ ارحمني ومحمّدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فقال له النّبيّ - ﷺ -: لقد تحجّرت واسعًا. فلم يلبث أن بال في المسجد " وهذه الزّيادة (٢) عند البخاري
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٨، ٢١٩) ومسلم (٢٨٤) من طرق عن يجيى بن سعيد الأنصاري عن أنس - ﵁ -. به. وأخرجاه من طريقين آخرين عن أنس. سيأتي ذكرهما في كلام الشارح.
(٢) أي: زيادة الصلاة ودعاء الأعرابي. أما ذِكر البول فلم ترد عند البخاري (٦٠١٠) من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة. وإنما رواه تامًّا بذكر الصلاة والبول والدعاء. ابن ماجه (٥٢٩) وابن حبان (٩٨٥) كما قال الشارح.
[ ١ / ٢٣٠ ]
من طريق الزّهريّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
وقد روى ابن ماجه وابن حبّان الحديث تامًّا من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وكذا رواه ابن ماجه أيضًا من حديث واثلة بن الأسقع.
وأخرجه أبو موسى المدينيّ في الصّحابة من طريق محمّد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار قال: اطّلع ذو الخويصرة اليمانيّ، وكان رجلًا جافيًا " فذكره تامًّا بمعناه وزيادة. وهو مرسل. وفي إسناده أيضًا مبهمٌ بين محمّد بن إسحاق وبين محمّد بن عمرو بن عطاء، وهو عنده من طريق الأصمّ عن أبي زرعة الدّمشقيّ عن أحمد بن خالد الذّهبيّ عنه، وهو في جمع " مسند ابن إسحاق " لأبي زرعة الدّمشقيّ من طريق الشّاميّين عنه بهذا السّند، لكن قال في أوّله: اطّلع ذو الخويصرة التّميميّ، وكان جافيًا.
والتّميميّ هو حرقوص بن زهير الذي صار بعد ذلك من رءوس الخوارج، وقد فرّق بعضهم بينه وبين اليمانيّ، لكن له أصل أصيل.
واستفيد منه تسمية الأعرابيّ، وحكى أبو بكر التّاريخيّ عن عبد الله بن نافع المزنيّ، أنّه الأقرع بن حابس التّميميّ، ونقل عن أبي الحسين بن فارس، أنّه عيينة بن حصن. والعلم عند الله تعالى.
قوله: (في طائفة) أي: ناحيته والطّائفة القطعة من الشّيء.
قوله: (المسجد) أي: مسجد النبي - ﷺ -.
قوله: (فزجره الناس) وأخرجه البيهقيّ من طريق عبدان - شيخ
[ ١ / ٢٣١ ]
البخاري فيه - عن عبد الله عن يحيى بن سعيد عن أنس بلفظ " فصاح النّاس به " وكذا للنّسائيّ من طريق ابن المبارك. وللبخاري في روايةٍ عن أنس " فقاموا إليه " (١) وللإسماعيليّ " فأراد أصحابه أن يمنعوه ".
وللبخاري عن أبي هريره " فتناوله الناس " أي: بألسنتهم، وله أيضًا " فثار إليه النّاس ". فظهر أنّ تناوله كان بالألسنة لا بالأيدي. ولمسلمٍ من طريق إسحاق عن أنس " فقال الصّحابة: مه مه ".
قوله: (فنهاهم) في رواية عبدان " فقال: اتركوه فتركوه " (٢) ولهما عن ثابت عن أنس " لا تُزرموه " بضمّ أوّله وسكون الزّاي وكسر الرّاء من الإزرام، أي: لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم البول إذا انقطع. وأزرمتُه قطعتُه، وكذلك يقال في الدّمع.
وإنّما تركوه يبول في المسجد لأنّه كان شرع في المفسدة، فلو مُنع لزادت إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين:
الأول: إمّا أن يقطعه فيتضرّر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٢٥) من طريق حماد بن زيد عن ثابت عنه. ولمسلم (٢٨٤) من هذا الوجه بلفظ (فقام إليه بعض القوم ..)
(٢) تقدّم أن رواية عبدان أخرجها البخاري والبيهقي كما ذكر الشارح. لكن لم أر هذه الرواية أعني (اتركوه ..) من روايته. وإنما رواها النسائي في " الكبرى " (٥٣) عن سويد بن نصر عن ابن المبارك. ولعلّ الشارح أرادها فسبق لسانه برواية عبدان. وأخرجها أيضًا مالك في " الموطأ " (١١١) عن يحيى بن سعيد. به مرسلًا.
[ ١ / ٢٣٢ ]
الثاني: إمّا أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد.
قوله: (قضى بوله) أي: فتركوه حتّى فرغ من بوله، فلمّا فرغ دعا النّبيّ - ﷺ - بماءٍ. أي: في دلو كبير فأمر بصبّه.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق عكرمة بن عمّار عن إسحاق عن أنس بنحوه. وزاد فيه: ثمّ إنّ رسول الله - ﷺ - دعاه، فقال له: إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله تعالى والصّلاة وقراءة القرآن.
قوله: (بذنوب من ماء) قال الخليل: الدّلو ملأى ماء. وقال ابن فارس: الدّلو العظيمة. وقال ابن السّكّيت: فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب. انتهى.
وقال في الحديث " من ماء " مع أنّ الذّنوب من شأنها ذلك، لكنّه لفظٌ مشتركٌ بينه وبين الفرس الطّويل وغيرهما.
قوله: (فأهريق عليه) كذا للأكثر. ولأبي ذر " فهريق عليه " ويجوز إسكان الهاء وفتحها، وضبطه ابن الأثير في " النّهاية " بفتح الهاء أيضًا.
قال ابن التين: هو بإسكان الهاء، ونقل عن سيبويه، أنه قال: أهراق يهريق إهرياقا مثل أسطاع يسطيع اسطياعًا بقطع الألف وفتحها في الماضي وضم الياء في المستقبل، وهي لغة في أطاع يطيع فجعلت السين والهاء عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وروي بفتح الهاء، واستشكله. ويوجه بأن الهاء مبدلة من الهمزة، لأن أصل هراق أراق ثم اجتلبت الهمزة فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه. وله نظائر.
وذكر له الجوهري توجيهًا آخر، وأن أصله (١) أأريقوا فأبدلت الهمزة الثانية هاء للخفة، وجزم ثعلب في " الفصيح " بأن أهريقه بفتح الهاء. والله أعلم
وفي هذا الحديث من الفوائد: أنّ الاحتراز من النّجاسة كان مقرّرًا في نفوس الصّحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته - ﷺ - قبل استئذانه، ولِمَا تقرّر عندهم أيضًا من طلب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
واستدل به على جواز التّمسّك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص.
قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أنّ التّمسّك يتحتّم عند احتمال التّخصيص عند المجتهد، ولا يجب التّوقّف عن العمل بالعموم لذلك لأنّ علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم من غير توقّفٍ على البحث عن التّخصيص، ولهذه القصّة أيضًا إذ لَم ينكر النّبيّ - ﷺ - على الصّحابة، ولَم يقل لهم لَم نهيتم الأعرابيّ؟ بل أمرهم بالكفّ عنه للمصلحة الرّاجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما. وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
_________________
(١) أي: أهريقوا. بالأمر.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأمرهم عند فراغه بصبّ الماء.
وفيه تعيين الماء لإزالة النّجاسة؛ لأنّ الجفاف بالرّيح أو الشّمس لو كان يكفي لَمَا حصل التّكليف بطلب الدّلو.
وفيه أنّ غسالة النّجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويلتحق به غير الواقعة؛ لأنّ البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة، فإذا لَم يثبت أنّ التّراب نقل وعلمنا أنّ المقصود التّطهير تعيّن الحكم بطهارة البلة، وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضًا مثلها لعدم الفارق.
ويستدلّ به أيضًا على عدم اشتراط نضوب الماء، لأنّه لو اشترط لتوقّفت طهارة الأرض على الجفاف. وكذا لا يشترط عصر الثّوب إذ لا فارق.
قال الموفّق في المغني بعد أن حكى الخلاف: الأولى الحكم بالطّهارة مطلقًا؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - لَم يشترط في الصّبّ على بول الأعرابيّ شيئًا.
وفيه. الرّفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ إذا لَم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيّما إن كان ممّن يحتاج إلى استئلافه. وفيه رأفة النّبيّ - ﷺ - وحسن خلقه.
قال ابن ماجه وابن حبّان في حديث أبي هريرة، فقال الأعرابيّ - بعد أن فقه في الإسلام -: فقام إليّ النّبيّ - ﷺ - بأبي أنت وأمّي، فلم يؤنّب ولَم يسبّ.
وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار. وظاهر الحصر من سياق
[ ١ / ٢٣٥ ]
مسلم في حديث أنس، أنّه لا يجوز في المسجد شيءٌ غير ما ذكر من الصّلاة والقرآن والذّكر، لكنّ الإجماع على أنّ مفهوم الحصر منه غير معمولٍ به، ولا ريب أنّ فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف الأولى والله أعلم.
وفيه. أنّ الأرض تطهر بصبّ الماء عليها ولا يشترط حفرها خلافًا للحنفيّة حيث قالوا: لا تطهر إلاَّ بحفرها. كذا أطلق النّوويّ وغيره.
والمذكور في كتب الحنفيّة التّفصيل بين إذا كانت رخوة بحيث يتخللها الماء حتّى يغمرها فهذه لا تحتاج إلى حفرٍ، وبين ما إذا كانت صلبة فلا بدّ من حفرها وإلقاء التّراب؛ لأنّ الماء لَم يغمر أعلاها وأسفلها.
واحتجّوا فيه بحديثٍ جاء من ثلاث طرق (١):
أحدها: موصولٌ عن ابن مسعود. أخرجه الطّحاويّ، لكنّ إسناده ضعيفٌ. قاله أحمد وغيره.
والآخران مرسلان: أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل بن مقرّن، والآخر من طريق سعيد بن منصور من طريق طاوس، ورواتهما ثقات.
وهو يلزم من يحتجّ بالمرسل مطلقًا؟ وكذا من يحتجّ به إذا اعتضد
_________________
(١) أي: أنَّ النبي - ﷺ - أمر بحفر مكان البول وإلقاء التراب وصبِّ الماء مكانه. انظر التلخيص الحبير للشارح ﵀ (١/ ١٨٣)
[ ١ / ٢٣٦ ]
مطلقًا.؟
والشّافعيّ إنّما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التّابعين، وكان مَن أرسل إذا سَمّى لا يسمّي إلاَّ ثقة، وذلك مفقود في المرسلين المذكورين على ما هو ظاهرٌ من سنديهما. والله أعلم.
[ ١ / ٢٣٧ ]