٢٣ - عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: كنت مع النّبيّ - ﷺ - في سفرٍ، فأهويتُ لأنزعَ خُفّيه، فقال: دعهما، فإنّي أدخلتُهما طاهرتين، فمسح عليهما. (١)
قوله: (عن المغيرة بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، وكان واليًا على الكوفة من قِبَل معاوية من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين. واستناب عند موته ابنَه عروة. وقيل: استناب جرير بن عبد الله.
قوله: (في سفر) وفي البخاري " أنّه كان في غزوة تبوك " على تردّد في ذلك من رواته.
ولمالك وأحمد وأبي داود من طريق عبّاد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن أبيه، أنّه كان في غزوة تبوك بلا تردّد، وأنّ ذلك كان عند
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٣، ٥٤٦٣) ومسلم (٢٧٤) من طريق الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه قال: كنت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة في سفر، فقال: أمعك ماء؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء، فأفرغت عليه الإداوة، فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها، حتى أخرجهما من أسفل الجبة، فغسل ذراعيه، ثم مسح برأسه، ثم أهويت. فذكره وأخرجه البخاري (٢٠٠،٣٥٦،٣٨١،٢٧٦١،٤١٥٩،٥٤٦٢) ومسلم (٢٧٤) من طرق أخرى مطولًا ومختصرًا نحوه.
[ ١ / ١٩٧ ]
صلاة الفجر (١).
قوله: (فأهويت) أي: مددت يدي، قال الأصمعيّ: أهويت بالشّيء إذا أومأت به، وقال غيره: أهويت قصدت الهواء من القيام إلى القعود. وقيل: الإهواء الإمالة.
قال ابن بطّال: فيه خدمة العالم، وأنّ للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من عادة مخدومه قبل أن يأمره، وفيه الفهم عن الإشارة، وردّ الجواب عمّا يفهم عنها لقوله " فقال دعهما ".
قوله: (فإنّي أدخلتهما) أي: القدمين
قوله: (طاهرتين) كذا للأكثر، وللكشميهنيّ " وهما طاهرتان " ولأبي داود " فإنّي أدخلت القدمين الخُفّين وهما طاهرتان "، وللحميديّ في " مسنده ". قلت: يا رسولَ الله أيمسح أحدنا على خفّيه؟ قال: نعم. إذا أدخلهما وهما طاهرتان. ولابن خزيمة من حديث صفوان بن عسّال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نمسح على الخُفّين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا.
قال ابن خزيمة: ذكرته للمزنيّ، فقال لي: حدّث به أصحابنا، فإنّه أقوى حجّة للشّافعيّ. انتهى
وحديث صفوان. وإن كان صحيحًا، لكنّه ليس على شرط
_________________
(١) وأخرجه مسلم أيضًا في الصحيح (٢٧٤) من رواية عبّاد بن زياد به. وقد استدرك الشارح في المغازي، فعزاها لمسلم.
[ ١ / ١٩٨ ]
البخاريّ؛ لكنّ حديث الباب موافق له في الدّلالة على اشتراط الطّهارة عند اللّبس، وأشار المزنيّ بما قال إلى الخلاف في المسألة.
ومحصّله: أنّ الشّافعيّ والجمهور حملوا الطّهارة على الشّرعيّة في الوضوء.
وخالفهم داود، فقال: إذا لَم يكن على رجليه نجاسة عند اللّبس جاز له المسح. ولو تيمّم، ثمّ لبسهما لَم يبح له عندهم، لأنّ التّيمّم مبيح لا رافع، وخالفهم أصبغ.
ولو غسل رجليه بنيّة الوضوء ثمّ لبسهما ثمّ أكمل باقي الأعضاء، لَم يبح المسح عند الشّافعيّ ومن وافقه على إيجاب التّرتيب، وكذا عند من لا يوجبه بناء على أنّ الطّهارة لا تتبعّض.
لكن قال صاحب الهداية من الحنفيّة: شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة. قال: والمراد بالكاملة وقت الحدث لا وقت اللّبس، في هذه الصّورة إذا كمّل الوضوء ثمّ أحدث جاز له المسح؛ لأنّه وقت الحدث كان على طهارة كاملة. انتهى.
والحديث حجّة عليه، لأنّه جعل الطّهارة قبل لبس الخفّ شرطًا لجواز المسح، والمعلق بشرطٍ لا يصحّ إلاَّ بوجود ذلك الشّرط، وقد سلم أنّ المراد بالطّهارة الكاملة.
ولو توضّأ مرتّبًا وبقي غسل إحدى رجليه فلبس ثمّ غسل الثّانية ولبس.
القول الأول: لَم يبح له المسح عند الأكثر.
[ ١ / ١٩٩ ]
القول الثاني: أجازه الثّوريّ والكوفيّون والمزنيّ صاحب الشّافعيّ ومطرّف صاحب مالك وابن المنذر وغيرهم، لصِدْق أنّه أدخل كُلًا من رجليه الخُفّين وهي طاهرة.
وتعقّب: بأنّ الحكم المرتّب على التّثنية غير الحكم المرتّب على الوحدة، واستضعفه ابن دقيق العيد لأنّ الاحتمال باقٍ.
قال: لكن إن ضمّ إليه دليل يدلّ على أنّ الطّهارة لا تتبعّض اتّجه.
فوائد.
الفائدة الأولى: المسح على الخُفّين خاصّ بالوضوء لا مدخل للغسل فيه بإجماعٍ.
الفائدة الثانية: لو نزع خفّيه بعد المسح قبل انقضاء المدّة عند مَن قال بالتّوقيت. أعاد الوضوء عند أحمد وإسحاق وغيرهما.
وغسل قدميه عند الكوفيّين والمزنيّ وأبي ثور، وكذا قال مالك والليث إلاَّ إن تطاول.
وقال الحسن وابن أبي ليلى وجماعة: ليس عليه غسل قدميه، وقاسوه على من مسح رأسه ثمّ حلقه أنّه لا يجب عليه إعادة المسح، وفيه نظر.
الفائدة الثالثة: لَم يخرج البخاريّ ما يدلّ على توقيت المسح، وقال به الجمهور.
وخالف مالك في المشهور عنه فقال: يمسح ما لَم يخلع، وروي مثله عن عمر.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وأخرج مسلم التّوقيت من حديث عليّ - ﵁ -. (١) كما تقدّم من حديث صفوان بن عسّال، وفي الباب عن أبي بكرة وصحَّحه الشّافعيّ وغيره.
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٧٦) عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ - فسألناه. فقال: جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر ويومًا وليلةً للمقيم.
[ ١ / ٢٠١ ]