٣٣ - عن عائشة كانت تقول: كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناءٍ واحدٍ، نَغْترفُ منه جميعًا. (١)
قوله: (أنا ورسول الله) يحتمل: أن يكون مفعولًا معه، ويحتمل: أن يكون عطفًا على الضّمير. وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السّبب في الاغتسال، فكأنّها أصلٌ في الباب.
قوله: (من إناءٍ واحدٍ) وللبخاري عن الأسود عنها " كلانا جنب " ولمسلم عن أبي سلمة عنها " ونحن جنبان " وللبخاري " من إناء واحد من قدح يقال له الفرَقَ " من الأولى: ابتدائيّة، والثّانية: بيانيّة.
ويحتمل: أن يكون " قدح " بدلًا من إناءٍ بتكرار حرف الجرّ.
وقال ابن التّين: كان هذا الإناء من شبهٍ - وهو بفتح المعجمة والموحّدة - كما تقدّم توضيحه في صفة الوضوء من حديث عبد الله بن زيد (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٩) ومسلم (٣١٩) من حديث عروة عنها به. واللفظ للبخاري. ورواه الشيخان من طرق أخرى عن عائشة بمعناه. كما سيُذكر في الشرح. تنبيه: وقع عند البخاري بلفظ (نغرِف) دون التاء المثناة. ولم أر أحدًا نبّه عليه. ورواية الباب عند النسائي (٢٣٢) وأحمد (٤٣/ ١٠٠) وهما بمعنى.
(٢) تقدم برقم (٩)
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكأنّ مستنده ما رواه الحاكم من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ولفظه " تور من شبهٍ ".
وقوله " يقال له الفرق " قال ابن التّين: الفرق بتسكين الرّاء ورويناه بفتحها وجوّز بعضهم الأمرين. وقال القتيبيّ وغيره: هو بالفتح.
وقال النّوويّ: الفتح أفصح وأشهر، وزعم أبو الوليد الباجيّ أنّه الصّواب، قال: وليس كما قال بل هما لغتان.
قلت: لعل مستند الباجيّ ما حكاه الأزهريّ عن ثعلب وغيره: الفرق بالفتح والمحدّثون يسكّنونه، وكلام العرب بالفتح. انتهى.
وقد حكى الإسكانَ أبو زيد وابن دريد وغيرهما من أهل اللّغة، والذي في روايتنا هو الفتح. والله أعلم.
وحكى ابن الأثير. أنّ الفَرَق بالفتح ستّة عشر رطلًا، وبالإسكان مائة وعشرون رطلًا، وهو غريب.
وأمّا مقداره، فعند مسلم في آخر رواية ابن عيينة عن الزّهريّ في هذا الحديث قال سفيان يعني ابن عيينة: الفَرَق ثلاثة آصعٍ.
قال النّوويّ: وكذا قال الجماهير. وقيل: الفَرَق صاعان.
لكن نقل أبو عبيد الاتّفاق على أنّ الفَرَق ثلاثة آصعٍ، وعلى أنّ الفرق ستّة عشر رطلًا.
ولعله يريد اتّفاق أهل اللّغة، وإلاَّ فقد قال بعض الفقهاء من الحنفيّة وغيرهم: إنّ الصّاع ثمانية أرطال.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وتمسّكوا بما روي عن مجاهدٍ في الحديث عن عائشة، أنّه حزَرَ الإناء ثمانية أرطال.
والصّحيح الأوّل. فإنّ الحزْرَ لا يُعارَض به التّحديد. وأيضًا فلم يصرّح مجاهد بأنّ الإناء المذكور صاع، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها.
ويؤيّد كون الفرق ثلاثة آصعٍ. ما رواه ابن حبّان من طريق عطاءٍ عن عائشة بلفظ " قدر ستّة أقساط ". والقِسط بكسر القاف. وهو باتّفاق أهل اللّغة نصف صاع، والاختلاف بينهم أنّ الفرق ستّة عشر رطلًا، فصحّ أنّ الصّاع خمسة أرطال وثلث.
وتوسّط بعض الشّافعيّة، فقال: الصّاع الذي لِماء الغُسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث. وهو ضعيف.
ونقل الطّحاويّ ثمّ القرطبيّ والنّوويّ الاتّفاق على جواز اغتسال الرّجل والمرأة من الإناء الواحد.
وفيه نظرٌ، لِمَا حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنّه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البرّ عن قوم، وهذا الحديث حجّة عليهم.
ونقل النّوويّ أيضًا الاتّفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرّجل دون العكس.
وفيه نظرٌ أيضًا. فقد أثبت الخلاف فيه الطّحاويّ، وثبت عن ابن عمر والشّعبيّ والأوزاعيّ المنع، لكن مقيّدًا بما إذا كانت حائضًا.
[ ١ / ٢٩١ ]
وأمّا عكسه. فصحّ عن عبد الله بن سرجس الصّحابيّ وسعيد بن المسيّب والحسن البصريّ أنّهما منعوا التّطهّر بفضل المرأة.
وبه قال أحمد وإسحاق، لكن قيّداه بما إذا خلت به، لأنّ أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا.
ونقل الميمونيّ عن أحمد: أنّ الأحاديث الواردة في منع التّطهّر بفضل المرأة وفي جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صحّ عن عدّة من الصّحابة المنع فيما إذا خلت به، وعورض بصحّة الجواز عن جماعة من الصّحابة منهم ابن عبّاس. والله أعلم
وأشهر الأحاديث في ذلك من الجهتين.
حديث الحكم بن عمرو الغفاريّ في المنع، وحديث ميمونة في الجواز.
أمّا حديث الحكم بن عمرو (١)، فأخرجه أصحاب السّنن وحسّنه التّرمذيّ. وصحَّحه ابن حبّان.
وأغرب النّوويّ، فقال: اتّفق الحفّاظ على تضعيفه.
وأمّا حديث ميمونة، فأخرجه مسلم (٢)، لكن أعلَّه قوم لتردّدٍ وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: علمي والذي يخطر على بالي، أنّ
_________________
(١) ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة.
(٢) صحيح مسلم (٣٢٣) عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة. وقول الشارح حديث ميمونة. أي عن قصة ميمونة، لأنَّ الحديث عن ابن عباس - ﵁ - كما ترى.
[ ١ / ٢٩٢ ]
أبا الشّعثاء أخبرني. فذكر الحديث.
وقد ورد طريق أخرى بلا تردّد، لكنّ راويها غير ضابط وقد خولف.
والمحفوظ ما أخرجه الشّيخان (١) بلفظ: أنّ النّبيّ - ﷺ - وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد.
وفي المنع أيضًا ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ من طريق حميد بن عبد الرّحمن الحميريّ، قال: لقيت رجلًا صحب النّبيّ - ﷺ - أربع سنين، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تغتسل المرأة بفضل الرّجل، أو يغتسل الرّجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعًا. رجاله ثقات، ولَم أقف لمن أعلَّه على حجّة قويّة.
ودعوى البيهقيّ: أنّه في معنى المرسل مردودة، لأنّ إبهام الصّحابيّ لا يضرّ، وقد صرّح التّابعيّ بأنّه لقيه.
ودعوى ابن حزم: أنّ داود راويه عن حميد بن عبد الرّحمن هو ابن يزيد الأوديّ وهو ضعيف. مردودةٌ، فإنّه ابن عبد الله الأوديّ وهو ثقة، وقد صرّح باسم أبيه أبو داود وغيره.
ومن أحاديث الجواز. ما أخرجه أصحاب السّنن والدّارقطنيّ وصحَّحه التّرمذيّ وابن خزيمة وغيرهما من حديث ابن عبّاس عن
_________________
(١) البخاري (٢٥٣) ومسلم (٣٢٢) من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس به.
[ ١ / ٢٩٣ ]
ميمونة، قالت: أجنبتُ فاغتسلتُ من جفنة، ففضلتْ فيها فضلة، فجاء النّبيّ - ﷺ - يغتسل منه، فقلت له، فقال: الماء ليس عليه جنابة، واغتسل منه. لفظ الدّارقطنيّ.
وقد أعلّه قومٌ بسماك بن حرب راويه عن عكرمة، لأنّه كان يقبل التّلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلاَّ صحيح حديثهم.
وقول أحمد: إنّ الأحاديث من الطّريقين مضطربة، إنّما يصار إليه عند تعذّر الجمع، وهو ممكن بأن تحمل أحاديث النّهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطّابيّ.
أو يحمل النّهي على التّنزيه جمعًا بين الأدلة. والله أعلم.
واستدل به الدّاوديّ. على جواز نظر الرّجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيّده ما رواه ابن حبّان من طريق سليمان بن موسى، أنّه سئل عن الرّجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة. فذكَرتْ هذا الحديث بمعناه " وهو نصٌّ في المسألة. والله أعلم.
قوله: (نغترف منه جميعًا) وللبخاري " نغرف " بإسكان المعجمة بعدها راء مكسورة، وله أيضًا " نشرع فيه جميعًا " وفي رواية لهما " تختلف فيه أيدينا " ولمسلمٍ من طريق معاذة عن عائشة " فيبادرني حتّى أقول: دع لي " زاد النّسائيّ " وأبادره حتّى يقول: دعي لي.
وفي هذا الحديث جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأنّ ذلك
[ ١ / ٢٩٤ ]
لا يمنع من التّطهّر بذلك الماء ولا بما يفضل منه، ويدلّ على أنّ النّهي عن انغماس الجنب في الماء الدّائم إنّما هو للتّنزيه كراهية أن يستقذر لا لكونه يصير نجسًا بانغماس الجنب فيه؛ لأنّه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضوٍ من أعضائه.
وأمّا توجيه الاستدلال به لترجمة البخاري (باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها، إذا لَم يكن على يده قذرٌ غير الجنابة).
فلأنّ الجنب لَمّا جاز له أن يدخل يده في الإناء؛ ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه لتمام الغسل كما في حديث الباب، دلَّ على أنّ الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمرٍ يرجع إلى الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسةٍ متيقّنةٍ أو مظنونة.
[ ١ / ٢٩٥ ]