١٢ - وفي لفظٍ لمسلمٍ: سمعت خليلي - ﷺ - يقول: تبلغ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء. (٢)
قوله: (عن نعيمٍ المجمر) بضمّ الميم وإسكان الجيم هو ابن عبد الله المدنيّ، وُصف هو وأبوه بذلك لكونهما كانا يبخِّران مسجد النّبيّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٦) ومسلم (٢٤٦) من طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر به.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٠) عن أبي حازم، قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فرُّوخ أنتم هاهنا؟ لو علمتُ أنكم هاهنا ما توضأتُ هذا الوضوء، سمعت خليلي - ﷺ - يقول. فذكره. وللبخاري (٥٠٦٩) عن أبي زرعة عن أبي هريرة نحوه كما سيأتي.
[ ١ / ١١٩ ]
- ﷺ -، وزعم بعض العلماء أنّ وصف عبد الله بذلك حقيقة، ووصفَ ابنِه نعيم بذلك مجاز.
وفيه نظر. فقد جزم إبراهيم الحربيّ، بأنّ نعيمًا كان يباشر ذلك.
قوله: (أمّتي) أي: أمّة الإجابة وهم المسلمون، وقد تطلق أمّة محمّد ويراد بها أمّة الدّعوة، وليست مرادة هنا
قوله: (يُدعون) بضمّ أوّله. أي: ينادون أو يسمّون.
قوله: (غرًّا) بضمّ المعجمة وتشديد الرّاء. جمع أغرّ. أي: ذو غرّة، وأصل الغرّة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمّ استعملت في الجمال والشّهرة وطيب الذّكر، والمراد بها هنا النّور الكائن في وجوه أمّة محمّد - ﷺ -.
وغرًّا منصوب على المفعوليّة ليُدعون أو على الحال، أي: أنّهم إذا دعوا على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصّفة.
قوله: (مُحجّلين) بالمهملة والجيم من التّحجيل. وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الْحِجل - بكسر المهملة - وهو الخلخال، والمراد به هنا أيضًا النّور.
واستدل الْحَلِيمِيُّ بهذا الحديث على أنّ الوضوء من خصائص هذه الأمّة.
وفيه نظرٌ. لأنّه ثبت عند البخاري في قصّة سارة ﵂ مع الملك الذي أعطاها هاجر، أنّ سارة لَمّا همّ الملك بالدّنوّ منها قامت
[ ١ / ١٢٠ ]
تتوضّأ وتصلي، وفي قصّة جريجٍ الرّاهب أيضًا، أنّه قام فتوضّأ وصلَّى، ثمّ كلَّم الغلام.
فالظّاهر أنّ الذي اختصّت به هذه الأمّة هو الغرّة والتّحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرّح بذلك في رواية لمسلمٍ عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا قال: سِيما ليست لأحدٍ غيركم. وله من حديث حذيفة نحوه.
و" سيما " بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة. أي: علامة.
وقد اعترض بعضهم على الحليميّ بحديث " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي " (١). وهو حديث ضعيف لا يصحّ الاحتجاج به لضعفه؛ ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلاَّ هذه الأمّة.
قوله: (من آثار الوضوء) بضمّ الواو، ويجوز فتحها على أنّه الماء، قاله ابن دقيق العيد.
قوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته وتَحجيله فليفعل) أي: فليطل الغرّة والتّحجيل. وفي رواية لهما " غرّته فليفعل " واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى. نحو قوله تعالى (سرابيل تقيكم الحرّ).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥٧٣٥) وابن ماجه (٤١٩) والدارقطني (١/ ٨١) والبيهقي في " الكبرى " (١٠/ ٨٠) من حديث ابن عمر - ﵁ - مرفوعًا " من توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء التي لا بدَّ منها، ومن توضأ اثنتين فله كفلان، ومن توضأ ثلاثًا فذلك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي " لفظ أحمد. والحديث مضطرب سندًا ومتنًا. انظر البدر المنير (٢/ ١٣٥) والتلخيص الحبير (١/ ٢٦٦)
[ ١ / ١٢١ ]
واقتصر على ذكر الغرّة وهي مؤنّثة دون التّحجيل وهو مذكّر، لأنّ محلّ الغرّة أشرف أعضاء الوضوء، وأوّل ما يقع عليه النّظر من الإنسان. على أنّ في رواية مسلم من طريق عمارة بن غزيّة ذكر الأمرين، ولفظه " فليطل غرّته وتحجيله ".
وقال ابن بطّال: كنّى أبو هريرة بالغرّة عن التّحجيل، لأنّ الوجه لا سبيل إلى الزّيادة في غسله.
وفيما قال نظرٌ. لأنّه يستلزم قلب اللّغة، وما نفاه ممنوع لأنّ الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلًا.
ونقل الرّافعيّ عن بعضهم، أنّ الغرّة تطلق على كلّ من الغرّة والتّحجيل.
ثمّ إنّ ظاهره أنّه بقيّة الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيمٍ. وفي آخره: قال نعيم: لا أدري قوله من استطاع .. إلخ. من قول النّبيّ - ﷺ -، أو من قول أبي هريرة.
ولَم أر هذه الجملة في رواية أحدٍ ممّن روى هذا الحديث من الصّحابة - وهم عشرة - ولا ممّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيمٍ هذه (١). والله أعلم
_________________
(١) أخرج الإمام أحمد (٨٧٤١) وأبو يعلى في " مسنده " (٦٤١٠) وابن الأعرابي في " معجمه " (٤٦٧) من طريق ليث بن أبي سليم عن كعب (زاد ابن الأعرابي: أبي سعية) عن أبي هريرة. وليث ضعيف. وكعب مجهول. وقيل: عن ليث عن طاوس عن أبي هريرة. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١٩٧٥). ولابن شاهين في " فضائل الأعمال " (٢٦) من طريق ياسين بن معاذ الزيات عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله. وياسين منكر الحديث. كما قال البخاري وغيره. وله طريق أخرى عند أبي نعيم في " الحلية " (٧/ ٢٠٦). وسنده منكر.
[ ١ / ١٢٢ ]
واختلف العلماء في القدر المستحبّ من التّطويل في التّحجيل.
القول الأول: إلى المنكب والرّكبة، وقد ثبت عن أبي هريرة روايةً ورأيًا. وعن ابن عمر من فعله. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسنادٍ حسن.
القول الثاني: المستحبّ الزّيادة إلى نصف العضد والسّاق.
القول الثالث: إلى فوق ذلك.
القول الرابع: قال ابن بطّال وطائفة من المالكيّة: لا تستحبّ الزّيادة على الكعب والمرفق لقوله - ﷺ -: من زاد على هذا، فقد أساء وظلم.
وكلامهم مُعتَرض من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تُعارَض بالاحتمال.
وأمّا دعواهم اتّفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك، فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرّح باستحبابه جماعة من السّلف وأكثر الشّافعيّة والحنفيّة.
وأمّا تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء، فمُعتَرض بأنّ الرّاوي أدرى بمعنى ما روى، كيف وقد صرّح برفعه إلى الشّارع
[ ١ / ١٢٣ ]
- ﷺ -.؟!
وفي الحديث معنى ما ترجم له البخاري من فضل الوضوء؛ لأنّ الفضل الحاصل بالغرّة والتّحجيل من آثار الزّيادة على الواجب، فكيف الظّنّ بالواجب؟ وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة. أخرجها مسلم وغيره.
وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد، لكن إذا لَم يحصل منه أذىً للمسجد أو لمن فيه. والله أعلم
قوله: (رأيت أبا هريرة يتوضّأ) وزاد الإسماعيليّ فيه " فغسل وجهه ويديه فرفع في عضديه، وغسل رجليه فرفع في ساقيه "، وكذا لمسلمٍ من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم نحوه.
ومن طريق عمارة بن غزيّة عن نعيمٍ. وزاد في هذه: أنّ أبا هريرة قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضّأ. فأفاد رفعه، وفيه ردّ على من زعم أنّ ذلك من رأي أبي هريرة، بل من روايته ورأيه معًا.
قوله: (تبلغ الحليةُ) وللبخاري عن أبي زرعة، قال: دخلتُ مع أبي هريرة دارًا بالمدينة. وفيه " ثم دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة، أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ قال: منتهى الحلية.
قوله (فغسل يديه حتى بلغ إبطه) في هذه الرواية اختصارٌ. وبيانه في رواية جرير بلفظ " فتوضأ أبو هريرة فغسل يده حتى بلغ إبطه
[ ١ / ١٢٤ ]
وغسل رجليه حتى بلغ ركبتيه " أخرجها الإسماعيلي. وقوله (منتهى الحلية) في رواية جرير " إنه منتهى الحلية " كأنه يشير إلى الحديث المتقدم في فضل الغرة والتحجيل في الوضوء.
ويؤيده حديثه الآخر " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء "
[ ١ / ١٢٥ ]